← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96467

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (671 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيَّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار)) (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يُقال له: ((أصبحت أصبحت))، وفي رواية للبخاري: حتى يقول له الناس: ((أصبحت أصبحت))، وفي رواية لمسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا (٢). وعن عائشة ﵂ أن بلالاً كان يؤذن بليل، فقال رسول الله ﷺ : ((كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)) قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا)) (٣).

стр. 107

وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يمنعن أحدكم - أو قال: أحداً منكم - أذان بلال [أو قال: نداءُ بلال] من سحوره؛ فإنه يؤذن - أو ينادي - بليل؛ ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح - وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل - حتى يقول هكذا)) وقال زهير بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدَّهما عن يمينيه وشماله))،وفي رواية البخاري: ثم أظهر يزيد يديه ثم مدَّ إحداهما من الأخرى))،وفي لفظ مسلم: (( ... ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم))، وقال: ((ليس أن يقول هكذا وهكذا - وصوب يده ورفعها - حتى يقول هكذا وفرج بين أصبعيه))،وفي رواية لمسلم أيضاً قال: ((إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض؛ ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه))،وفي رواية لمسلم: ولكن يقول هكذا: يعني الفجر ((وهو المعترض وليس بالمستطيل)) (١). وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا))، وحكاه حماد بيده: يعني معترضاً، وفي لفظ: ((لا يغرنكم أذان

стр. 108

بلال، ولا هذا البياض - العمودي الصبح - حتى يستطير (١) هكذا)) (٢). وعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((الفجر فجران: فجر يَحْرُمُ فيه الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تَحرُمُ فيه الصلاة ويحلُّ فيه الطعام)) (٣). وعن جابر ﵁، قال: قال رسول ﷺ قال: ((الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام، وأما الذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام)) (٤). وقد ذكر الإمام ابن خزيمة ﵀: أن معنى قوله: ((فجر يحرم فيه الطعام، يريد: على الصائم، وتحل فيه الصلاة، يريد: صلاة الصبح وفجر تحرم فيه الصلاة، يريد: صلاة الصبح إذا طلع الفجر الأول، لم يحل أن

стр. 109

يصلّيَ في ذلك الوقت صلاة الصبح؛ لأن الفجر الأول يكون بالليل، ولم يرد أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة بعد طلوع الفجر الأول، وقوله: ويحلُّ فيه ((الطعام، يريد: لمن يريد الصيام)) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذان الحديثان يدلان على أن الفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب، فالفجر الصادق: هو المستطيل [في الأفق] والكاذب الذي كذنب السرحان [الذئب] عمودياً في السماء)) (٢). وأما الإفطار فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (٣)، فإذا غربت الشمس فقد دخل الليل؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم)) (٤) (٥).

стр. 110

المبحث العاشر: تيسير الله تعالى في الصيام فرض الله صيام شهر رمضان ويسَّره على عباده، ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به، قال الله في فرضه شهر رمضان وتيسيره في ذلك: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، والله لم يوجب الصيام أداءً إلا على المسلم، البالغ، العاقل، القادر على الصيام، المقيم، السالم من الموانع، وهذا من رحمته وإحسانه، وتيسيره على عباده؛ فإنه تعالى لم يجعل عليهم في الدين من حرج كما قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وقال : ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، وقال جلَّ وعلا: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: ((نعم))، ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا (٤) كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: ((نعم)) ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: ((نعم)) ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ قال: ((نعم)) (٥).

стр. 111

وفي حديث ابن عباس ﵄ في هذه المواضع: قال: ((قد فعلت)) بدلاً: من ((نعم)) (١). وقد نفى الله الحرج عن هذه الأمة، فقال: ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (٢). وقد خفف عن عباده ولم يشقَّ عليهم، قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣)،وقال النبي ﷺ : ((إن الدين يسٌر ... )) الحديث (٤) وقال ﷺ : ((دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) (٥). ومن تيسيره تعالى على عباده: أن بعث لهم رسولاً رحيماً بالمؤمنين، يشق عليه ما يشق عليهم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ

стр. 112

عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (١)، ومن تيسير الله تعالى على عباده أن أوحى إلى رسوله الكريم أن يأمر بالتيسير وينهى عن التعسير، فعن عائشة ﵂: عن النبي ﷺ أنه قال: ((يسروا ولا تعسروا)) الحديث (٢)، والنبي ﷺ : ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والله تعالى حينما فرض صيام شهر رمضان لم يشق على عباده، بل يسّر عليهم، فأباح الإفطار: للمريض، والمسافر، والكبير الهرم الذي لا يطيق الصوم، والحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما الضرر، ولم يوجبه على الصبيان والأطفال، ولا على الذين لا يطيقونه، وغير ذلك من التيسير والتخفيف، ويأتي التفصيل إن شاء الله تعالى في أحكام أهل الأعذار الذين أباح لهم الله تعالى الإفطار في نهار رمضان: رحمة بهم، وإحساناً، وكرماً وتخفيفاً على عباده سبحانه، فلا إله غيره، ولا رب سواه، فله الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.

стр. 113

المبحث الحادي عشر: أهل الأعذار المبيحة للفطر في نهار رمضان أهل الأعذار في رمضان أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: المريض ، والحديث عنه على النحو الآتي: أولاً: مفهوم المرض: السُّقم، نقيض الصحة، ويقال: المرضُ والسُّقم في البدن والدِّين جميعاً، كما يُقال: الصحة في البدن والدين جميعاً، والمرض في القلب يطلق على كل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، وأصل المرض: النقصان، يقال: بدن مريض: ناقص القوة، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، والمرض: فتورٌ عن الحق، وفي الأبدان: فتور الأعضاء (١). والمرض: جمع أمراض: وهو فساد المزاج وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومرض الموت: العلة التي يقرر الأطباء أنها علة مميتة (٢). وعلى هذا فالمريض: هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه (٣). ثانياً: يجب على المريض الصبر ، ويحتسب الأجر على ما يصيبه، قال الله

стр. 114

تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾ (١)، وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِير * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ (٣)، وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٤)، وقال الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون﴾ (٥)، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين﴾ (٦). وقال النبي ﷺ : (( ... والصبر ضياء)) (٧)، وعن صهيب ﵁،قال: قال

стр. 115

رسول الله ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيراً له)) (١). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: ((ما يصيب المسلم من نصبٍ (٢)، ولا وصبٍ (٣)، ولا همٍّ، ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه)) (٤). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يصيبه أذىً: من مرضٍ فما سواه إلا حَطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (٥). وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها إلا كُتب له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة)) (٦).

стр. 116

وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يرد الله به خيراً يُصِبْ (١) منه)) (٢). وعن أنس ﵁ يرفعه: ((إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط)) (٣). وعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)) (٤). والمسلم يسأل الله العفو والعافية ولا يسأله البلاء، فإذا حصل له شيء صبر واحتسب؛ لحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال على المنبر:

стр. 117

((سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقين خيراً من العافية)) (١). وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ قال: ((سل الله العافية)) فمكثت أياماً ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ فقال لي: ((يا عباس يا عمَّ رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) (٢). ثالثاً: المرض نوعان على النحو الآتي: النوع الأول: المريض: الذي يُرجى برؤُ مرضِه ، رخص الله له في الفطر، وأوجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقول الله : ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤). والمريض في شهر رمضان له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن لا يَشقَّ عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم؛

стр. 118

لأنه ليس له عذر يبيح له الفطر. الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره، فيفطر، ويكره له الصوم مع المشقة؛ لأنه خروج عن رخصة الله تعالى، وتعذيب لنفسه؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الله يحب أن تُؤتَى رخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته)) (١). قال ابن حزم ﵀: ((واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام أنه يجزِئه، واتفقوا على أن من آذاه المرض وضَعُف عن الصوم فله أن يفطر)) (٢). الحالة الثالثة: أن يضرَّهُ الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣)، وقوله : ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤)؛ ولقول سلمان لأبي الدرداء: (( ... إن لربِّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه))، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال له

стр. 119

النبي ﷺ : ((صدق سلمان)) (١)، ومن حق النفس على المسلم أن لا يضرَّها مع وجود رخصة الله تعالى؛ ولقول النبي ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (٢)، والله تعالى أعلم، وأحكم، وأرحم (٣). وإذا حدث له المرض في أثناء يوم من أيام رمضان وهو صائم وشقَّ عليه إتمامه جاز له الفطر؛ لوجود المبيح للفطر. وإذا برئ في نهار رمضان وقد أفطر أول النهار للعذر لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطراً أول النهار؛ لأن الصوم لا يصح إلا بنية قبل طلوع الفجر، ثم الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وينبغي له الإمساك بقية يومه (٤) ويجب عليه القضاء بعدد الأيام التي

стр. 120

أفطرها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وإذا ثبت عن طريق الطبيب الثقة المسلم الحاذق الموثوق بدينه وأمانته أن الصوم يجلب له المرض أو يزيد مرضه، ويؤخر بُرْأَه؛ فإنه يجوز له الفطر، محافظةً على صحته، واتقاءً للمرض، ويقضي عن هذه الأيام التي أفطرها (٢)، والله تعالى أعلم (٣). النوع الثاني: المريض العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يُرجى زواله: كالكبير الهرم، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، وذلك بإخبار الطبيب المسلم الثقة الحاذق، فحينئذٍ لا يجب على هذا العاجز الصيام؛ لأنه لا يستطيعه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) ولقوله تعالى:

стр. 121

﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١). قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجِزَيْن عن الصوم أن يفطرا)) (٢)، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام معادلاً للصيام حين كان التخيير بينهما أوَّل ما فرض الصيام، فتعيَّن أن يكون بدلاً من الصيام عند العجز عنه؛ لأنه معادل له (٣). قال ابن عباس ﵄: (( ... الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً)) (٤)،وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر، عاماً أو عامين، كلَّ يومٍ مسكيناً: خبزاً ولحمًا، وأفطر)) (٥). ويُخيَّر العاجز عن الصيام، لكبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى برؤه في صفة الإطعام بين أمرين:

стр. 122

الأمر الأول: يفرِّق طعاماً على المساكين ، لكل مسكين نصف صاعٍ على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: (( ... أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)) (١)، والصاع النبوي أربع حفنات بكَفَّيْ الرجل المعتدل، وهو يزن تقريباً ثلاثة كيلو، أما نصف الصاع فيزن كيلو ونصف كيلو تقريباً، وهو اختيار شيخنا ابن باز ﵀، حيث قال: ((عن كل يومٍ نصف صاعٍ من قوت البلد: من تمرٍ، أو أرزٍ، أو غيرهما، ومقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب)) (٢)، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حيث قالوا: (( ... وهو نصف صاعٍ عن كل يومٍ من قوت البلد، وهو كيلو ونصف تقريباً)) (٣). الأمر الثاني: يجوز أن يُصلحَ طعاماً ، ويدعوَ إليه من المساكين بقدر الأيام التي عليه؛ لأن أنس بن مالك ﵁ ((أطعم بعد ما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً: خبزاً ولحماً وأفطر)) (٤). قال شيخنا ابن باز رحمه

стр. 123

الله: ((إذا كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يشق عليهما الصوم فلهما الإفطار ويطعمان عن يوم مسكيناً: إما بتشريكه معهما في الطعام، أو دفع نصف صاع من التمر، أو الحنطة، أو الأرز للمسكين كل يوم ... )) (١). وقال شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى في فدية الإطعام عن الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، الذين لا يُطيقون الصيام: قال ﵀: ((يدفع الطعام للفقراء والمساكين، ويجوز دفعه كله إلى مسكين واحد ... )) (٢)، وقال ﵀ في موضع آخر: ((وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره ... )) (٣). والله تعالى أعلم (٤).

стр. 124

النوع الثالث: المسافر مسافة قصر الصلاة ، والحديث عنه على النحو الآتي: أولاً: مفهوم السفر، والمسافر: السُّفْر جمع سافر، والمسافرون جمع مسافر، والسفر والمسافرون، بمعنىً. وسُمِّيَ المسافر مسافراً؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسُمِّيَ السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيُظهِر ما كان خافياً منها (١). فظهر أن السفر: قطع المسافة، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر: هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصداً مكاناً يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (٢). وقيل: السفر لغة: قطع المسافة. وشرعاً: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل، ومشي الأقدام (٣). والمسافر: هو من قصد سيراً وسطاً ثلاثة أيام ولياليها وفارق بيوت بلده (٤).

стр. 125

ثانياً: أنواع السفر على النحو الآتي: ١ - سفرٌ حرامٌ ، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله، أو حرمه رسوله ﷺ ، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (١). ٢ - سفر واجب ، مثل السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب. ٣ - سفر مستحب ، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع. ٤ - سفر مباح ، مثل: السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح. ٥ - سفر مكروه ، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة، إلا في أمر لا بد منه (٢)؛لقول النبي ﷺ : ((لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده)) (٣). فهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيحرم على كل مسلم أن يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمَّد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والسفر المستحب، والمباح، وله أن يأخذ برخص السفر من: الفطر في شهر رمضان، وقصر الصلاة، وغير ذلك من

стр. 126

الرخص التي شرعها رسول الله ﷺ (١). ثالثاً: السفر الذي يبيح الفطر في رمضان: هو ما تقصر فيه الصلاة: للمسافر أن يفطر في رمضان وغيره، بدلالة الكتاب والسنة، الإجماع:

стр. 127

أما الكتاب ؛ فلقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وأما السنة ؛ فلقول النبي ﷺ : ((إن الله وضع عن المسافر الصوم)) (٢)، وأحاديث كثيرة. وأما الإجماع ، فأجمع المسلون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة؛ وإنما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر (٣). قال الإمام البخاري ﵀: ((باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمَّى النبي ﷺ ، يوماً وليلةً سفراً، وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ، وهي ستة عشر فرسخاً)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: بابٌ: في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا

стр. 128

أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر ولا يسوغ له في أقلَّ منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة)) (١)، وكأن البخاري ﵀ يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁ المذكور عنده في الباب (٢)، وهو قول النبي ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)) (٣) (٤). وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: ((لاتقصر إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٥)، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمّ)) (٦)، والمسافة من مكة إلى الطائف ثمانية وثمانون كيلو، ومن مكة إلى جدة تسعة وسبعون كيلو، ومن مكة إلى عسفان ثمانية وأربعون ميلاً. وهذه المسافة عليها الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي والإمام مالك رحمهم الله تعالى (٧). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((الأولى في

стр. 129

هذا أن ما يعدُّ سفراً تلحقه أحكام السفر: من قصرٍ، وجمعٍ، وفطرٍ، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفراً، وما لا فلا، ولكن إذ عمل المسلم بقول الجمهور، وهو أن ما يعدُّ سفراً: هو يومين قاصدين ... فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصراً فيما لا ينبغي لهم ... لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل، حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان: هي سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريباً)) (١). وقال ﵀ أيضاً: ((وقال بعض أهل العلم: إنه يحدد بالعرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفراً في العرف يُسَمَّى سفراً، وما لا فلا، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم، وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت (٢)، وهذا الذي

стр. 130

عليه أكثر أهل العلم (١)، فينبغي الالتزام بذلك)) (٢)، والله أعلم (٣). رابعاً: يفطر المسافر إذا فارق عامر بيوت قريته، أو مدينته ، أو خيام قومه وجعلها وراء ظهره، إذا كان سفره تقصر في مثله الصلاة، قال ابن قدامة ﵀ في الرد على من قال يفطر إذا عزم على السفر ولبس ثياب

стр. 131

السفر: ((ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١)، وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة)) (٢)، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 132

خامساً: إقامة المسافر التي يفطر فيها ويقصر فيها الصلاة: إذا نوى المسافر الإقامة أثناء سفره في بلد أكثر من أربعة أيام، فإنه يُتِمُّ الصلاة، ويصوم إذا كان في رمضان؛ لأن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع، يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام بها: الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم صلى الفجر يوم الخميس ثم خرج إلى منى، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وأفطر إن كان في رمضان، وإذا أجمع أكثر من ذلك أتم وصام، قال الإمام ابن قدامة: ((وجملة ذلك أن

стр. 133

من لم يُجمع إقامةً مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين)) (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي ﷺ لما دخل مكة؛ فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال: غداً أسافر، أو بعد غد أسافر ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي ﷺ أقام بمكة بضعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة، والله أعلم)) (٢). وكذلك الصيام في رمضان والإفطار، فإن أجمع إقامة أربعة أيام فأقل قصر وأفطر، وإن أجمع على الإقامة أكثر من ذلك أتم وصام، وعليه: الإمام الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول هؤلاء الأئمة وجمهور أهل العلم معهم تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط؛ لأن ما زاد عن أربعة أيام غير مجمع عليه، وما كان أربعة أيام فأقل مجمع عليه أي داخل في المجمع عليه، وبهذا يخرج المسلم من الخلاف، ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، والله أعلم (٣).

стр. 134

ومما يدل على أن المسافر إذا أقام ببلد متردِّداً في مدة الإقامة جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة؛ لأنه لم يجمع على الإقامة مدة معينة: حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان وصام حتى إذا بلغ الكديد (١) - الماء الذي بين قُدَيدٍ وعُسفان - أفطر فلم يزل مفطراً

стр. 135

حتى انسلخ الشهر)) (١). قال أبو البركات المجد ابن تيمية ﵀: ((ووجه الحجة منه أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، هكذا جاء في حديث متفق عليه)) (٢). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((والحديث يدل على أن المسافر إذا أقام ببلد متردِّداً جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة كما يجوز له أن يقصر ... وقد دل الدليل على أن من كان مقيماً ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها ﷺ بمكة، وهي عشرة أيام، أو أحد عشر يوماً، على اختلافٍ في الروايات ... )) (٣). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وقد أقام ﷺ في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعاً عليها، ... فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، .... وإقامته ﷺ عشرون يوماً في تبوك ينتظر فيما يتعلق بحرب الروم هل يتقدم أو يرجع، ثم أذن الله له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع

стр. 136

إقامة؛ فإنه في سفر، وله أحكام السفر، وهذا هو الصواب ... )) (١). سادساً: إذا سافر سفراً شبه دائم في العام: مثل سفر سائقي الشاحنات، وغيرهم الذين يسافرون كثيراً؛ فإن لهم الإفطار، والترخّص برخص السفر، إذا كانت المسافة التي يقطعونها في سفرهم مسافة قصر، وعليهم قضاء الأيام التي أفطروها من رمضان قبل دخول رمضان المقبل؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، وإليهم اختيار الأيام التي يقضون فيها ما أفطروه من أيام رمضان، جمعاً بين دفع الحرج عنهم، وقضاء ما عليهم من الصيام، سواء كان القضاء في أيام الشتاء أو غيرها (٣). سابعاً: إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر، أو نوى صيام يومٍ ثم سافر في أثنائه فله الفطر على الصحيح إذا خرج من عامر بيوت أو مساكن بلاده؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة [وفي رواية: خرج إلى مكة في رمضان] فصام حتى بلغ عُسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة ... )).

стр. 137

الحديث (١)، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ترجمته التي بوّب بها على هذا الحديث: ((بابٌ: إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر)). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول على ترجمة البخاري لهذا الحديث: ((والمعنى أنه إذا صام من أول الشهر ثم سافر آخره فلا بأس أن يفطر، وكذلك إذا صام أول اليوم ثم سافر في آخره فلا بأس أن يفطر)) (٢)، والله أعلم (٣).

стр. 138

ثامناً: أنواع الصيام في السفر: ثلاثة: من تتبع الأحاديث الثابتة في الصيام في السفر وجدها تدل على ثلاثة أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: إباحة الإفطار مطلقاً في السفر ؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خرج [عام الفتح] في رمضان من المدينة [إلى مكة] ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة يصومُ ويصومون حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عُسفان وقُديد -[وفي رواية حتى بلغ عُسفان] [فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء، فوضعه على راحته - أو راحلته -[وفي رواية: فشرب نهاراً ليراه الناس] [فأفطر]، ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصُّوَّم: أفطروا [فأفطر الناس] فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر [وفي رواية: حتى قدم مكة] [وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر]. [قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ : الآخرُ، فالآخر] [وفي رواية عنه: أن رسول الله ﷺ : غزا غزوة الفتح في رمضان] (١).

стр. 139

وعن عمرو بن أمية الضمري ﵁، قال: قدمت على رسول الله ﷺ من سفر فسلمت عليه، فلما ذهبت لأخرج قال: ((انتظر الغداء يا أبا أمية)) فقلت: إني صائم يا نبي الله، فقال: ((تعال أخبرك عن المسافر، إن الله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة)) (١). وعن أنس بن مالك الكعبي ﵁، قال: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ ، فأتيت رسول الله ﷺ وهو يتغدَّى فقال: ((ادْنُ فكُلْ)) قلت: إني صائم، قال: ((اجلس أحدثك عن الصوم أو الصيام، إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع: الصوم -أو الصيام -)). والله لقد قالهما النبي ﷺ كلتاهما أو إحداهما، فيا لهف نفسي فهلاَّ كنت طعمت من طعام رسول الله ﷺ ))، وهذا لفظ ابن ماجه، أما لفظ الترمذي: (( ... إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم - أو الصيام)) (٢).

стр. 140

النوع الثاني: التخيير بين الإفطار والصوم في السفر ؛ لحديث أبي الدرداء ﵁، قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة))، ولفظُ مسلم: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ... )) الحديث (١). وعن جابر بن عبد الله ﵁، قال: ((سافرنا مع رسول الله ﷺ ؛فصام بعضنا وأفطر بعضنا)) (٢)،وعن عائشة ﵂، قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر؟ فقال: ((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر))، وفي لفظٍ أنه قال: يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: ((صم إن شئت وأفطر إن شئت))، وفي لفظ للبخاري أنه قال للنبي ﷺ : أَأَصوم في السفر - وكان كثير الصيام - فقال: ((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)) (٣)، وفي لفظٍ لمسلم أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن

стр. 141

يصوم فلا جُناح عليه)) (١). وعن أنس بن مالك ﵁، قال: ((كُنَّا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائمُ على المفطر ولا المفطر على الصائم))، ولفظ مسلم: ((سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على الفطر، ولا المفطر على الصائم)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁: قال: ((سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ : ((إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم))، فكانت رخصةٌ، فمنَّا من صام ومنَّا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: ((إنكم مصبِّحوا عدوِّكم والفطر أقوى لكم، فأفطروا))، وكانت عزمة (٣) فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر)) (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عُسفان ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهاراً ليراه الناس،

стр. 142

وأفطر حتى قدم مكة، وكان ابن عباس يقول: ((صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر))، ولمسلمٍ أن ابن عباس قال: ((لا تعب على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله ﷺ وأفطر)) (١). وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر فلما غربت الشمس قال لرجل: ((انزل فاجدح لنا)) (٢)، قال: يا رسول الله الشمسَ [وفي رواية: إن عليك نهاراً]، [وفي رواية: لو أمسيت] قال: ((انزل فاجدح لنا)) قال: لو انتظرت حتى تمسي؟ قال: ((انزل فاجدح لنا)) ثم قال: ((إذا رأيتم الليل أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم)) وأشار بأصبعه قِبَل المشرق. ولفظ مسلم: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في شهر رمضان ... وفيه: فأتاه بماء فشرب النبي ﷺ ثم قال بيده: ((إذا غابت الشمس من هاهُنا وجاء الليل من هاهُنا فقد أفطر الصائم)) (٣). النوع الثالث: الأمر بالإفطار والترغيب في الفطر والترهيب من

стр. 143

الصيام في السفر؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما بلغ النبي ﷺ مرَّ الظهران (١)، فآذنَّا بلقاء العدوِّ، فأمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون)) (٢). وعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره - عام الفتح- بالفطر، وقال: ((تقوَّوْا لعدوّكم)) وصام رسول الله ﷺ ، قال أبو بكر: قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج (٣) يصُبُّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحرِّ)) (٤). وعن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس ثم دعا بقدحٍ

стр. 144

فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بَعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة))،وفي رواية فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام ... )) الحديث (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في السفر: فمنّا الصائم ومنّا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حارٍّ أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنّا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُّوَّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية (٢) وسقوا الركاب (٣) فقال رسول الله ﷺ : ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)) (٤) (٥). وعن أبي هريرة ﵁،قال: أُتي النبي ﷺ بطعام بمرِّ الظهران، فقال لأبي بكر وعمر: ((ادنيا فكُلا)) فقالا: إنا صائمان، فقال: ((ارحلوا لصاحبيكم،

стр. 145

احملوا لصاحبيكم)) (١) أي قال لسائر الصحابة المفطرين: ارحلوا لصاحبيكم: أي لأبي بكر وعمر لكونهما صائمين، أي شدُّوا الرحال لهما على البعير، ((اعملوا)) من العمل: أي عاونوهما فيما يحتاجان إليه، والمقصود أنه قررهما على الصوم فهو جائز، أو أنه أشار إلى أن صاحب الصوم كلٌّ على غيره فهو مكروه، والله تعالى أعلم (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي ﷺ في سفر فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظُلِّل عليه، فقال: ((ما له؟)) قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﷺ : ((ليس البر أن تصوموا في السفر))، ولفظ البخاري: فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه، فقال: ((ما هذا)) فقالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصوم في السفر)) (٣)، ولفظ النسائي: ((إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها)) (٤).
следующие страницы →