لأتيتموها ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)) (١).
١٣ - إجماع الصحابة ﵃ على وجوب صلاة الجماعة ؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: ((فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشاراً، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وبالله التوفيق)) (٢).
وقال الترمذي ﵀: ((وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له)) (٣). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر)) (٤).
وقال مجاهد: ((وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا
стр. 212
يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار)) (١).
قال الترمذي ﵀: ((ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها)) (٢).
ومن الصائمين من ينام عن الصلاة في وقتها، وهذا من أعظم المنكرات، وأشد الإضاعة للصلوات، وخاصة إذا كان متعمداً، حتى قال كثير من العلماء: ((إن من أخّر الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي لم تقبل منه ولو صلى مائة صلاة)) (٣)؛ لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) (٤)، والصلاة بعد خروج وقتها ليس عليها أمر النبي ﷺ ، فتكون مردودة غير مقبولة (٥).
стр. 213
المبحث الخامس عشر: الصيام في بلاد يطول فيها النهار
مَنْ عندهم ليل ونهار في ظرف أربع وعشرين ساعة فإنهم يصومون نهاره سواء كان قصيراً أو طويلاً، ويكفيهم ذلك والحمد لله، ولو كان النهار قصيراً. أما من طال النهار عندهم والليل أكثر من ذلك كستة أشهر، فإنهم يُقدِّرون للصيام وللصلاة قدرهما كما أمر النبي ﷺ بذلك في يوم الدجال الذي كسنة، وهكذا يومه الذي كشهر أو كأسبوع، يقدر للصلاة قدرها في ذلك (١).
وقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في هذه المسألة، وأصدر القرار رقم ٦١ وتاريخ ١٢/ ٤/ ١٣٩٨هـ، ونصه ما يلي:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
فقد عُرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية عشرة المنعقدة بالرياض في الأيام الأولى من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٨هـ كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رقم ٥٥٥ وتاريخ ١٦/ ١/١٣٩٨هـ المتضمن ما جاء في خطاب رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة (مالمو) بالسويد الذي يفيد فيه بأن الدول
стр. 214
الإسكندنافية يطول فيها النهار في الصيف ويقصر في الشتاء نظراً لوضعها الجغرافي، كما أن المناطق الشمالية منها لا تغيب عنها الشمس إطلاقاً في الصيف، وعكسه في الشتاء، ويسأل المسلمون عن كيفية الإفطار والإمساك في رمضان؟ وكذلك كيفيَّة ضبط أوقات الصلوات في هذه البلدان؟. ويرجو معاليه إصدار فتوى في ذلك ليزودهم بها. ا. هـ.
وعُرض على المجلس أيضاً ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ونقول أخرى للفقهاء في الموضوع، وبعد الاطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي:
أولاً: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٢)؛ولما ثبت عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة، فقال له: ((صلِّ مَعَنا هذين)) يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس،
стр. 215
ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فَأبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخّرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: ((أين السائل عن وقت الصلاة؟))، فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: ((وقت صلاتكم بين ما رأيتم)) (١). رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس، فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان)) (٢). أخرجه مسلم في صحيحه. إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تفرِّقْ بين طول النهار وقصره، وطول الليل وقصره ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله ﷺ .
стр. 216
هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعاً وعشرين ساعة. ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط، وإن كان قصيراً، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (١)، ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله، أو علم بالأمارات والتجربة، أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضاً شديداً، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء. قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤).
ثانياً: من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفاً ، ولا تطلع
стр. 217
فيها الشمس شتاء، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلادٍ إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها عن بعض؛ ما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة، فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربَّه التخفيف حتى قال: ((يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ... )) (١) إلى آخره؛ ولما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : ((خمس صلوات في اليوم والليلة))،فقال: هل عليَّ غيرهن. فقال: ((لا، إلاّ أن تطوَّع ... )) (٢). الحديث.
ولما ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ((نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: ((صدق)) إلى أن قال:
стр. 218
وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: ((صدق))، قال: فبالذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم ... )) (١).
وثبت أن النبي ﷺ حدّث أصحابه عن المسيح الدجال، فقالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: ((أربعون يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم))، فقيل: يا رسول الله! اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: ((لا، اقدروا له قدره)) (٢)، فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوماً واحداً يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتباراً بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسؤول عن تحديد أوقات الصلاة فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلادٍ إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتُعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة.
وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم، فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة؛ لما
стр. 219
تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه؛ إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء (١).
رئيس الدورة
عبد العزيز بن صالح
عبد الله خياط ... عبد الله بن حميد ... عبد العزيز بن باز
عبد المجيد حسن ... محمد الحركان ... عبد الرزاق عفيفي
محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... راشد بن خنين
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
стр. 220
المبحث السادس عشر: محرمات الصيام
المحرَّم: هو ما يستحق العقاب فاعله، ويُثاب تاركُه.
والصائم يحرم عليه أن يفعل شيئاً حرمه الله ورسوله ﷺ ، والمحرمات على الصائم نوعان:
النوع الأول: أنواع المفطرات ، التي ذُكِرت، وأنها تُفطر الصائم: من الأكل، والشرب، والجماع، وإنزال المني باختياره، والحجامة، والتقيؤ عمداً، وتناول ما يقوم مقام الغذاء، ونية الإفطار في صيام الفرض بدون عذر شرعي، وغيرها من المفطرات، فيحرم على الصائم صيام الفرض: كصوم رمضان، والكفارات، والنذور، أن يتناول شيئاً من هذه المفطرات، إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر؛ لأن من تلبَّس بواجبٍ لزمه إتمامه إلا لعذر شرعي صحيح، ثم إن كان في شهر رمضان وفعل شيئاً من هذه المفطرات بدون عذر أثم إثماً عظيماً ويلزمه ويجب عليه الإمساك بقية اليوم، والقضاء، وعليه أن يتوب ويستغفر الله، وعليه الكفارة إذا كان ما أفطر عليه هو الجماع في نهار رمضان، فإن كان صيام الفرض غير رمضان: صيام الكفارات، أو قضاء رمضان، أو صيام النذر؛ فإنه يلزمه القضاء دون الإمساك، وعليه التوبة إلى الله تعالى والاستغفار؛ لأن من تناول المفطر بدون عذر في صيام الفرض قد ورد فيه الوعيد الشديد، فعن أبي أمامة ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بينا أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعيَّ (١)
стр. 221
فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهِّله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل (١) إذا بأصواتٍ شديدةٍ، فقلت: ما هذه الأصوات؛ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلَّقين بعراقيبهم (٢) مشقَّقة أشداقهم (٣) تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّةِ صومهم (٤) ... )) الحديث (٥). وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن أفطر في رمضان بغير عذر.
النوع الثاني: جميع المحرمات في رمضان وغيره ، فيجب على الصائم أن يجتنب جميع ما حرَّم الله عليه من الأقوال والأفعال، ويحرم عليه أن يفعل شيئاً من ذلك، سواء كان في أثناء الصيام أو في غيره، والمحرمات كثيرة يجب اجتنابها في جميع الأوقات: في رمضان وفي غيره، ولكن الصائم إذا
стр. 222
فعلها دلَّ ذلك على فساد قلبه وضعف عقله؛ لأنه لم يستطع تركها حتى وهو صائم، وإلاَّ فالمحرمات يجب اجتنابها في كل وقت وفي كل لحظة، طاعةً لله تعالى، ورغبةً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، ومن هذه المحرمات على سبيل الإيجاز ما يأتي:
١ - الكذب: وهو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عمدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل والسهو وإنما يأثم في العمد (١).
وأعظم الكذب وأقبحه الكذب على الله ورسوله ﷺ ، قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُون﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى الله الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُون﴾ (٤)، والآيات في تحريم الكذب على الله ورسوله كثيرة (٥).
стр. 223
وأما الأحاديث فكثيرة جداً أقتصر على حديثين منها:
فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحدٍ، فمن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأْ مقعدَه من النار)) (١).
قال الإمام مسلم ﵀: وفي الأثر المشهور عن رسول الله ﷺ : ((من حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) (٢).
والكذب على الله ورسوله ﷺ فاحشة عظيمة وذنب كبير، وموبقة كبيرة (٣).
والكذب عموماً على غير الله ورسوله قد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريمه في الجملة، وهو من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب، وإجماع الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص المتظاهرة (٤)، ويكفي في تحريمه والتنفير منه (٥) قول النبي ﷺ : ((آية المنافق ثلاث: إذا
стр. 224
حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِنَ خان)) (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِين﴾ (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدِّيقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذَّاباً))، وفي رواية لمسلم: ((عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذَّاباً)) (٣).
ولا يجوز الكذب إلا في ثلاث حالات:
الحالة الأولى: في الحرب ؛ لحديث: ((الحرب خَُدْعة)) (٤).
стр. 225
الحالة الثانية: الإصلاح بين الناس ؛ لقوله ﷺ : ((ليس الكذَّاب الذي يصلح بين الناس فَيَنْمِي خيراً أو يقول خيراً)) (١).
الحالة الثالثة: وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها عند المصلحة، وقد دل على هذه الخصال الثلاث، حديث أم كلثوم بنت عقبة ﵂ في رواية مسلم: ((ليس الكذَّاب الذي يصلح بين الناس فَيَنْمِي خيراً أو يقول خيراً)) قال ابن شهاب: ((ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاثٍ: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها)). وفي رواية لمسلم أيضاً قالت أم كلثوم: ((ولم أسمعه يرخِّصُ في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث، بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب)) (٢).
٢ - قول الزور وشهادة الزور ، والزور كلمة عامة يدخل فيه: الكذب، والباطل، والتهمة، وشهادة الزور، والأصل في الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يُخيَّل إلى من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به، قال الإمام الطبري ﵀: (( ... فإن كان ذلك كذلك فأولى الأقوال بالصواب ... أن يقال: إن الزور كل باطل سواء كان ذلك:
стр. 226
شركاً، أو غناءً، أو كذباً، أو غيره، وكل ما لزمه: الزور؛ لأن الله عمَّ في وصفه عباد الرحمن أنهم لايشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخصّ من ذلك شيئاً إلا بحجة)) (١).
قال الله تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور﴾ (٣).
فيجب على الصائم أن يجتنب قول الزور وشهادة الزور، والجهل والعمل به، ويحرم عليه أن يفعل شيئاً من ذلك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به [والجهل] فليس لله حاجةٌ [في] أن يدع طعامه وشرابه)) (٤).
والمراد بالزور: الكذب، والجهل، والسَّفَه، والعمل به: أي بمقتضاه (٥).
٣ - الغيبة، وهو ذكرك أخاك بما يكره في غَيبته ، وقد عرّفها
стр. 227
النبي ﷺ بذلك، قال الإمام النووي ﵀: ((الغيبة: ذكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في: بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلْقِه، أو خُلُقِه، أو ماله، أو ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسته أو غير ذلك، مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز، ومن ذلك قول كثير من الفقهاء في التصانيف: قال بعض من يدَّعي العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح ... ممن يفهم السامع المراد منه ... ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة، فكل ذلك من الغيبة)) (١).
والغيبة محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة (٢) على الصائم وغيره.
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيم﴾ (٣).
وعن أبي هريرة ﵁،أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذكرك أخاك بما يكره)) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما
стр. 228
تقول فقد بهته)) (١)،وقد جاءت الآيات الكثيرة، والأحاديث العديدة في تحريم الغيبة، والترهيب منها (٢)،فيجب على الصائم أن يبتعد عن الغيبة وغيرها من آفات اللسان؛ فإن ((أكثر خطايا ابن آدم في لسانه)) (٣).
وتباح الغيبة لغرض شرعي لستة أسباب:
السبب الأول: التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطان، أو القاضي، ويقول فلان فعل بي كذا وكذا.
السبب الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول: فلان يعمل كذا فأزجره عنه.
السبب الثالث: الاستفتاء ، كأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو أبي أو غيره، فهل له ذلك؟ وما طريقتي في الخلاص منه؟ والأفضل: أن يقول: في رجل أو زوج أو ولد؟.
السبب الرابع: تحذير المسلمين من الشر: كجرح المجروحين، والإخبار بالعيب عند المشاورة، والنصيحة للمسلمين وتحذيرهم من أهل البدع، وتحذير السلطان من تولية الفسقة والظلمة على المسلمين.
السبب الخامس: أن يكون مجاهراً، بفسقه، أو بدعته فيجوز ذكره بما
стр. 229
يجاهر به، ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر.
السبب السادس: التعريف ، فإذا كان معروفاً بلقب، كالأعمش، والأعرج، والقصير، وغير ذلك جاز ذكره بذلك، ويحرم ذكره به تنقصاً، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى، والله أعلم (١).
وقد جمع بعضهم هذه الأسباب الستة في قوله:
القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلِّمٍ، ومعرِّفٍ، ومُحذِّرِ
ومجاهر فسقاً ومستفتٍ ... ومن طلب الإعانة في إزالة منكر (٢)
٤ - النميمة ، وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم (٣).
وهي من كبائر الذنوب، ومحرَّمةٌ بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة والإجماع (٤).
والنميمة تفسد بين الرجل وزوجه، وبين الرجل وأخيه، وهي تفسد أكثر مما يفسد السحر، وقد روى ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: ((يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة)) (٥)،فظهر
стр. 230
بذلك أنها من أنواع السحر؛ لأنها تشارك السحر في التفريق بين الناس وتغيير قلوب المتحابين، وتلقيح الشرور؛ ولهذا حذَّر الله منها فقال: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِين* هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيم﴾ (١).
وحذَّر منها النبي ﷺ فقال: ((لا يدخل الجنة نمّام))، وفي لفظ: ((لا يدخل الجنة قتات)) (٢)، والنميمة جاءت فيها الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ (٣)، وينبغي أن يعمل من نقلت إليه نميمة بستة أمور:
الأمر الأول: أن لا يُصدَّق النمام؛ لأنه فاسق .
الأمر الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ، ويقبح له فعله.
الأمر الثالث: أن يبغضه في الله تعالى .
الأمر الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء .
الأمر الخامس: أن لا يحمله ما حُكي له على التجسس والبحث عن ذلك .
الأمر السادس: لا يرضى لنفسه ما نهى عنه النمام ، فلا يحكي نميمة عنه فيقول: فلان حكى كذا وكذا فيصير به نماماً، ويكون آتياً ما نهى عنه (٤).
٥ - يتجنب الغش، في جميع المعاملات: من بيع، وإجارة، وصناعة،
стр. 231
ورهن، وفي جميع الأعمال والأقوال، وفي جميع المناصحات والمشاورات؛ فإن الغش من كبائر الذنوب، وقد تبرَّأَ النبي ﷺ من فاعله فقال: ((من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا)) (١)، وفي لفظ: ((من غش فليس مني)) (٢).
والغش: خديعة وخيانة، وضياع للأمانة، وفقد للثقة بين الناس، وكل كسب من الغش فإنه كسب خبيث، حرام لا يزيد صاحبه إلا بُعداً من الله تعالى (٣).
٦ - يتجنب المعازف وآلات اللهو والطرب ؛ فإن المعازف هي آلات اللهو بجميع أنواعها: كالعود، والربابة، وغيرها من الأفلام، وما يعرض به الصور الخليعة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين﴾ (٤).
وقد صح عن ابن مسعود ﵁، أنه سُئل عن هذه الآية فقال: ((والله الذي لا إله غيره هو الغناء)) (٥).
стр. 232
وصح أيضاً عن ابن عباس، وابن عمر، وذكره ابن كثير عن جابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد (١)، وقال الحسن: ((نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير)) (٢).
وقد حذر النبي ﷺ من المعازف، وقرنها بالزنا، فقال ﷺ : ((ليكونَنَّ من أمتي أقوامٌ يستحلِّون الِحرَ، والحرير، والخمر، والمعازف ... )) (٣). والحِرُ: الفرج، والمراد به الزنا، ومعنى يستحلُّون: أي يفعلونها فعل المستحلِّ لها بدون مبالاة، وقد وقع في زمننا فكان من الناس من يستعمل هذه المعازف أو يستمعها كأنها شيء حلال، فاحذر يا عبد الله من نواقض الصوم ونواقصه (٤).
٧ - يجتنب الصائم جميع ما حرَّمَ الله تعالى في كل حال: فلا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك الشهوات: من الطعام والشراب، وسائر المفطرات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه في كل حال: من الكذب، والظلم، والعدوان على الناس في: دمائهم، وأموالهم،
стр. 233
وأعراضهم، وترك اللغو، والرفث، وقول كل باطلٍ؛ ولهذا جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغوِ والرَّفث (١)، فإن سابَّك أحدٌ أو جهل عليك، فلتقل: إني صائم، إني صائم)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رُبَّ صائمٍ حظّه من صيامه الجوع والعطش، ورُبَّ قائمٍ حظّه من قيامه السهر))، وهذا لفظ ابن خزيمة، ولفظ الإمام أحمد: ((كم من صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، وكم قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر)) (٣).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: (( ... وإذا كان يوم صوم
أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب (٤)؛ فإن سابَّه أحد
стр. 234
أو قاتله (١) فليقل: إني امرُؤٌ صائم ... )) (٢).
قال بعض السلف: ((أهون الصيام: ترك الطعام، والشراب)) (٣)،وقال جابر ﵁: ((إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك، عن الكذب، والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء)) (٤)، وقد أحسن القائل حين قال:
إذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ
وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صَمتُ
فحظِّي إذاً من صومي الجوعُ والظمأ
فإن قلت إني صمت يومي فما صمتُ (٥)
قال ابن رجب ﵀: ((وسرُّ هذا أن التقرّب إلى الله تعالى بترك
стр. 235
المباحات لايكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرّمات ثم تقرّب بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرّب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئاً عند الجمهور بحيث لايؤمر بإعادته؛ لأن العمل إنما يبطل بارتكاب ما نهي عنه فيه لخصوصه دون ارتكاب ما نُهي عنه لغير معنى يختص به، هذا هو أصلُ جمهور العلماء)) (١).
стр. 236
المبحث السابع عشر: آداب الصيام المستحبة
المستحب والمسنون: هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
والصوم له آداب مستحبة، يستحب للصائم المحافظة عليها، والعمل بها؛ ليحصل على الثواب الأكمل والأجر الأعظم في صيامه، وهذه الآداب على النحو الآتي:
أولاً: السّحور ومشروعيته على النحو الآتي:
١ - مفهومه: السَّحور [بفتح السين]: ما يُتسَحَّرُ به، [وبضم السين] السُّحُور: الفعل نفسه (١)، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يقع في السَّحَر (٢)، وهو في الحقيقة: كل طعامٍ أو شرابٍ يَتَغَذَّى به آخر الليل في السحر من أراد الصيام (٣).
٢ - وقت السحور: يبدأ من السحر: وهو آخر الليل قُبيل الصبح، وجَمْعُ السَّحَر: أسحار، وقيل: السَّحَر من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر (٤) فعلى هذا يكون وقت السحور من بداية ثلث الليل الآخر إلى
стр. 237
طلوع الفجر الثاني والأفضل تأخيره إلى قُبَيْل الفجر الثاني كما سيأتي.
٣ - الإمساك عن السحور وجميع المفطرات يكون من طلوع الفجر الثاني؛ فإن الفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب، فالفجر الصادق: هو المستطيل في الأفق، والفجر الكاذب: هو العمودي من جهة الأرض إلى جهة السماء، وهو كذنب الذئب، والفجر الأول هو الذي لايتبيَّن فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والخيط الأبيض: هو بياض النهار، والخيط الأسود: هو سواد الليل، كما قال الله تعالى:
﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١)، وقد فسر النبي ﷺ الخيط الأبيض والأسود فقال: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) (٢).
وقد كان للنبي ﷺ مؤذنان: المؤذن الأول بلال ﵁ وكان يؤذن قبل طلوع الفجر الثاني بوقت يسير، والمؤذن الثاني ابن أمِّ مكتوم ﵁، وكان يؤذن بعد طلوع الفجر الثاني، فأذان بلال لإيقاظ النائم؛ وليرجع القائم وينتهي من صلاة الليل، وأذان ابن أمِّ مكتوم لتنبيه الناس بدخول الفجر الثاني فيمسكوا عن الطعام والشراب، فعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمِّ
стр. 238
مكتوم))،وكان رجلا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت))،وفي رواية للبخاري: ((حتى يقول له الناس: أصبحت أصبحت))،وفي رواية لمسلم: ((ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)) (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لايمنعنَّ أحدَكم - أو قال: أحداً منكم - أذان بلال [أو قال: نداء بلال] من سحوره؛ فإنه يؤذن - أو ينادي - بليل؛ ليرجع قائمكم، ولينبِّه نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح - وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل - حتى يقول هكذا))، وقال زهير بسبَّابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم مدَّهما عن يمينه وشماله))، وفي رواية البخاري: ((ثم أظهر يزيد يديه ثم مدَّ إحداهما من الأخرى))، وفي لفظ مسلم: (( ... ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم))، وقال: ((ليس أن يقول هكذا وهكذا - وصوَّب يده ورفعها - حتى يقول هكذا وفرَّج بين أصبعيه))، وفي رواية لمسلم أيضاً قال: ((إن الفجر ليس الذي يقول هكذا - ووضع المسبِّحة على المسبِّحة ومدَّ يديه))، وفي رواية لمسلم أيضاً: ((ولكن يقول هكذا: يعني الفجر، وهو المعترض وليس بالمستطيل)) (٢).
стр. 239
وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغرَّنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا))، وحكاه حماد بن زيد بيديه، قال: يعني معترضاً، وفي لفظ: ((لا يغرنَّكم أذان بلال ولا هذا البياض-العمودي الصبح-حتى يستطير (١) هكذا)) (٢)، ولفظ الترمذي: ((لا يمنعنَّكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق)) (٣)، وفي لفظ أبي داود: ((لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق - الذي هكذا - حتى يستطير)) (٤)،وفي رواية النسائي: ((لايغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض حتى ينفجر الفجر هكذا))، وهكذا - يعني معترضاً))،قال أبو داود (٥):وبسط يديه يميناً وشمالاً)) (٦).
стр. 240
وعن طلق بن علي ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلوا واشربوا، ولا يهدينّكم (١) الساطع المُصْعِد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((الفجر فجران: فجر يحرم فيه الطعام وتحلُّ فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة ويحلُّ فيه الطعام)) (٣).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا تحلُّ الصلاة فيه ولا يحرم الطعام، وأما الذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنه يحلُّ الصلاة ويحرم الطعام)) (٤)، والله
стр. 241
تعالى أعلم (١).
٤ - الحكمة من السحور ، فيه حكم عظيمة منها مخالفة أهل الكتاب؛ فإنهم لا يتسحرون؛ لحديث عمرو بن العاص ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكلَةُ السَّحَر)) (٢).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((معناه: الفارق والمميِّز ما بين صيامنا وصيامهم السحور؛ فإنهم لا يتسحرون ونحن يستحبُّ لنا السحور، وأكلةُ (٣) السحر: هي السحور)) (٤).
٥ - فضل السحور . السحور له فضائل على النحو الآتي:
أ - السحور بركة ؛ عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال النبي ﷺ : ((تسحَّروا فإن في السَّحور بركة)) (٥).
стр. 242
وعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: دخلت على النبي ﷺ ، وهو يتسحَّر، فقال: ((إنها بركة أعطاكم الله إيَّاها فلا
تدعوه)) (١).
وعن العرباض بن سارية ﵁، قال: دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان فقال: ((هَلُمَّ إلى الغداء المبارك)) (٢).
وعن المقدام بن مَعْدِيَكرِبَ عن النبي ﷺ ، قال: ((عليكم بغداء السحور؛ فإنه هو الغداء المبارك)) (٣).
وبركة السحور؛ لأنه سنة النبي ﷺ ؛ ولأن المتسحِّر يتقوَّى به على طاعة الله تعالى؛ ولأن من قام للسحور يكون في السحر وهو وقت من أوقات الإجابة؛ ولأن فيه مخالفةً لأهل الكتاب؛ ولأن من تسحر في آخر الليل قبل الفجر يعينه ذلك على حضور صلاة الفجر مع الجماعة؛ ولأن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين؛ ولأن من تسحر امتثالاً لأمر النبي ﷺ واقتداءً بفعله يكون عبادة لله تعالى؛ وكذلك إذا نوى بالسحور التقوي على عبادة الله كان السحور عبادة لله للصائم المتسحر له به أجر،
стр. 243
وغير ذلك من أنواع البركات.
ب- الله وملائكته يصلون على المتسحرين ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جُرعةً من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين)) (١).
٦ - أفضل طعام السحور التمر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((نِعْمَ سحورُ المؤمن التمرُ)) (٢).
٧ - حكم السحور: سنة مؤكدة ، وليس بواجب، قال الإمام البخاري ﵀: ((باب بركة السحور من غير إيجاب؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور (٣)، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ واصل فواصل الناس، فشقَّ عليهم، فنهاهم، قالوا: إنك تواصل، قال: ((لستُ كهيئتكم، إني أَظَلُّ أُطْعَمُ وأُسقَى)) (٤).
وقد نقل الحافظ ابن حجر ﵀: الإجماع على ندب السحور واستحبابه (٥).
стр. 244
٨ - يحصل السحور ولو بالماء عند عدم الطعام ، ويحصل بالماء الأجر كذلك؛ لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ : ((السحور كلُّه بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جُرعة من ماء ... )) (١).
ثانياً: تأخير السحور أفضل ؛ لحديث أنس ﵁ أن زيد بن ثابت ﵁ حدَّثه ((أنهم تسحَّروا مع النبي ﷺ ،ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قَدْرُ خمسين أو ستين، يعني آية))،وفي رواية للبخاري، عن قتادة عن أنس بن مالك ((أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسحَّرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله إلى الصلاة فصليا))، [قال قتادة:] قلت لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قَدْرَ ما يقرأ الرجل خمسين آية)) (٢)(٣).
стр. 245
وتأخير السحور أرفق بالصائم وأسلم له من النوم عن صلاة الفجر، وللصائم أن يأكل ويشرب ولو بعد السحور ونيّة الصيام، حتى يتبيَّن طلوع الفجر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١).
ويحكم بطلوع الفجر إما بمشاهدته في الأفق، أو بخبر موثوق به
стр. 246
بأذان أو غيره، فإذا طلع الفجر أمسك، وينوي بقلبه، ولا يتلفَّظ بالنية؛ لأن التلفُّظ بها بدعة (١).
ثالثاً: الإفطار ، فالسنة إفطار الصائم بعد الغروب وعدم المواصلة؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)) (٢)(٣).
стр. 247
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما غربت الشمس قال لرجل: ((انزل فاجدح لنا)) (١)، قال: يا رسول الله الشمس [وفي رواية: إن عليك نهاراً]، [وفي رواية: لو أمسيت] قال: ((انزل فاجدح لنا))، قال: لو انتظرت حتى تمسي؟ قال: ((انزل فاجدح لنا))، ثم قال: ((إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم))، وأشار بأصبعه قِبَل المشرق. ولفظ مسلم: كنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان فلما غابت الشمس قال: ((يا فلان انزل فاجدح لنا))، قال: يا رسول الله، إن عليك نهاراً، قال: ((انزل فاجدح لنا))، قال: فنزل فجدح، فأتاه به فشرب النبي ﷺ ثم قال بيده: ((إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم)) (٢).
رابعاً: تعجيل الإفطار بعد تحقق غروب الشمس ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁،أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) (٣)،
стр. 248
والمقصود بتعجيل الإفطار: إذا أقبل الليل من المشرق وأدبر النهار إلى المغرب وغربت الشمس أفطر الصائم.
وعن أبي هريرة ﵁،عن النبي ﷺ قال: ((لا يزال الدينُ ظاهراً ما عجَّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) (١).
وعن أبي عطية، قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂، فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يُعجِّل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيُّهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله-يعني عبد الله بن مسعود - قالت: ((كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ ))، وفي لفظ: ((رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألون عن الخير (٢): أحدهما يعجل المغرب والإفطار، والآخر يؤخر المغرب والإفطار ... )). الحديث (٣).
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن
стр. 249
نُعجِّل الإفطار، وأن نُؤخِّر السحور، وأن نضرب بأيماننا على شمائلنا)) (١)، وفي لفظ: ((إنا معشر الأنبياء أُمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، ووضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة)) (٢).
وعن أبي الدرداء ﵁ رفعه: ((ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((قال الله : ((أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطراً))، وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: ((إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلهم فطراً)) (٤).
стр. 250
خامساً: السنة الإفطار على رطب، فإن عُدِمَ فتمر ، فإن عدم فماء؛ لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ((كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يُصلِّي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حساحسوات من ماء)) (١).
فإن لم يجد رطباً، ولا تمراً، ولا ماءً: أفطر على ما تيسر من طعام أو شراب حلال، فإن لم يجد شيئاً نوى الإفطار بقلبه (٢).
سادساً: أن يدعوَ عند الإفطار، وأثناء الصيام ؛ فإن دعوة الصائم لا تردّ حتى يفطر، وحين يفطر؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، [وفي رواية: حين يفطر] ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتحُ لها أبواب السماء، ويقول الربُّ: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (٣).