← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96467

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (671 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بأذان أو غيره، فإذا طلع الفجر أمسك، وينوي بقلبه، ولا يتلفَّظ بالنية؛ لأن التلفُّظ بها بدعة (١). ثالثاً: الإفطار ، فالسنة إفطار الصائم بعد الغروب وعدم المواصلة؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)) (٢) (٣).

стр. 247

وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما غربت الشمس قال لرجل: ((انزل فاجدح لنا)) (١)، قال: يا رسول الله الشمس [وفي رواية: إن عليك نهاراً]، [وفي رواية: لو أمسيت] قال: ((انزل فاجدح لنا))، قال: لو انتظرت حتى تمسي؟ قال: ((انزل فاجدح لنا))، ثم قال: ((إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم))، وأشار بأصبعه قِبَل المشرق. ولفظ مسلم: كنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان فلما غابت الشمس قال: ((يا فلان انزل فاجدح لنا))، قال: يا رسول الله، إن عليك نهاراً، قال: ((انزل فاجدح لنا))، قال: فنزل فجدح، فأتاه به فشرب النبي ﷺ ثم قال بيده: ((إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم)) (٢). رابعاً: تعجيل الإفطار بعد تحقق غروب الشمس ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁،أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) (٣)،

стр. 248

والمقصود بتعجيل الإفطار: إذا أقبل الليل من المشرق وأدبر النهار إلى المغرب وغربت الشمس أفطر الصائم. وعن أبي هريرة ﵁،عن النبي ﷺ قال: ((لا يزال الدينُ ظاهراً ما عجَّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) (١). وعن أبي عطية، قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂، فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يُعجِّل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيُّهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله-يعني عبد الله بن مسعود - قالت: ((كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ ))، وفي لفظ: ((رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألون عن الخير (٢): أحدهما يعجل المغرب والإفطار، والآخر يؤخر المغرب والإفطار ... )). الحديث (٣). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن

стр. 249

نُعجِّل الإفطار، وأن نُؤخِّر السحور، وأن نضرب بأيماننا على شمائلنا)) (١)، وفي لفظ: ((إنا معشر الأنبياء أُمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، ووضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة)) (٢). وعن أبي الدرداء ﵁ رفعه: ((ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((قال الله : ((أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطراً))، وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: ((إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلهم فطراً)) (٤).

стр. 250

خامساً: السنة الإفطار على رطب، فإن عُدِمَ فتمر ، فإن عدم فماء؛ لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ((كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يُصلِّي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حساحسوات من ماء)) (١). فإن لم يجد رطباً، ولا تمراً، ولا ماءً: أفطر على ما تيسر من طعام أو شراب حلال، فإن لم يجد شيئاً نوى الإفطار بقلبه (٢). سادساً: أن يدعوَ عند الإفطار، وأثناء الصيام ؛ فإن دعوة الصائم لا تردّ حتى يفطر، وحين يفطر؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، [وفي رواية: حين يفطر] ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتحُ لها أبواب السماء، ويقول الربُّ: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (٣).

стр. 251

ولما رُوي عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((إن للصائم عند فطره لدعوةً ما تُردُّ))،قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي)) (١)، وقد جاء في لفظ بعض نسخ الترمذي للحديث الذي قبل هذا: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم)) (٢)، ويعضد ذلك حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن لله عند كلِّ فطر عتقاء)) (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أفطر

стр. 252

قال: ((ذهب الظمأ، وابتلَّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)) (١). سابعاً: تفطير الصائمين فيه الأجر الكبير حتى ولو كانوا أغنياء ، ولو على شيء يسير من التمر أو الماء أو اللبن؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)) (٢). ثامناً: ترك الوصال، فالسنة عدم الوصال ، فإذا كان ولا بد، جاز الوصال إلى السحر، ولكن السنة والأفضل الإفطار مطلقاً؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ واصل (٣) فواصل الناس فشق عليهم، فنهاهم قالوا: إنك تواصل، قال: ((لست كهيئتكم إني أظَلُّ أُطعمُ وأُسقَى)) (٤)،وفي لفظ للبخاري: ((إني لست مثلكم، إني أُطعم وأُسقى)) (٥).

стр. 253

وعن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لا تواصلوا)) قالوا: ((إنك تواصل، قال: ((لست كأحد منكم إني أُطعم وأُسقى))، أو ((إني أبيت أُطعم وأُسقى))، وفي رواية للبخاري: ((واصل النبي ﷺ آخر الشهر، وواصل أُناسٌ من الناس، فبلغ النبيَّ ﷺ فقال: ((لو مُدَّ بي الشهر لواصلتُ وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم (١)، إني لست مثلكم، إني أَظلُّ يطعمني ربي ويسقيني)) (٢). وعن عائشة ﵂، قالت: ((نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: ((إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربي

стр. 254

ويسقيني)) (١). وعن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يارسول الله، قال: ((أيكم مثلي؛ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني))، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأو الهلاك، فقال: ((لو تأخر لزدتكم)) كالتنكيل (٢) لهم حين أبوا أن ينتهوا))،وفي رواية للبخاري: ((إياكم والوصال)) مرتين، الحديث، وفيه: ((فاكلفوا (٣) من العمل ما تطيقون)) (٤). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لا تواصلوا فأيكم أراد ان يواصل، فليواصل حتى السحر)) قالوا: فإنك تواصل يارسول الله، قال: ((لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساقٍ يسقينِ)) (٥).

стр. 255

وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الأحاديث المتقدمة كلها تدل على كراهة الوصال، فلا ينبغي التكلف، والوصال معناه: أن يصل يوماً بيوم، أو يومين، هذا هو الوصال المكروه، لكن إذا أراد أن يواصل إلى السحر فلا بأس، يعني يجعل عشاءه أكلة واحدة في آخر الليل، لكن الأفضل أن يفطر من أول الليل، والوصال إلى السحر جائز)) (١). والسنة أن يفطر الصائم إذا غربت الشمس، ولا يواصل، هذا هو الأفضل، فإن واصل إلى السحر فلا بأس لكنه خلاف الأفضل (٢). والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل (٣).

стр. 256

تاسعاً: كثرة القراءة والذكر، والدعاء، والصلاة ، والصدقة، والعمرة، فيستحب للصائم أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم، ويذكر الله تعالى على كل أحيانه، ويحافظ على أذكار الصباح والمساء والأذكار في مواطنها، ويكثر من صلاة التطوع وخاصة صلاة الليل، ويدعو الله تعالى؛ فإن الصائم لا ترد دعوته حتى يفطر، ويكثر من الصدقة وأبواب الخير؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان يُدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة))، وفي لفظ: ((فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبِض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه)) (٢). وكان جوده ﷺ يجمع أنواع الجود كلها: من بذل العلم، والنفس، والمال لله في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل

стр. 257

طريق، من تعليم جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وإطعام جائعهم، وكان جوده يتضاعف في رمضان؛ لشرف وقته، ومضاعفة أجره، وإعانة العابدين فيه على عبادتهم، والجمع بين الصيام وإطعام الطعام من أسباب دخول الجنة (١). فالمسلم ينبغي له أن يقتدي برسول الله ﷺ ،وإن تيسر له عمرة في رمضان كانت كحجة مع النبي ﷺ ،كما أخبر بذلك ﵊ (٢)، وكذلك جميع أنواع الخير (٣)، فيستحب للمسلم أن يخصّ رمضان من العبادة بما لا يخصّ غيره به من الشهور، وهذا لا يكون إلا بحفظ الوقت وترك فضول النوم، وتجنب مجالس اللغو، واللهو، فالليل عند كثير من الناس سهر، والنهار نوم. عاشراً: استحضار نعمة الله عليه بتوفيقه له بالصيام ؛ لأنه تعالى وفَّقه له، ويسَّره عليه، حتى أتمَّ يومه، وبلَّغه شهر رمضان، وأكمل شهره؛ فإن كثيراً من الناس حُرِموا الصيام: إما بموتهم قبل بلوغه، أو بعجزهم عن صيامه، أو بضلالهم وإعراضهم عن القيام به، فليحمد الصائم، ربَّه على نعمة الصيام، التي هي سبب لمغفرة الذنوب، وتكفير

стр. 258

السيئات، ورفعة الدرجات في دار النعيم، نسأل الله التوفيق والسداد (١). الحادي عشر: السِّواك: يُستحبُّ السِّواك في جميع الأوقات للصائم وغير الصائم: سواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده (٢)؛لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((السِّواك مطهرةٌ للفمِّ مرضاةٌ للرَّبِّ)) (٣). ويتأكد استحباب السِّواك في عدة أحوال: الأول: عند الانتباه من النَّوم ؛ لحديث حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام من اللَّيل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك)) (٤). الثاني: عند كل وضوء ؛ لحديث أبي هريرة ﵁،عن النبي ﷺ أنه قال: ((لولا أن أشقَّ على أُمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ وضوء)) (٥).

стр. 259

الثالث: عند كل صلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لولا أن أشقَّ على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ صلاة)) (١). الرابع: عند دخول المنزل ؛ لحديث عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته بَدَأَ بالسِّواك)) (٢). الخامس: عند تَغَيُّر رائحة الفم أو طعمه، أو اصفرار لون الأسنان من طعام أو شراب ؛ لما رُويَ في ذلك (٣)؛ ولأنَّ السواك إنَّما شُرِع لتطييب الفم وتطهيره وتنظيفه، فإذا تغيَّر فقد تحقق السبب المقتضي له، فكان أولى منه عند الاستيقاظ من النوم (٤). السادس: عند قِراءة القرآن الكريم ، لحديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملكُ خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه))، أو كلمة نحوها ((حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن

стр. 260

إلا صار في جوف الملك، فطهِّروا أفواهكم للقرآن)) (١). السابع: قبل الخروج من البيت إلى الصلاة ؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: ((ما كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته لشيءٍ من الصلاة حتى يستاك)) (٢). ويُستحب الاستياك على اللِّسان؛ لأن أبا موسى قال: أتينا رسول الله ﷺ فرأيته ((يستاك على لسانه)) (٣). ويُستحب التيامن في السِّواك؛ لأن النبي ﷺ ((كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله)) (٤). ويُستحب أن يستاك بيده اليسرى؛ لأنه إماطةُ أذىً يُفعل بإحدى اليدين،

стр. 261

فكان باليسرى كالاستنجاء (١)، والله الموفق (٢). الثاني عشر: كفُّ الجوارح ، عن فضول: الكلام، والسمع، والنظر، والمنام، وعن كل ما يشغله عن طاعة الله تعالى، وهذا في الأمور التي لا إثم فيها، فالفضول في ذلك تركها يعين على الطاعة؛ فإنَّ ترك فضول: النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم، من أسباب شرح الصدر، ونعيم القلب، وزوال همه وغمه، وإعانة من ترك ذلك لله على الطاعات (٣). الثالث عشر: صلاة التراويح مع الجماعة ، وهذا من آداب الصائم المستحبة؛ لقول النبي ﷺ : ((إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة))، وفي لفظ: ((كتب له قيام ليلة)) (٤)، وقد قال النبي ﷺ : ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٥).

стр. 262

فإذا قام المسلم رمضان تصديقاً بما أخبر به رسول الله ﷺ في فضله، واحتساباً للثواب يرجو الله مخلصاً له القيام ابتغاء مرضاته، وغفرانه حصل له الثواب العظيم (١). الرابع عشر: يتَّصف بصفات السَّلف الصالح الكرام ويعمل بعمل طبقات الصائمين الأبرار؛ لأن الصائمين على طبقتين: الطبقة الأولى: من ترك طعامه، وشرابه، وشهوته لله تعالى يرجو عنده عِوَض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله تعالى لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (٢)، ولا يخيب معه من عامله، بل يربح أعظم الربح (٣). وعن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدويُّ: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يُعلِّمني مما علَّمه الله، وقال: ((إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله إلا أعطاك الله خيراً منه))، وفي لفظ: ((إنك لن تدع شيئاً لله إلا بدَّلك الله به ما هو خير لك منه)) (٤)، فهذا الصائم يُعطى في الجنة ما شاء الله من طعام، وشراب، ونساء، قال الله تعالى:

стр. 263

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَة﴾ (١). يا قوم ألا خَاطِبٌ في هذا الشهر إلى الرحمن، ألا راغب فيما أعدَّه الله للطائعين في الجنان، ألا طالب لما أخبر به من النعيم المقيم، مع أنه ليس الخبر كالعيان: من يُرد ملك الجنان ... فليدَعْ عنه التواني وليقُمْ في ظلمة الليل ... إلى نور القرآن وليصِلْ صوماً بصومٍ ... إنّ هذا العيش فانِ إنما العيش جوار الله ... في دار الأمانِ الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الحياة الدنيا، فهذا عيدُ فطره يوم لقاء ربه، وفرحه برؤيته (٢). أهل الخصوص من الصّوَّام صومُهُمُ ... صون اللسان عن البهتانِ والكذبِ والعارفون وأهل الأنس صومُهُمُ ... صون القلوب عن الأغيارِ والحُجُبِ العارفون لا يُسلِّيهم عن رؤية مولاهم قَصْرٌ، ولا يرويهم دون مشاهدته نهرٌ، هِمَمُهُم أجلّ من ذلك.

стр. 264

من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غداً في الجنة، ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ (١) (٢). يا معشر التائبين صوموا اليوم عن شهوات الهوى؛ لتدركوا عيد الفطر يوم اللِّقاء، لا يطولنَّ عليكم الأمد باستبطاء الأجل؛ فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب (٣). الخامس عشر: يستحب للصائم إذا شتمه أحد أو سابَّه أن يقول: إني صائم؛ لقوله ﷺ : ((وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤٌ صائم)) (٤).

стр. 265

المبحث الثامن عشر: مكروهات الصيام المكروه: هو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، وهو الذي نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالترك (١). ويكره في حق الصائم بعض الأمور التي قد تؤدي إلى نقص كمال الأجر، ومنها الأمور الآتية: ١ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق ؛ وذلك خشية أن يذهب الماء إلى جوف الصائم؛ لقول النبي ﷺ ، للقيط بن صبرة: (( ... وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (٢). ٢ - القُبلة، تكره ممن تتحرك شهوته عند ذلك ، ويخشى

стр. 266

على نفسه من الوقوع في الحرام: إما بالجماع في نهار رمضان، أو الإنزال، أما من لا يخشى منه ذلك، ويأمن على نفسه؛ لقوته، وملكه لإربه، فلا كراهة في حقه إذا أَمِنَ الوقوع في ما يُفسد صومه؛ لأن النبي ﷺ كان يُقَبِّل وهو صائم، فعن عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يقبل في رمضان وهو صائم)) (١)، وقد ثبت في ذلك أحاديث كثيرة (٢). ومما يُستدل به على كراهة القبلة لمن تتحرك شهوته، ويخشى الوقوع في ما يبطل صيامه، حديث أبي هريرة ﵁، أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخصَّ له، وأتاه آخر فسأله؟ فنهاه، فإذا الذي رخّص له شيخ، والذي نهاه شاب)) (٣). قال شيخنا ابن باز ﵀: ((تقبيل الرجل امرأته ومداعبته لها، ومباشرته لها بغير جماع وهو صائم كل ذلك جائز ولا حرج فيه؛ لأن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، لكن إن خشي الوقوع فيما حرم الله عليه؛ لكونه سريع الشهوة كره له ذلك ... )) (٤).

стр. 267

٣ - المباشرة باللمس، والمعانقة، ودواعي الوطء: كاللمس، وتكرار النظر بالتلذذ، حكمها حكم القبلة كما تقدم عند جمهور الفقهاء؛ فما يقال في التقبيل يقال في المباشرة (١)، وفي حديث عائشة ﵂: ((كان النبي ﷺ : يقبل ويباشر وهو صائم (٢)، وكان أملككم لأربه))، فحكم المباشرة حكم القبلة جوازاً وإباحة وكراهة، والله أعلم. ٤ - بلع النخامة؛ لأنها مستقذرة ، وفيها ضرر على الصائم وغير الصائم، والصائم أولى، قال العلامة محمدبن عثيمين ﵀: ((بلع النخامة حرام على الصائم وغير الصائم، وذلك لأنها مستقذرة، وربما تحمل أمراضاً خرجت من البدن)) (٣)، وقال الإمام شيخنا ابن باز ﵀: ((اللعاب لايضر الصوم؛ لأنه من الريق، فإن بلع فلا بأس وإن بصق فلا بأس))، وقال: ((لاحرج في بلع الريق ولا أعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم، لمشقة أو تعذر التحرز منه))، ((أما النخامة والبلغم فيجب لفظهما إذا وصلتا إلى الفم، ولا يجوز للصائم بلعهما؛ لإمكان التحرز منهما))، وقال في موضع آخر: ((أما النخامة وهي ما يخرج من الصدر أو من الأنف، ويقال لها النخاعة، وهي البلغم الغليظ الذي يحصل للإنسان تارة من الصدر، وتارة من الرأس، فهذه يجب على الرجل والمرأة بصقه

стр. 268

وإخراجه وعدم ابتلاعه، أما اللعاب العادي الذي هو الريق، فهذا لاحرج فيه، ولا يضر الصائم: لا رجلاً، ولا امرأة)) (١)، والله أعلم (٢). ٥ - ذوق الطعام لغير حاجة ، فإن كان محتاجاً لذلك، كأن يكون طبَّاخاً يحتاج لذوق ملحه، أو حلاوته، أو ما أشبه ذلك، ثم يبصقه فلا بأس للحاجة مع الحذر من وصول شيء من ذلك إلى حلقه (٣). ٦ - مضغ العلك القوي الشديد الذي لا يتفتت ولا يتحلل، يُكره للصائم؛ لأنه يجمع الريق، ويحلب الفم، ويورث العطش، ويجلب البلغم، وربما تسرب إلى البطن شيء منه، وكذلك مضغه أمام الناس يجعلهم يسيئون به الظن، فلا ينبغي ذلك (٤).

стр. 269

ويحرم مضغ العلك الذي يتحلل منه أجزاء، وهو الذي ليس بصلب، فهو حرام على الصائم؛ لأنه إذا مضغه لا بد أن ينزل منه شيء، وما كان وسيلة إلى فساد الصوم؛ فإنه يكون حراماً إذا كان الصوم واجباً، ويفسد الصوم إذابلع منه شيئاً (١). ٧ - الوصال في الصيام، وهو أن يواصل اليومين والثلاثة بدون طعام ولا شراب في الليل، وهذا هو الوصال المكروه، أما الوصال الجائز، فهو أن يواصل الصوم بدون إفطار إلى السحر، فيجعل فطوره سحوراً، ولكن الأفضل أن يفطر إذا غربت الشمس (٢).

стр. 270

المبحث التاسع عشر: مباحات الصيام المباح: هو الذي لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. يباح للصائم الأمور الآتية: ١ - الصائم يُصبح جنباً ؛ لحديث عائشة وأم سلمة ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم))، وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يدركه الفجر جنباً في رمضان من غير حُلُمٍ فيغتسل ويصوم))، وفي لفظ عن عائشة قالت: ((أشهد على رسول الله ﷺ إن كان ليصبح من جماع غير احتلام ثم يصوم))، وقالت أم سلمة مثل ذلك (١). وعن عائشة ﵂: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنبٌ أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : ((وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم))، فقال: لست مثلنا يا رسول الله، فقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)) (٢). ٢ - الحائض والنفساء إذا رأت الطهروانقطع حيضها أو نفاسها من الليل، ويشترط أن ينقطع قبل طلوع الفجر، ولكن ليس لها تأخير

стр. 271

الغسل إلى طلوع الشمس، بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي قبل طلوع الشمس (١). ٣ - المضمضة والاستنشاق للصائم في الوضوء والغسل بدون مبالغة؛ لقول النبي ﷺ للقيط ابن صبرة: ((أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) (٢). ٤ - اغتسال الصائم، وصبّ الماء البارد على الرأس من العطش أو الحر ، قال الإمام البخاري ﵀: ((باب اغتسال الصائم، وبلَّ ابن عمر ﵄ ثوباً فألقاه عليه وهو صائم، ودخل الشعبي الحمام وهو صائم، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم .. )) (٣). وعن أبي بكرة عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: ((لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصبُّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر)) (٤).

стр. 272

٥ - تذوق الطعام للصائم عند الحاجة لذلك ، وقال الإمام البخاري: قال ابن عباس ﵄: ((لا بأس أن تطعم القدر أو الشيء)) (١) هذا لفظ البخاري، ولفظ ابن أبي شيبة، عن ابن عباس رضي الله عنهماقال: ((لا بأس أن يذوق الخلَّ أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم))، وفي لفظ: ((لا بأس أن يتطاعم الصائم عن القدر)) (٢)، وعن الحسن: ((أنه كان لا يرى بأساً أن يتطاعم الصائم: العسل، والسمن، ونحوه، ثم يَمُجُّهُ)) (٣)،وجاء عن عروة بن الزبير ﵁ أنه ذاق عسلاً وهو صائم)) (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأما إذا ذاق طعاماً ولفظه، أو وضع في فيه عسلاً ومجّه فلا بأس به، للحاجة كالمضمضة والاستنشاق)) (٥). ٦ - القبله والمباشرة للصائم إذا وثق بنفسه وأمن الوقوع في ما حرم الله تعالى؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يقبل

стр. 273

ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه)) (١)، وإذا لم تحرِّك القبلة شهوته، وأمن من الوقوع في إفساد صومه، فلا بأس بالقبلة للأحاديث الكثيرة في ذلك (٢). ٧ - شمُّ الروائح الطيبة لا بأس به للصائم، إلا أنه لا يستنشق دخان البخور؛ لأن له أجزاء (٣). ٨ - إذا أكل الصائم أو شرب ناسياً، فلا قضاء عليه ولا كفارة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((من نسي وهو صائم فأكل أو

стр. 274

شرب فليتمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) (١). ٩ - ما يعرض للصائم بغير اختياره ، كمن استنثر فدخل الماء في حلقه من غير قصد أو دخل حلقه ذباب، أو حصل له جراح أو جرح، أو رعاف، أو قيء، أو دخل ماء أو بنزين، أو غبار بغير اختياره فلا حرج في ذلك (٢)، والله أعلم (٣). ١٠ - تحليل الدم، وضرب الإبرالتي ليس فيها غذاء ولا يقصد بها التغذية، وله أن يدّهن، لكن تأخير ضرب الإبر والتحليل إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك؛ لقول النبي ﷺ : ((دع ما يربيك إلى ما لا يريبك)) (٤)؛ولقوله ﷺ : ((من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) (٥). ١١ - البخ في الفم أو الأنف لأصحاب مرض الربو ، لا بأس به

стр. 275

بالبخاخ المعروف الذي يحتوي على الأكسجين أو غيره من أنواع الهواء. ١٢ - لا بأس بتنظيف الأسنان بالمعجون؛ فإنه لا يفطر الصائم كالسواك ، ولكن على الصائم التحرز من ذهاب شيء منه إلى جوفه، فإن غلبه شيء من ذلك بدون قصد فلا قضاء عليه (١).

стр. 276

المبحث العشرون: قضاء الصيام قضاء الصيام لمن يلزمه القضاء أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: كل من لزمه القضاء ممن أفطر في الصوم الواجب ؛ فإنه يلزمه القضاء بعدد الأيام التي أفطر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)،فإن أفطر جميع شهر رمضان لزمه قضاء جميع أيامه، فإن كان الشهر ثلاثين يوماً؛ فإنه يلزمه أن يقضي ثلاثين يوماً، وإن كان الشهر تسعة وعشرين يوماً؛ فإنه يقضي تسعة وعشرين يوماً فقط، أما إن كان أفطر بعض الشهر؛ فإنه يلزمه أن يقضي بعدد الأيام التي أفطر فقط (٢). النوع الثاني: من أفطر يوماً أو أكثر من شهر رمضان بغير عذر ، وجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى، ويستغفره؛ لأنَّ إفطار يوم من رمضان بغير عذر يُرخِّص له في الإفطار: جرم عظيم، وذنب كبير، يهلك صاحبه، ويجب عليه مع التوبة والاستغفار أن يقضي بعدد الأيام التي أفطرها، ووجوب القضاء هنا، على الفور على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لأنه غير مُرخَّص له الفطر، والأصل أن يُؤدِّيه في وقته (٣)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المُجامع في نهار رمضان، وفيه من رواية أبي داود:

стр. 277

(( ... وصم يوماً [أي مكانه] واستغفر الله ... )) (١). وإذا كان الإفطار بالجماع في نهار رمضان، وجب عليه، مع التوبة، والاستغفار، والقضاء: الكفارة المغلّظة كما تقدّم في كفارة الجماع في نهار رمضان (٢). النوع الثالث: يجوز التفريق في قضاء رمضان ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، وهذا مطلق يتناول المتفرق (٤)، ولكن يستحب التتابع: أي لايفطر بين أيام صوم القضاء؛ للأمور الآتية: الأمر الأول: الصيام متتابعاً أقرب إلى مشابهة الأداء ؛ لأن الأداء متتابع: أي صيام رمضان متتابع. الأمر الثاني: أسرع في إبراء الذِّمّة ؛ ويكون بذلك من المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إليها. الأمر الثالث: الصيام متتابعاً أحوط ؛ لأن الإنسان لا يدري ما يحدث له، فقد يكون اليوم صحيحاً وغداً مريضاً، وقد يكون اليوم حيَّاً وغداً ميِّتاً؛ ولهذا كان الأفضل أن يكون القضاء متتابعاً (٥).

стр. 278

النوع الرابع: الصيام في القضاء على الفور أفضل ، ولكن لا يجب، وإنما يكون أفضل؛ لأن هذا أسرع في إبراء الذمة، وأحوط؛ لأن الإنسان لا يدري ما يحدث له، كما تقدم، فإذا بادر بقضاء رمضان بعد يوم العيد يكون ذلك من المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها (١)، فعلى هذا يُستحب القضاء على الفور متتابعاً ولا يجب (٢).

стр. 279

النوع الخامس: يجوز تأخير القضاء إلى شعبان قبل رمضان الآخر ، مع وجوب العزم على فعل القضاء، وكذلك القول في واجب مُوسَّع إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله، حتى لو أخره بلا عزم عصى على الصحيح عند المحققين من الفقهاء والأصوليين (١). فعن عائشة ﵂، قالت: ((كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان)). قال يحيى: الشغل من النبي ﷺ (٢)، وفي رواية لمسلم: ((إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان)) (٣). النوع السادس: لا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر بغير عذر ، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف القائلين بأن القضاء على التراخي، وأنه لا يشترط المبادرة به في أول

стр. 280

الإمكان (١)؛لحديث عائشة ﵂، قالت: ((كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان)) (٢)،فلا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر بغير عذر؛ لأن عائشة ﵂، لم تؤخره إلى ذلك، ولو أمكنها لأخرته؛ ولأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية، كالصلوات المفروضة (٣)، فإن أخر القضاء إلى رمضان آخر بغير عذر، فعليه القضاء، وإطعام مسكين لكل يوم؛ لما ثبت عن ابن عباس (٤) وأبي هريرة (٥) ﵃ (٦).

стр. 281

فإن أخَّر الصيام بغير عذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر لم يكن عليه أكثر من إطعام مسكين لكل يوم مع القضاء؛ لأن كثرة التأخير لا يزداد بها الواجب، كما لو أخر الحج الواجب سنين لم يكن عليه أكثر من فعله (١). النوع السابع: تأخير القضاء إلى رمضان آخر لعذرٍ: لا شيء على من أخّر القضاء إلى إدراك رمضان الآخر؛ لعذر، قال العلامة ابن مفلح ﵀: ((ومن دام عذره بين الرمضانين فلم يقضِ ثم زال صام الشهر الذي أدركه ثم قضى ما فاته ولا يُطعم، نصَّ عليه)) (٢). ومن أفطر في رمضان بعذر ثم اتصل عجزه فلم يتمكّن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه، ولا يُصام عنه ولا يُطعم عنه (٣)، قال ابن قدامة ﵀: ((من مات وعليه صيام من رمضان قبل إمكان الصيام:

стр. 282

إما لضيق الوقت، أو لعذرٍ من: مرضٍ، أو سفرٍ، أو عجزٍ عن الصوم فلا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم ... [لأنه] حق لله وجب بالشرع فمات من يجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدلٍ كالحج ... )) (١). النوع الثامن: قضاء الصيام عن الميت ، فإذا أخَّر المسلم قضاء الصوم الواجب عليه، من رمضان أو غيره بغير عذر حتى مات، وقد أمكنه القضاء ولم يقضِ صام عنه وليه (٢)؛ لحديث عائشة ﵂،

стр. 283

قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) (١). وعن عبد الله بن عباس ﵄، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن أمّي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه عنها؟ قال: ((نعم))، ((فدين الله أحق أن يُقضى))، وفي رواية عن ابن عباس: قالت امرأة، للنبي ﷺ : إن أختي ماتت، وفي رواية عن ابن عباس قالت امرأة للنبي ﷺ : إن أمي ماتت، وفي رواية، قالت للنبي ﷺ : إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، وفي رواية، قالت امرأة للنبي ﷺ : ماتت أمي وعليها صوم خمسة عشر يوماً))، هذه روايات البخاري عن ابن عباس ﵄، ولفظ مسلم عن ابن عباس ﵄ أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: ((أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟))

стр. 284

قالت: نعم، قال: ((فدين الله أحق بالقضاء)) (١). وعن بريدة ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: ((وجب أجرك وردها عليك الميراث))، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ((صومي عنها))، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: ((حجي عنها)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن هذه الأحاديث (٣): ((وهذا

стр. 285

كلّه يدلنا على أن الصوم الواجب يُقضَى عن الميت، سواء كان قضاء رمضان، أو غيره من الصيام الواجب، كالنذر ... ))، ثم قال: ((والقضاء عن الميت لا يجب بل يُستحب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، فإذا لم يصم ولي الميت عنه ما وجب عليه من الصيام الذي فرَّط في قضائه حتى مات أُطعم عنه عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من قوت البلد، ومقداره كيلو ونصف تقريباً، ويكون ذلك من تركته (٢)، والله تعالى أعلم (٣). ولابأس أن يصوم عن الميت جماعة عدد أيامه التي عليه في يوم واحد إذا لم يشترط فيها التتابع، فلو كان عليه ثلاثون يوماً من رمضان جاز أن يصوم عنه ثلاثون رجلاً في يوم واحد؛ ولهذا قال البخاري ﵀: ((قال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلاً يوماً واحداً جاز)) (٤)،والله أعلم (٥).
следующие страницы →