رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (١)،فيُفْصَلُ فيها من اللوح المحفوظ ما هو كائن في السنة: من الأرزاق والآجال، والخير والشر.
٤ - ليلة القدر العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر﴾ (٢) يعني في الفضل والشرف، وكثرة الثواب والأجر، ولهذا قال النبي ﷺ : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)) (٣)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في رمضان: (( ... فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم)) (٤).وفي حديث أنس ﵁، قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم)) (٥).
٥ - تعظيم ليلة القدر عند الله تعالى، وقد دلّ عليه الاستفهام في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر﴾؛ فإن ذلك يدل على التفخيم والتعظيم، قال ابن عيينة: ((ما كان في القرآن ((وما أدراك)) فقد
стр. 422
أعلمه، وما قال: ((وما يدريك)) فإنه لم يعلم (١).
٦ - تنزل الملائكة وجبريل في ليلة القدر وهم لا ينزلون إلا بالخير، والبركة والرحمة، قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر﴾ (٢) وقد جاء في الحديث: (( ... وإن الملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى)) (٣).
٧ - ليلة القدر سلام، لكثرة السلامة فيها من العقاب، والعذاب، بما يقوم به العبد من طاعة الله ، قال الله تعالى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ (٤).
٨ - أنزل الله تعالى في ليلة القدر سورة تتلى إلى يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ (٥).
٩ - من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه كما تقدم في الحديث (٦).
стр. 423
١٠ - من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم (١).
١١ - ليلة القدر أفضل ليالي السنة؛ لأن العمل الصالح فيها خير من العمل في ألف شهر: أي العمل في ليلة القدر خير من العمل في ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وهذا فضل عظيم، وثواب كبير، أما ليلة الجمعة فهي أفضل ليالي الأسبوع، وأفضل أيام السنة يوم النحر ويوم عرفة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة، وأما الليالي، فليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة؛ فإن أيام عشر ذي الحجة هي:
* الأيام التي أقسم الله تعالى بها في كتابه بقوله: ﴿وَالْفَجْر * وَلَيَالٍ
عَشْرٍ﴾ (٢) وهي عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وابن كثير، وابن القيم، وغير واحد من السلف والخلف (٣).
* وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ولا الجهاد في
стр. 424
سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) (١).
* وهي أيام عظيمة عند الله والأعمال فيها أحب إليه فيهن؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما من أيام أعظم عندالله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد)) (٢).
* وهي أيامٌ أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة؛ فإن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال: (( ... ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان؛ وبهذا يزول الاشتباه، ويدلُّ عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فُضِّلت باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة فُضِّلت باعتبار أيامه؛ إذ فيه: يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم التروية)) (٣).
* وهي الأيام التي فيهنَّ يومان هما أفضل أيام العام: يوم النحر ويوم عرفة؛ لحديث عبد الله بن قُرْطٍ الثَّمالي ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن أعظم
стр. 425
الأيام عند الله تعالى: يوم النحر، ثم يوم القرِّ)) (١). ويوم القرِّ هو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يقرُّون فيه بمنى؛ لأنهم قد فرغوا في الغالب: من طواف الإفاضة، والنحر، واستراحوا وقرُّوا.
وأما يوم عرفة؛ فلحديث عائشة ﵂، قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)) (٢). وقال ﷺ : ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة ... )) (٣). وقال ﷺ : ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده ... )) (٤). وهذا لغير الحاج، أما الحاج فالسُّنة في حقِّه الإفطار ليتقوَّى على الدعاء والذكر اقتداءً برسول الله ﷺ ؛ فإنه كان مفطراً يوم عرفة. وأما قول النبي ﷺ في يوم الجمعة: ((خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ... )) (٥). فقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة
стр. 426
ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة ... )) (١). أي ليلة القدر أفضل ليالي السنة، وليلة الجمعة أفضل ليالي الأسبوع.
وصوَّب ابن القيم رحمه الله تعالى أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، وكذلك صححه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء يقاومه، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٢). وثبت في الصحيحين: أن أبا بكر وعلياً أذَّنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة (٣). وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((يوم الحج الأكبر يوم النحر)) (٤). قال ابن القيم بأصح إسناد (٥). وقال ﵀: ((ويوم عرفة: مقدمة ليوم النحر بين يديه؛ فإن فيه يكون الوقوف، والتضرُّع، والتوبة، والابتهال، والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة؛ ولهذا سُمِّي طوافه طواف الزيارة؛ لأنهم قد طُهِّروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أَذِنَ لهم ربهم
стр. 427
يوم النحر في زيارته، والدخول عليه إلى بيته)) (١). والله تعالى أعلم (٢).
الثاني عشر: كتمان ليلة القدر:
ليلة القدر ليس بشرط أن تُرى، ولكن إذا اجتهد المسلم في طلبها في جميع ليال عشر رمضان الأخيرة فقد أدركها، وحصل على الفضل الذي بيَّنه النبي ﷺ ، ولكن إذا رآها العبد؛ فإن الأفضل أن يكتمها ولا يخبر بها، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ نقلاً عن الحاوي: أن الحكمة من استحباب كتمان ليلة القدر: أنها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف بين أهل الطريق من جهة رؤية النفس، فلا يأمن السلب، ومن جهة أنه لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها، وذِكْرها للناس، ومن جهة أنه لا يأمن الحسد، فيوقع غيره في المحذور،
стр. 428
قال: ويستأنس له بقول يعقوب ﵇: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِين﴾ (١) فالأفضل أن تكتم ولا يُخْبِرُ بها من رآها، ويسأل الله القبول (٢) والله تعالى أعلم.
стр. 429
المبحث السادس والعشرون: الاعتكاف
أولاً: مفهوم الاعتكاف: لغة ، وشرعاً:
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، والإقامة عليه، أوفيه، والإقبال عليه، وحبس النفس عليه، والمواظبة عليه، لا يصرف عنه وجهه على سبيل التعظم، خيراً كان أو شراً (١). يُقال: عَكَفَ على الشيء، يَعْكُفُ، ويعْكِف عَكْفاً، وعُكُوفاً: أقبل عليه مواظباً لا يصرف عنه وجهه، وقيل: أقام، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ (٢) أي يقيمون، ومنه قوله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٣) أي مقيماً، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٥)،وقوله:
﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ (٦) أي محبوساً ممنوعاً، وقال تعالى: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِين﴾ (٧) قال الإمام ابن الأثير ﵀: ((قد تكرر في الحديث:
стр. 430
الاعتكاف والعكوف، وهو: الإقامة على الشيء والمكان ولزومهما، يقال: عَكف يَعكُف، ويعكِف عُكوفاً فهو عاكف، واعتكف يعتكِفُ اعتكافاً: فهو معتكِف، ومنه قيل: لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه: عاكف، ومعتكف)) (١)، ويُقال: عكف على الشيء عكوفاً، وعكفاً من بابي: قعد، وضرب: لازمه وواظب عليه، وعكفتُ على الشيء، أعكفُهُ وأعكِفه حبسته، ومنه الاعتكاف، وهو افتعال؛ لأنه حبس النفس عن التصرفات العادية، وعكفته عن حاجته: منعته (٢)، وعكفه: حبسه، ووقفه، وبابه: ضرب، ونصر (٣)،والاعتكاف: المقام والاحتباس (٤)، والمُعْتَكَفُ: موضع الاعتكاف (٥)، والاعتكاف في اللغة: الحبس والمكث واللزم (٦).
والتعريف المختار لغة: لزوم الشيء، والإقامة عليه، أو فيه، والإقبال عليه، وحبس النفس عليه، والمواظبة عليه، على سبيل التعظيم خيراً كان أو شرّاً، لا يصرف عنه وجهه.
الاعتكاف شرعاً: جاء فيه عدة تعريفات على النحو الآتي:
стр. 431
١ - قيل: الإقامة في المسجد على صفة مخصوصة (١).
٢ - وقيل: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى (٢).
٣ - وقيل: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى على صفة مخصوصة، من مسلم، طاهر مما يوجب غسلاً (٣).
٤ - وقيل: لبث صائم في مسجد جماعة، بنية (٤).
٥ - وقيل: لزوم المسجد بصفة مخصوصة (٥).
٦ - وقيل: الإقامة في المسجد، لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان (٦).
٧ - وقيل: المكث في المسجد بنية القربة (٧).
٨ - وقيل: لزوم مسلم عاقل، ولو مميز لا غسل عليه مسجداً ولو
ساعة (٨).
стр. 432
٩ - وقيل: اللبث في مسجد على صفة مخصوصة بنية (١).
١٠ - وقيل: لزوم المسجد والمكث فيه لطاعة الله بشروط
مخصوصة (٢).
١١ - وقيل: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة (٣).
١٢ - وقيل: لزوم المسجد لطاعة الله فيه (٤).
١٣ - وقيل: لزوم المسجد لعبادة الله فيه (٥).
١٤ - وقيل: لزوم المسجد لطاعة الله على صفة مخصوصة من مسلم عاقلٍ ولو مميّز طاهرٍ مما يوجب غسلاً وأقله ساعة (٦).
١٥ - وقيل: إقامة مخصوص، ويسمَّى جواراً (٧).
١٦ - وقيل: اللبث في المسجد للعبادة معزوماً على دوامه يوماً وليلة، أو يوماً وبعض الليل مما يلي آخره فأكثر (٨).
١٧ - وقيل: لزوم مسلم مميز مسجداً مباحاً، بصوم، كافّاً عن الجماع ومقدماته
стр. 433
يوماً وليلة، فأكثر للعبادة بنية (١).
١٨ - وقيل: الإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله ساعة فما فوقها ليلاً أو نهاراً (٢).
١٩ - وقيل: المكث في المسجد، من شخص مخصوص، بصفة مخصوصة، ويسمى الاعتكاف جواراً. كما جاء في الأحاديث الصحيحة (٣). قالت عائشة ﵂: ((كان النبي ﷺ يُصغي إليَّ رأسه وهو مُجَاوِرٌ في المسجد فأرجّله وأنا حائض)) (٤).
٢٠ - وقيل: ملازمة طاعةٍ مخصوصةٍ، على شرطٍ مخصوصٍ، في موضع مخصوص (٥).
٢١ - وقيل: لزوم المسجد للطاعة، من مسلم، عاقلٍ، طاهرٍ مما يوجب غسلاً، وأقله أدنى لبثٍ إن لم يشترط الصوم (٦).
وبالتأمل في هذه التعريفات أرى أن التعريف المختار الذي يكون جامعاً مانعاً إن شاء الله تعالى هو:
الاعتكاف شرعاً: لزوم مسجد جماعةٍ، بنيةٍ لعبادة الله فيه، من
стр. 434
شخص مخصوص، بشروط مخصوصة، على صفة مخصوصة، في زمن مخصوص.
ثانياً: شروط الاعتكاف
الاعتكاف في المساجد عبادة لله تعالى لها شروط لا تصحُّ إلا بها، وهي على النحو الآتي:
الشرط الأول: الإسلام ، وضده الكفر، فالكافر لا يصح منه الاعتكاف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَبِرَسُولِه﴾ (٢).
الشرط الثاني: العقل ، وضده الجنون، والمجنون مرفوع عنه القلم حتى يفيق، فلا يصح منه الاعتكاف؛ لقول النبي ﷺ : ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)) (٣).
الشرط الثالث: التمييز ، وضده الصغر، وحد التمييز سبع سنين، فلا يصح الاعتكاف من الصبي غير المميز.
стр. 435
أما البلوغ والذكورية فلا يشترطان لصحة الاعتكاف، فإنه يصح الاعتكاف من غير البالغ إذا كان مميزاً، وكذلك يصح من الأنثى.
الشرط الرابع: النية ، لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) (١)، فينوي المعتكف لزوم المسجد تعبداً لله (٢).
الشرط الخامس: أن يكون الاعتكاف في مسجد ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣)؛ولفعله ﷺ حيث كان يعتكف في المسجد، ولم ينقل عنه ﷺ أنه اعتكف في غيره (٤)(٥).
الشرط السادس: أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجماعة ، وذلك إذا كانت مدة الاعتكاف تتخللها صلاة مفروضة، وكان المعتكف ممن تجب عليه الجماعة؛ لأن الاعتكاف في مسجدٍ لا تقام فيه الجماعة يقتضي ترك صلاة الجماعة، وهي واجبة عليه، أو يقتضي تكرار خروج المعتكف من معتكفه كل وقت صلاة، وهذا ينافي المقصود من الاعتكاف، أما المرأة فيصح اعتكافها في كل مسجد سواء أقيمت فيه
стр. 436
الجماعة أم لا، [إلاّ مسجدها في بيتها فلا يصح الاعتكاف فيه] هذا إذا لم يترتب على اعتكافها فتنة، فإن ترتب على ذلك فتنة مُنِعَتْ.
والأفضل أن يكون المسجد الذي يُعتكف فيه تقام فيه صلاة الجُمُعة لكن ذلك ليس شرطاً للاعتكاف؛ لأن المعتكف إذا خرج مرة واحدة في الأسبوع لا يؤثر هذا الخروج على صحة اعتكافه؛ لأن صلاة الجمعة عليه فرض عين، والخروج إلى هذه الفريضة لا يستغرق وقتاً طويلاً (١).
الشرط السابع: الطهارة من الحدث الأكبر: الحيض، والنفاس، والجنابة؛ ولهذا عرَّف بعضهم الاعتكاف، فقال: لزوم المسجد لعبادة الله من مسلم، عاقلٍ، طاهرٍ مما يوجب غسلاً، فلا يصح اعتكاف الجنب ولا الحائض، ولا النفساء؛ لعدم جواز مكث هؤلاء في المسجد، أما الجنب؛ فلقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٢)؛ولحديث عائشة ﵂ ترفعه إلى النبي ﷺ : ((وجَّهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب)) (٣)، أما مرور الجنب واجتيازه
стр. 437
المسجد فلا حرج فيه لنص الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾.
وأما الدليل على عدم صحة اعتكاف الحائض والنفساء، وأن الطهارة من ذلك من شروط صحة الاعتكاف؛ فحديث عائشة ﵂ المذكور آنفاً: (( ... فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب))،وأما المرور إذا تحفظت ولم تخشَ تلويث المسجد فلا حرج فيه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ وفيه: ((إن حيضتك ليست في يدك)) (٢).
وأما الصيام فالصواب أنه ليس بشرطٍ في الاعتكاف، لما ثبت عن ابن عمر ﵄ أن عمر قال: ((يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: ((أوفِ بنذرك)) (٣)، فلو كان الصوم شرطاً لما صح اعتكافه في الليل؛ لأنه لا صيام فيه؛ ولأنهما عبادتان منفصلتان، فلا يشترط لأحدهما وجود الأخرى (٤)، والله تعالى أعلم (٥).
стр. 438
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والصواب أن الصوم ليس
стр. 439
شرطاً في الاعتكاف، فإن صام المعتكف فهو أكمل وإن لم يصم فاعتكافه صحيح)) (١).
ثالثاً: حكم الاعتكاف: سنة لا يجب إلا بالنذر والاعتكاف قربة لله تعالى وطاعة ، و الاعتكاف مشروع مسنون ، بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب ؛ فلقول الله تعالى لإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ (٢)،وهذه الآية دليل على مشروعية الاعتكاف حتى في الأمم السابقة (٣)؛ ولقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤).
وأما السنة ؛ فللأحاديث الكثيرة، ومنها ما يأتي:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: ((كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان)) (٥).
٢ - حديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ : ((كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفَّاه الله تعالى، ثم اعتكف
стр. 440
أزواجه من بعده)) (١).
٣ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁،قال: إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأَوَّل من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قُبَّة تركية (٢) على سُدَّتها حصير، قال: فأخذ الحصير بيده فنحَّاها في ناحية القبة، ثم أطْلَعَ رأسه فكلَّم الناس فدنوا منه، فقال: ((إني أعتكف العشر الأوَّل ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفتُ العشر الأوسط، ثُمَّ أُتيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف، فليعتكف))، فاعتكف الناس معه، قال: ((وإني أُريتها ليلة وتر، وإني أسجد في صبيحتها في طين وماء)) فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء، فوكف المسجد (٣) فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه (٤) فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر)) (٥).
стр. 441
٤ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: ((كان النبي ﷺ يعتكف في كلِّ رمضان عشرة أيام فَلمّا كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً))، وفي لفظ: ((كان يعرض (١) على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كلِّ عامٍ عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه)) (٢).
وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على سُنِّيَّة الاعتكاف.
وأما الإجماع: فأجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً فيجب عليه (٣)، وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((الاعتكاف سنة بالإجماع، ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع)) (٤)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأجمع
стр. 442
المسلمون على أنه قربة وعمل صالح)) (١)، والذي يظهر من الأحاديث السابقة أن اعتكاف العشر الأواخر من رمضان سنة مؤكدة؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، وداوم عليه وقضاه لمَّا فاته، واعتكف أزواجه من بعده، وكل ما واظب عليه النبي ﷺ كان من السنن المؤكدة، كقيام الليل (٢).
رابعاً: الاعتكاف الواجب: بالنذر لا بالشرع .
الاعتكاف ليس بواجب بالشرع، إنما يجب بالنذر بالإجماع (٣)،وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) (٤)، وعن ابن عمر ﵄: أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقاله له رسول الله ﷺ : ((أوفِ بنذرك)) (٥)، وفي لفظ: يا رسول الله إنه كان عليَّ اعتكاف يوم في الجاهلية)) (٦)، وفي لفظ: ((قال عبد الله بن عمر ﵄: ((لمَّا قفلنا من حنينٍ سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية،
стр. 443
اعتكافٍ فأمره النبي ﷺ بوفائه)) (١).
فَعُلِمَ من هذا أن الله تعالى لم يوجب الاعتكاف بشرعه للناس، وإنما الإنسان الذي يوجبه على نفسه بالنذر.
خامساً: حكمة الاعتكاف: عبادة الله تعالى والإقبال إليه: الاعتكاف فيه تسليم المعتكف: نفسه، وروحه، وقلبه، وجسده بالكلية إلى عبادة الله تعالى، طلباً لرضاه، والفوز بجنته، وارتفاع الدرجات عنده تعالى، وإبعاد النفس من شغل الدنيا التي هي مانعة عما يطلبه العبد من التقرب إلى الله ، وفي الاعتكاف: استغراق المعتكف أوقاته في الصلاة، إما حقيقة أو حكماً؛ لأن المعتكف إن لم يكن في الصلاة حقيقة فهو في انتظار الصلاة بعد الصلاة، فهو في صلاة وفي رباط في طاعة الله تعالى، والمعتكف قد فرَّغ قلبه، ووقته لذكر الله، وقراءة القرآن، ونومه، ويقظته عبادة لله إن قصد بذلك التقوِّي على طاعته (٢).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((لما كان صلاحُ القلب، واستقامته، على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على جمعيَّتهِ على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى؛ فإن شعث القلب لا يلمُّهُ إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضُولُ الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام مما يزيده شَعَثاً، ويشتِّتهُ في كلِّ وادٍ، ويقطعه عن
стр. 444
سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو يعوقه، ويوقفه: اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوِّقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضرُّه، ولا يقطعه من مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيَّتُه عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره، وحبه، والإقبال عليه، في محلِّ هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصيرُ الهمُّ كلُّه به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه، وما يقرِّب منه، فيصير أُنسه بالله بدلاً من أُنْسِهِ بالخلق، فيَعِده بذلك لأُنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم)) (١).
سادساً: زمن الاعتكاف ووقته: مُدَّة الاعتكاف اللبث والمكث في المسجد مدة من الزمن بنيَّة العبادة لله هو ركن الاعتكاف (٢)، فلو لم يقع اللبث في المسجد بنية العبادة لم ينعقد الاعتكاف، وفي أقل مدة الاعتكاف خلاف بين أهل العلم، والصواب أن وقت الاعتكاف ليس لأقلِّه حدٌّ،
стр. 445
فيصحّ الاعتكاف مقداراً من الزمن وإن قلَّ، ولو لحظة أو ساعة (١)، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢)، وهذا اللفظ عام يشمل القليل والكثير، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((والصواب في الاعتكاف أنه لا حدَّ لأكثره ولا لأقلِّه، وليس له حد محدود، فلو دخل المسجد ونوى الاعتكاف ساعة أو ساعتين فهو اعتكاف)) (٣)، والله تعالى أعلم (٤).
стр. 446
والأفضل أن لا ينقص الاعتكاف عن يوم وليلة في غير رمضان، وأما في رمضان في العشر الأواخر فالأفضل أن لا ينقص عن العشر الأواخر من رمضان؛ لأن هذا أقلُّ ما ورد في الاعتكاف في رمضان وغيره، والله تعالى أعلم؛ فإن اعتكف زمناً يسمَّى به معتكفاً ولو ساعة من نهار أو ليل مع نية التعبّد لله تعالى صح اعتكافه، والحمد لله (١).
سابعاً: أفضل أوقات الاعتكاف: العشر الأواخر من رمضان:
стр. 447
لا شك أن أفضل أوقات الاعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان، وأنه سنة مؤكدة للأمور الآتية:
الأمر الأول: مواظبة النبي ﷺ على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، ومنها حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ ((كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)) (١).
الأمر الثاني: قضاء النبي ﷺ اعتكاف العشر الأواخر إذا فاته ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ... )) الحديث، وفيه ذكر اعتكاف أزواجه ﷺ في المسجد، فلما رأى أخبيتهن قد ضربت في المسجد، قال: ((البر يُرِدْنَ؟))، فأمر بخبائه فقوِّض وترك الاعتكاف ذلك الشهر حتى اعتكف عشراً من شوال)) (٢).
وعن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاماً فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين))، وهذا لفظ الترمذي، أما لفظ الإمام أحمد عن أنس ﵁ فقال: ((كان النبي ﷺ إذا كان مقيماً اعتكف العشر الأواخر من رمضان، وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين)) (٣).
стр. 448
وعن أُبيّ بن كعب أن النبي ﷺ ((كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاماً، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة))، وهذا لفظ أبي داود، وأما لفظ ابن ماجه، فقال: ((كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوماً)) (١).
الأمر الثالث: حثُّ النبي ﷺ على اعتكاف العشر الأواخر من غير إيجاب:
حثَّ النبي ﷺ على الاعتكاف بفعله في مواظبته على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان كما جاء ذلك في الأحاديث المذكورة آنفاً، وهو أُسْوَةٌ كلِّ مسلم كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢)، وكذلك حث بقوله من غير إيجاب فقال: ((إني اعتكفت العشر الأوَّل ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أُوتِيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف فليعتكف))، قال أبو سعيد الخدري ﵁: ((فاعتكف الناس معه)) (٣).
الأمر الرابع: وقوع ليلة القدر في العشر الأواخر ، والعبادة فيها خير
стр. 449
من العبادة في ألف شهر، وألف شهر تقدر بأفضل من ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر؛ ولهذا قال النبي ﷺ في شهر رمضان: (( ... فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم)) (١).
الأمر الخامس: اعتكاف أزواج النبي ﷺ من بعده ، واعتكاف أصحابه، والعلماء والأخيار في القرون المفضلة ومن بعدهم يؤكد أفضليّة اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية: ((أنه يستحب أن لا يدع أحد الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ لأن النبي ﷺ داوم عليه وقضاه لمّا فاته، وكل ما واظب عليه رسول الله ﷺ كان من السُّنن المؤكدة، كقيام الليل)) (٢).
ثامناً: اعتكاف النساء في المسجد بإذن الأزواج:
المرأة لا يصحُّ اعتكافها إلا في المسجد المتخذ للصلوات الذي يحرم مقام الجنب فيه، ويتناوله أحكام المساجد، فأما مسجد بيتها: وهو مكانٌ من البيت يتخذه الرجل أو المرأة للصلاة فيه مع بقاء حكم الملك عليه فلا يصحُّ الاعتكاف فيه؛ لأن هذا ليس مسجداً، ولا يُسَمَّى في الشرع مسجداً بدليل جواز مكث الحائض فيه، والاعتكاف إنما يكون في
стр. 450
المساجد؛ ولأن أزواج النبي ﷺ اعتكفن في المسجد بعده (١)، بل اعتكفن معه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنتُ أضرب له خباءً (٢) فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباءً فأذنت لها فضربت خباءً آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية فقال: ((ما هذا؟)) فأُخبِرَ، فقال النبي ﷺ : ((البرَّ ترون بهنَّ؟)) فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوال))، وفي لفظ للبخاري: ((أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا الأخبية: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: ((البر تقولون بهنَّ؟))، ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشراً من شوال))،وفي لفظ للبخاري وفيه: ((فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت فيه قبة (٣)،فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت فيه أخرى))،وفي لفظ للبخاري (( ... وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى نسائه، فأبصر الأبنية فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: بناءُ عائشة، وحفصة، وزينب، فقال رسول الله ﷺ : ((البرّ أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف))، فرجع فلما أفطر اعتكف عشراً من
стр. 451
شوال))، وفي لفظٍ لمسلم: ((فأمر بخبائه فقُوِّض (١)،وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر الأول من شوالِ)) (٢).
وقد دلَّ هذا الحديث على أن النبي ﷺ أَذِنَ لبعض نسائه بالاعتكاف، فدل على مشروعية الاعتكاف للنساء في المساجد بإذن الأزواج، وفيه: أنه لو كان اعتكافهن في غير المسجد العام ممكناً لاستغنين بذلك عن ضرب الأخبية في المسجد، كما استغنين بالصلاة في بيوتهنَّ عن الجماعة في المساجد، ولأمرهن النبي ﷺ بذلك (٣)، وقد ذكر العلماء: أن المرأة يصح اعتكافها في كل مسجد ولو لم يكن فيه جماعة، ولا يصح اعتكافها في مسجد بيتها، أما الرجل فلا يصح منه إلا في مسجد فيه جماعة، والأفضل أن يكون فيه جمعة، فإن لم يكن فيه جمعة فلا حرج ويخرج لها في وقتها، والله تعالى أعلم (٤).
تاسعاً: دخول المُعتكف والخروج منه:
إذا أراد المسلم أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان تطوعاً، فإنه يدخل معتكفه عند جمهور أهل العلم قبل غروب شمس يوم عشرين؛
стр. 452
ليستقبل ليلة إحدى وعشرين وهو في معتكفه، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لحديث أبي سعيد ﵁، قال: اعتكفنا مع النبي ﷺ العشر الأوسط من رمضان فخرج صبيحة عشرين فخطبنا وقال: ((إني أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتها أو نُسِّيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف معي فليرجع فرجعنا ... ))، ولفظ مسلم: (( ... فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء ... )) (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: ((فقد بيَّن أن من اعتكف العشر الأواخر فإنه يعتكف ليلة إحدى وعشرين)) (٢).
وفي رواية عن الإمام أحمد أنه يدخل بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين، وبه قال الأوزاعي، والليث، وإسحاق، وابن المنذر، لحديث عائشة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه)) (٣)، ولكن حمل الجمهور هذا الحديث ((على أنه ﷺ دخل المعتكف وانقطع فيه، وتخلَّى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أنَّ ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفاً لابثاً في جملة المسجد فلما صلَّى الصبح انفرد)) (٤)
стр. 453
والله أعلم (١).
وأما وقت خروجه من المعتكف، فيجوز عند جمهور أهل العلم من بعد غروب شمس ليلة العيد، ورأى بعض أهل العلم أن الأفضل له أن يمكث في معتكفه إلى أن يخرج إلى صلاة العيد، والأمر في ذلك مبني على التيسير، والحمد لله؛ لأن المقصود قد حصل باستكمال ليالي عشر رمضان الأخيرة، والاعتكاف سنة، إلا أن يوجبه الإنسان على نفسه بالنذر (٢).
أما اعتكاف النذر ، فإن من نذر اعتكاف يوم، أو أيام مُسمّاة، أو أراد
стр. 454
ذلك تطوعاً، فإنه يدخل قبل أن يتبين له طلوع الفجر، ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس، سواء كان ذلك في رمضان أو في غيره، ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليالي مُسمّاة، أو أراد ذلك تطوعاً، فإنه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا تبيَّن له طلوع الفجر؛ لأن مبدأ الليل إثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، وتمامه بغروب الشمس كلها، وليس على أحد إلا ما التزم (١).
عاشراً: من نذر الاعتكاف في مسجد فله فعل ذلك في غيره إلا الثلاثة:
من نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجدٍ فله فعل ذلك في غيره من المساجد، إلا المساجد الثلاثة؛ لقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام))، ولفظ مسلم: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة
فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٢)،وعن جابر ﵁،أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) (٣)، والصواب أن الصلاة في المسجد الحرام تضاعف داخل حدود
стр. 455
الحرم كلِّه (١).
وقد جاء: ((والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)) (٢).
أما إذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد معينٍ غير هذا الثلاثة لم يلزمه، وأجزأه في أي مسجد بدون شدِّ الرِّحال؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى)) (٣).
وأما إذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في المسجد الحرام، فإنه يلزمه ذلك؛ لأنه أفضل المساجد الثلاثة التي يجوز شدّ الرحال والسفر إليها؛ للحديث المشار إليه آنفاً.
وأما إذا نذره في مسجد المدينة؛ فإن له فعله في المسجد الحرام؛ لما تقدم، فإن فعله في مسجد المدينة فله ذلك، وأما إذا نذره في المسجد الأقصى، فإن له أن يوفي به في المسجد الحرام أو المسجد المدني، وإن فعله
стр. 456
في المسجد الأقصى فله ذلك؛ لأنه من المساجد الثلاثة التي يجوز شد الرحال إليها؛ ولحديث جابر ﵁: أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت لله: إن فتح الله عليك مكة أن أُصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: ((صلِّ ها هنا))، ثم أعاد عليه، فقال: ((صلِّ ها هنا))، ثم أعاد عليه فقال: ((شأنك إذن)) (١)، والله تعالى أعلم (٢).
الحادي عشر: مستحبات الاعتكاف:
يستحب للمعتكف: أن يتفرَّغ لعبادة الله تعالى، فيكثر من الصلاة في غير أوقات النهي، ويكثر من ذكر الله ، والدعاء، وقراءة القرآن بالتدبر، والاستغفار، والتوبة، ونحو ذلك من الطاعات، ويجتنب ما لا يعنيه: من الأقوال، والأفعال؛ لأن من كثر كلامه كثرت أخطاؤه، وكثر سقطه، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (٣)، فيجتنب ما لا يعنيه: من الجدال، والمراء، والسباب، والفحش؛ لأن هذا مكروه ومنهي عنه في غير الاعتكاف ففيه أولى (٤).
стр. 457
وأما الصمت عن جميع الكلام فليس بمشروع في دين الإسلام، بل هو من عمل الجاهلية، وقد: (( ... دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من أَحْمَسَ يقال لها زينب بنت المهاجر فرآها لا تتكلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلّمي؛ فإن هذا لا يحلُّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت ... )) (١)، وحتى لو نذر الصمت في اعتكافه لا يحل له الوفاء به؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : ((مُرْه فليتكلم، ويستظل، وليقعد، وليتمَّ صومه)) (٢)، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : ((لا يُتم بعد احتلام ولا صُماتَ يومٍ إلى الليل)) (٣).
وكذلك لا يجوز أن يستعمل القرآن بدلاً من الكلام؛ لأنه استعمال له في غير ما هو له، كأن يرى رجلاً قد جاء في وقته فيقول: ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (٤) ونحو ذلك (٥).
стр. 458
الثاني عشر: مباحات الاعتكاف:
يباح للمعتكف ويجوز له أمور، منها على سبيل المثال الأمور الآتية:
١ - يباح للمعتكف الخروج من المسجد لكل أمر لابد له منه: طبعاً، أو شرعاً. كقضاء حاجة الإنسان: من البول والغائط، والخروج للأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضر ذلك في المسجد، والخروج للوضوء من الحدث، والاغتسال من الجنابة، والخروج لصلاة الجمعة، والشهادة الواجبة، والخوف من فتنة [تقع له في نفسه، أو أهله، أو ولده، أو ماله] أو مرض، وخروج الحائض والنفساء، وخروج المرأة التي لزمتها عدة الوفاة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وفي معنى ذلك كل ما يحتاج إلى الخروج له، وهو ما يخاف من تركه ضرراً في دينه أو دنياه، فيدخل في ذلك الخروج لفعل واجب وترك محرم، وإزالة ضرر، مثل الحيض والنفاس، وغسل الجنابة، وأداء شهادة تعيّنت عليه، وإطفاء حريق، ومرض شديد، وخوف على نفسه من فتنة وقعت، وجهاد تعيّن، وشهود جمعة، وسلطان أحضره، وحضور مجلس حُكْم، ... وغير ذلك؛ فإنه يجوز له الخروج لأجله ولا يبطل اعتكافه، لكن منه ما يكون في حكم المعتكف إذا خرج بحيث يحسب له من مدة الاعتكاف ولا يقضيه: وهو
стр. 459
ما لا يطول زمانه، ومنه ما ليس كذلك: وهو ما يطول زمانه ... )) (١).
وعن عائشة ﵂، في وصف اعتكاف النبي ﷺ وفيه: (( ... وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان))،وفي لفظ لمسلم: أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: ((إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة، وإن كان رسول الله ﷺ لَيُدْخِل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفاً)) (٢).
والخلاصة أنه يجوز للمعتكف أن يخرج في كل أمر لابد له منه (٣).