← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96467

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (671 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والجوف (١)، فأما شمُّ الروائح فلا يفطر؛ لأنه ليس للرائحة جُرْمٌ يدخل إلى الجوف (٢)، إلا أن البخور له أجزاء لها جرم وهو الدخان المتصاعد؛ فليجتنبه الصائم. والله تعالى أعلم (٣).

стр. 177

النوع الرابع: ما كان بمعنى الأكل أو الشرب وهما شيئان: الأول: حقن الدم في الصائم ، مثل: أن يصاب بنزيف ويحتاج إلى إمداده بالدم فيُحقن به دمٌ؛ فإنه يفطر؛ لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب، وقد حصل له ذلك بحقن الدم فيه، فالجسد قائم على الدم، ولو فقد الدم لمات الإنسان، والدم متولّد عن الطعام والشراب، فيكون بهذا بمثابة الطعام والشراب، فإذا فقد الطعام والشراب يضعف البدن، وربما يموت صاحبه إذا فقده تماماً، فكذلك الدم. الثاني: الإبر المغذِّية التي يُكْتَفَى بها عن الأكل والشرب ، فإذا تناولها الإنسان أو حُقِنَ بها أفطر، وهي تُسَمَّى الآن بالمغذِّي، فيفطر بها الصائم وإن لم تكن أكلاً وشرباً؛ فإنها بمعنى الأكل والشرب، فثبت لها حكمهما. وأما الإبر غير المغذية التي يعالج بها الإنسان فهي غير مفطِّرة، سواء: تناولها عن طريق العضلات، أو عن طريق العروق، والوريد، حتى ولو وَجَدَ حرارتها في حلقه؛ فإنها لا تُفطِّر الصائم؛ لأنها ليست أكلاً ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب فلا يثبت لها حكمهما (١).

стр. 178

* وأما قطرة العين، والأذن، والكحل، فلا تفطر الصائم في أصح قولي العلماء (١)؛ لأنها ليست غذاء، ولا بمعنى الغذاء، وليست العين، والأذن من منافذ الطعام ولا الشراب، ولكن استعمال: قطرة العين وقطرة الأذن، والكحل في الليل أفضل خروجاً من الخلاف، ولا يجب ذلك (٢) ولكن هذا هو الأحوط (٣) والله تعالى أعلم.

стр. 179

* وأما بخاخ الربو، فلا يفطر؛ لأنه لا يشبه الأكل والشرب فأشبه سحب الدم للتحليل والإبر غير المغذية، فحكمه للصائم الإباحة إذا اضطر الصائم إلى ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) (٢)، فلا بأس باستخدام الصائم لهذا الغاز؛ لأنه عبارة عن غاز لا يثبت ولا يبقى؛ فهو لا يفطر؛ لأنه: ليس أكلاً، ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب؛ ولأن هذا البخاخ لا يصل

стр. 180

إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية (١) والله تعالى أعلم (٢). (٣).

стр. 181

النوع الخامس: إخراج الدم بالحجامة يُفْطِر به الصائم ؛ لحديث شداد بن أوس ﵁، أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيَدي، لثمان عشرة خلت من رمضان فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) (١)؛ ولحديث ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((أفطر الحاجم

стр. 182

والمحجوم)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : ((أفطر الحاجم والمحجوم)) (٢)؛ ولحديث رافع بن خديج ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) (٣)، وقد ذكر الترمذي ﵀ أن حديث ((أفطر الحاجم المحجوم)) رواه عن النبي ﷺ أحد عشر صحابياً (٤)، والإفطار بالجحامة: مذهب الإمام أحمد، وأكثر فقهاء الحديث (٥).

стр. 183

وهو الراجح من أقوال أهل العلم (١)، والقول بإفطار الصائم

стр. 184

بالحجامة قال به المحققون، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)،

стр. 185

وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀ (١)، وفقهاء المحدثين (٢) ومن المعاصرين شيخنا الإمام ابن باز ﵀ (٣)،والعلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٤)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٥). وفي معنى إخراج الدم بالحجامة: إخراجه بالفصد ونحوه، مما يؤثر على البدن تأثير الحجامة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أثناء ذكره لأقوال أهل العلم في الفطر بالحجامة: (( .... والرابع وهو الصواب واختاره أبو المظفر ابن هبيرة الوزير العالم العادل، وغيره: أنه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما، وذلك؛ لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد شرعاً وطبعاً)) (٦)، وعلى هذا فلا يجوز للصائم صوماً واجباً أن يتبرَّع بإخراج دمه، إلا أن يوجد مضطر له لا تُدفع ضرورته إلا به، ولا ضرر على الصائم بسحب الدم منه، فيجوز للضرورة، ويفطر به الصائم المتبرع ويقضي يوماً مكانه. وأما خروج الدم بالرعاف، أو السعال، أو الباسور، أو قلع السن، أو شق الجرح، أو غرز الإبرة، أو

стр. 186

سحب بعض الدم للتحليل، ونحوها، فلا يفطر؛ لأنه ليس بحجامة، ولا بمعناها؛ لأنه لا يؤثر في البدن كتأثير الحجامة، والله تعالى أعلم (١). النوع السادس: الاستقاء عمداً ، فالتقيؤ عمداً يفطر به الصائم؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((من ذرعه القيء (٢) فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء)) وهذا لفظ ابن ماجه، ولفظ الترمذي: ((من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقى عمداً فليقضِ))، ولفظ أبي داود: ((من ذرعه قيء وهو صائم؛ فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقضِ)) (٣). قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء))، وقال: ((وأجمعوا على إبطال صوم من استقى عامداً)) (٤)، وقال الإمام ابن قدامة: ((معنى استقاء: تقيأ مستدعياً للقيء، وذرعه: خرج من غير اختيار منه، فمن استقاء فعليه القضاء؛ لأن صومه

стр. 187

يفسد به، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه، وهذا قول عامة أهل العلم، قال الخطابي: لا أعلم بين أهل العلم فيه (١) اختلافاً)) (٢). ويفطر إذا تعمد القيء: إما بالفعل، كعصر بطنه، أو غمز حلقه، أو بالشم، مثل: أن يشم شيئاً؛ ليقيء به، أو بالنظر: كأن يتعمَّد النظر إلى شيء يقيء به، فيفطر بذلك كله، وعليه القضاء. أما إذا حصل القيء منه بدون سبب منه؛ فإنه لا يضره، وإذا راجت معدتُهُ لم يلزمه منع القيء؛ لأن ذلك يضره ولكن يتركه، فلا يحاول القيء ولا منعه، ولا قضاء عليه إن غلبه (٣). وهكذا القلس (٤) إذا خرج من حلقه ثم عاد بغير اختياره، لا يفطر، وإذا ابتلعه عمداً، فإنه يفطره، أما إذا خرج إلى الحلق بغير قصدٍ منه، فإنه يلفظه ببزقه له، ولا يضرّه، ولله الحمد (٥).

стр. 188

النوع السابع: خروج دم الحيض والنفاس ، فإذا رأت المرأة دم الحيض، أو دم النفاس فسد صومها وأفطرت، سواء في أول النهار، أو آخره، ولو قبل الغروب بلحظة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تَصُمْ؟)) (١). وإن أحست الحائض بانتقال الدم أو ألمه، ولكنه لم يخرج ولم يبرز إلا بعد غروب الشمس فصومها صحيح (٢). والحائض والنفساء تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كُنَّا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ،فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) (٣)،وعن معاذة أنها قالت لعائشة ﵂: أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت (٤)؟ قد كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله)).وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم: عن معاذة قالت سألت عائشة ﵂، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت:

стр. 189

أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١))) النوع الثامن: نية الإفطار ، فمن نوى الإفطار فقد أفطر؛ لأن النية أحد ركني الصيام، فإذا نوى الفطر فسد صومه؛ لأنه قطع النية؛ لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) (٢) فما دام يستصحب النية في الصوم فهو صائم، وإذا نوى الإفطار فقد قطع النية فأفطر بذلك، كما لو نوى قطع الصلاة؛ فإنها تنقطع الصلاة (٣). والله تعالى اعلم (٤). وهذا في صوم الفرض، فأما صوم النافلة، فإنه كذلك إن نوى الفطر

стр. 190

أفطر وإن عاد فنوى الصوم صح صومه، كما لو أصبح غيرناوٍ للصيام؛ ثم نوى الصيام؛ لأن نية الفطر إنما أبطلت الفرض؛ لما فيه من قطع النية المشترطة في جميع النهار حكماً (١)، وخُلوِّ بعض أجزاء النهار عنها (٢)، ولكن تقدم أن المنصوص عن الإمام أحمد أن ثواب صوم التطوع يبدأ من النية (٣)،وينبغي للصائم أن لا يتردَّد في نية الصوم بل يكون بنية جازمة (٤).

стр. 191

النوع التاسع: الرِّدَّة عن الإسلام ، فمن ارتدَّ عن الإسلام بقولٍ أو فعلٍ، أو اعتقادٍ، أو شكٍّ، أو أتى بناقضٍ من نواقض الإسلام، فقد أبطل صومه، بل أبطل جميع أعماله الصالحة؛ لقول الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((لا نعلم بين أهل

стр. 192

العلم خلافاً في أنَّ من ارتدَّ عن الإسلام في أثناء الصوم أنه يفسد صومه ... ، وذلك؛ لأن الصوم عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة، كالصلاة والحج؛ ولأنه عبادة محضة فنافاها الكفر، كالصلاة)) (١) والمرتدُّ يُستتاب فإن تاب وإلا قتله الحاكم.

стр. 193

المبحث الثالث عشر: شروط المفطرات يشترط للمفطرات ما عدا الحيض والنفاس ثلاثة شروط؛ فإذا لم توجد فلا تفطر هذه المفطرات، قال العلامة محمد بن مفلح المقدسي ﵀ بعد أن ذكر جملة من المفطرات: (( ... وإنما يفطر بجميع ما سبق إذا فَعَلَهُ عامداً، ذاكراً لصومه، مختاراً)) (١)،والشروط باختصار على النحو الآتي: الشرط الأول: أن يكون الصائم عالماً بالحكم ، والعلم: لغة نقيض الجهل، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، وقال الشوكاني ﵀: ((العلم: هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً)) فإن كان جاهلاً لم يفطر؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: ((قد فعلت)) (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٣). الشرط الثاني: أن يكون ذاكراً ، فإن كان ناسياً فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نسي

стр. 194

وهو صائم فأكل أو شرب فليتمَّ صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) (١)، فَأَمْر النبي ﷺ بإتمامه صومه دليل على صحته، ونسبة إطعام الناسي وسَقْيه إلى الله، دليل على عدم المؤاخذة عليه (٢). قال البخاري ﵀: ((وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس به إن لم يملك، وقال الحسن: إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه، وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسياً فلا شيء عليه)) (٣)،وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((لو نسي فجامع فلا شيء عليه على الصحيح)) (٤). لكن متى ذكر أو ذُكِّر وجب عليه أن يُمسك، ويلفظ ما في فمه إن كان فيه شيء؛ لزوال عذره حينئذٍ. ويجب على من رأى صائماً يأكل أو يشرب أن ينبهه (٥)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٦). الشرط الثالث: أن يكون مختاراً ، فيتناول المفطر باختياره وإرادته،

стр. 195

فإن كان مُكرهاً فصيامه صحيح ولا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن الله تعالى رفع الحكم عمن كفر مُكرهاً وقلبه مُطمئنٌّ بالإيمان، فقال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ (١) وإذا رفع الله حكم الكفر عمن أُكره عليه فما دونه أولى؛ ولقول النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)) (٢). فلو أُكره الصائم على الإفطار فأفطر، أو أَكره الرجل زوجته على الوطء وهي صائمة وألجأها إلى ذلك بالقوة، فصيامها صحيح ولا قضاء عليها ولا كفارة كما تقدم. ولو طار إلى جوف الصائم غبار، أو دخل في حلقه أو جوفه شيء بغير اختياره، أو تمضمض أو استنشق فنزل إلى جوفه شيء من الماء بغير اختياره، فصيامه صحيح ولا قضاء عليه (٣)، أو احتلم الصائم أثناء نومه فأنزل أو لم ينزل فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن ذلك بغير اختياره.

стр. 196

المبحث الرابع عشر: آداب الصيام الواجبة الواجب: هو ما يُثاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، والصيام له آداب واجبة، لا بدَّ للصائم من المحافظة عليها سواء كانت من العبادات القولية أو الفعلية، فيجب على الصائم أن يلتزم بجميع الواجبات في الصيام وغيره، وفي الحضر والسفر، ولا يترك واجباً أوجبه الله تعالى، وأعظم الواجبات وأهم المهمات بعد الشهادتين الصلاة المفروضة، وهي وإن كانت واجبة في الصيام وفي غيره من الأوقات إلا أن بعض الصائمين يتساهل بها ويظن أن ذلك لا يؤثر على دينه وصيامه. وبعض الصائمين ينام عن الصلاة متعمداً ولا يُصلِّيها إذا استيقظ لتهاونه بشأنها، وبعضهم يسهر الأوقات الطويلة خاصة في ليالي شهر رمضان، فإذا لم يبقَ من طلوع الفجر إلا الوقت القليل نام عن صلاة الفجر، وربما لا يستيقظ إلا بعد غروب الشمس عند الإفطار، ثم ينشغل بالإفطار ويترك المغرب والعشاء كذلك. وبعض الصائمين يصلي، ولكنه لا يصلي مع جماعة المسلمين. فأما من ترك الصلاة مطلقاً متهاوناً بشأنها فجميع أعماله مردودة غير مقبولة؛ لأنه على الصحيح بتركه للصلاة متعمداً يكفر بذلك، ولا يُقبل منه صيام ولا غيره؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ (١)، ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ

стр. 197

عَمَلُكَ﴾ (١)، وتارك الصلاة كالمشرك كما سيأتي في الأدلة الآتية قريباً؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ (٢). وأما ترك صلاة الجماعة، فهو ذنب عظيم؛ لأنه ترك واجباً أوجبه الله تعالى عليه. وسأقتصر في هذا المبحث على حكم من ترك الصلاة، وحكم صلاة الجماعة بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃ على النحو الآتي: أولاً: حكم تارك الصلاة ترك الصلاة المفروضة كفر، فمن تركها جاحدًا لوجوبها كفر كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم، ولو صلَّى (٣)،أما من ترك الصلاة بالكلّيّة، وهو يعتقد وجوبها ولا يجحدها، فإنه يكفر، والصحيح من أقوال أهل العلم أن كفره أكبر يُخرج من الإسلام؛ لأدلة كثيرة منها على سبيل الاختصار ما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٤)، وهذا يدل على أن تارك الصلاة مع الكفار

стр. 198

والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون قائمة، ولو كانوا من المسلمين لأُذِنَ لهم بالسجود كما أُذِنَ للمسلمين. ٢ - وقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (١). فتارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٢). ٣ - وقال الله : ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣). فعلّق أخوَّتهم للمؤمنين بفعل الصلاة. ٤ - عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (٤). ٥ - وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) (٥).

стр. 199

٦ - وعن عبد الله بن شقيق ﵁ قال: ((كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة)) (١). ٧ - وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة غير واحد من أهل العلم (٢). ٨ - وذكر الإمام ابن تيمية أن تارك الصلاة يكفر الكفر الأكبر لعشرة وجوه (٣). ٩ - وأورد الإمام ابن القيم ﵀ أكثر من اثنين وعشرين دليلاً على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر (٤). والصواب الذي لا شك فيه، أن تارك الصلاة مطلقًا كافر لهذه الأدلة الصريحة (٥). ١٠ - قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وقد دلّ على كفر تارك

стр. 200

الصلاة: الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة)) (١). وهذا كله يُبين أن تارك الصلاة متعمداً متهاوناً يكفر، ولا يقبل منه صيام ولا غيره من العبادات، نعوذ بالله من غضبه. ثانياً: حكم صلاة الجماعة: صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلَّفين القادرين، حضراً وسفراً، للصلوات الخمس (٢)؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة،

стр. 201

والآثار، ومنها ما يأتي: ١ - أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١)، فالله أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، فلو كانت الجماعة سُنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان. ٢ - أمر الله بالصلاة مع المصلين فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢)، فقد أمر الله بالصلاة مع جماعة المصلين، والأمر يقتضي الوجوب. ٣ - عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا

стр. 202

يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (١). فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)).وفي لفظ: (( .. فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه .. )) (٢). وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود (٣). ٤ - أمر النبي ﷺ بالصلاة مع الجماعة ، فعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة - وكان رحيماً رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ((ارجعوا فكونوا فيهم، وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) (٤).

стр. 203

فالنبي ﷺ أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي الوجوب. ٥ - همّ النبي ﷺ بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة ؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: ((لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالِفَ (١) إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها)). وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلاً فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً (٢)، أو مرماتين حسنتين (٣) لشهد العشاء)). وفي لفظ لمسلم: ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً (٤)، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة،

стр. 204

فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (١). وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض عين (٢). ٦ - لم يرخّص النبي ﷺ للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة ؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) فقال: نعم، قال: ((فأجب)) (٣). وعن ابن أم مكتوم ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم، قال: ((لا أجد لك رخصة)) (٤). وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي ﷺ : ((أتسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا (٥))) (٦).

стр. 205

وهذا يُصَرِّح فيه النبي ﷺ بأنه لا رخصة للمسلم في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مُخَيَّراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا الأعمى الذي قد اجتمع له ستة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد (١). ٧ - بيَّن النبي ﷺ أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهماعن النبي ﷺ أنه قال: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاةَ له إلا من عُذرٍ)) (٢). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل ناقصة، والجمهور على الإجزاء ... )) (٣). ٨ - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال ؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: ((لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد

стр. 206

عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي ﷺ علمنا سنن الهُدى، وإنَّ من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه)). وفي رواية: أن عبد الله قال: ((من سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ يُنادَى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى (١)،وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (٢)، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين (٣) حتى يقام في الصف)) (٤). وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب، ولا بفعل مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو

стр. 207

فعل محرم (١)،وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن للمنافقين علامات يُعرَفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً (٣)، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْراً (٤) مستكبرين، لا يألفون ولا يُؤلفون، خُشُبٌ (٥) بالليل، صُخُبٌ بالنهار)) (٦). وفي لفظ: ((سُخُبٌ بالنهار)) (٧). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن)) (٨).وفي رواية عنه ﵁: ((كنا إذا فقدنا الرجل في

стр. 208

صلاة الغداة أسأنا به الظن)) (١). ٩ - تارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه ؛ لحديث ابن عباس وابن عمر ﵃ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواده (٢): ((لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم (٣) الجماعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين)) (٤). وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم. ١٠ - استحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة ؛ لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة (٥) إلا قد استحوذ عليهم الشيطان (٦)، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (٧). قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة (٨)، فقد أخبر النبي ﷺ

стр. 209

باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندباً يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (١). ١١ - تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة ؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة ﵁ فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة ﵁: ((أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ )) (٢). فقد جعله أبو هريرة ﵁ عاصياً لرسول الله ﷺ بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة (٣). قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى-: ((فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم)) (٤). وقد جاء النهي صريحاً، فعن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ : ((إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) (٥). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا

стр. 210

لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يذكر أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أُذِّن فيه، إلا لعذر: كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر. قلت: قال الترمذي ﵀: ((وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه)) (٢). وذكر المباركفوري ﵀: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أُذِّن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنباً، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر، ومن في معناه (٣). ١٢ - تفقد النبي ﷺ للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة ؛ لحديث أُبيّ بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح، فقال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((إن هاتين الصلاتين (٤) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما،

стр. 211

لأتيتموها ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)) (١). ١٣ - إجماع الصحابة ﵃ على وجوب صلاة الجماعة ؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: ((فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشاراً، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وبالله التوفيق)) (٢). وقال الترمذي ﵀: ((وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له)) (٣). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر)) (٤). وقال مجاهد: ((وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا

стр. 212

يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار)) (١). قال الترمذي ﵀: ((ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها)) (٢). ومن الصائمين من ينام عن الصلاة في وقتها، وهذا من أعظم المنكرات، وأشد الإضاعة للصلوات، وخاصة إذا كان متعمداً، حتى قال كثير من العلماء: ((إن من أخّر الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي لم تقبل منه ولو صلى مائة صلاة)) (٣)؛ لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) (٤)، والصلاة بعد خروج وقتها ليس عليها أمر النبي ﷺ ، فتكون مردودة غير مقبولة (٥).

стр. 213

المبحث الخامس عشر: الصيام في بلاد يطول فيها النهار مَنْ عندهم ليل ونهار في ظرف أربع وعشرين ساعة فإنهم يصومون نهاره سواء كان قصيراً أو طويلاً، ويكفيهم ذلك والحمد لله، ولو كان النهار قصيراً. أما من طال النهار عندهم والليل أكثر من ذلك كستة أشهر، فإنهم يُقدِّرون للصيام وللصلاة قدرهما كما أمر النبي ﷺ بذلك في يوم الدجال الذي كسنة، وهكذا يومه الذي كشهر أو كأسبوع، يقدر للصلاة قدرها في ذلك (١). وقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في هذه المسألة، وأصدر القرار رقم ٦١ وتاريخ ١٢/ ٤/ ١٣٩٨هـ، ونصه ما يلي: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: فقد عُرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية عشرة المنعقدة بالرياض في الأيام الأولى من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٨هـ كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رقم ٥٥٥ وتاريخ ١٦/ ١/١٣٩٨هـ المتضمن ما جاء في خطاب رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة (مالمو) بالسويد الذي يفيد فيه بأن الدول

стр. 214

الإسكندنافية يطول فيها النهار في الصيف ويقصر في الشتاء نظراً لوضعها الجغرافي، كما أن المناطق الشمالية منها لا تغيب عنها الشمس إطلاقاً في الصيف، وعكسه في الشتاء، ويسأل المسلمون عن كيفية الإفطار والإمساك في رمضان؟ وكذلك كيفيَّة ضبط أوقات الصلوات في هذه البلدان؟. ويرجو معاليه إصدار فتوى في ذلك ليزودهم بها. ا. هـ. وعُرض على المجلس أيضاً ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ونقول أخرى للفقهاء في الموضوع، وبعد الاطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي: أولاً: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٢)؛ولما ثبت عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة، فقال له: ((صلِّ مَعَنا هذين)) يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس،

стр. 215

ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فَأبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخّرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: ((أين السائل عن وقت الصلاة؟))، فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: ((وقت صلاتكم بين ما رأيتم)) (١). رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس، فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان)) (٢). أخرجه مسلم في صحيحه. إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تفرِّقْ بين طول النهار وقصره، وطول الليل وقصره ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله ﷺ .
следующие страницы →