قَبْلَ الرُّؤْيَة)) (١).
٣ - حديث ابن عباس ﵄، فعن سماك، قال: دَخَلْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ فِي يَوْمٍ قَدْ أُشْكِلَ مِنْ رَمَضَانَ هُوَ أَمْ مِنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَبَقْلًا وَلَبَنًا، فَقَالَ لِي: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ وَحَلَفَ بِالله لَتُفْطِرَنَّ، قُلْتُ: سُبْحَانَ الله! - مَرَّتَيْنِ - فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَحْلِفُ لَا يَسْتَثْنِي تَقَدَّمْتُ، قُلْتُ: هَاتِ الْآنَ مَا عِنْدَكَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ أَوْ ظُلْمَةٌ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ: عِدَّةَ شَعْبَانَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا، وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ)) (٢).
٤ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ ، أوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاَثِينَ)) (٣).
وهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة فيها النهي عن صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان ما لم يُرَ الهلال، وفيها الأمر بإكمال
стр. 387
شعبان ثلاثين يوماً إلا إذا رأوا الهلال، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف.
قال شيخنا ﵀: ((لا يجوز صوم يوم الشك، ولو كانت السماء مغيِّمة، هذا هو الصواب ... ولا يجوز أن يُخالَفَ النص لقول أحدٍ
من الناس ... ))، وذكر الأدلة على ذلك ﵀، وردّ على من خالف ذلك (١)، والحمد لله (٢).
стр. 388
ثانياً: الصيام المكروه أنواع:
النوع الأول: صوم الدهر مكروه؛ للأحاديث الآتية:
١ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وفيه قال: قَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : ((إِنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: ((إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ (١)، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ (٢)، لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ)). قَالَ فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى))،وفي لفظٍ: ((ألم أُخْبَرْ أنّك تصومُ النهارَ وتقومُ اللّيلَ؟))، فقلت: بلى يارسول الله، قال: ((فلا تفعلْ))، وفيه: ((صُمْ صِيامَ نبيِّ الله داود ﵇ ولا تزد عليه))،وفي لفظٍ: ((لا صام من صام الأبد)) مرتين (٣).
٢ - حديث أبي قتادة ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ سُئل عن صيام الدهر؛ فقال: ((لا صام ولا أفطر))، أو: ((ما صام وما أفطر))، وفي لفظ: ((لم يصم، ولم يفطر)) (٤).
стр. 389
٣ - حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا))، وقبض كفه (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِ حَصْرًا لَهُ فِيهَا؛ لِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسه، وَحَمْلِهِ عَلَيْهَا، وَرَغْبَتِهِ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ غَيْرَ سُنَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي الْوَعِيد الشَّدِيد فَيَكُون حَرَامًا))، ثم قال: ((وَإِلَى الْكَرَاهَة مُطْلَقًا ذَهَبَ اِبْن الْعَرَبِيِّ مِنْ المَالِكِيَّةِ، فَقَالَ: ((قَوْله: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ: إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الدُّعَاء فَيَا وَيْحَ مَنْ أَصَابَهُ دُعَاءُ النَّبِيّ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْخبرَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ، وَإِذَا لَمْ يَصُمْ شَرْعًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ الثَّوَابُ؛ لِوُجُوبِ صِدْقِ قَوْلِهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الصَّوْمَ، وَقَدْ نَفَى عَنْهُ الْفَضْلَ كَمَا تَقَدَّمَ)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول على قوله ﷺ : ((لا صام من صام الأبد)): هذا يحتمل أنه دعاء على من صام الأبد، ويحتمل أنه إخبار بأنه لا صوم له، وأنه ليس بصوم شرعي)) (٣).
стр. 390
٤ - حديث عمران ﵁، قال: قيل: يا رسول الله! إن فلاناً لا يفطر نهاراً، الدهر، قال: ((لا صام ولا أفطر)) (١).
٥ - حديث عبد الله بن الشِّخير، أنه سمع رسول الله ﷺ وذُكِرَ عنده رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ؟ َقَالَ: ((لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ)) (٢).
٦ - حديث عمر ﵁ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ ، فمررنا برجلٍ فقالوا: يا نبيَّ الله هذا لا يُفطر مُنذ كذا وكذا؟ قَالَ: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)) (٣).
٧ - ضرب عمر ﵁ رجلاً يصوم الدهر، فأتاه فَعَلاَهُ بالدّرّة، وجعل يقول: ((كُلْ يا دهري)) (٤)، وسمعت شيخنا ابن باز يقول: ((صيام يوم وإفطار يوم أفضل الصيام، ولا يجوز صيام الدهر)) (٥)، والله
أعلم (٦).
النوع الثاني: صوم أواخر شعبان مكروه ما لم يكن له عادة ؛
стр. 391
للأحاديث الآتية:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا))، ولفظ الترمذي: ((إذا بَقِيَ نِصْفٌ من شعبان فلا تصوموا))، ولفظ ابن ماجه: ((إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلاَ تصوموا حَتَّى يَجِيءَ رَمَضَانُ)) (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وقال بعض أصحابنا: لا يستحب الصوم بعد منتصف شعبان إلا لمن قد صام قبله)) (٢).وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا حديث صحيح، والمعنى أنه لا يبتدئ بعد النصف [بالصيام] فلا يتقدم رمضان بيوم أو يومين، ولا يبتدئ بعد النصف؛ لأنه متهم بالزيادة)) (٣). وقال ﵀: ((والمراد به النهي عن ابتداء الصوم بعد النصف، أما من صام أكثر الشهر، أو الشهر كله فقد أصاب السنة)) (٤). وقال الإمام الترمذي ﵀: ((ومعنى الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون الرجل مفطراً، فإذا بقي من شعبان
стр. 392
شيء أخذ في الصوم لحال رمضان)) (١).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ))، ولفظ مسلم: ((لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ)) (٢).
فدل هذا الحديث وما في معناه على أن الكراهية على من يتعمَّد الصيام؛ لاستقبال رمضان على نية الاحتياط لرمضان، أما من كان له صوم يصومه، كمن يصوم الإثنين والخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً، فلا حرج في ذلك (٣).
٣ - حديث عمران بن حصين ﵄: أن النبي ﷺ قال له، أو قَالَ لِرَجُلٍ وهو يسمع: ((يَا أَبَا فُلَانٍ أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟))، وفي لفظ: ((مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟))، قَالَ الرَّجُلُ: لاَ يَا رَسُولَ الله. قَال: ((فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ))، ولفظ مسلم: ((يَا فُلَانُ أما َصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ))، وفي رواية لمسلم عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ
стр. 393
لَهُ، أَوْ لِآخَرَ: ((أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ (١) شَعْبَانَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ))، وفي رواية لمسلم أيضاً: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: ((هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ((فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ)) (٢).
السرر: المعروف عند اللغويين وغيرهم: أن سرار الشهر: آخره، وهو حين يستسر الهلال آخر الشهر، وعلى هذا المعنى فلا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا أن يكون أحدكم يصوم صوماً فليصمه))،فيحمل النهي على من لم تكن له عادة بصومِ شيء من شعبان، فيصومه؛ لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم فليستمر على عادته، كما جاء في آخر الحديث: ((إلا أن يكون أحدكم يصوم صوماً فليصمه))،وقوله ﷺ : ((فصم يومين مكانه)) هذا منه ﷺ حملٌ على ملازمة عادة الخير، حتى لا تنقطع، وفيه حضٌّ على أن لا يمضي على المكلف مثل شعبان فلم يصم منه شيئاً، فلما فاته صومه أمره أن يصوم من شوال يومين ليحصل له أجرٌ من الجنس الذي فوَّته على نفسه (٣).
стр. 394
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي الحديث مشروعية قضاء التطوع، وقد يؤخذ منه قضاء الفرض بطريق الأولى خلافاً لمن منع ذلك)) (١).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((السرر: آخر الشهر، فإن كان له عادة يصومها: كأيَّام البيض، أو الإثنين والخميس، فلا بأس أن يصوم من آخر شعبان؛ لأن له عادة، ولا يقصد الاحتياط لرمضان)) (٢).
النوع الثالث: صوم يوم عرفة للحاج بعرفة مكروه ؛ للأحاديث الآتية:
١ - حديث عقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)) (٣).
فعرفة عيد لأهل الموقف الحجاج بعرفات؛ لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد (٤).
стр. 395
٢ - حديث أم الفضل ﵂، فيه: ((أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا (١) عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ)) (٢).
٣ - حديث ميمونة ﵂، إِنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ (٣) وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ)) (٤).
٤ - حديث عبد الله بن عمر ﵄، فقد سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ: ((حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ)) (٥).
٥ - حديث ابن عباس ﵄، ((أن النبي ﷺ أفطر بعرفة، وأرسلت إليه
стр. 396
أم الفضل بلبن فشربه)) (١).
وقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀: ((أما الحاج فلا يجوز له أن يصوم يوم عرفة؛ لأن النبي ﷺ وقف في ذلك اليوم وهو مفطر ... وإن صامه يخشى عليه الإثم ... )) (٢).
النوع الرابع: إفراد يوم الجمعة بالصوم مكروه للأحاديث الآتية:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ))، وفي وراية لمسلم: ((لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)) (٣).
٢ - حديث جابر ﵁، وأنه سُئل: أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: ((نعم))، زاد غير أبي عاصم: ((يعني أن يفرد بصوم))، ولفظ مسلم عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: سألت جابر بن عبد الله ﵄، وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم
стр. 397
الجمعة؟ فقال: ((نعم ورب هذا البيت)) (١).
٣ - حديث جويرية ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: ((أصمت أمس؟))، قالت: لا، قال: ((تريدين أن تصومي غداً؟))، قالت: لا، قال: ((فأفطري))، وفي رواية عن أيوب: ((أن جويرية حدثته فأمرها فأفطرت)) (٢).
٤ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده)) (٣).
وسمعت سماحة شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((إذا صام قبله يوماً أو بعده يوماً زال المحذور، وصوم يوم الجمعة قضاء عن رمضان ترك إفراده أحوط، أو يصوم يوماً بعده أو قبله، أما صوم يوم عرفة يوم الجمعة فهو لم يصم من أجل الجمعة، وإنما صام من أجل يوم عرفة)) (٤).
стр. 398
النوع الخامس: إفراد يوم السبت بالصيام:
فعن الصماء ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ (١) عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ)) (٢).
قال الإمام الترمذي ﵀: ((وَمَعْنَى كَرَاهَتِهِ فِى هَذَا أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ يَوْمَ السَّبْتِ بِصِيَامٍ؛ لأَنَّ الْيَهُودَ تُعَظِّمُ يَوْمَ السَّبْتِ)) (٣)(٤).
стр. 399
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ولأنه يوم عيد لأهل الكتاب فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيماً له، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لمّا عظَّمه أهل الكتاب، وإفراد رجب لمّا عظَّمه المشركون، وعلل ابن عقيل؛ لأنه يوم يمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك: وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل، فصار صومه تشبهاً بهم)) (١).
وأما صيام السبت مع الجمعة، أو مع الأحد فلا كراهة مطلقاً؛ لأن النبي ﷺ قال لأم المؤمنين جويرية وقد دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة: ((أصمت أمس؟))، قالت: لا، قال: ((تريدين أن تصومي غداً؟)) قالت: لا، قال: ((فأفطري)) (٢).
стр. 400
فالنهي عن صوم يوم السبت متوجه إلى إفراده، أما إذا ضُمّ ما قبله أو ما بعده إليه فلا كراهة (١).
وممّا يدلُّ على أن صيام يوم السبت إذا ضُمَّ إليه ما بعده أو ما قبله، ما تقدّم، وحديث أم سلمة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: ((إنهما يوما عيد المشركين، فأنا أحب أن أخالفهم)) (٢).
والخلاصة أن الأقرب عندي أن النهي عن صوم يوم السبت مفرداً، أما إذا ضُمّ إلى الجمعة قبله أو الأحد بعده فتزول الكراهة، والله تعالى أعلم.
النوع السادس: إفراد شهر رجب بالصيام مكروه:
يُكره تخصيص إفراد شهر رجب بالصيام؛ لأن ذلك من شعائر الجاهلية، فقد كانوا يُعَظِّمون شهر رجب، وإذا صام مع شهر رجب غيره زالت الكراهة، قال العلامة ابن مفلح ﵀: ((ولا يكره شهرٌ غير
стр. 401
رجب، قال صاحب المحرر: لا نعلم فيه خلافاً ... )) (١).
وقد روى خرشة بن الحرِّ قال: ((رأيت عمر يضرب أكفّ الناس حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يُعَظِّمه أهل الجاهلية)) (٢).
وكان ابن عمر ﵄ إذا رأى الناس وما يعدُّون لرجب كره
ذلك (٣).
وإذا أفطر من رجب ولو يوماً زالت الكراهة، أو يصوم شهراً آخر معه، فتزول الكراهة كذلك (٤).
стр. 402
المبحث الخامس والعشرون: ليلة القدر
أولاً: مفهوم ليلة القدر: لغة وشرعاً:
لغة: ليلة القدر تتركب من لفظين:
اللفظ الأول: ليلة، وهي في اللغة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي له عن المعنى اللغوي.
اللفظ الثاني: القَدر، ولها معانٍ في اللغة:
المعنى الأول: الشرف، والوقار، والعظمة، فالمراد بالقدر هنا: التشريف والتعظيم، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١) فهي ليلة ذات قَدْرٍ وشرف؛ لنزول القرآن فيها [فإنه نزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، ثم نزل منجَّماً في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ ] (٢)؛ أولما يقع فيها مِن تَنَزُّلِ الملائكة؛ أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة، والمغفرة، أو أن الذي يُحييها يصير ذا قَدْرٍ وشَرَفٍ (٣)، أو لأنه ينزل فيها من فضل الله، وخزائن مِنَنِهِ وجوده وكرمه ما لا يُقَدَّرُ قَدَرُه، أو لأن للطاعات فيها قدراً جزيلاً، أو لأن الله أنزل فيها كتاباً ذا قدرٍ على رسولٍ ذي قدرٍ على أمةٍ ذاتِ قدرٍ، أو لأن الأرض تضيق بالملائكة فيها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَن
стр. 403
قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (١)، وهذا معنى التضييق فيها (٢)، أو معنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها (٣)، وليلة خير من ألف شهر قدرها عظيم لا شك في ذلك (٤) كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر﴾ (٥) قيل: معناه: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فهو خير من العمل في ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر (٦)، وقد قال النبي ﷺ : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٧).
المعنى الثاني: القدر الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أن الله يُقدِّر فيها أحكام تلك السنة، فسميت ليلة القدر؛ لما يُكتب للملائكة فيها: من الأقدار، والأرزاق، والآجال التي تكون في تلك السنة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ (٨) يُفْرَقُ: أي يُفْصَلُ ويُبَيَّنُ كل أمر حكيم، وأمر الله كله حكيم (٩)، وقول الله تعالى:
стр. 404
﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر﴾ (١)، ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله به، وتقديره له (٢)، قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا المعنى الثاني: وهو أن الله يقدر في ليلة القدر أحكام تلك السنة: ((ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة، عن مجاهد وعكرمة، وقتادة، وغيرهم، وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال، ليعلم أنه لم يرد به ذلك، وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء، وإظهاره وتحديده في تلك السنة؛ لتحصيل ما يُلقى إليهم فيها مقداراً بمقدار)) (٣).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: (( ... ليلة القدر: هي ليلة شريفة، مباركة، معظَّمة، مفضَّلة ... ))، ثم قال: (( ... وقيل: إنما سميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة: من خير، ومصيبة، ورزق، وبركة)) (٤).
ليلة القدر اصطلاحاً: قيل: ليلة من ليالي العشر الأخيرة من رمضان تنزل فيها مقادير الخلائق إلى سماء الدنيا، ويستجيب الله فيها الدعاء،
стр. 405
وهي الليلة التي نزل فيها القرآن العظيم (١).
وقيل: ليلة القدر: هي التي تقدر فيها الأرزاق وتُقضى (٢).
وقيل: ليلة القدر: الليلة التي أُنزل فيها القرآن الكريم من شهر رمضان (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٤).
والتعريف المختار: أن يقال: [ليلة القدر ليلة مباركة من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، أنزل الله فيها القرآن العظيم، فيها يفصل ما يكون في السنة من المقادير (٥) العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها
стр. 406
ليلة القدر].
ثانياً: ليلة القدر باقية إلى قيام الساعة، لا شك ولا ريب في ذلك ، قال الإمام ابن الملقن ﵀: ((أجمع من يعتدّ به من العلماء على دوام ليلة القدر إلى آخر الدهر ... )) (١)،ومما يدل على أنها باقية حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى (٢) رجلان من المسلمين فقال: ((خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فَرُفِعَتْ (٣)، وعسى أن يكون خير لكم فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة)) (٤)، فآخر الحديث يفسر أوله وأن ليلة القدر باقية إلى قيام الساعة، فإنه ﷺ بعد أن قال: ((فرفعت)) قال: ((فالتمسوها ... ))، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة)) يحتمل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلةٍ من العشر الأخير فتكون
стр. 407
ليلة تسع وعشرين، ويحتمل أن يراد بها تاسع ليلةٍ تبقى فتكون ليلة إحدى [وعشرين] (١) أو اثنين، بحسب تمام الشهر ونقصانه))،ثم قال ﵀: ((ويرجح الأول ... قوله: ((التمسوها في التسع، والسبع، والخمس: أي في تسع وعشرين، وسبع وعشرين، وخمس وعشرين)) (٢).
قلت: وقد فسّر ذلك أبو سعيد راوي الحديث حينما سئل، فقيل له: ما التاسعة، والسابعة، والخامسة؟ فقال: ((إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتان وعشرون وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة)) (٣).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يبين أن التلاحي قد يسبب شَرّاً على المتلاحين وغير المتلاحين، وهكذا التشاحن، والتهاجر، فينبغي للمؤمن أن يسلك الطرق الشرعية التي تكون بعيدة عن الشحناء والتلاحي)) (٤).
ثالثاً: ليلة القدر في رمضان لا شك في ذلك ، لقول الله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٥)، فالقرآن أُنزل في شهر
стр. 408
رمضان، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (١)، فإذا ضُمَّت الآيتان بعضهما إلى بعض تعيّن أن تكون ليلة القدر في رمضان بِيَقينٍ لا شك فيه (٢)، وقد ثبت من قول النبي ﷺ ما يُبيِّن ذلك، فعن أبي هريرة ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلُّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم))، وفي لفظ أحمد: (( ... تفتح فيه أبواب الجنة)) بدلاً من ((أبواب السماء)) (٣).
وعن أنس ﵁، قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمها فقد حُرِمَ الخير كُلَّه، ولا يُحرم خيرها إلا محروم)) (٤).
رابعاً: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان بلا شك ؛ للأحاديث الآتية:
١ـ حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تحرُّوا (٥) ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان))،وفي رواية للبخاري: كان رسول الله ﷺ
стр. 409
يُجاورُ (١) في العشر الأواخر من رمضان ويقول: ((تحرُّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان))،وفي رواية للبخاري: ((التمسوا ... )) (٢).
٢ـ حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((أُريتُ ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فَنُسِّيتُهَا فالتمسوها في العشر الغوابر)) (٣)، وقال حرملة أحد رواة الحديث: ((فَنَسِيتُها)) (٤).
٣ـ حديث عائشة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (٥).
ولا شكّ أن هذا الاجتهاد في العبادة يتحرَّى فيه ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
٤ـ حديثها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر)) (٦)(٧).
стр. 410
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على الحزم، وفعل الخير، وعلى حرص النبي ﷺ ، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والعظماء أسرع إلى الخير من غيرهم)) (١).
خامساً: ليلة القدر في السبع الأواخر أرجى العشر الأواخر:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : ((أرى رُؤياكم قد تواطأت (٢) في السبع الأواخر فمن كان متحرِّيها فليتحرَّها في السبع الأواخر))، وفي لفظ للبخاري: أن أُناساً أُروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن
٢ - أُناساً أُروها في العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ : ((التمسوها في السبع الأواخر)) (٣).
٣ - حديث عبد الرحمن بن عسيلة الصُّنَابِحي ﵁، قيل له: هل سمعت في ليلة القدر شيئاً؟ قال: نعم، أخبرني بلال مؤذن النبي ﷺ : ((أنها في
стр. 411
السبع في العشر الأواخر)) (١).
سادساً: ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر آكد من أشفاعها ؛ للأحاديث الآتية:
١ - حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ((تحرُّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)) (٢).
٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ : اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم أُوتي وقيل له: إنها في العشر الأواخر، قال: ((فمن أحب منكم أن يعتكف فليعكتف)) فاعتكف الناس معه، قال: ((وإني أُريتها ليلة وترٍ، وأني أسجد صبيحتها في طين وماء))، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء، [فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته] [وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر]))، وفي لفظ للبخاري: ((إني أُريت ليلة القدر ثم أُنْسيتها أو نُسِّيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر ... )) (٣).
стр. 412
٣ - حديث عبد الله بن أُنيس ﵁:أن رسول الله ﷺ قال: ((أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين))،قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلّى بنا رسول الله ﷺ ،فانصرف وإن أثر الماء على جبهته وأنفه)).وكان عبد الله بن أُنيس يقول: ثلاث وعشرين (١)، ولفظ أبي داود عن عبد الله بن أُنيس الجهني، قال: قلت: يا رسول الله: إن لي باديةً أكون فيها، وأنا أُصلي فيها بحمد الله، فَمُرْنِي بليلة أنزلها إلى هذا المسجد، فقال: ((أنزل ليلة ثلاث وعشرين))، فقلت لابنه: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر، فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلِّي الصبح، فإذا صلّى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها فلحق بباديته (٢).
٤ - حديث أُبي بن كعب ﵁، فعن زِرٍّ بن حُبيش قال: سألت أبيَّ بن كعب ﵁، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: ﵀ أراد أن لا يتكل الناس، أَمَا إنَّهُ قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني: أنها ليلة سبعٍ وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك، يا أبا المنذر!، قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله
стр. 413
- ﷺ : ((إنها تطلع يومئذٍ لا شُعاع لها)) (١)،ولفظ أبي داود: ((ياأبا المنذر أنَّى علمت ذلك؟ قال: بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ ، قلت لزر: ما الآية؟ قال: ((تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست (٢) ليس لها شعاع حتى ترتفع)) (٣)، ولفظ الترمذي: ((أخبرنا رسول الله ﷺ أنها ليلةٌ صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع، فعددنا وحفظنا، والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا)) (٤).
٥ - حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، في ليلة القدر، قال: ((ليلة القدر ليلة سبع وعشرين)) (٥).
سابعاً: ليلة القدر قد تكون في أشفاع العشر الأواخر ؛ للأحاديث الآتية:
١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: ((التمسوا في أربع وعشرين)) (٦).
стр. 414
٢ - حديث عبد الله بن أُنيس ﵁، قال: كنت في مجلس بني سلمة وأنا أصغرهم، فقالوا: من يسأل لنا رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ وذلك في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، فخرجت فوافيت مع رسول الله ﷺ صلاة المغرب ثم قمت بباب بيته، فمرَّ بي فقال: ((ادخل)) فدخلت، فأُتي بعشائه، فرآني أكفُّ عنه من قِلَّته، فلما فرغ قال: ((ناولني نعلي)) فقام وقمت معه، فقال: ((كأنَّ لك حاجة؟))، قلت: أجل، أرسلني إليك رهطٌ من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر؟ فقال: ((كم الليلة؟)) فقلت: اثنتان وعشرون، قال: ((هي الليلة))، ثم رجع فقال: ((أو القابلة)) يريد ليلة ثلاث وعشرين (١).
٣ - حديث أبي بكرة ﵁، فقد ذُكِرَتْ ليلة القدر عِنده فقال: ((ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: ((التمسوها في تسعٍ يبقين، أو في سبعٍ يبقين، أو في خمسٍ يبقين، أو ثلاث، أو آخر ليلة)) (٢).
قوله ﷺ : ((في تسعٍ يبقين)) قيل: محمول على الليلة الثانية والعشرين، و ((في سبعٍ يبقين)) محمول على الليلة الرابعة والعشرين، أو ((في خمس يبقين)) محمول على الليلة السادسة والعشرين، أو ((في ثلاث)) محمول على الليلة
стр. 415
الثامنة والعشرين، أو ((آخر ليلة)) محمول على الليلة التاسعة والعشرين، وقيل: على الثلاثين إذا كان الشهر ثلاثين يوماً، وأما إذا كان تسعاً وعشرين، فالأولى محمولة على الحادية والعشرين، والثانية على الثالثة والعشرين، والثالثة على الخامسة والعشرين، والرابعة على السابعة والعشرين (١).
٤ - حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((هي في العشر الأواخر، هي في تسعٍ يمضين، أو في سبعٍ يبقين)) يعني ليلة القدر، وفي رواية للبخاري أيضاً: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعةٍ تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)) (٢)(٣).
ثامناً ليلة القدر متنقلة في كل سنة في العشر الأواخر من رمضان ، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وأجمع من يعتدُّ به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر؛ للأحاديث الصحيحة، المشهورة، قال القاضي: واختلفوا في محلِّها، فقال جماعة: هي متنقلة: في سنة في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى، وهكذا، وبهذا يُجمع بين الأحاديث، ويُقال كل حديث جاء بأحد أوقاتها، ولا تعارض فيها، قال: ونحو هذا قول:
стр. 416
مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، قالوا: إنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان ... )) (١).
وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في ليلة القدر ستة وأربعين قولاً لأهل العلم، ثم قال: ((وأرجحها كلها أنها في وترٍ من العشر الأواخر، وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث الباب، وأرجاها أوتار العشر ... )) (٢).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والصواب في ليلة القدر أنها متنقلة في العشر الأواخر، والأوتار أقرب، وإذا اختلفت المطالع فهي في عشر كل بلد، لا تخرج عن العشر الأواخر)) (٣) وقال: ((وأخفى الله ليلة القدر رحمة بعباده حتى يجتهدوا في العشر كلِّها، فيحصل لهم الثواب، والأجر العظيم، فلو علموا بها لاجتهدوا في ليلتها ثم يكسلون بعد ذلك)) (٤)، والله تعالى أعلم (٥).
تاسعاً: علامات ليلة القدر، منها ما يأتي:
١ - حديث أبيٍّ بن كعب ﵁ وفيه ذكر علامة ليلة القدر، عندما سُئِل: بأي شيءٍ يَعْرِف ليلة القدر؟ فقال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا
стр. 417
رسول الله ﷺ : ((أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها)) (١)، ولفظ أبي داود: يا أبا المنذر أنّى علمت ذلك؟ قال: بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ : فقيل لزرٍّ: ما الآية؟ قال: ((تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست لا شعاع لها حتى ترتفع)) (٢)،ولفظ الترمذي: ((أخبرنا رسول الله ﷺ أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع ... )) (٣).
٢ - حديث جابر ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني كنت أُريت ليلة القدر ثم نُسِّيتها، وهي في العشر الأواخر، وهي ليلة طلقة بلجةٌ (٤)،لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمراً يفضح كواكبَها لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها)) (٥).
٣ - حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في ليلة القدر: ((ليلة طلقة: لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة)) (٦).
٤ - حديث أبي هريرة ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليلة القدر ليلة السابعة
стр. 418
أو التاسعة والعشرين، وإن الملائكة، تلك الليلة أكثر من عدد الحصى)) (١).
٥ - حديث عبادة بن الصامت ﵁ الطويل، وفيه: ... وقال رسول الله ﷺ : ((إن أمارة ليلة القدر: أنها صافية بلجة، كأنَّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحلُّ لكوكب أن يُرمى به فيها حتى يصبح، وإن أمارَتَها أن الشمس صبيحتها تخرج مستويةً ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، لا يحل لشيطان أن يخرج معها يومئذٍ)) (٢)(٣).
стр. 419
عاشراً: الدعاء ليلة القدر:
يُستحب للعبد أن يكثر من الدعاء وخاصة في الليلة التي تُرجَى فيها ليلة القدر، والأفضل أن يدعوَ بالمأثور عن النبي ﷺ ، ويدعو بالآيات التي فيها الدعاء؛ لأن الدعاء في ليلة القدر مستجاب، وليلة خير من ألف شهر حريٌّ أن يُستجاب فيها الدعاء، والأفضل أن يكثر ويكرر في خلوته وبينه وبين نفسه: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمتُ أيُّ ليلة ليلةُ القدر ما أقول فيها؟ قال: ((قولي اللهم إنك عفوٌّ كريمٌ تحبُّ العفو فاعف عني)) (١)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما
من دعوةٍ يدعو بها العبد أفضل من: اللهم إني أسألك المعافاة في الدنيا والآخرة)) (٢).
وعن أبي بكر- حين قُبِضَ النبي ﷺ ، يقول: قام رسول الله ﷺ في مقامي
стр. 420
هذا، عام الأول، ثم بكى أبو بكر، ثم قال: ((عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار، وسلوا الله المعافاة؛ فإنه لم يؤتَ أحدٌ بعد اليقين خيراً من المعافاة ... )) (١).
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه سأل النبي ﷺ وكرر سؤاله: علمني شيئاً أسأل الله، فقال: ((يا عباس، ياعم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) (٢).
الحادي عشر: خصائص وفضائل ليلة القدر:
ليلة القدر لها فضائل وخصائص كثيرة عظيمة، منها ما يأتي:
١ - أنزل الله فيها القرآن العظيم، الذي به هداية الجن والإنس وسعادتهم في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٣).
٢ - ليلة القدر ليلة مباركة قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين *
٣ - فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِين* رَحْمَةً مِّن
стр. 421
رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (١)،فيُفْصَلُ فيها من اللوح المحفوظ ما هو كائن في السنة: من الأرزاق والآجال، والخير والشر.
٤ - ليلة القدر العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر﴾ (٢) يعني في الفضل والشرف، وكثرة الثواب والأجر، ولهذا قال النبي ﷺ : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)) (٣)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في رمضان: (( ... فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم)) (٤).وفي حديث أنس ﵁، قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم)) (٥).
٥ - تعظيم ليلة القدر عند الله تعالى، وقد دلّ عليه الاستفهام في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر﴾؛ فإن ذلك يدل على التفخيم والتعظيم، قال ابن عيينة: ((ما كان في القرآن ((وما أدراك)) فقد
стр. 422
أعلمه، وما قال: ((وما يدريك)) فإنه لم يعلم (١).
٦ - تنزل الملائكة وجبريل في ليلة القدر وهم لا ينزلون إلا بالخير، والبركة والرحمة، قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر﴾ (٢) وقد جاء في الحديث: (( ... وإن الملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى)) (٣).
٧ - ليلة القدر سلام، لكثرة السلامة فيها من العقاب، والعذاب، بما يقوم به العبد من طاعة الله ، قال الله تعالى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ (٤).
٨ - أنزل الله تعالى في ليلة القدر سورة تتلى إلى يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ (٥).
٩ - من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه كما تقدم في الحديث (٦).
стр. 423
١٠ - من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم (١).
١١ - ليلة القدر أفضل ليالي السنة؛ لأن العمل الصالح فيها خير من العمل في ألف شهر: أي العمل في ليلة القدر خير من العمل في ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وهذا فضل عظيم، وثواب كبير، أما ليلة الجمعة فهي أفضل ليالي الأسبوع، وأفضل أيام السنة يوم النحر ويوم عرفة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة، وأما الليالي، فليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة؛ فإن أيام عشر ذي الحجة هي:
* الأيام التي أقسم الله تعالى بها في كتابه بقوله: ﴿وَالْفَجْر * وَلَيَالٍ
عَشْرٍ﴾ (٢) وهي عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وابن كثير، وابن القيم، وغير واحد من السلف والخلف (٣).
* وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ولا الجهاد في
стр. 424
سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) (١).
* وهي أيام عظيمة عند الله والأعمال فيها أحب إليه فيهن؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما من أيام أعظم عندالله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد)) (٢).
* وهي أيامٌ أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة؛ فإن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال: (( ... ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان؛ وبهذا يزول الاشتباه، ويدلُّ عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فُضِّلت باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة فُضِّلت باعتبار أيامه؛ إذ فيه: يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم التروية)) (٣).
* وهي الأيام التي فيهنَّ يومان هما أفضل أيام العام: يوم النحر ويوم عرفة؛ لحديث عبد الله بن قُرْطٍ الثَّمالي ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن أعظم
стр. 425
الأيام عند الله تعالى: يوم النحر، ثم يوم القرِّ)) (١). ويوم القرِّ هو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يقرُّون فيه بمنى؛ لأنهم قد فرغوا في الغالب: من طواف الإفاضة، والنحر، واستراحوا وقرُّوا.
وأما يوم عرفة؛ فلحديث عائشة ﵂، قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)) (٢). وقال ﷺ : ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة ... )) (٣). وقال ﷺ : ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده ... )) (٤). وهذا لغير الحاج، أما الحاج فالسُّنة في حقِّه الإفطار ليتقوَّى على الدعاء والذكر اقتداءً برسول الله ﷺ ؛ فإنه كان مفطراً يوم عرفة. وأما قول النبي ﷺ في يوم الجمعة: ((خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ... )) (٥). فقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة