← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96467

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (671 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فإن أخَّر الصيام بغير عذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر لم يكن عليه أكثر من إطعام مسكين لكل يوم مع القضاء؛ لأن كثرة التأخير لا يزداد بها الواجب، كما لو أخر الحج الواجب سنين لم يكن عليه أكثر من فعله (١). النوع السابع: تأخير القضاء إلى رمضان آخر لعذرٍ: لا شيء على من أخّر القضاء إلى إدراك رمضان الآخر؛ لعذر، قال العلامة ابن مفلح ﵀: ((ومن دام عذره بين الرمضانين فلم يقضِ ثم زال صام الشهر الذي أدركه ثم قضى ما فاته ولا يُطعم، نصَّ عليه)) (٢). ومن أفطر في رمضان بعذر ثم اتصل عجزه فلم يتمكّن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه، ولا يُصام عنه ولا يُطعم عنه (٣)، قال ابن قدامة ﵀: ((من مات وعليه صيام من رمضان قبل إمكان الصيام:

стр. 282

إما لضيق الوقت، أو لعذرٍ من: مرضٍ، أو سفرٍ، أو عجزٍ عن الصوم فلا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم ... [لأنه] حق لله وجب بالشرع فمات من يجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدلٍ كالحج ... )) (١). النوع الثامن: قضاء الصيام عن الميت ، فإذا أخَّر المسلم قضاء الصوم الواجب عليه، من رمضان أو غيره بغير عذر حتى مات، وقد أمكنه القضاء ولم يقضِ صام عنه وليه (٢)؛ لحديث عائشة ﵂،

стр. 283

قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) (١). وعن عبد الله بن عباس ﵄، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن أمّي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه عنها؟ قال: ((نعم))، ((فدين الله أحق أن يُقضى))، وفي رواية عن ابن عباس: قالت امرأة، للنبي ﷺ : إن أختي ماتت، وفي رواية عن ابن عباس قالت امرأة للنبي ﷺ : إن أمي ماتت، وفي رواية، قالت للنبي ﷺ : إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، وفي رواية، قالت امرأة للنبي ﷺ : ماتت أمي وعليها صوم خمسة عشر يوماً))، هذه روايات البخاري عن ابن عباس ﵄، ولفظ مسلم عن ابن عباس ﵄ أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: ((أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟))

стр. 284

قالت: نعم، قال: ((فدين الله أحق بالقضاء)) (١). وعن بريدة ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: ((وجب أجرك وردها عليك الميراث))، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ((صومي عنها))، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: ((حجي عنها)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن هذه الأحاديث (٣): ((وهذا

стр. 285

كلّه يدلنا على أن الصوم الواجب يُقضَى عن الميت، سواء كان قضاء رمضان، أو غيره من الصيام الواجب، كالنذر ... ))، ثم قال: ((والقضاء عن الميت لا يجب بل يُستحب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، فإذا لم يصم ولي الميت عنه ما وجب عليه من الصيام الذي فرَّط في قضائه حتى مات أُطعم عنه عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من قوت البلد، ومقداره كيلو ونصف تقريباً، ويكون ذلك من تركته (٢)، والله تعالى أعلم (٣). ولابأس أن يصوم عن الميت جماعة عدد أيامه التي عليه في يوم واحد إذا لم يشترط فيها التتابع، فلو كان عليه ثلاثون يوماً من رمضان جاز أن يصوم عنه ثلاثون رجلاً في يوم واحد؛ ولهذا قال البخاري ﵀: ((قال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلاً يوماً واحداً جاز)) (٤)،والله أعلم (٥).

стр. 286

وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((كلام الحسن هذا في قضاء رمضان، أما ما يشترط فيه التتابع فلا بُدَّ من التتابع، كالكفارات إلا في كفارة اليمين على الصحيح)) (١). وكان شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ يُسأل عن من مات وقد فرَّط في صيام رمضان سنة فأكثر فيفتي بأنه يكفي أن يصوم عنه وليُّه بلا إطعام، فإن لم يصم عنه أطعم عن كل يوم مسكيناً، وحتى لو فرط الميت في صيام رمضانات (٢)، والله تعالى أعلم (٣). ومن مات وعليه: نذرٌ: صومٌ، أو حجٌ، أو اعتكافٌ فعله عنه وليه؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ

стр. 287

فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، فقال: ((اقضه عنها)) (١)، وهذا الحديث عام في جميع النذور (٢). ولا يجب على الولي فعل النذر؛ لأن النبي ﷺ شبهه بالدَّين ولا يجب على الولي قضاء دين الميت إذا لم يُخلِّف تركة، كذلك هذا، لكن يستحب له أن يؤدِّي النذر عنه؛ لتفريغ ذمته، وكذلك يستحب له قضاء الدين

стр. 288

عنه، ولا يختصّ ذلك بالولي، بل كل من قضى عنه ... أجزأ (١). النوع التاسع: قضاء صيام الفرض قبل صيام التطوع: الفرائض أحب إلى الله تعالى من النوافل، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى قال: ((من عادى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليَّ ممّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه ... )). الحديث (٢). وهذا الحديث القدسي يدلّ على أن الفرائض هي أحب إلى الله تعالى من النوافل، فظاهره أن محبة الله للعبد تقع بملازمة العبد للفرائض والمحافظة عليها، ودوامه والتزامه التقرب بالنوافل بعد الفرائض (٣)، فالواجب على من عليه صيام فرضٍ: من رمضان أو غيره أن يبدأ به قبل صوم النافلة؛ فإن الفرض من الديون الواجبة لله تعالى، وهو في الذمة في الحياة وبعد الممات حتى يقضيه الإنسان في حياته، أو يُقضَى عنه بعد مماته، فعلى هذا يجب أن يقدم على النافلة (٤).

стр. 289

قال الإمام البخاري ﵀: ((وقال سعيد بن المسيب في صوم العشر: لا يصلح حتى يبدأ برمضان)) (١). وهذا يشير إلى أنه ﵀ يرشد إلى الابتداء بقضاء رمضان قبل

стр. 290

صيام التطوع في العشر (١). وأما صيام الست من شوال قبل القضاء من رمضان فلا يُقدِّم صومها على صيام رمضان؛ فإنه لو قدَّم صيامها لم يحصل على ثوابها الذي قال عنه الرسول ﷺ : ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)) (٢) وذلك؛ لأن في الحديث ((من صام رمضان))، ومن كان عليه قضاء فإنه لا يصدق عليه أنه صام رمضان، فلا ستة إلا بعد قضاء رمضان (٣). وقال شيخنا ابن باز ﵀: (( ... والصواب أن المشروع تقديم القضاء على صوم الستّ وغيرها من صيام النفل؛ لقول النبي ﷺ : ((من

стр. 291

صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر)) (١)، ومن قدم الست على القضاء لم يتبعها رمضان، وإنما أتبعها بعض رمضان؛ ولأن القضاء فرض وصيام الست تطوع، والفرض أولى بالاهتمام والعناية)) (٢)، وكذلك قال ﵀ في من عليه صيام شهرين متتابعين: ((الواجب البدار بصوم الكفارة، فلا يجوز تقديم الست عليها؛ لأنها نفل والكفارة فرض، وهي واجبة على الفور، فوجب تقديمها على صوم الست وغيرها من صوم النافلة)) (٣). النوع العاشر: قضاء من أكل أو شرب يظنه ليلاً فبان نهاراً: قال الإمام الخرقي ﵀: ((وإن أكل يظنُّ أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب فعليه القضاء)) (٤)، وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وإن أكل معتقداً أنه ليلٌ فبان نهاراً فعليه القضاء)) (٥)، وقال العلامة ابن مفلح ﵀: ((وإن أكل يظنُّ أو يعتقد أنه ليل فبان نهاراً في أوله أو آخره فعليه القضاء؛ لأن الله أمر بإتمام

стр. 292

الصيام ولم يتمّه، ... )) (١)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهذا قول أكثر أهل العلم من الفقهاء وغيرهم ... )) (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وهذه المسألة لها صورتان: إحداهما أن يأكل معتقداً بقاء الليل فتبين له أنه أكل بعد طلوع الفجر. والثانية: أن يأكل معتقداً غروب الشمس؛ لتغيُّمِ السماء ونحو ذلك، فتبين أنه أكل قبل مغيبها، وفي كِلا الموضعين يكون مفطراً، سواء في ذلك: صوم رمضان، وغيره، لكن إن كان في رمضان لزمه أن يصوم بقية يومه [حتى لو جامع فيه لزمته الكفارة وعليه القضاء هذا نصّه في غير موضع ومذهبه] (٣) وذلك؛ لأنه أكل مختاراً، ذاكراً للصوم، فأفطر، كما لو أكل يوم الشك؛ ولأنه جهل بوقت الصيام فلم يعذر به، كالجهل بأول رمضان؛ ولأنه يمكن التحرُّز منه، فأشبه أكل العامد، وفارق النَّاسي؛ فإنه لا يمكن التحرز منه (٤)، وقد روى الإمام البخاري ﵀ بسنده عن هشام بن عروة، عن فاطمة (٥) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄،

стр. 293

قالت: ((أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ يومَ غيمٍ ثم طلعت الشمس)) قيل لهشام: فأُمروا بالقضاء؟ قال: بُدٌّ (١) من قضاء)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((والصواب أنه لابد من القضاء كما قال الجمهور؛ لأنه فاتهم جزء من النهار، ولكن لا إثم عليهم، ويقضون كالذي لم يثبت عنده [دخول الشهر] إلا بعد أن أصبح؛ فإنهم يمسكون ويقضون فكذلك من أفطر قبل غروب الشمس عليه القضاء، وكذلك من أكل بعد طلوع الفجر [ظناً منه عدم الطلوع ثم تبين له أنه قد طلع] عليه القضاء)) (٣). وقد كان يفتي ﵀ بذلك من يسأله عن الأكل والشرب والجماع ظانّاً غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر فبان له نهاراً، فيقول: ((الصواب أن عليه القضاء وكفارة الظهار عن الجماع، عند جمهور أهل العلم ... )) (٤)، وقد كانت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تفتي، بأنه يجب عليه الإمساك والقضاء، قالوا: ((وهشام المذكور: هو هشام بن عروة بن الزبير، وهو من ثقات التابعين)) (٥)،والله تعالى أعلم (٦).

стр. 294

النوع الحادي عشر: قضاء من أكل شاكّاً في غروب الشمس ، لا إن أكل شاكّاً في طلوع الفجر: في هذا النوع مسألتان: المسألة الأولى: أن يأكل أو يشرب شاكّاً في غروب الشمس ودام شكُّه ولم يتبين فعليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، قال المرداوي في الإنصاف: ((وهذا إجماع وكذا لو أكل يظنُّ بقاء النهار إجماعاً، فلو بان ليلاً فيهما لم يقضِ وعبارة بعضهم: صح صومه)).

стр. 295

وإن أكل حين الأكل ظاناً أن الشمس قد غربت، ثم شكَّ بعد الأكل ودام شكه ولم يتبين، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الظنّ الذي بنى عليه، فأشبه ما لو صلَّى بالاجتهاد ثم شك في الإصابة بعد الصلاة (١). المسألة الثانية: أن يأكل أو يشرب شاكاً في طلوع الفجر ، ودام شكه ولم يتبين له طلوعه، فلا قضاء عليه، وله الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر، نص عليه الإمام أحمد (٢). وإن أكل حين الأكل ظاناً أن الفجر لم يطلع، ثم شك بعد الأكل ولم يتبين فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه ... كما تقدم؛ ولأن الأصل بقاء الليل فيكون زمان الشك منه (٣)،والله تعالى أعلم (٤).

стр. 296

النوع الثاني عشر: من دخل في قضاءِ فرضٍ حَرُم قطعه: إذا دخل المسلم في صوم واجب: كقضاء رمضان، أو نذر معين أو مطلق، أو صيام كفارة لم يجز له الخروج منه بغير عذر؛ لأن المتعين وجب الدخول فيه، وغير المتعيِّن تعيَّن بدخوله فيه، قال الإمام ابن قدامة رحمه

стр. 297

الله: ((وهذا لا خلاف فيه بحمد الله)) (١)، فإن خرج منه لم يلزمه أكثر مما كان عليه (٢). ولكنه يأثم بقطعه للفريضة، ولا يلزمه كفارة، وإنما يقضي ما كان عليه مع التوبة والاستغفار. ويجوز الإفطار للصائم في السفر لقيام المبيح كالمرض (٣)، وهكذا كل من دخل في فرضٍ موسع حرم قطعه، ولا يلزم في النفل، ولا قضاء فاسده إلا الحج والعمرة؛ فإنه يجب على من دخل في فعلهما الإتمام ولو كان نفلاً، ويجب قضاء فاسدهما ولو كانا نفلاً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ (٤). والأفضل للمسلم أن يتم النفل إذا دخل فيه، ولا يقطعه، ولكن لو قطعه أو أفسده فلا يلزمه قضاء (٥) وإنما خالف الأفضل، فلا يقطع النافلة إلا لغرض صحيح)) (٦)،وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ (٧). النوع الثالث عشر: قضاء المغمى عليه: من نوى الصيام قبل طلوع الفجر الثاني، ثم حصل له جنون، أو

стр. 298

أُغمي عليه جميع النهار لم يصحَّ صومه، وإن أفاق جزءاً من النهار صحَّ صومه، وإن نام جميع النهار صح صومه، ويلزم المغمى عليه القضاء دون المجنون. فحصل من هذا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الجنون: فإذا جُنَّ الإنسان جميع النهار في رمضان وقد نوى الصيام من الليل لم يصحَّ صومه؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة؛ لأن من شروط الوجوب العقل، وعلى هذا فصومه غير صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه ليس أهلاً للوجوب، لكن لو أفاق المجنون أثناء النهار لزمه الإمساك بقية يومه وصح صومه؛ لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنية صحيحة. المسألة الثانية: النائم ، فلو نوى الصوم وتسحر من الليل، فنام جميع النهار ولم يستيقظ إلا بعد غروب الشمس، فصومه صحيح ولا قضاء عليه، قال الإمام ابن قدامة: ((وإن نام جميع النهار صح صومه، لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية)) (١). المسألة الثالثة: المغمى عليه ، فإذا نوى الصوم من الليل ثم أُغمي عليه بحادث أو مرض، واستمر الإغماء جميع النهار لم يصح صومه؛ لأن الصوم هو الإمساك مع النية وترك الطعام والشراب من أجل الله تعالى، فلا يضاف الصيام للمغمى عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁

стр. 299

عن النبي ﷺ قال: ((كل عمل ابن آدم يضاعف له: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته، وطعامه من أجلي))، وفي لفظ: ((يترك طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)) (١)، فإن أفاق المغمى عليه جزءاً من النهار صح صومه، سواء كان في أول النهار، أو في آخره قبل غروب الشمس. وإن استمر معه الإغماء جميع النهار حتى غربت الشمس لزمه القضاء. قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ومتى فسد الصوم به فعلى المغمى عليه القضاء بغير خلاف علمناه؛ لأن مدته لا تتطاول غالباً، ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يزُل به التكليف وقضاء العبادات)) (٢)، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 300

المبحث الحادي والعشرون: صلاة التراويح أولاً: مفهوم صلاة التروايح: سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات)) (١). والتراويح: هي قيام رمضان أول الليل، ويقال: الترويحة في شهر رمضان؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، بناءً على حديث عائشة ﵂ أنها سُئلت: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهنَّ، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنّ، ثم يصلِّي ثلاثاً ... )) (٢). ودل قولها ﵂: ((يصلَّي أربعاً ... ثم يصلِّي أربعاً ... )) على أن هناك فصلاً بين الأربع الأولى والأربع الثانية، والثلاث الأخيرة، ويسلم في الأربع من كل ركعتين (٣)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة)). وفي لفظ: ((يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة)) (٤). وهذا يُفسِّر الحديث الأول، وأنه ﷺ يسلم من

стр. 301

كل ركعتين، وقد قال ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى)) (١). ثانياً: صلاة التراويح سنة مؤكدة، سنَّها رسول الله ﷺ بقوله، وفعله ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُرغِّبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)) (٢)، قال الإمام النووي ﵀: ((اتفق العلماء على استحبابها)) (٣)، ولا شك أن صلاة التراويح سنة مؤكدة أول من سنها بقوله وفعله رسول الله ﷺ (٤). ثالثاً: فضل صلاة التراويح، ثبت من قول النبي ﷺ - من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)) (٥). فإذا قام المسلم رمضان تصديقاً بأنه حقٌّ شرعه الله وتصديقاً بما قاله رسول الله ﷺ وما جاء به، واحتساباً للثواب يرجو الله مخلصاً له القيام ابتغاء مرضاته وغفرانه حصل له هذا الثواب العظيم (٦).

стр. 302

رابعاً: مشروعية الجماعة في صلاة التراويح وقيام رمضان وملازمة الإمام حتى ينصرف؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: ((إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له قيام ليلة))، وفي لفظ: ((كُتِبَ له قيام ليلة))،فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال، قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلَّى في المسجد، فصلَّى رجالٌ بصلاته، فأصبح الناس يتحدَّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلُّوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق (٢) رجال منهم يقولون: الصلاةَ، فلم يخرج إليهم

стр. 303

رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهَّد، فقال: ((أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ شأنكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها))، وذلك في رمضان)) (١). وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلِّي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلِّي بصلاته الرهط، فقال عمر: ((إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل))، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعبٍ، ثم خرج معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: ((نعم البدعةُ هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله)) (٢). وهذه الأحاديث تدلّ على مشروعية صلاة التراويح وقيام رمضان جماعة بالمسجد، وأن من لازم الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة كاملة. وأما قول عمر ﵁: ((نعم البدعة هذه)) فهذا يعني به في اللغة، فمراده ﵁ أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، منها: ١ - أن النبي ﷺ كان يحثّ على قيام رمضان، ورغَّب فيه ، وقد صلى

стр. 304

بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك مُعلِّلاً بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمِنَ من بعده ﷺ . ٢ - أمر النبي ﷺ باتباع خلفائه الراشدين ، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵃ (١). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن قول عمر ﵁: ((نعم البدعة هذه)): ((البدعة هنا يعني من حيث اللغة، والمعنى أنهم أحدثوها على غير مثال سابق بالمداومة عليها في رمضان كله، وهذا وجهُ قول عمر ﵁ وإلا فهي سنة فعلها ﷺ ليالي)) (٢). خامساً: الاجتهاد في قيام عشر شهر رمضان الأواخر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدم من ذنبه)) (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر (٤))) (٥).

стр. 305

وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (١). وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: ((قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح. وكانوا يُسَمُّونه السحور)) (٢). وفي حديث أبي ذر ﵁: ((أن النبي ﷺ لما كانت ليلة سبع وعشرين جمع أهله ونساءه والناس فقام بهم)) (٣). سادساً: وقت صلاة التراويح: بعد صلاة العشاء مع سنتها الراتبة ، ثم تصلى صلاة التراويح بعد ذلك (٤). سابعاً: عدد صلاة التراويح: ليس له تحديد لا يجوز غيره ، وإنما قال النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتِرُ له ما قد صلّى)) (٥). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر

стр. 306

بثلاث، أو صلى ستاً وثلاثين وأوتر بثلاث، أو صلى إحدى وأربعين فلا حرج (١)، ولكن الأفضل ما فعله رسول الله ﷺ وهو ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)) (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (٣)، فهذا هو الأفضل والأكمل في الثواب (٤)، ولو صلى بأكثر من ذلك فلا حرج لقوله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى منثى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (٥). والأمر واسع في ذلك، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، والله الموفق سبحانه (٦).

стр. 307

المبحث الثاني والعشرون: أخطاء بعض الصائمين يقع بعض الصائمين في أخطاء ربما تؤثر على نقص ثوابهم، وتؤثر على كمال صومهم، أو يخالفون بها الأولى والأفضل للمسلم الذي يريد الثواب الأكمل، والأجر الأعظم عند الله تعالى، ومنها ما يأتي: أولاً: عدم التفقه في أحكام الصيام والقيام ، فيقع في الخطأ لعدم الفقه، فينبغي للمسلم أن يتفقه في الدين؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) (١)،فينبغي للمسلم أن يتفقه في العبادة قبل الشروع فيها، ومن ذلك الصيام، فيتعلّم: أحكامه، وشروطه، وأركانه، وواجباته، ومفسدات الصوم، ومن يعذر في الصوم، ومستحباته، وآدابه، وغير ذلك من الأحكام، حتى يعبد الله تعالى بهذه العبادة على بصيرة. ثانياً: عدم الاستحياء من الله حق الحياء ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((استحيوا من الله حق الحياء)) قال: قلنا: يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله، قال: ((ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)) (٢).

стр. 308

وهذا الحديث فيه أن الاستحياء من الله حق الحياء هو حفظ جميع الجوارح عما لا يرضي الله تعالى: فقوله ﷺ : ((أن تحفظ الرأس)) أي عن استعماله في غير طاعة الله تعالى، بأن لا تسجد لغير الله، ولا تُصلِّي للرياء، ولا تخضع لغير الله، ولا ترفعه تكبراً. وقوله: ((وما وعى)) أي ما جمعه الرأس: من اللسان، والعينين، والأذنين، فيحفظ هذه الجوارح عما لا يحل استعماله: ١ - فَحِفْظُ اللسان: صيامه عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والبهتان، وقول الزور، واللغو، والرفث؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((من يضمن لي ما بين لَحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)) (١)، وقال ﷺ حينما سُئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: ((تقوى الله وحسن الخلق))، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: ((الفم والفرج)) (٢). ٢ - وحفظ البصر: صيامه عن النظر إلى ما حرم الله تعالى، قال سبحانه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٣).

стр. 309

٣ - وقوله ﷺ : ((وتحفظ البطن)) أي عن أكل الحرام: كالرِّبا، وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك من أكل شيءٍ حرّمه الله، فلا يدخل فيه إلا الحلال. قوله: ((وما حوى)) أي ما اتصل اجتماعه بالبطن: من الفرج، والرجلين، واليدين، والقلب (١): ٤ - فيحفظ الفرج عما حرَّم الله تعالى: من الزنا، واللواط، والاستمناء، وغيرها مما حرم الله تعالى. ٥ - ويحفظ الرجلين فلا يمشي بهما إلى ما حرم الله تعالى، ولا يفعل بهما شيئاً حرمه الله . ٦ - ويحفظ اليدين فلا يبطش بهما فيما حرم الله، ولا يكتب بيده شيئاً حرمه الله تعالى. ٧ - ويحفظ القلب عن: الحسد المحرم، وعن الحقد، والكِبْر. وهذه الجوارح السبع هي مراكب العطب لمن استخدمها في معصية الله ، ومراكب النجاة لمن استخدمها فيما يرضي الله تعالى، كما ذكر ابن القيم ﵀. ولا شك أنه: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) (٢)، وقد قال النبي ﷺ : ((ثلاث مهلكات)) الحديث، ثم قال: ((فأما المهلكات:

стр. 310

فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)) (١). وقوله ﷺ : ((وتذكر الموت والبلى)) أي تذكر صيرورتك في القبر عظاماً بالية. وقوله ﷺ : ((ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا))؛ فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال، حتى للأقوياء؛ لأنهما ضرتان فمتى أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى. وقوله ﷺ : ((فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)) أي جميع ما ذكر آنفاً (٢). فكثير من الصائمين لا يستحيون من الله تعالى حق الحياء، ويدل على ذلك قول الله : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣). ثالثاً: الإسراف والتبذير: الإسراف، والسرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر (٤). فالإسراف يكون: في تجاوز الحد في الإنفاق، وتضييع الأموال في غير فائدة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٥). ويكون الإسراف: تارة في القدر، وتارة في الكيفية؛ ولهذا قال سفيان:

стр. 311

((ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ (١). ويكون الإسراف في تجاوز الحد في الأمور: في الكبائر من الذنوب، وغيرها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّار﴾ (٢)،وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله﴾ (٣)، فالإسراف يتناول الزيادة في الحد من المال وغيره. وأما التبذير: فهو التفريق، وأصله: إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مضيع لماله؛ فتبذير البذر تضييع في الظاهر ممن لم يعرف مآل ما يُلقيه، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٤). فكثير من الناس في رمضان خاصة يسرفون ويبذرون في الأطعمة والأشربة، ويُلْقُون ما زاد وما فاض في المزابل، والطرقات، ويزيدون ويتجاوزون الحد في ذلك، وهذا لا يجوز للمسلم؛ لقول الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ (٥).

стр. 312

وروى البخاري في صحيحه معلقاً مجزوماً به، فقال: وقال النبي ﷺ : ((كلوا، واشربوا، والبسوا، وتصدقوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة)) (١). وقال ابن عباس ﵄: ((كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة)) (٢). وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلوا، واشربوا، وتصدقوا، والبسوا، ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة)) (٣). وفي لفظٍ لأحمد: ((كلوا، واشربوا، وتصدقوا، والبسوا في غير مخيلة ولا سرفٍ إن الله يحب أن تُرى نعمته على عبده)) (٤). ولفظ الترمذي مختصراً: ((إنَّ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) (٥). والإسراف مذموم حتى في الطهارة من الحدث أو إزالة النجاسة؛ ولهذا ثبت من حديث عبد الله بن معقل، أنه سمع النبي ﷺ يقول:

стр. 313

((سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء)) (١). والله تعالى يكره الإسراف وإضاعة المال، فعن أبي هريرة ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً (٢)،ولا تفرقوا (٣)، ويكره لكم: قيل وقال (٤)، وكثرة السؤال (٥)، وإضاعة المال (٦))) (٧). وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات (٨)، ووأد البنات (٩)، ومنعاً وهات (١٠)، وكره لكم

стр. 314

ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) (١). وكل هذه النصوص المذكورة تدل على تحريم الإسراف، والتبذير، وإضاعة المال، فلا يجوز للمسلم أن يفعل شيئاً من ذلك متعمِّداً، وقد رأى كثير من الناس إسراف أكثر الخلق في رمضان خاصة: فترى أنواع الأطعمة، وأنواع الأشربة، وأنواع الفواكه والخضراوات، ثم بعد الفراغ من الأكل تُلقى في الزبايل مع القاذورات. وقد روى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سيكون رجال من أمتي: يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان اللباس، ويتشدَّقون في الكلام، فأولئك شرار أمتي)) (٢). وقد نَظَّم الإسلام أكل المسلم وشربه، فعن المقدام بن معدِيكَرِب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما ملأ آدميٌّ وِعَاءً شراً من بطنٍ، بحسب ابن آدم أُكلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإن كان لا محالةَ: فَثُلُثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثُلُثٌ لنَفَسِهِ)) (٣).

стр. 315

ولا شك أن فضول الطعام وزيادته على القدر المطلوب من مفسدات القلب والجسم. رابعاً: الاعتداء في الدعاء ، سواء كان ذلك من الإمام في دعاء القنوت، أو من غيره في دعائه لنفسه، فينبغي للداعي أن يختار جوامع الدعاء ويترك التفصيل؛ فإن التفصيل في الدعاء من الاعتداء، فعن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء))، فإياك أن تكون منهم: إنك إن اُعطيت الجنة أُعطيتها وما فيها من الخير، وإن أُعِذت من النار أُعِذت منها، وما فيها من الشر))، وهذا لفظ أبي داود. وفي لفظ لأحمد: ((أن سعداً سمع ابناً له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وإستبرقها، ونحواً من ذلك، وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيراً كثيراً، وتعوذت بالله من شرٍّ كثيرٍ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء)) وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ (١) (٢)، وإنَّ حسبك أن تقول: ((اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول

стр. 316

أو عمل [وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل])) (١). فينبغي للمسلم أن يتقي الله تعالى في دعائه، وخاصة الأئمة عليهم بجوامع الدعاء، والأدعية المأثورة: من القرآن والسنة، ففيهما: الخير، والبركة. خامساً: تكليف الأهل بصنع كثير من الأطعمة والأشربة: وهذا فيه: أن الزوج أو صاحب البيت يَحْرِم زوجته أو خدمه من كثير من الخير؛ فإن كثيراً من النساء تطبخ من بعد صلاة الظهر، وتعدّ أنواع الأشربة والأطعمة، إلى صلاة المغرب، ثم بعد الانتهاء من الطعام تقوم بتنظيف الأواني إلى وقت متأخرٍ من الليل، وربما فاتتها أو فات الخدم والخادمات أداء الصلاة في وقتها، ثم بعد ذلك الاستعداد لوجبة السحور، فيكون أهل البيت عند كثيرٍ من الناس قد حُرِمُوا صلاة التراويح، أو فرَّطوا في صلاة الفريضة. سادساً: النوم وقت السحر، فيخسر غذاء روحه وهو الاستغفار ، قال الله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ (٢)، قال طاوس بن كيسان اليماني: ((ما كنت أظنُّ أحداً من أمّة محمد ﷺ ينام وقت السحر)). وقد ألِف الصالحون إحياء سحرهم بالاستغفار رغبة في الثواب،

стр. 317

وطمعاً في الجنة، وعملاً بالسنة، واستجابة لأمر الله تعالى قبل ذلك كله. ومع خسارة غذاء الروح يخسر كذلك غذاء البدن، إذْ من السُّنة السحور، وهو الأكل في السحر، آخر الليل إلى طلوع الفجر الثاني؛ ولهذا يقول ﷺ : ((تسحَّروا فإن في السحور بركة)) (١)، ويقول ﷺ : ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر)) (٢)، وهذا يدل على أن ترك السحور تشبه بأهل الكتاب، وقد أُمرنا بمخالفتهم، ويقول ﷺ : ((السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين)) (٣)؛ فلماذا يحرم العاقل نفسه هذا الفضل وهو صلاة الله، وملائكته، مع المنافع الأخرى. سابعاً: عدم صلاة الفجر، إما بالنوم عنها، أو صلاتها قبل وقتها ، أو صلاتها بنوم، أو عدم إكمالها أو صلاتها في المنزل، وصاحب هذا العمل نخشى أن يكون حظَّه من صومه الجوع والعطش، وصلاة الفجر من أعظم الصلوات، بل هي ميزان المؤمن، وعلامة استقامته وصلاحه، أقسم الله تعالى بها وقرنها بأفضل الأوقات، إذ قرنها بعشر ذي الحجة، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسرِ، وهي حفظ للعبد في ليله إذ

стр. 318

يقول ﷺ : ((من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)) (١)، وحفظ للعبد نهاره، يقول ﷺ : ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله)) (٢) (٣)، وفضائلها لا تُحصى، فمن صلاّها جماعة كان: عظيما، ً مؤمناً، قويّاً، نورانيّاً، مباركاً، منتصراً على نفسه، وعلى شيطانه، حافظاً لوقته، مستثمراً حياته، ومن ضيعها ضاع لُبّ عمره، وقلّت بركته، واتصف بصفة المنافقين، والواجب على المسلم أن يجتهد للاستيقاظ للفجر، ويبذل كل جهده، أخذاً بالأسباب المعينة له على ذلك. ثامناً: النوم معظم النهار ، وهذا العمل مخالفة لسنة الله، إذ جعل الليل لباساً والنهار معاشاً، وفيه تفويت الخير على النفس، إذ العمل في الصيام أفضل من العمل في غيره؛ لشرف الزمان، وفيه ضياع الوقت وخسارة العمر، وفيه إظهار التضجر من العبادات والسآمة من الصالحات، والكآبة من الطاعات، وفيه تصوير مشقة التكاليف، وفيه الدعوة إلى الكسل، واتهام الإسلام بأنه دين الكسل والخمول، وكم من المفاسد في ذلك، وأحسن نوم النهار هو القيلولة لإراحة الجسد ولإعانته على قيام الليل. تاسعاً: ضياع الأوقات ما بين نوم، وقيل وقال، وكثرة سؤال فيما لا فائدة فيه ، وأخبار لا مصلحة من ورائها، ومصاحبة أشرار وتمشيات،

стр. 319

وما شابه ذلك، ووقت المسلم نفيس، وهو في رمضان أنفس؛ لشرف الزمان وشرف المكان. والوقت يتميز بأمور، منها: أن ما مضى منه لا يعود، ومنها سرعة انقضائه، ومنها أنه أغلى من الذهب والفضة، ومنها أنه غنيمة، وأنه نعمة، وأنه عظيم أقسم الله به. عاشراً: إهمال قراءة القرآن والانشغال عنه وحرمان أجره ، والصارف عن ذلك هو كثرة النوم، وكثرة اللهو، وكثرة اللعب، والغفلة بالدنيا، والاقتران بأهل السوء، وظلمة القلوب، وضيق الصدور، وتسلط الشيطان، وكثرة العصيان، وقلة الإيمان. والقرآن هو كلام الله الذي لو أنزله على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، وهو الذي فتح الله به القلوب، وغفر به الذنوب، وستر به العيوب، ونال به العبد المطلوب، ونجا من المرهوب. ورمضان هو شهر القرآن، إذ أنزل الله القرآن في رمضان، وكان جبريل يعارض النبي ﷺ بالقرآن في رمضان، وكان السلف يتركون كل شيء في رمضان ويتوجهون للقرآن، وسيأتي الكلام عنه في المبحث الثامن والعشرين إن شاء الله. الحادي عشر: ترك الدعاء عند الفطر وفي أثناء الصوم ، والدعاء هو العبادة، والداعي يظهر ذُلّه لله وخضوعه له، وحاجته إليه، فيبقى دائم الصلة به، وقد جعل الله للدعاء أوقات إجابة، منها: دعوة

стр. 320

الصائم؛ لقوله ﷺ : ((ثلاثة لا تردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم))، وفي لفظ: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم)) (١). وكان من هديه ﷺ إذا أفطر أن يقول: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)) (٢). الثاني عشر: ترك صلاة المغرب في المسجد، والانشغال بالإفطار والتعلل بمثل حديث: ((إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء)) (٣)، وبمثل حديث: ((لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)) (٤). وقد كان من هديه ﷺ أنه يفطر على رطباتٍ، أو تمراتٍ، أو حسواتٍ من ماء، ثم يُصلِّي ولا يشغله الطعام عن الصلاة، فينبغي للمسلم الاقتداء بالسنة في الإفطار على تمرات، ثم صلاة الجماعة. الثالث عشر: ترك صلاة التراويح لا مع الإمام بعد العشاء ولا
следующие страницы →