رابعا: الصوم والفطر بالاجتهاد ، ثبت في هذا أحاديث منها حديث أبي هريرة ﵁، ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون))،ولفظ أبي داود: ((وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج (١) مكة
стр. 72
منحر، وكل جمع موقف)) (١).
قال الإمام الترمذي ﵀: ((وفسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا؛ أن الصوم والفطر مع الجماعة وعُظْمِ الناس)) (٢).
قال الخطابي ﵀: ((معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين؛ فإن صومهم وفطرهم ماضٍ، ولا شيء عليهم: من وزرٍ، أو عيبٍ، وكذلك الحج إذا أخطأوا [يوم] عرفة، فليس عليهم إعادتُه، وكذلك أضحاهم تجزئهم، وإنما هذا رفق من الله ولطف بعباده)) (٣).
وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس)) (٤).
ومما يدخل في معنى هذه الأحاديث: أن من رأى هلال رمضان وحده
стр. 73
وردّت شهادته لم يلزمه الصوم ولا غيره، ونقله حنبل عن أحمد في الصوم، وكما لا يعرِّف ولا يضحى وحده، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١).
وقال سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصوم وحده، والصواب أنه لا يجوز له أن يصوم وحده، بل عليه: أن يصوم مع الناس ويفطر معهم؛ لقول النبي ﷺ : ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (٢)، أما إذا كان في البرية ما عنده أحد فإنه يعمل برؤيته في الصوم والفطر)) (٣) والله أعلم (٤).
стр. 74
وكذلك من انتقل من بلدٍ إلى بلدٍ آخر فحكمه في الصيام والإفطار حكم البلد الذي سافر إليها، سواء كان ذلك في أول شهر رمضان أو في الخروج من الصيام، فيصوم مع الناس، ويفطر معهم؛ لأن حكم من
стр. 75
وُجد في بلد حكم أهله؛ لقول النبي ﷺ : ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (١) لكن إذا كان الذي انتقل إلى بلد آخر أو دولة أخرى لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوماً؛ فإنه يلزمه أن يقضي يوماً آخر بعد العيد؛ حتى يكمل به تسعة وعشرين يوماً؛ لأن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين، كما أنه لا يزيد عن الثلاثين (٢) وحتى لو قدم إلى بلد فصاموا وهو قد صام في بلد آخر قبلهم بيوم فإنه يصوم مع الناس حتى ولو كان صيامه معهم يكمل له واحداً وثلاثين يوماً؛ فإنه يصوم معهم للحديث السابق: ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (٣)(٤).
стр. 76
خامساً: السنة لكل من رأى الهلال أوّل كل شهر .
عن طلحة بن عبيد الله ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: ((اللهم أهلّه علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام ربي وربك الله)) (١).
стр. 77
وعن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: ((الله أكبر، اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب ربنا وترضى، ربنا وربك الله)) (١).
стр. 78
المبحث السابع: أنواع الصيام وأقسامه
الصوم أربعة أنواع على النحو الآتي:
النوع الأول: الصوم المفروض بالشرع ، وهو صوم رمضان: أداءً، وقضاءً، لقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) (١)؛ وللأحاديث الكثيرة في ذلك، وإجماع الأمة، وسيأتي الكلام على قضاء صيام رمضان تفصيلاً إن شاء الله تعالى.
النوع الثاني: الصوم الواجب في الكفارات، وهو أقسام:
١ - فدية الأذى للمحرم وهي صيام ثلاثة أيام لمن لم يرد الذبح أو الإطعام (٢).
٢ - من لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (٣).
٣ - كفارة قتل الخطأ لمن لم يجد رقبة مؤمنة، فيصوم شهرين متتابعين (٤).
٤ - كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام لمن لم يجد الإطعام أو الكسوة،
أو الرقبة (٥).
стр. 79
٥ - جزاء قتل الصيد في الإحرام لمن لم يرد المثل من النعم أو الإطعام (١).
٦ - كفارة الظهار لمن لم يجد رقبة مؤمنة، فيصوم شهرين متتابعين (٢).
٧ - كفارة الجماع في نهار رمضان لمن لم يجد إعتاق رقبة مؤمنة (٣).
النوع الثالث: الصوم الواجب بالنذر (٤)؛ لحديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) (٥)، وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه عنها؟ قال: ((نعم، فدين الله أحق أن يقضى)) وفي لفظ: جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله لِلَّهِ إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأ صوم عنها؟ قال: ((أرأيت لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أكان يؤدِّي ذلك عنها؟))، قالت: نعم، قال: ((فصومي عن أمك)) (٦).
стр. 80
وغير ذلك من الأحاديث في وجوب صوم النذر، وقضائه عن الميت (١).
النوع الرابع: صوم التطوع ، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى تفصيلاً (٢).
стр. 81
المبحث الثامن: شروط الصيام
الشرط لغة: العلامة، واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (١)، وشروط وجوب صوم رمضان أداءً (٢) ستة: فيجب صيامه على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر، مقيم، خالٍ من الموانع، على النحو الآتي:
الشرط الأول: الإسلام ، وضده الكفر، فالكافر لا يُلزم بالصوم ولا
стр. 82
يصح منه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَبِرَسُولِهِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ (٢)، ولا يلزمه قضاؤه بعد إسلامه؛ لقول الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣)، لكن الكافر يعاقب على ما ترك من شرائع الإسلام؛ لأنه مخاطب بأصول الإسلام وفروعه؛ لقوله تعالى في أصحاب اليمين وهم يتساءلون عن المجرمين:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين﴾ (٤)، وإذا أسلم في أثناء يوم من أيام رمضان، أُمر بإمساكِ بقية اليوم؛ لأنه صار من أهل الوجوب حين وقت وجوب الإمساك (٥).
стр. 83
الشرط الثاني: البلوغ فلا يجب الصيام على الصغير حتى يبلغ؛ لحديث علي بن طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)) (١).
ولكن يأمره وليُّهُ بالصوم إذا أطاقه؛ لحديث الرُّبيِّع بنت معوذ ﵂، قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: ((من أصبح مفطراً فليتمَّ بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم))، قالت: فكُنَّا نصومه
стр. 84
بعد ونصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن (١)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك (٢) حتى يكون عند الإفطار))، وفي رواية مسلم: ((فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم ... ))، وفي لفظ: (( ... ونضع لهم اللعبة من العهن فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم)) (٣)، وقال عمر ﵁ لِنشْوان (٤) في رمضان: ((ويلك وصبياننا صيام فضربه)) (٥)، فينبغي لولي الصغير أن يأمره بالصيام إذا بلغ سبع سنين وأطاق الصيام، للتمرين عليه كما فعل أصحاب النبي ﷺ بصبيانهم ﵃، إلا إذا كان الصيام يضرهم فلاحرج على وليّه إذا لم يصوِّمْه.
ويحصل البلوغ بواحد من أمور ثلاثة للذكر، والأنثى تزيد بأمرٍ رابعٍ ، على النحو الآتي:
الأمر الأول: إنزال المني باحتلام أو في اليقظة ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا
стр. 85
بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (١)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (٢).
الأمر الثاني: إنبات الشعر: وهو الشعر الخشن ينبت حول قُبُل الرجل والمرأة؛ لحديث عطية القرظي ﵁،قال: ((كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قُتِلَ، ومن لم ينبت لم يُقتل، فكنت فيمن لم ينبت))، وفي لفظ لأبي داود: ((فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت فجعلوني من السبي))، ولفظ الترمذي: ((عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قُتل، ومن لم يُنْبِتْ خُلِّي سبيلُه، فكنت ممن لم ينبت فخُلِّيَ سبيلي)) (٣)، وعن كثير بن السائب قال: حدثني ابْنَا قريظة أنهم عرضوا على رسول الله ﷺ يوم قريظة، فمن كان محتلماً أو أنبت عانته قُتِل، ومن لم
стр. 86
يكن محتلماً، أو لم ينبت عانته ترك)) (١).
الأمر الثالث: بلوغ تمام خمس عشرة سنة ؛ لحديث نافع عن ابن عمر ﵄ قال: عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني))، قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا الحد بين الصغير والكبير، وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة [سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال])) (٢).
ويحصل بلوغ الأُنثى بما حصل به بلوغ الذكر، وتزيد بأمر رابعٍ وهو الحيض ، فإذا حصل للذكر واحد من ثلاثة أمور فقد بلغ، وإذا حصل للأنثى واحد من أربعة أمور فقد بلغت (٣).
وإذا حصلت علامة من علامات البلوغ المذكورة أثناء نهار رمضان،
стр. 87
فإن كان من بلغ صائمًا أتمَّ صومه وأجزأه ذلك اليوم عن فرض رمضان ولا شيء عليه، فكان أول النهار نفلاً، وآخره فريضة، كمن أتمّ خمس عشرة سنة بعد الزوال أو غير ذلك من العلامات الدالة على
البلوغ (١) إلا إذا كانت علامة البلوغ للأنثى: الحيض؛ فإنها لا تصوم حتى تطهر، ثم يصوم بقية الشهر وإن كان من بلغ أثناء النهار مفطراً لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب (٢). والله أعلم (٣).
стр. 88
الشرط الثالث: العقل ، وضده الجنون، والمجنون مرفوع عنه القلم
стр. 89
حتى يفيق؛ لحديث علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)) (١).
فإذا كان الإنسان مجنوناً، فلا يجب عليه الصيام؛ لهذا الحديث، ولا يصحُّ منه الصيام؛ لأنه ليس له عقل يعقل به العبادة وينويها، والعبادة لا تصح إلا بنية؛ لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... )) (٢)(٣).
فإن كان يُجنُّ أحياناً ويفيقُ أحياناً لزمه الصيام في حال إفاقته دون حال جنونه، وإن جُنَّ في أثناء النهار لم يبطل صومه كما لو أُغمي عليه بمرضٍ أو غيره؛ لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنية صحيحة، ولا دليل على بطلان صومه، خصوصاً إذا كان معلوماً أن الجنون ينتابه في ساعات معينة.
وعلى هذا فلا يلزم قضاء اليوم الذي حصل فيه الجنون، وإذا أفاق المجنون أثناء نهار رمضان: لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب. والله تعالى أعلم (٤).
стр. 90
والكبير الهرم الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه، لا يجب عليه الصوم ولا الإطعام عنه؛ لسقوط التكليف عنه، بزوال تمييزه، فأشبه الصبي قبل التمييز، فإن كان يميز أحياناً ويهذي أحياناً، وجب عليه الصوم أو الإطعام إذا لم يطق الصوم في حال تمييزه دون حال هذيانه، والصلاة كالصوم: لا تلزمه حال هذيانه، وتلزمه حال تمييزه (١).
الشرط الرابع: القدرة على الصوم ، وضدها العجز، فالعاجز عن الصوم لا يجب عليه الصوم أداء، ويجب عليه القضاء؛ لقول الله تعالى:
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، والعجز عجزان: عجز طارِئ يُرجى بُرؤه، وهذا هو المذكور في الآية آنفة الذكر. كالمريض الذي ينتظر الشفاء، فعليه القضاء إذا شفي.
وعجز دائم لا يُرجى بُرؤه، كالمريض الذي لا يُرجى بُرؤه، والكبير
стр. 91
الهرم الذي لا يطيق الصيام، فالواجب بدل الصيام أن يطعم عن كل يومٍ مسكيناً (١)(٢).
الشرط الخامس: الإقامة ، فلا يجب الصيام أداءً على المسافر، وعليه القضاء؛ لقول الله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)(٤).
الشرط السادس: الخُلوُّ من الموانع ، وهي: الحيض والنفاس، للنساء خاصة، فلا يجب عليها الصيام أداءً، بل لا يجوز أن تصوم وهي حائض أو نفساء؛ لقول النبي ﷺ : (( ... أليست إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تَصُمْ؟ فذلك من نقصان دينها)) (٥)، ويجب عليها القضاء بعدرمضان؛ لقول عائشة ﵂: ((كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) (٦)، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 92
المبحث التاسع: أركان الصيام
الركن لغة: هو جانب الشيء الأقوى، والأركان جمع ركن.
الركن اصطلاحاً: هو عبارة عن جزء الماهية (١).
والصوم له ركنان تتركب منهما حقيقة الصيام، على النحو الآتي:
الركن الأول: النية: وهي القصد، والإدارة للشيء، فلا بد من النية في الصوم والقصد لذلك، وهي نوعان:
النوع الأول: نية المعمول له ، وهي الإخلاص لله تعالى، وابتغاء مرضاته ووجهه، ويرجو ثوابه ؛لقول الله تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (٢)؛ولحديث عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (([يا أيها الناس] إنما الأعمال بالنيات ((وفي رواية: العمل بالنية)) وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته [إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته] إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها ((وفي رواية: يتزوجها)) فهجرته إلى ما هاجر إليه)) (٣).
стр. 93
فقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) والمعنى: الأعمال واقعة، أو حاصلة، وصالحةٌ أو فاسدةٌ، أو مقبولة أو مردودة، أو مثابٌ عليها أو غير مثابٍ عليها بالنيات؛ فإن الأعمال لا تقع إلا عن قصدٍ، وصلاحها وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها، كقوله ﷺ : (( ... إنما الأعمال بالخواتيم)) (١) أي: إن صلاحها وفسادها، وقبولها وعدم قبولها بحسب الخاتمة.
وقوله ﷺ : ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) والمعنى: أن حظ العامل من عمله نيته، فإن كانت صالحةً فعمله صالحٌ وله أجره، وإن كانت فاسدةً فعمله فاسدٌ وعليه وزره، فلا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيراً، حصل له خير، وإن نوى شراً، حصل له شر، وليس هذا تكريراً للجملة الأولى [إنما الأعمال بالنيات] فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية: [وإنما لكل امرئ ما نوى] دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحةً فيكون العمل مباحاً، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه: صلاحه، وفساده، وإباحته، بحسب النية العاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل، وعقابه، وسلامته بحسب نيته، التي بها صار العمل: صالحاً، أو فاسداً، أو مباحاً.
وقوله ﷺ : ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى
стр. 94
ما هاجر إليه)) لما ذكر ﷺ أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من: خيرٍ، أو شرٍ، وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالاً من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحُها وفسادُها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذوِ هذا المثال.
فأخبر النبي ﷺ : أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها، فمن هاجر من دار الشرك إلى دار الإسلام حُبَّاً لله ورسوله، ورغبةً في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه، حيث كان يعجز عنه في بلاد الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقاً، وكفاه شرفاً وفخراً، أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله.
ومن كانت هجرته من بلد الشرك إلى بلد الإسلام؛ لطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام، فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجرٌ، والثاني خاطبٌ، وليس واحد منهما بمهاجر (١).
فهذا النوع الأول من أنواع النية: وهو تمييز المقصود بالعمل، وهو الله تعالى وحده لا شريك له، وهذه النية التي يتكلم فيها العارفون بالله تعالى في كتبهم في كلامهم على الإخلاص، وتوابعه، وهي التي توجد في كلام السلف المتقدمين.
стр. 95
النوع الثاني: تمييز العبادات بعضها عن بعض: كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز: غسل الجنابة من غسل التبرد والتنظف، ونحو ذلك، وهذه النية التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم (١).
والركن الأول للصيام، لابد فيه من هذين النوعين: الإخلاص لله تعالى في هذه العبادة العظيمة، وتمييز الصيام بالإرادة والقصد للفرض أو التطوع، ولا بد أن تكون النية في فرض الصيام من الليل؛ لحديث حفصة أم المؤمنين ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: ((مَنْ لم يُجْمِعِ (٢) الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له))، وهذا لفظ أبي داود، والترمذي، وعند النسائي: ((من لم يُبيِّتِ (٣) الصيام قبل الفجر فلا صيام له))، وفي لفظ له: ((من لم يُجْمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا يصوم))، وفي لفظ له أيضاً: ((من لم يبيِّت الصيام من الليل فلا صيام له))، ولفظ ابن ماجه: ((لا صيام لمن لم يفرضه من الليل)) (٤).
стр. 96
وعن عائشة وحفصة ﵄ زوجي النبي ﷺ موقوفاً عليهما، قالتا: ((لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر)) (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ موقوفاً عليه، قال: ((إذا لم يُجمع الرجل الصوم من الليل فلا يصُمْ))، وفي لفظ: ((لا يصوم إلا من أجمع الصيام من الليل)) (٢)؛ ولهذه الأحاديث لابد على الصحيح من تبييت النية في صوم أيام رمضان فينوي ويجزم في أول ليلة من ليالي رمضان: أن يصوم رمضان كله، ثم ينوي كل ليلة أن يصوم غداً، وكذلك صيام الفرض من قضاء رمضان، والنذر والكفارات لا بد من أن ينوي الصيام ويبيّته ليلاً، كل ليلة (٣)(٤)، وهذا هو الموافق لظاهر حديث حفصة،
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((والصواب أنه لابد من نيَّة من الليل، لأنواع الصيام المفترضة: صيام رمضان، والنذر، والكفارات)) (١) ((فإذا نواه بعد غروب الشمس، أو أوسط الليل، أو آخر الليل [قبل الفجر] كفى)) (٢)، والحمد لله (٣)، وقال شيخ الإسلام ابن
стр. 99
تيمية ﵀: ((أما تبييت النية، فإن الصوم الواجب الذي وجب الإمساك فيه من أول النهار لا يصح إلا بنية من الليل، سواء في ذلك ما تعيّن زمانه كأداء رمضان، والنذر المعين، وما لم يتعيّن كالقضاء، والنذر المطلق)) (١)، ومن خطر بقلبه أنه صائم غداً فقد نوى (٢)، فالنية ليس فيها مشقة؛ فإن المسلم إذا تسحَّر، أو أمسك عن الطعام، أو خطر بقلبه الصيام غداً فقد نوى (٣).
أما صيام التطوع فيجوز أن ينوي من النهار (٤) إذا لم يتناول شيئاً من
стр. 100
المفطرات بعد الفجر (١)؛ لأنه صح عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: ((يا عائشة: هل عندكم شيء؟)) قالت: فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، قال: ((فإني صائم)) قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية - أو جاءنا زورٌ (٢) - قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله: أُهديت لنا هدية - أو جاءنا زور - وقد خبأت لك شيئاً، قال: ((ما هو؟)) قلت: حيسٌ (٣) قال: ((هاتيه)) فجئت به فأكل، ثم قال: ((قد كنت أصبحت صائماً))، وفي رواية: ((دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: ((هل عندكم شيء؟)) فقلنا: لا، قال: ((فإني إذن صائم))، ثم أتانا يوم آخر فقلنا: يا
стр. 101
رسول الله: أُهدي لنا حيس، فقال: ((أرينيه فلقد أصبحت صائماً)) فأكل)) (١).
وعن أمِّ هانئ ﵂، قالت: لما كان يوم الفتح - فتح مكة -، جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ﷺ ، وأمُّ هانئ عن يمينه، قالت فجاءت الوليدة (٢) بإناء فيه شرابٌ فناولته فشرب منه، ثم ناوله أمَّ هانئٍ فشربت منه، فقالت: يارسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة؟ فقال لها: ((أكنتِ تقضين شيئاً؟)) قالت: لا، قال: ((فلا يضركِ إن كان تطوعاً)) (٣)، وفي رواية للترمذي: أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب، فشرب ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ : ((الصائم المتطوع أمينُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر))، وفي رواية للترمذي أيضاً: ((أمين نفسه، أو أميرُ نفسه)) على الشك)).
وفي لفظ للترمذي عن أم هانئ ﵂ قالت: كنت قاعدة عند النبي ﷺ ، فأُوتي بشرابٍ، فشرب منه ثم ناولني فشربت منه، فقلت: إني أذنبت ذنباً فاستغفرلي، فقال: ((وما ذاك؟)) قالت: كنت صائمة فأفطرت، فقال:
стр. 102
((أمن قضاءٍ كنت تقضينه؟)) قالت: لا، قال: ((فلا يضرك)) (١).
ولفظ الحاكم مرفوعاً بدون شك: ((الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر))، وفي لفظِ الحاكم مرفوعاً: ((المتطوع بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر)) (٢).
وعن أم الدرداء ﵂ قالت: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا، وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة ﵃ (٣)، والأظهر صحة نية التطوع بالصيام قبل الزوال وبعده ((٤).
стр. 103
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الأظهر صحته كما نُقِلَ عن الصحابة)) (١)،وقال ﵀: ((ينوي أي وقتٍ شاء، ولو كان بعد الزوال أيضاً، وهذا أعدل الأقوال عندنا، وأشبه بسنة نبينا محمد ﷺ )) (٢)،وقال ﵀: ((والمنصوص عن أحمد أن الثواب من حين النية)) (٣)، ((والمنصوص أصح)) (٤)،وهذا يبيِّن أن نية صيام التطوع من الليل يكتب له ثواب صيام اليوم كاملاً، أما إذا أنشأ النية أثناء النهار فيكتب له ثواب بقية يومه من حين النية (٥)؛ لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما
стр. 104
نوى)) (١)،وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((وهذا هو القول الراجح)) (٢)، وبناء على ذلك فصيام الأيام المعيّنة من النفل يحتاج إلى تبييت النية من الليل؛ ليحصل على ثواب صيام اليوم كله، كيوم: لإثنين، والخميس، والأيام البيض، وستة أيام من شوال، وصيام يوم عرفة لغير الحاج، وصيام يوم عاشوراء؛ لأنه إذا نوى من النهار قبل الزوال أو بعده لا يثاب على القول المنصوص عن أحمد - وهو الراجح - إلا على بقية اليوم؛ لأنه لا يصدق عليه: أنه صام اليوم كاملاً. والله تعالى أعلم (٣).
الركن الثاني: الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ لقول الله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا
стр. 105
كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (١)، والمراد بالخيط الأبيض: بياض النهار، والخيط الأسود: سواد الليل؛ لحديث عدي بن حاتم ﵁، قال: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ﴾ (٢) قال له عدي: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين (٣) عِقالاً أبيض، وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله ﷺ : ((إن وسادك لعريض (٤) إنما هو سواد الليل وبياض النهار))، وفي لفظ للبخاري: ((إن وسادك إذاً لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك))،ثم قال: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) (٥).
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: أُنزلت ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل: ((مِنَ الْفَجْرِ))، فكان
стр. 106
رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيَّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ ﴿مِنَ
الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار)) (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يُقال له: ((أصبحت أصبحت))، وفي رواية للبخاري: حتى يقول له الناس: ((أصبحت أصبحت))، وفي رواية لمسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا (٢).
وعن عائشة ﵂ أن بلالاً كان يؤذن بليل، فقال رسول الله ﷺ : ((كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)) قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا)) (٣).
стр. 107
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يمنعن أحدكم - أو قال: أحداً منكم - أذان بلال [أو قال: نداءُ بلال] من سحوره؛ فإنه يؤذن - أو ينادي - بليل؛ ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح - وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل - حتى يقول هكذا)) وقال زهير بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدَّهما عن يمينيه وشماله))،وفي رواية البخاري: ثم أظهر يزيد يديه ثم مدَّ إحداهما من الأخرى))،وفي لفظ مسلم: (( ... ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم))، وقال: ((ليس أن يقول هكذا وهكذا - وصوب يده ورفعها - حتى يقول هكذا وفرج بين أصبعيه))،وفي رواية لمسلم أيضاً قال: ((إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض؛ ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه))،وفي رواية لمسلم: ولكن يقول هكذا: يعني الفجر ((وهو المعترض وليس بالمستطيل)) (١).
وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا))، وحكاه حماد بيده: يعني معترضاً، وفي لفظ: ((لا يغرنكم أذان
стр. 108
بلال، ولا هذا البياض - العمودي الصبح - حتى يستطير (١) هكذا)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((الفجر فجران: فجر يَحْرُمُ فيه الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تَحرُمُ فيه الصلاة ويحلُّ فيه الطعام)) (٣).
وعن جابر ﵁، قال: قال رسول ﷺ قال: ((الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام، وأما الذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام)) (٤).
وقد ذكر الإمام ابن خزيمة ﵀: أن معنى قوله: ((فجر يحرم فيه الطعام، يريد: على الصائم، وتحل فيه الصلاة، يريد: صلاة الصبح وفجر تحرم فيه الصلاة، يريد: صلاة الصبح إذا طلع الفجر الأول، لم يحل أن
стр. 109
يصلّيَ في ذلك الوقت صلاة الصبح؛ لأن الفجر الأول يكون بالليل، ولم يرد أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة بعد طلوع الفجر الأول، وقوله: ويحلُّ فيه ((الطعام، يريد: لمن يريد الصيام)) (١).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذان الحديثان يدلان على أن الفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب، فالفجر الصادق: هو المستطيل [في الأفق] والكاذب الذي كذنب السرحان [الذئب] عمودياً في السماء)) (٢).
وأما الإفطار فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (٣)، فإذا غربت الشمس فقد دخل الليل؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم)) (٤)(٥).
стр. 110
المبحث العاشر: تيسير الله تعالى في الصيام
فرض الله صيام شهر رمضان ويسَّره على عباده، ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به، قال الله في فرضه شهر رمضان وتيسيره في ذلك: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، والله لم يوجب الصيام أداءً إلا على المسلم، البالغ، العاقل، القادر على الصيام، المقيم، السالم من الموانع، وهذا من رحمته وإحسانه، وتيسيره على عباده؛ فإنه تعالى لم يجعل عليهم في الدين من حرج كما قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وقال : ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، وقال جلَّ وعلا:
﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: ((نعم))، ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا (٤) كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: ((نعم)) ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: ((نعم)) ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ قال: ((نعم)) (٥).