يصوم فلا جُناح عليه)) (١).
وعن أنس بن مالك ﵁، قال: ((كُنَّا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائمُ على المفطر ولا المفطر على الصائم))، ولفظ مسلم: ((سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على الفطر، ولا المفطر على الصائم)) (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: قال: ((سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ : ((إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم))، فكانت رخصةٌ، فمنَّا من صام ومنَّا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: ((إنكم مصبِّحوا عدوِّكم والفطر أقوى لكم، فأفطروا))، وكانت عزمة (٣) فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر)) (٤).
وعن ابن عباس ﵄ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عُسفان ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهاراً ليراه الناس،
стр. 142
وأفطر حتى قدم مكة، وكان ابن عباس يقول: ((صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر))، ولمسلمٍ أن ابن عباس قال: ((لا تعب على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله ﷺ وأفطر)) (١).
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر فلما غربت الشمس قال لرجل: ((انزل فاجدح لنا)) (٢)، قال: يا رسول الله الشمسَ [وفي رواية: إن عليك نهاراً]، [وفي رواية: لو أمسيت] قال: ((انزل فاجدح لنا)) قال: لو انتظرت حتى تمسي؟ قال: ((انزل فاجدح لنا)) ثم قال: ((إذا رأيتم الليل أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم)) وأشار بأصبعه قِبَل المشرق. ولفظ مسلم: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في شهر رمضان ... وفيه: فأتاه بماء فشرب النبي ﷺ ثم قال بيده: ((إذا غابت الشمس من هاهُنا وجاء الليل من هاهُنا فقد أفطر الصائم)) (٣).
النوع الثالث: الأمر بالإفطار والترغيب في الفطر والترهيب من
стр. 143
الصيام في السفر؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما بلغ النبي ﷺ مرَّ الظهران (١)، فآذنَّا بلقاء العدوِّ، فأمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون)) (٢).
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره - عام الفتح- بالفطر، وقال: ((تقوَّوْا لعدوّكم)) وصام رسول الله ﷺ ، قال أبو بكر: قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج (٣) يصُبُّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحرِّ)) (٤).
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس ثم دعا بقدحٍ
стр. 144
فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بَعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة))،وفي رواية فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام ... )) الحديث (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في السفر: فمنّا الصائم ومنّا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حارٍّ أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنّا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُّوَّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية (٢) وسقوا الركاب (٣) فقال رسول الله ﷺ : ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)) (٤)(٥).
وعن أبي هريرة ﵁،قال: أُتي النبي ﷺ بطعام بمرِّ الظهران، فقال لأبي بكر وعمر: ((ادنيا فكُلا)) فقالا: إنا صائمان، فقال: ((ارحلوا لصاحبيكم،
стр. 145
احملوا لصاحبيكم)) (١) أي قال لسائر الصحابة المفطرين: ارحلوا لصاحبيكم: أي لأبي بكر وعمر لكونهما صائمين، أي شدُّوا الرحال لهما على البعير، ((اعملوا)) من العمل: أي عاونوهما فيما يحتاجان إليه، والمقصود أنه قررهما على الصوم فهو جائز، أو أنه أشار إلى أن صاحب الصوم كلٌّ على غيره فهو مكروه، والله تعالى أعلم (٢).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي ﷺ في سفر فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظُلِّل عليه، فقال: ((ما له؟)) قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﷺ : ((ليس البر أن تصوموا في السفر))، ولفظ البخاري: فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه، فقال: ((ما هذا)) فقالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصوم في السفر)) (٣)، ولفظ النسائي: ((إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها)) (٤).
стр. 146
وعن كعب بن عاصم الأشعري ﵁، وكان من أصحاب السقيفة، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس من أم برِّ امْ صيامُ في امْ سَفر)) (١) ولفظه الآخر: عن كعب بن عاصم الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس من البر الصيام في السفر)) (٢)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ليس من ام برِّ ام صيامُ في ام سفر)) هذه لغة لبعض أهل اليمن يجعلون لام التعريف ميماً، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ خاطب بها هذا الأشعري كذلك؛ لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألِفَ من لغته فحملها عنه الراوي وأدَّاها باللفظ الذي سمعها به، وهذا الثاني أوجه عندي والله أعلم)) (٣).
قال ابن الأثير ﵀: ((من أم برِّ)) قوله: من امبرٍّ، هذه الميم بدل من لام التعريف في لغة قوم من اليمن، فلا ينطقون بلام التعريف، ويجعلون مكانها الميم)) (٤).
تاسعاً: حكم صوم المسافر على ثلاث حالات:
стр. 147
جواز الفطر للمسافر ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، وإن صام المسافر أجزأه (١).
وبالتأمل في الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع يظهر أن صيام المسافر على ثلاث حالات على النحو الآتي:
الحال الأولى: أن يشق الصيام عليه مشقة شديدة (٢) غير محتملة بحيث لا يستطيع تحملها، أو يضره الصيام (٣) فيجب عليه أن يفطر، ويحرم عليه الصوم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٥)؛ لأن النبي ﷺ عندما شكا إليه الناس في غزوة فتح مكة - فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، دعا بقدح فرفعه حتى نظر الناس إليه فشرب، فقيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)) (٦).
الحال الثانية: أن يَشُقّ عليه الصيام مشقّة يسيرة محتملة، بحيث يستطيع تحملها، ولكن الفطر أرفق به، فيستحب له أن يفطر، ويكره له
стр. 148
أن يصوم؛ لحديث جابر ﵁، قال: كان النبي ﷺ في سفر فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظُلِّل عليه، وفي رواية: فرأى زحاماً ورجلاً قد طُلِّل عليه، فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصوم في السفر)) (١)، ولفظ النسائي: ((إنه ليس من البر الصوم في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها)) (٢).
الحال الثالثة: أن لا يشقّ عليه الصيام مطلقاً: لا مشقة شديدة ولا مشقة يسيره، بل والصوم سهل يسير عليه، والفطر سهل يسير عليه، وقد تساوى الأمران ولافرق بينهما، ففي هذه الحال يجوز له أن يصوم، ويجوز له أن يفطر؛ لحديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁: أنه سأل النبي ﷺ عن الصيام في السفر، فقال له ﷺ : ((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)) وفي لفظ لمسلم: أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جُناح عليه)) (٣).
ولكن اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الحال: أيهما أفضل وأعظم للأجر: الصيام أو الفطر؟ على قولين (٤) فقيل: الصيام أفضل،
стр. 149
وقيل: الفطر أفضل، والأقرب والله تعالى أعلم: أن الفطر أفضل؛
стр. 150
لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته)) (١)، وفي لفظٍ: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (٢)، وهذا هو الأفضل؛ لهذه الأدلة؛ ولغيرها (٣)، ولكن لا حرج لمن أراد الصيام إذا لم يشق عليه؛ لقول
стр. 151
النبي ﷺ لحمزة بن عمرو الأسلمي: ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)) (١)، وقال ابن عباس ﵄: ((لا تَعِبْ على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله ﷺ
وأفطر)) (٢)،وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((وكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر))،وتقدم قول أنس ﵁: ((كُنَّا نسافر مع رسول ﷺ ))،وفي لفظٍ: ((في رمضان)) ((فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)) (٣)،وبالله تعالى التوفيق (٤). والله
стр. 152
تعالى أعلم (١). وسمعت شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀
стр. 153
يقول: ((والصواب صحة الصوم في السفر؛ لأن النبي ﷺ صام في السفر، ولكن الأفضل الفطر مطلقاً: سواء شق عليه الصيام أو لم يشقّ عليه)) (١).
النوع الرابع: الحائض والنفساء:
إذا حاضت المرأة أو نفست: أفطرت، فإن صامت لم يجزئها، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء، لايحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة ﵂: ((كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) (٢)، والأمر إنما هو للنبي ﷺ ، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تصم)) (٣)،والحائض والنفساء سواءٌ؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وحكمه حكمه، ومتى وُجدَ الحيض أو النفاس في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، سواء وجد في أوله بعد طلوع الفجر أو في آخره، قبل غروب الشمس، ولو
стр. 154
صامت الحائض أو النفساء مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها (١).
وإذا طهرت الحائض أو النفساء في أثناء نهار رمضان لم يصحَّ صومها بقيةَ اليوم؛ لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وعليها الإمساك بقية اليوم في أصح قولي العلماء؛ لزوال العذر الشرعي الذي أبيح لها الفطر من أجله)) (٢)، وإذا طهرت الحائض أو النفساء في الليل في
стр. 155
رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب عليها الصوم؛ لأنها أصبحت من أهل الصيام، وليس فيها ما يمنعه، ويصح صومها حينئذٍ ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لقول عائشة وأم سلمة ﵄: كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم)) (١)(٢).
النوع الخامس: الحامل والمرضع ؛ لحديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام)) (٣).
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولد هما تفطران ثم تقضيان)) (٤).
стр. 156
والحامل والمرضع لهما ثلاث حالات:
الحال الأولى: إذا خافتا على أنفسهما فقط، فحكمهما كالمريض: مع عدم المشقة مطلقاً: أي لا يشق عليها الصيام فيحرم عليها الإفطار، ويجب الصوم، ومع المشقة التي تتحملها يكره الصيام، ومع المشقة التي لا تتحملها أو تضرها يحرم عليها الصيام. وعليها أن تقضي عدد الأيام التي أفطرتها فقط بلا خلاف في هذه الحال. .
الحال الثانية: إذا خافتا على ولديهما الضرر، فتفطران؛ لإنقاذ معصومٍ، وتقضيان الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح بدون إطعام.
الحال الثالثة: إذا خافتا على أنفسهما وولديهما أفطرتا، وتقضيان عدد الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والصواب أنهما إذا خافتا على ولديهما أو نفسيهما أفطرتا وقضتا بدون إطعام)) (١).
وسمعته يقول: ((والصواب أنه لايجب الإطعام مع الصيام)) (٢)، فحكم الحامل والمرضع كالمريض في جميع الأحوال على الصحيح من أقوال أهل العلم،
النوع السادس: المكره على الفطر إكراهاً ملجئاً ، بحيث ألزمه غيره: أن يتناول شيئاً من مفسدات الصوم، فأفطر بذلك دفعاً للضرر أو الهلاك عن نفسه، أو يعتدي عليه عدوٌّ ويهدده بالقتل إن لم يفطر، أو يتوعّده بقطع عضو منه، أو بإلحاق الضرر بولده أو ماله، فيفطر ولا شيء عليه، ولكن بشرط أن يكون المُكْرِه قادراً على إنزال الهلاك به؛ لقول الله تعالى:
стр. 159
﴿مَن كَفَرَ بِالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيم﴾ (١) فقد رفع الله الحكم عمَّن كفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، فإذا رفع الله حكم الكفر عمَّن أكره عليه فما دونه أولى؛ ولقول النبي ﷺ من حديث أبي ذر ﵁: ((إن الله تجاوزلي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)) (٢)،وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تجاوز لأمتي عما توسس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلّم به، وما استكرهوا عليه)) (٤) من الإكراه أن يُكره الرجل الفاسق زوجته إكراهاً ملجئاً، على الجماع في نهار رمضان وهي صائمة، فصيامها صحيح، ولا قضاء عليها ولا كفارة [على
стр. 160
الصحيح من قولي العلماء] (١)،ولا يحل له إكراهها، ويأثم عند الله تعالى إثماً عظيماً يهلك به نفسه. ويُلحق بالإكراه: الصائم إذا طار إلى جوفه غبار بغير اختياره، أو دخل في بطنه شيء بغير اختياره، كأن يتمضمض أو يستنشق فينزل إلى جوفه شيء من الماء بغير اختياره، فصيامه صحيح ولا قضاء عليه (٢) فالمكره مضطر لدفع الضرر أو الهلاك عن نفسه، فجاز له الإفطار، والله تعالى أعلم.
النوع السابع: من احتاج للفطر؛ لدفع ضرورة غيره ، كإنقاذ معصومٍ: من غرقٍ، أو حريقٍ، أو هدمٍ، أو نوعٍ من أنواع الهلاك، فإذا لم يستطع إنقاذ المعصوم إلا بالإفطار أفطر، وأنقذه؛ لأنَّ إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره، وليس عليه إطعام على الصحيح من قولي العلماء إنما عليه قضاء لذلك اليوم الذي أفطره لإنقاذ المعصوم، ويدخل في ذلك إنقاذ المعصوم بالتبرع بالدم إذا خشي عليه الهلاك إلا بالتبرع، والله تعالى أعلم (٣).
стр. 161
النوع الثامن: من غلبه الجوع أو العطش الشديد الذي يخاف معه الهلاك على نفسه (١)، أو نقصان العقل، أو ذهاب البصر أو السمع أو بعض الحواس الأخرى، فيجوز أن يفطر بما يسدّ رمقه، ثم يُكمل صيامه ويقضي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤)، وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥)؛ وقضى رسول الله ﷺ أن: ((لا ضرر ولا ضرار)) (٦)، وهذا بمنزلة من فقد الطعام والشراب، ثم وجد الميتة، فله أن يأكل منها ما يسد رمقه ثم يُمسك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ
стр. 162
اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (١)؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٢) وغير ذلك من الأدلة (٣).
النوع التاسع: من احتاج إلى الفطر للتقوي به على الجهاد في سبيل الله تعالى في قتاله العدُوَّ فإنه يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، سواء كان الجهاد في السفر، أو في بلده إذا حضره العدو ولم يستطع الجهاد إلا بالتقوّي عليه بالإفطار؛ لأن في ذلك دفاعاً عن المسلمين، وإعلاءً لكلمة الله ؛ ولقول النبي ﷺ في غزوة فتح مكة: ((إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم)) قال أبو سعيد ﵁ ((فكانت رخصةً، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مصبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا)) وكانت عزمة فأفطرنا (٤).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((فلو اتفق مثل هذا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوِّهم، فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحُّهما دليلاً، أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية،
стр. 163
لما لقوا العدو بظاهر دمشق (١)، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر في السفر تنبيه على إباحته في هذه الحالة؛ فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختصّ بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين؛ ولأنّ مشقّة الجهاد أعظم من مشقة السفر؛ ولأنّ المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأنّ الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (٢) , والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة ... وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى من مجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبَّه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم أن يفطروا لأجلها ... )) (٣)،والله تعالى أعلم، وأحكم (٤).
فهذه أنواع تسعة لمن يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، وقد جمعها بعضهم بقوله:
وعوارض الصوم التي قد يُغتفر ... للمرء فيها تسع تستطر
المبحث الثاني عشر: المفطرات: مفسدات الصوم
المفطرات التي تفسد الصوم ... أنواع على النحو الآتي:
النوع الأول: الجماع: وهو إيلاج الذَّكر في الفرج ولو لم ينزل، وهو أعظم المفطرات، وأكبرها إثمًا، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فأذن في المباشرة فعُقل من ذلك: أن المراد: الصيام من المباشرة، والأكل والشرب، ولمّا قال أولاً: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) كان معقولاً عندهم أن الصيام هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع ... )) (٣).
فالجماع في الفرج في نهار رمضان؛ لغير المعذور حرام ومفسد للصيام ، بدلالة الكتاب والسنة، والإجماع:
أما الكتاب ، فكما في الآية السابقة.
стр. 166
أما السنة ؛ فلحديث أبي هريرة ﵁، قال: ((بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ((مالك؟)) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم ... (١))، وقد أقرَّه النبي ﷺ : على أن هذا العمل هلاك.
وأما الإجماع ، فقال ابن المنذر ﵀: ((ولم يختلف أهل العلم أن الله حرَّم على الصائم في نهار الصوم: الرَّفث: وهو الجماع، والأكل والشرب)) (٢)، وقال ابن حزم ﵀: ((واتفقوا على أن الأكل لما يُغَذِّي من الطعام مما يستأنف إدخاله في الفم، والشرب، والوطء حرام ... )) (٣).
فمتى جامع الصائم بطل صومه: فرضاً كان أو نفلاً، ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمه القضاء والكفارة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ((ما لك؟)) وفي لفظ مسلم: ((وما أهلكك؟)) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم [في رمضان] فقال رسول الله ﷺ : ((هل تجد رقبةً تعتقها؟)) قال: لا. قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) قال: لا [أستطيع] فقال: ((فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟)) قال: لا [أجد] قال: (([اجلس)) فجلس] فمكث عند النبي ﷺ ، فبينما
стр. 167
نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بِعَرِقٍ فيه تمر، والعَرِقُ المكتل [الضخم] [وهو الزنبيل] قال: ((أين السائل؟)) فقال: أنا، قال: ((خُذْ هذا فتصدّق به)) فقال الرجل: أعلى أفقر مني [وفي رواية منا] يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها - يريد الحَرَّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((أطعمه أهلك)) (١).
وعن عائشة ﵂: أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ في المسجد في رمضان فقال: يارسول الله احترقت احترقت، فسأله رسول الله ﷺ ((ما شأنه)) فقال: وطئت امرأتي في رمضان نهاراً، فقال: ((تصدّق، تصدّق)) فقال: يا نبي الله ما عندي شيء، قال: ((اجلس)) فجلس فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، فقال رسول الله ﷺ : ((أين المحترق آنفاً؟)) فقال رسول الله ﷺ : ((تصدَّقْ بهذا)) فقال: يا رسول الله: أغيرنا؟ فو الله يا رسول الله! إنا لجياع ما لنا شيء، قال: ((فكلوه)) (٢).
وفي رواية لأبي داود: (( ... فأُتي بِعَرِقٍ فيه تمر - قدر خمسة عشر صاعاً - وقال فيه: ((كُلْهُ أنت وأهل بيتك وصُمْ يوماً واستغفر الله)) (٣).
стр. 168
وفي هذا الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: أن الجماع في نهار رمضان من الفواحش المهلكة المحرقة؛ لأن النبي ﷺ أقرَّ الرجل على قوله: هلكت، احترقت.
الفائدة الثانية: أن من جامع زوجته في نهار رمضان، وهو مقيم، صحيح، وجب عليه أمور أربعة:
الأمر الأول: الكفارة المغلَّظة، وهي على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي: كأيام العيدين، وأيام التشريق، أو لعذر حسِّي: كالمرض، والسفر لغير قصد الفطر، والحيض والنفاس للمرأة إذا كانت غير مكرهة، فإن أفطر لغير عذر ولو يوماً واحداً لزمه استئناف الصيام من جديد؛ ليحصل على التتابع.
فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين؛ فإنه يطعم ستين مسكيناً لكل مسكين نصف الصاع من طعام البلد، من قوت غالب البلد.
الأمر الثاني: يُمسك بقيَّة اليوم الذي جامع فيه؛ لأنه أفطر بغير عذر فلم يكن لفطره معنى، ولا رخصة.
الأمر الثالث: يقضي يوماً مكان اليوم الذي جامع فيه؛ لرواية أبي داود: ((وصم يوماً)) أي مكانه.
стр. 169
الأمر الرابع: يجب عليه التوبة والاستغفار؛ لقوله ﷺ في رواية أبي داود: ((واستغفر الله)).
الفائدة الثالثة: أن الكفارة المغلظة تجب على من جامع في الفرج في نهار رمضان مُتَعَمِّداً غير معذور أنزل أو لم ينزل.
الفائدة الرابعة: حُسن خُلق النبي ﷺ ؛ فإنه لم يعاقب هذا الرجل على جرمه، ولم يُؤنّبه، بل ضحك ﷺ عند ما قال الرجل ((أعلى أفقر منا)) فقال النبي ﷺ : ((أطعمه أهلك)).
الفائدة الخامسة: أن من جامع في أيامٍ متعددةٍ في نهار رمضان، فعليه كفارات، لكل يوم كفارة، ويقضي بعدد الأيام التي جامع فيها (١)(٢).
стр. 170
النوع الثاني: إنزال المني باختياره ، سواء كان ذلك بتقبيل، أو لمس، أو استمناء، أو بتكرير النظر بقصد التلذذ والإنزال، أو غير ذلك من الأسباب (١)؛ لأن هذا من الشهوة التي لا يكون الصوم إلاباجتنابها؛
стр. 171
لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: ((إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)). ولفظ البخاري: ((يترك شهوته، وطعامه، وشرابه من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)) (١).
فأما التقبيل واللَّمْسُ بدون إنزال فلا يفطر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يُقَبِّل ويُباشر وهو صائم، وكان أملككم لإرْبِهِ)) (٢)،
стр. 172
وفي لفظ للبخاري: ((إن كان رسول الله ﷺ ليقبِّل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت))، وفي لفظ لمسلم عن عروة بن الزبير ﵁، أن عائشة أم المؤمنين ﵂ أخبرته، أن رسول الله ﷺ كان يُقَبِّلُها وهو صائم)) وفي لفظ: ((كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل في شهر الصوم)) وفي لفظ ((كان النبي ﷺ يُقبِّل في رمضان وهو صائم)) (١).
وعن حفصة أم المؤمنين ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم)) (٢)، وعن عمرو بن أبي سلمة ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : أيُقَبِّل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ : ((سل هذه)) لأم سلمة، فأخبرته: أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : ((أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له)) (٣).
стр. 173
وعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: هَشَشْت (١) فقبَّلت وأنا صائم، فقلت: يارسول الله! صنعت اليوم أمراً عظيمًا، قبَّلْتُ وأنا صائم، قال: ((أرأيت لو مَضْمَضْتَ من الماء وأنت صائم؟)) قلت: لا بأس به، قال: ((فَمَهْ؟)) (٢)(٣).
لكن إن كان الصائم يخشى على نفسه من الإنزال بالتقبيل أو نحوه من اللمس وغيره، أو يخشى من التدرج بذلك إلى الجماع؛ لعدم قوته على كبح شهوته؛ لضعف إيمانه وضعف محبته لله تعالى، وضعف خوفه منه، أو غيرذلك، فإن التقبيل ونحوه يحرم حينئذ سدَّاً للذريعة، وصوناً لصيامه عن الفساد (٤) وعن وقوعه في معصية الله تعالى وإهلاك نفسه وإحراقها؛ ولهذا والله تعالى أعلم نهى النبي ﷺ شاباً سأله عن المباشرة للصائم، وأَذِنَ لشيخٍ كبير بالقبلة، فعن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخّص له، وأتاه آخر فسأله؟ فنهاه، فإذا الذي رخّص له شيخ، والذي نهاه شاب)) (٥)؛ ولهذا نهى النبي ﷺ الصائم
стр. 174
عن المبالغة في الاستنشاق خوفاً من تسرّب الماء إلى جوفه فيُفْسِد
صومه (١)، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأما الإنزال بالاحتلام للنائم، أو بالتفكير المجرَّد عن العمل والقصد، فلا يفطر؛ لأن الاحتلام بغير اختيار الصائم، وأما التفكير المجرَّد عن العمل والقصد فمعفوٌّ عنه (٢)؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به)) وفي لفظ البخاري: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم)) (٣).
النوع الثالث: الأكل أو الشرب ، فيفطر بذلك بدلالة الكتاب والسنة، والإجماع.
أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤))
стр. 175
فقد مدَّ الأكل والشرب إلى تبين الفجر، ثم أمر بالصيام عنهما (١).
وأما السنة، فقول النبي ﷺ في الحديث القدسي: (( ... يترك شهوته، وطعامه، وشرابه من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)) (٢).
وأما الإجماع، فأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب لما يُتغذَّى به، فأما ما لا يُتَغَذَّى به فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به (٣).
والسعوط (٤) في الأنف، ودخول الماء معه بقصدٍ، كالأكل والشرب؛ لحديث لقيط بن صبرة ﵁ قال: قلت يا رسول أخبرني عن الوضوء؟ قال: ((أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (٥)، فتبين بهذا أن الأنف منفذ إلى المعدة
стр. 176
والجوف (١)، فأما شمُّ الروائح فلا يفطر؛ لأنه ليس للرائحة جُرْمٌ يدخل إلى الجوف (٢)، إلا أن البخور له أجزاء لها جرم وهو الدخان المتصاعد؛ فليجتنبه الصائم. والله تعالى أعلم (٣).
стр. 177
النوع الرابع: ما كان بمعنى الأكل أو الشرب وهما شيئان:
الأول: حقن الدم في الصائم ، مثل: أن يصاب بنزيف ويحتاج إلى إمداده بالدم فيُحقن به دمٌ؛ فإنه يفطر؛ لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب، وقد حصل له ذلك بحقن الدم فيه، فالجسد قائم على الدم، ولو فقد الدم لمات الإنسان، والدم متولّد عن الطعام والشراب، فيكون بهذا بمثابة الطعام والشراب، فإذا فقد الطعام والشراب يضعف البدن، وربما يموت صاحبه إذا فقده تماماً، فكذلك الدم.
الثاني: الإبر المغذِّية التي يُكْتَفَى بها عن الأكل والشرب ، فإذا تناولها الإنسان أو حُقِنَ بها أفطر، وهي تُسَمَّى الآن بالمغذِّي، فيفطر بها الصائم وإن لم تكن أكلاً وشرباً؛ فإنها بمعنى الأكل والشرب، فثبت لها حكمهما.
وأما الإبر غير المغذية التي يعالج بها الإنسان فهي غير مفطِّرة، سواء: تناولها عن طريق العضلات، أو عن طريق العروق، والوريد، حتى ولو وَجَدَ حرارتها في حلقه؛ فإنها لا تُفطِّر الصائم؛ لأنها ليست أكلاً ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب فلا يثبت لها حكمهما (١).
стр. 178
* وأما قطرة العين، والأذن، والكحل، فلا تفطر الصائم في أصح قولي العلماء (١)؛ لأنها ليست غذاء، ولا بمعنى الغذاء، وليست العين، والأذن من منافذ الطعام ولا الشراب، ولكن استعمال: قطرة العين وقطرة الأذن، والكحل في الليل أفضل خروجاً من الخلاف، ولا يجب ذلك (٢) ولكن هذا هو الأحوط (٣) والله تعالى أعلم.
стр. 179
* وأما بخاخ الربو، فلا يفطر؛ لأنه لا يشبه الأكل والشرب فأشبه سحب الدم للتحليل والإبر غير المغذية، فحكمه للصائم الإباحة إذا اضطر الصائم إلى ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١)(٢)، فلا بأس باستخدام الصائم لهذا الغاز؛ لأنه عبارة عن غاز لا يثبت ولا يبقى؛ فهو لا يفطر؛ لأنه: ليس أكلاً، ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب؛ ولأن هذا البخاخ لا يصل
стр. 180
إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية (١) والله تعالى أعلم (٢). (٣).