← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96467

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (671 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أو عمل [وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل])) (١). فينبغي للمسلم أن يتقي الله تعالى في دعائه، وخاصة الأئمة عليهم بجوامع الدعاء، والأدعية المأثورة: من القرآن والسنة، ففيهما: الخير، والبركة. خامساً: تكليف الأهل بصنع كثير من الأطعمة والأشربة: وهذا فيه: أن الزوج أو صاحب البيت يَحْرِم زوجته أو خدمه من كثير من الخير؛ فإن كثيراً من النساء تطبخ من بعد صلاة الظهر، وتعدّ أنواع الأشربة والأطعمة، إلى صلاة المغرب، ثم بعد الانتهاء من الطعام تقوم بتنظيف الأواني إلى وقت متأخرٍ من الليل، وربما فاتتها أو فات الخدم والخادمات أداء الصلاة في وقتها، ثم بعد ذلك الاستعداد لوجبة السحور، فيكون أهل البيت عند كثيرٍ من الناس قد حُرِمُوا صلاة التراويح، أو فرَّطوا في صلاة الفريضة. سادساً: النوم وقت السحر، فيخسر غذاء روحه وهو الاستغفار ، قال الله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ (٢)، قال طاوس بن كيسان اليماني: ((ما كنت أظنُّ أحداً من أمّة محمد ﷺ ينام وقت السحر)). وقد ألِف الصالحون إحياء سحرهم بالاستغفار رغبة في الثواب،

стр. 317

وطمعاً في الجنة، وعملاً بالسنة، واستجابة لأمر الله تعالى قبل ذلك كله. ومع خسارة غذاء الروح يخسر كذلك غذاء البدن، إذْ من السُّنة السحور، وهو الأكل في السحر، آخر الليل إلى طلوع الفجر الثاني؛ ولهذا يقول ﷺ : ((تسحَّروا فإن في السحور بركة)) (١)، ويقول ﷺ : ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر)) (٢)، وهذا يدل على أن ترك السحور تشبه بأهل الكتاب، وقد أُمرنا بمخالفتهم، ويقول ﷺ : ((السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين)) (٣)؛ فلماذا يحرم العاقل نفسه هذا الفضل وهو صلاة الله، وملائكته، مع المنافع الأخرى. سابعاً: عدم صلاة الفجر، إما بالنوم عنها، أو صلاتها قبل وقتها ، أو صلاتها بنوم، أو عدم إكمالها أو صلاتها في المنزل، وصاحب هذا العمل نخشى أن يكون حظَّه من صومه الجوع والعطش، وصلاة الفجر من أعظم الصلوات، بل هي ميزان المؤمن، وعلامة استقامته وصلاحه، أقسم الله تعالى بها وقرنها بأفضل الأوقات، إذ قرنها بعشر ذي الحجة، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسرِ، وهي حفظ للعبد في ليله إذ

стр. 318

يقول ﷺ : ((من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)) (١)، وحفظ للعبد نهاره، يقول ﷺ : ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله)) (٢) (٣)، وفضائلها لا تُحصى، فمن صلاّها جماعة كان: عظيما، ً مؤمناً، قويّاً، نورانيّاً، مباركاً، منتصراً على نفسه، وعلى شيطانه، حافظاً لوقته، مستثمراً حياته، ومن ضيعها ضاع لُبّ عمره، وقلّت بركته، واتصف بصفة المنافقين، والواجب على المسلم أن يجتهد للاستيقاظ للفجر، ويبذل كل جهده، أخذاً بالأسباب المعينة له على ذلك. ثامناً: النوم معظم النهار ، وهذا العمل مخالفة لسنة الله، إذ جعل الليل لباساً والنهار معاشاً، وفيه تفويت الخير على النفس، إذ العمل في الصيام أفضل من العمل في غيره؛ لشرف الزمان، وفيه ضياع الوقت وخسارة العمر، وفيه إظهار التضجر من العبادات والسآمة من الصالحات، والكآبة من الطاعات، وفيه تصوير مشقة التكاليف، وفيه الدعوة إلى الكسل، واتهام الإسلام بأنه دين الكسل والخمول، وكم من المفاسد في ذلك، وأحسن نوم النهار هو القيلولة لإراحة الجسد ولإعانته على قيام الليل. تاسعاً: ضياع الأوقات ما بين نوم، وقيل وقال، وكثرة سؤال فيما لا فائدة فيه ، وأخبار لا مصلحة من ورائها، ومصاحبة أشرار وتمشيات،

стр. 319

وما شابه ذلك، ووقت المسلم نفيس، وهو في رمضان أنفس؛ لشرف الزمان وشرف المكان. والوقت يتميز بأمور، منها: أن ما مضى منه لا يعود، ومنها سرعة انقضائه، ومنها أنه أغلى من الذهب والفضة، ومنها أنه غنيمة، وأنه نعمة، وأنه عظيم أقسم الله به. عاشراً: إهمال قراءة القرآن والانشغال عنه وحرمان أجره ، والصارف عن ذلك هو كثرة النوم، وكثرة اللهو، وكثرة اللعب، والغفلة بالدنيا، والاقتران بأهل السوء، وظلمة القلوب، وضيق الصدور، وتسلط الشيطان، وكثرة العصيان، وقلة الإيمان. والقرآن هو كلام الله الذي لو أنزله على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، وهو الذي فتح الله به القلوب، وغفر به الذنوب، وستر به العيوب، ونال به العبد المطلوب، ونجا من المرهوب. ورمضان هو شهر القرآن، إذ أنزل الله القرآن في رمضان، وكان جبريل يعارض النبي ﷺ بالقرآن في رمضان، وكان السلف يتركون كل شيء في رمضان ويتوجهون للقرآن، وسيأتي الكلام عنه في المبحث الثامن والعشرين إن شاء الله. الحادي عشر: ترك الدعاء عند الفطر وفي أثناء الصوم ، والدعاء هو العبادة، والداعي يظهر ذُلّه لله وخضوعه له، وحاجته إليه، فيبقى دائم الصلة به، وقد جعل الله للدعاء أوقات إجابة، منها: دعوة

стр. 320

الصائم؛ لقوله ﷺ : ((ثلاثة لا تردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم))، وفي لفظ: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم)) (١). وكان من هديه ﷺ إذا أفطر أن يقول: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)) (٢). الثاني عشر: ترك صلاة المغرب في المسجد، والانشغال بالإفطار والتعلل بمثل حديث: ((إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء)) (٣)، وبمثل حديث: ((لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)) (٤). وقد كان من هديه ﷺ أنه يفطر على رطباتٍ، أو تمراتٍ، أو حسواتٍ من ماء، ثم يُصلِّي ولا يشغله الطعام عن الصلاة، فينبغي للمسلم الاقتداء بالسنة في الإفطار على تمرات، ثم صلاة الجماعة. الثالث عشر: ترك صلاة التراويح لا مع الإمام بعد العشاء ولا

стр. 321

في البيت وحده، وصلاته مع الإمام أفضل من صلاته وحده؛ لأن السنة وردت بذلك؛ لأن النبي ﷺ صلَّى بأصحابه ثلاث ليالٍ ولم يخرج الرابعة خشية فرضها عليهم، وعدم استطاعتهم لها، وجمع عمر المسلمين على صلاة التراويح خلف أُبيّ بن كعب ﵃، وفي حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) (١)، وفي الحديث: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه)) (٢). وقد مَدَحَ الله أهل القيام وجعل من صفات أهل الجنة أنهم كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِين * كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ (٣)، وعدم قيام الليل يضيِّع على الإنسان أجراً عظيماً، ويدعو العبد إلى الغفلة وإلى استحواذ الشيطان، فعلى العاقل اللبيب أن لا يضيع هذه الغنيمة الجليلة، وأن لا يخسر هذا الربح العظيم، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاةٌ عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد)) (٤).

стр. 322

الرابع عشر: السهر الطويل إما كل الليل وإما معظم الليل ، والسهر مرض عُضَالٌ نَخَرَ القلوب، وفوَّت الخيرات، ونوّع السيئات، وزهَّد في الصالحات، يحصل به مفاسد عظيمة، وأضرار جسيمة، ومخاطر وَبِيلَة، منها: ١ - مخالفة سنة الله تعالى ، إذ سنته أن الليل لباسٌ والنهار معاشٌ، فالليل للسكن والراحة والنوم، والنهار للحركة والمعاش واليقظة؛ ولذا كان الليل مظلماً للسكون، والنهار مبصراً للتحرك. ٢ - مخالفة هدي الرسول ﷺ -، إذ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها (١)، أي الحديث المباح، وأما المحرم فهو محرم على الدوام، وكان ينام أول الليل ويستيقظ بعد منتصف الليل إلى آخره، فيصلي إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة ﷺ . ٣ - الإضرار بالنفس ؛ لأن من حق النفس النوم، وحرمانها من ذلك إضرار بها، والإضرار بها حرام، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، ويقول ﷺ : ((وإن لنفسك عليك حقاً)) (٣)، وقال ﷺ :

стр. 323

((لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (١). ٤ - الإضرار بالغير ، إذ يزعج غيره بأصواته وصياحه ولعبه ولهوه، والإضرار بالمسلم حرام، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أَمِنَهُ الناس على دمائهم وأموالهم)) (٣)، ولفظ البخاري عن عبد الله بن عمرورضي الله عنهما عن النبي ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) (٤). ٥ - حرمان قيام الليل ، ومن حُرِمَه فقد حُرِمَ خيراً كثيراً، وقد كان السلف يرون حرمانه أثراً من آثار الذنوب. ٦ - حرمان مغفرة الذنوب ، وحرمان إجابة الدعاء، وحرمان إعطاء

стр. 324

السؤال، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفرَ له)) (١). ٧ - حرمان صلاة الفجر ، وصلاة الفجر هي سمة المؤمنين، والثقيلة على المنافقين، والحرب على الشياطين، فضائلها لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأضرار السهر كثيرة، وما ذُكِرَ هنا منها إلا القليل (٢). الخامس عشر: الأكل والشرب أثناء أذان المؤذن لصلاة الفجر ، حتى ينتهي المؤذِّن، والواجب الإمساك عند بدء الأذان، إذا كان المؤذن يؤذن على الوقت؛ لأن الأذان للفجر إعلام بطلوع الفجر الثاني الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣). السادس عشر: التفريط في الجمع بين الجهاد بالليل والنهار ؛ فإن المؤمن إذا صام نهار رمضان، وقام ليله بصلاة التراويح، فقد جمع بين جهادين عظيمين من جهاد النفس؛ ولهذا قال الإمام الحافظ ابن رجب ﵀: ((واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان: ١ - جهاد لنفسه بالنهار على الصيام.

стр. 325

٢ - جهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما وُفِّيَ أجره بغير حساب، وقال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم قد قيدتك خطيئتك)). وقيل لابن مسعود ﵁:ما نستطيع قيام الليل؟ قال: ((أقعدتكم ذنوبكم)). السابع عشر: نقر صلاة التراويح: من الأخطاء الظاهرة عند بعض المصلين، وخاصة الأئمة الذين يصلون بالناس؛ فإن بعضهم قد اعتاد التخفيف الذي يتعدَّى حده حتى يحصل الإخلال بالأركان، والواجبات، فيتركون الطمأنينة في الركوع والسجود، ويدمجون حروف تلاوة كتاب الله تعالى، وكل ذلك من الرغبة في العجلة: إما لأنه يريد التخلص من صلاة التراويح، أو أنه يريد الرياء والعياذ بالله؛ بحيث يجذب كثيراً من الجهلة الذين يرغبون أن يصلوا صلاة التراويح في دقائق معدودة، وهذا من مكائد الشيطان لأهل الإيمان؛ ليبطل العامل عمله، بل كثير ممن أطاعوا الشيطان صلاتهم أقرب إلى اللعب منها للطاعة، فيجب على المصلي إذا دخل في الصلاة أن يقيم الصلاة بصورتها الظاهرة: من القراءة، والقيام، والركوع، والسجود، ونحو ذلك، والباطنة: من الخشوع، وحضور القلب، وكمال الإخلاص، والتدبر والتفهم لمعاني كتاب الله تعالى، ونحو ذلك (١). وكثير من الأئمة في البلدان يفعل في صلاة التراويح فعل أهل

стр. 326

الجاهلية، ويصلون صلاة لا يعقلونها، والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى، واتعاظه وتَدَبُّرِهِ لكلام الله ، وأما إذا حدث فرقة بين الإمام والجماعة، وصار هواهم التخفيف ولم يوافقوه على فعل السنة، فالذي ينبغي له الحرص على الطمأنينة، ولا يستعجل عجلة تخل بالطمأنينة، فعليه أن يقصِّر القراءة مع الخشوع في الركوع والسجود، وكذلك عشر ركعات مع الوتر أفضل من عشرين ركعة مع الوتر مع العجلة المكروهة؛ لأنَّ لُبّ الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله فيها، ورُبَّ قليلٍ خيرٌ من كثيرٍ (١).

стр. 327

المبحث الثالث والعشرون: صيام التطوع أولاً: مفهوم التطوع: التطوع: النافلة، وكل متنفِّل خيرٍ متطوع (١)، قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّه﴾ (٢). والتطوع: ما تبرع به المسلم من ذات نفسه، مما لا يلزمه فرضه (٣). ثانياً: فضائل صيام التطوع: صيام التطوع له فضائل كثيرة عظيمة، منها الفضائل الآتية: ١ - صيام التطوع تُكمَّل به فريضة الصيام يوم القيامة ؛ لحديث تميم الداري ﵁ مرفوعاً: ((أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كُتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكمِّلون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أوَّل ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة، قال يقول ربنا

стр. 328

لملائكته - وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتمُّوا لعبدي فريضته من تطوعه، ثُمّ تؤخذ الأعمال على ذاكم))، ولفظ الترمذي: ((إن أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك))، وفي لفظ ابن ماجه: (( ... فإن كان له تطوع أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك))، وفي لفظٍ لأحمد: ((أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن صلحت ... ))، وقال يزيد مرة: ((فإن أتمها وإلا زيد فيها من تطوعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة كذلك))، وفي لفظ لأحمد أيضاً: (( .. انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فأكملوا ما ضيَّع من فريضته، ثم الزكاة، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك)) (١).

стр. 329

٢ - صيام التطوع جُنُّةٌ يقي صاحبه من النار ؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال له: (( .. يا كعب بن عجرة الصلاة برهان، والصوم جُنّةٌ حصينةٌ ... )) (١)؛ ولحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((قال ربنا : الصيام جُنَّة (٢) يستجن بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به)) (٣)؛ ولحديث عثمان بن أبي العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: ((الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال)) (٤). ٣ - الصيام حصن حصين من النار ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((الصيام جنة وحصن حصين من النار)) (٥). ٤ - صيام التطوع جُنّة من الشهوات ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة

стр. 330

فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) (١). ٥ - صيام يوم في سبيل الله يباعد الله النار عن وجه صاحبه سبعين سنة ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من صام يوماً في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) (٢). ٦ - الصوم وصية النبي ﷺ ، ولا عِدْل له، ولا مثل له ؛ لحديث أبي أمامة ﵁، قال: ((قلت: يا رسول الله مُرني بأمر ينفعني الله به))، وفي لفظ: ((أي العمل أفضل؟ قال: ((عليك بالصوم فإنه لا مِثلَ له))، وفي لفظٍ: ((عليك بالصوم فإنه لا عِدل له)) (٣). ٧ - الصيام يُنادَى صاحبه لدخول الجنّة يوم القيامة من باب الريان ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نُوديَ من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل

стр. 331

الصدقة دُعي من باب الصدقة))، فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم)) (١). ٨ - الصيام من أوَّل الخصال التي تدخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟)) قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟))، قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة))، وفي لفظ للبخاري في الأدب المفرد: ((ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة)) (٢). ٩ - صيام التطوع كفارة للذنوب ؛ لحديث حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ : ((فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، تكفرها: الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر، والنهي))، وفي لفظ: ((والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٣). ١٠ - الصوم يزيل الأحقاد والضغائن والوسوسة من الصدور ؛ لحديث ابن عباس والأعرابي ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: ((صوم شهر

стр. 332

الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر: يُذْهِبْنَ وحَرَ (١) الصدر)) (٢). ١١ - أعدَّ الله الغرف العاليات في الجنة لمن صام صيام التطوع المشروع وتابعه؛ لحديث أبي مالك الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأَلانَ الكلام وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والناس نيام)) (٣). ١٢ - صيام التطوع من الغنائم العظيمة ؛ لحديث عامر بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء)) (٤). ١٣ - الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فَشَفِّعْني فيه،

стр. 333

ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشَفِّعْنِي فيه)) (١). ١٤ - من خُتم له بصيام يوم يريد به وجه الله أدخله الله الجنة ؛ لحديث حذيفة ﵁، قال أسندتُ النبي ﷺ إلى صدري، فقال: ((من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتم له بها (٢) دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة)) (٣). ١٥ - للصائم فرحتان يفرحهما ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: (( ... وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه)) (٤). ١٦ - الصائم له دعوة لا ترد حتى يفطر، وحين يفطر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها

стр. 334

أبواب السماء، ويقول الربُّ: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (١)، وفي نسخة للترمذي بلفظ: (( ... حين يفطر)) (٢). ثالثاً: فوائد صيام التطوع وحِكَمُه صيام التطوع له فوائد ومنافع، وحِكم منها ما يأتي: ١ - الصوم وسيلة إلى التقوى ؛ لأن النفس إذا انقادت للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضاة الله، وخوفاً من عقابه، فمن باب أولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً من أسباب التقوى. ٢ - الصوم وسيلة إلى شكر النعم ؛ لأن كفَّ النفس عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات من أجلِّ النعم؛ لأن الامتناع عن هذه النعم زمناً معتبراً يُعرِّف قدرها؛ لأن النعم مجهولة فإذا فُقِدَتْ عُرِفَتْ، فيحمل ذلك على القيام بشكر الله تعالى؛ ولهذا إذا أفطر الصائم وجد لذةً عظيمة للطعام والشراب البارد على الظمأ، فيشكر الله تعالى. ٣ - الصوم يكسر النفس ويحدّ من الشهوة ؛ لأن النفس إذا شبعت رغبت في الشهوات؛ ولأن الشّبع، والرّيّ، ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر، والغفلة، وإذا جاعت امتنعت عما تهوى.

стр. 335

٤ - الصوم يجعل القلب يتخلّى للذكر والفكر ؛ لأن تناول الشهوات يسبب الغفلة، ورُبما يقسِّي القلب، ويعمي عن الحق، وتحول بين العبد وبين الذكر والفكر، وتستدعي الغفلة، وخلوّ البطن من الطعام والشراب ينوِّر القلب، ويوجب رقته، ويزيل قسوته. ٥ - الصوم يعرِّف الغني قدر نعمة الله عليه، وقد حُرِمها كثير من الخلق ؛ لأن الصائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في جميع الأوقات، وغالبها، فتسارع إلى قلبه الرحمة لهؤلاء المساكين، فيحسن إليهم، فيحصل على الثواب العظيم من الله الغني الكريم. ٦ - الصوم يضبط النفس، ويُقَلِّل من كبريائها ؛ ولهذا يضبط الصائم نفسه، ويسيطر عليها، ويقودها لما فيه سعادتها، ويمرِّنها على الطاعة. ٧ - الصوم يُضَيِّق مجاري الدم، فتضيق مجاري الشيطان ، فيقهر بذلك الشيطان. ٨ - الصوم عبادة لله يظهر بها من له الرغبة فيما عند الله تعالى من الثواب الكبير . ٩ - الصوم يترتَّب عليه فوائد صِحيَّة تحصل بسبب تقليل الطعام ، وإراحة جهاز الهضم فيدفع الله بذلك كثيراً من الأمراض الخطيرة على الإنسان (١). رابعاً: أقسام صوم التطوع: مطلق ومقيد: صوم التطوع ينقسم إلى قسمين:

стр. 336

القسم الأول: صوم التطوع المطلق: وهو ما جاء في النصوص غير مقيد بوقتٍ أو زمنٍ معين. القسم الثاني: صوم التطوع المعيَّن: وهو ما جاء في النصوص مقيد بزمن معيّن أو وقت معيّن، كصوم الست من شوال، ويوم الإثنين والخميس، وأيام البيض، ويوم عاشوراء، وصوم يوم عرفة، وصوم شهر شعبان، وصوم شهر الله المحرم، وغير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى التفصيل في الصوم المُعيَّن. وأما الصوم المطلق فقد جاءت الأحاديث الكثيرة في الترغيب فيه، ومنها ما يأتي: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁، قال: ((كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أنه لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أنه لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء تراه من الليل مصلياًّ إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته))، وفي لفظ للبخاري: ((ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيته، ولا مفطراً إلا رأيته، ولا من الليل قائماً إلاّ رأيته، ولا نائماً إلا رأيته، ولا مَسِسْت خزةً (١) ولا حريرةً [ولا ديباجاً (٢)] ألينَ من كفِّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت عبيراً أطيب رائحةً من رائحة

стр. 337

رسول الله ﷺ ))، وفي لفظ: ((ولا شممت ريحاً قط، أو عرفاً (١) قط أطيب من ريح أو عرفِ النبي ﷺ )) (٢). ٢ - حديث عبد الله بن عباس ﵄، قال: ((ما صام النبي ﷺ شهراً كاملاً قط غير رمضان، ويصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم)) (٣). ٣ - حديث عائشة ﵂، قال عبد الله بن شقيق، قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يصوم شهراً معلوماً سوى رمضان؟ قالت: والله إن صام شهراً معلوماً سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطره حتى يصيب منه))، وفي لفظ: ((ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصيب منه حتى مضى لسبيله))، وفي لفظ: ((كان يصوم حتى نقول: قد صام قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر قد أفطر، وما رأيته صام شهراً كاملاً منذ

стр. 338

قدم المدينة إلا أن يكون رمضان)) (١). ٤ - حديث أسامة بن زيد ﵁، ((أن رسول الله ﷺ ، كان يسرد الصوم (٢) فيقال: لا يفطر، ويفطر، فيقال: لا يصوم)) (٣)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على ما جاء في الأحاديث السابقة من أنه ﷺ ما يحب أن يراه أحد صائماً إلا رآه صائماً، ولا مفطراً إلا رآه مفطراً قال: ((يعني أن حاله في التطوع بالصيام والقيام كان يختلف، فكان تارة يقوم من أول الليل، وتارة في وسطه، وتارة من آخره، كما كان يصوم تارة من أول الشهر، وتارة من وسطه، وتارة من آخره، فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائماً، أو في وقت من أوقات الشهر صائماً فراقبه المرة بعد المرة فلا بد أن يصادفه قام أو صام على وفق ما أراد أن يراه، هذا معنى الخبر، وليس المراد أنه كان يسرد الصوم، ولا أنه كان يستوعب الليل قياماً)) (٤).

стр. 339

وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((قال العلماء: والسر في هذا والله أعلم أنه ﷺ إذا كثرت المشاغل أخَّر الصيام واشتغل بالجهاد، والنظر في حل المشكلات، فإن الصوم يضعفه عن ذلك، فإذا جاء الفراغ وقلة المشاغل سرد الصوم، فيتعوَّض بسرد الصوم عن سرد الإفطار، ويتَحَرَّى الأوقات المناسبة للإفطار، وهكذا ينبغي للمسلم ... )) (١). خامساً: صوم التطوع المقيد: أنواع: صوم التطوع المقيد أفضل من صوم التطوع المطلق كالصلاة؛ فإن التطوع المقيد منها أفضل من التطوع المطلق (٢)، وصوم التطوع المقيد أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: صيام ستة أيام من شوال ؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر)) (٣)؛ ولحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)) (٤)، قال الإمام النووي ﵀: ((والأفضل أن تُصامَ الستة متوالية، عقب يوم الفطر، فإن فرّقها، أو

стр. 340

أخرها عن أوائل شوال إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة؛ لأنه يصدق أنه أتبعه ستاً من شوال، قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين ... )) (١)، ولا تصام الست من شوال قبل القضاء من رمضان لمن كان عليه قضاء؛ لأن من صام الست قبل القضاء لا يصدق عليه أنه صام رمضان، فلا يحصل على ثوابها الذي بيَّنه النبي ﷺ إلا بعد إكمال رمضان؛ ولأن من قدَّم صيام الست على القضاء لم يتبعها رمضان، وإنما أتبعها بعض رمضان؛ ولأن القضاء فرض وصيام الست تطوع، والفرض أولى بالاهتمام والعناية (٢). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن صيام الست يحصل ثوابه بالتتابع، والتفريق، فقال: ((وسواء صامها عقيب الفطر، أو فصل بينهما، وسواء تابعها أو فرقها)) (٣). النوع الثاني: صيام تسع ذي الحجة؛ لحديث بعض أزواج النبي ﷺ - ((كان يصوم تسعاً من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهرٍ: أول إثنين من الشهر، وخميسين)) (٤).

стр. 341

وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال: رسول الله ﷺ : ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) (١)، ولا شك أن الصيام من جملة الأعمال الصالحة، بل الصيام لا عدل له ولا مثل له، وهو يدخل في أعظم الأعمال الصالحة التي حث النبي ﷺ عليها في أيام عشر ذي الحجة، كما في هذا الحديث الصحيح. وأما حديث عائشة ﵂ من قولها: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط)) (٢)،فقال الإمام النووي ﵀ عن هذا الحديث: (( ... فيتأول قولها: لم يصم العشر: أنه لم يصمه لعارضِ مرضٍ أو سفر، أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر)) (٣).

стр. 342

وقال الإمام النووي ﵀: (( .. فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحباباً شديداً، لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة .. )) (١). النوع الثالث: صيام يوم عرفة لغير الحاج ؛ لحديث أبي قتادة ﵁،وفيه أن رسول الله ﷺ قال: (( ... صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده ... )) (٢)،وهذا الحديث فيه البيان والترغيب في صوم يوم عرفة لغير الحاج، وأن من صامه يكفر ذنوبه في السنتين (٣). أما الحاج فالمشروع له، أن يكون مفطراً يوم عرفة بعرفة؛ لأن النبي ﷺ أفطر في ذلك اليوم والناس ينظرون إليه؛ ولأنه أقوى للحاج على العبادة والدعاء في ذلك اليوم العظيم؛ لحديث أم الفضل: ((أن ناساً تماروا (٤) عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم ليس بصائم، فأرسلتْ إليه بقدح لبنٍ، وهو واقف على بعيره فشربه)) (٥). وعن ميمونة ﵂ أن الناس شكَّوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة

стр. 343

فأرسلتُ إليه بحلابٍ (١) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون)) (٢)، وهذان الحديثان يدلان على أن المشروع للحاج أن يكون مفطراً في يوم عرفة في عرفات. ويحتمل التعدد في كون كل واحدة أرسلت إلى النبي ﷺ ، ويحتمل أنهما معاً أرسلتا فنسب ذلك إلى كل منهما؛ لأنهما كانتا أختين)) (٣) أم الفضل بنت الحارث، وميمونة بنت الحارث، والخلاصة أن النبي ﷺ كان مفطراً يوم عرفة في عرفة. النوع الرابع: صيام شهر الله المحرم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) (٤). في هذا الحديث التصريح بأن شهر الله المحرم أفضل الشهور للصوم، وقد كان النبي ﷺ يكثر من الصيام في شعبان دون المحرم، ولعله ﷺ إنما علم فضل صيام المحرم في آخر حياته، أو لعله كان يعرض له فيه أعذار: من سفر، أو مرض، أو غيرهما (٥).

стр. 344

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وهذا في أفضل الصيام لمن يصوم شهراً واحداً والأُولَى (١) من أفضل الصيام لمن يصوم صوماً دائماً)) (٢). النوع الخامس: صيام يوم عاشوراء ويوم قبله أو بعده: صوم اليوم العاشر من شهر الله المحرم سنة مؤكدة، وصوم يوم عاشوراء يكفِّر ذنوب السنة التي قبله، وقد صامه النبي ﷺ في الجاهلية والإسلام، وحث على صيامه ورغب فيه، وصامه موسى شكراً لله تعالى على أن نجَّاه وقومه فيه من الغرق، وأغرق عدوَّه فرعون وقومه، والسنة أن يُصام اليوم التاسع مع العاشر، فإن لم يصم التاسع صام معه الحادي عشر، وإن صام يوماً قبله ويوماً بعده كان أكمل وأعظم في الأجر، وقد ثبتت الأحاديث الكثيرة في مشروعية صوم يوم عاشوراء، ومنها الأحاديث الآتية: ١ - حديث عائشة ﵂، قالت: كانت قُريشٌ تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه [في الجاهلية]، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرِضَ شهر رمضان، قال: ((من شاء صامه، ومن شاء تركه)) (٣).

стр. 345

٢ - حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ : ((إن عاشوراء يومٌ من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه)) (١). ٣ - حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄، وقد خطب الناس في المدينة في قدمةٍ قدمها في العام الذي حج فيه قال على المنبر: ((يا أهل المدينة أين علماؤُكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هذا يومُ عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر)) (٢). ٤ - حديث عبد الله بن عباس ﵄، قال قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا [اليوم الذي تصومونه؟] قالوا: هذا يوم [عظيم] صالح [أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله فنحن

стр. 346

نصومه، فقال رسول الله ﷺ : ((فنحن أحق وأولى بموسى منكم)) فصامه وأمر بصيامه])) (١). ٥ - حديث ابن عباس ﵄، قال: ((ما رأيت النبي ﷺ يتحرَّى صيام يومٍ فضَّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان)) (٢). ٦ - حديث ابن عباس ﵄، قال: ((حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تُعظِّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : ((فإذا كان العام المقبل ـ إن شاء الله ـ صمنا اليوم التاسع))، فلم يأتِ العام المقبل حتى توفّي رسول الله ﷺ ))، وفي رواية: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع)) (٣)، والمعنى يعني مع العاشر، ويفسره قول ابن عباس الآتي: ما ثبت من قول ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: ((صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود)) (٤).

стр. 347

٨ - حديث أبي موسى ﵁، قال: ((كان يوم عاشوراء [يوماً تعظِّمه اليهود تتخذه عيداً] فقال رسول الله ﷺ : ((فصوموه أنتم)) (١). ٩ - حديث أبي قتادة ﵁،وفيه أن النبي ﷺ قال: (( ... وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((والحاصل من مجموع الأحاديث أن

стр. 348

يوم عاشوراء كانت الجاهلية من كفار قريش وغيرهم، واليهود يصومونه، وجاء الإسلام بصيامه متأكداً، ثم بقي صومه أخف من ذلك التأكد والله أعلم))، وقال: ((وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم))، وقال ﵀: ((قال الشافعي، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً، لأن النبي ﷺ صام العاشر ونوى صيام التاسع)) (١). ١٠ - مراتب صوم يوم عاشوراء ثلاثة: أولاً: أكملها أن يُصام قبله يومٌ وبعده يومُ . ثانياً: أن يُصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث . ثالثاً: إفراد العاشر وحده بالصوم . [قاله ابن القيم ﵀] (٢)، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 349

وإذا عمل المسلم بالمرتبة الأولى: وهي صيام ثلاثة أيام: اليوم التاسع، والعاشر والحادي عشر، حصل على فوائد، منها: أولاً: أدرك صيام يوم عاشوراء يقيناً لا شك فيه، لأن شهر ذي الحجة قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين، فإذا لم يُرَ الهلال فقد عمل باليقين: إما رؤية الهلال أو إكمال ذي الحجة ثلاثين يوماً، وقد يخطئ، فحينئذٍ يحصل بصيام الثلاثة على إدراك يوم عاشوراء الذي يكفر به ذنوب سنة ماضية. ثانياً: حصل على صيام ثلاثة أيام من الشهر فيكتب له صيام شهر كامل. ثالثاً: صام ثلاثة أيام من شهر الله المحرم الذي قال فيه النبي ﷺ : ((أفضل الصيام بعد رمضان: شهر الله المحرم)) (١). رابعاً: خالف اليهود في صيامهم فلم يفرد عاشوراء بالصيام، بل صام معه غيره، والله تعالى أعلم (٢). النوع السادس: صوم شهر شعبان من الصيام المستحب صيام شهر شعبان وقد جاء في فضل صيامه أحاديث كثيرة منها الأحاديث الآتية:

стр. 350

١ - حديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت النبي ﷺ استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان))، وفي لفظٍ للبخاري: ((لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان، [فإنه كان يصوم شعبان كله] وكان يقول: ((خذوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا))،وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دُووم عليه، وإن قلّت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها))،وفي لفظ: ((سُئل النبي ﷺ :أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((أدومها وإن قل))،وقال: ((اكلفوا من الأعمال ما تطيقون))، وفي لفظ لمسلم: (( ... ولم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً)) (١). ٢ - حديث أم سلمة ﵂، قالت: ((ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان))، وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: ((أنه لم يكن يصوم من السَّنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان))، ولفظ ابن ماجه: ((كان رسول الله ﷺ يَصِلُ شعبان برمضان))، ولفظ النسائي: ((أنه لم يكن يصوم من السَّنة شهراً تاماً

стр. 351

إلا شعبان وَيَصِلُ بِهِ رمضان)) (١). ٣ - حديث أسامة بن زيد ﵁، قال: قلت: يا رسول الله لم أرَك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ((ذلك شهر يغفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأُحب أن يُرفع عملي وأنا صائم)) (٢). وذكر شيخنا ابن باز ﵀ الجمع بين حديث عائشة (( ... وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل شهراً قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان)) وبين حديث أم سلمة ﵂: ((ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان))، قال شيخنا: ما ذكَرَتْه في هذه الرواية هو الأغلب وهو إفطاره بعض شعبان، وفي بعض الأحيان يتمه، كما قالت عائشة في رواية النسائي ... وكما دل على ذلك حديث أم سلمة المذكور، والله ولي التوفيق (٣).

стр. 352

النوع السابع: صوم الإثنين والخميس: من الصيام المستحب الذي تُرفع به الدرجات وتُكَفَّر به السيئات، صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع، للأحاديث الآتية: ١ - حديث عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يتحرَّى صوم الإثنين والخميس)) (١). ٢ - حديث أسامة بن زيد ﵄، قال: قلت يا رسول الله: إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهم؟، قال: ((أيّ يومين)) قلت: يوم الإثنين والخميس))، قال: ((ذانك يومان تُعْرَضُ فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يُعرّض عملي وأنا صائم)) (٢). ٣ - حديث حفصة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الإثنين والخميس، والإثنين من الجمعة الأخرى)) (٣).

стр. 353

٤ - حديث أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الإثنين والخميس، من هذه الجمعة، والإثنين من المقبلة)) (١). ٥ - حديث أبي قتادة ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: ((ذلك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل علي فيه)) (٢). ٦ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل مسلم لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا، هذين حتى يصطلحا))، وفي رواية: ((تُعْرَضُ الأعمال في كل يوم خميس وإثنين فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أركوا هذين (٣) حتى يصطلحا، أركوا هذين

стр. 354

حتى يصطلحا)) (١). النوع الثامن: صيام ثلاثة أيام من كل شهر: وأيام البيض أفضل . وردت الأحاديث في الترغيب في صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي مع رمضان تعدل صيام الدهر، والأحاديث في صيام ثلاثة أيام من كل شهر جاءت على قسمين: القسم الأول: صيام ثلاثة أيام من كل شهر بدون تعيين: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: ((أوصاني خليلي ﷺ بثلاث [لا أدعهن حتى أموت] صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)) (٢). ٢ - حديث أبي الدرداء ﵁، قال: ((أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشت، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر)) (٣). ٣ - حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ وفيه عن النبي ﷺ قال: ((صيام ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صومُ الدهر)) (٤).

стр. 355

٤ - حديث عائشة ﵂، فعن معاذة العدوية ﵂ أنها سألت عائشة زوج النبي ﷺ : أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: ((نعم))، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم)) (١). ٥ - حديث أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صام ثلاثة أيام من الشهر فقد صام الدهر كله))، ثم قال: ((صدق الله في كتابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢)) (٣). ٦ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر: صوم الدهر)) (٤). ٧ - حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، قال سمعت رسول الله
следующие страницы →