← Фикх общий

Фикх общий · id 96471

العمرة والحج والزيارة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (133 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عام الفتح لم يدخلها محرماً بل دخلها وعلى رأسه المغفر (١)؛ لكونه لم يرد حينئذ حجاً ولا عمرةً وإنما أراد فتحها وإزالة ما فيها من الشرك (٢). وعن جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام)) (٣)، ولعله ﷺ كان عند أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، أو العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، والله أعلم (٤).

стр. 37

المبحث الثامن: أعمال المعتمر والحاج عند الميقات إذا وصل المعتمر أو الحاج إلى الميقات شرع له أن يعمل الآتي: ١ - يُستحبّ له أن يقلّم أظفاره، ويقصّ شاربه، وينتف إبطيه، ويحلق عانته؛ لقول النبي ﷺ : ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب)) (١)، وعن أنس ﵁ قال: ((وقَّتَ لنا رسول الله ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، أن لا نترك أكثر من أربعين يوماً)) (٢). ٢ - أن يتجرّد من ثيابه ، ويُستحبّ له أن يغتسل؛ لأن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (٣)، والغسل سنة عند الإحرام للرجال والنساء حتى النفساء والحائض؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس لما ولدت بذي الحليفة أن تغتسل، وتستثفر بثوب وتحرم، وأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج، وتفعل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت (٤). ٣ - يُستحبّ له أن يتطيّب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضرّه بقاء الطيب بعد الإحرام؛ لحديث عائشة ﵂ قالت:

стр. 38

((كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم يتطيّب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص [الطيب] في رأسه ولحيته بعد ذلك)) (١)، وقالت ﵂: ((كنت أُطيّب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت)) (٢)، ولكن لا يطيب شيئاً من ثياب الإحرام (٣). ٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار ، ويُستحبّ أن يكونا أبيضين نظيفين، ويحرم في نعلين؛ لقول النبي ﷺ : ((وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين)) (٤). أما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من الثياب المباحة لها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم، قالت عائشة ﵂: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تتلثّم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت)) (٥)، ويجوز لها أن تلبس الخفين والجوربين؛ لحديث عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ قد كان رخّص للنساء في الخفين)) (٦). ٥ - يُستحبّ له أن يحرم بعد صلاة فريضة - غير الحائض والنفساء - إن كان في وقت فريضة، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين ينوي بهما

стр. 39

سنة الوضوء (١). ٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة ؛ لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٢)، فإن كان يريد العمرة قال: لبيك عمرة، أو اللهمّ لبيك عمرة، وإن كان يريد الحج مفرداً قال: لبيك حجاً، أو اللهمّ لبيك حجاً، وإن كان يريد الجمع بين الحج والعمرة (قارناً) - قال: لبيك عمرة وحجاً أو اللهمّ لبيك حجاً وعمرةً، وإن كان حاجاً أو معتمراً عن غيره - وكيلاً - نوى ذلك بقلبه ثم قال: لبيك عن فلان، وإن كانت أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو بنت فلان، أو فلانة، والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة، أو سيارة، أو غيرهما (٣) اقتداءً بالنبي ﷺ ، قال عبد الله بن عمر ﵄: (ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره) (٤). ويلبي بتلبية النبي ﷺ : ((لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٥).

стр. 40

· وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يعوقه عن إتمام نسكه شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرامه بالنسك: (( ... فإن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني))؛ لأن النبي ﷺ أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت أن تحرم وهي مريضة أن تشترط (١)، فمتى اشترط المحرم ذلك عند إحرامه ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه فإن له التحلل ولا شيء عليه. · وإن كان مع من يريد الحج أو العمرة أطفال أو صبيان، وأراد أن يحرموا بحج أو عمرة رغبةً في الثواب له ولهم، فإن كان الصبي مميزاً أحرم بإذن وليه، وفعل عند الإحرام ما يفعله الكبير مما تقدم ذكره، وإن كان الصبي أو الجارية دون التمييز نوى عنهما وليهما الإحرام، ولبَّى عنهما، ويمنعهما مما يمنع منه الكبير من محظورات الإحرام، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف. وكذلك يؤمر المميز والجارية المميزة بالطهارة قبل الشروع في الطواف (٢).

стр. 41

المبحث التاسع: صفة الأنساك الثلاثة من وصل إلى الميقات في أشهر الحج، وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وهو يريد الحج من عامه، فإنه مخير بين ثلاثة أنساك: ١ - العمرة وحدها: وهو ما يُسمّى بالتمتع، وهو أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات في أشهر الحج قائلاً عند نية الدخول في الإحرام: (لبيك عمرة)، ويستمر في التلبية، فإذا وصل مكة وبدأ الطواف قطعها، فإذا طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصّر حلّ له كل شيء حرم عليه للإحرام، فإذا كان اليوم الثامن - التروية - من ذي الحجة أحرم بالحج وحده، وأتى بجميع أعماله (١)، والتمتع أفضل الأنساك لمن لم يكن معه هديٌ؛ لأن النبي ﷺ قال بعد أن سعى بين الصفا والمروة: (( ... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ وليجعلها عمرة .... )) (٢). ٢ - الجمع بين العمرة والحج: وهو ما يُسمّى بـ ((القران))، وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً في أشهر الحج من الميقات قائلاً عند نية الدخول في النسك: (لبيك عمرةً وحجاً)، أو يحرم بالعمرة من الميقات ثم في أثناء الطريق يدخل الحج عليها ويلبي بالحج قبل أن يشرع في

стр. 42

الطواف، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج، وإن شاء أخّر سعي الحج بعد طواف الإفاضة، ولا يحلق، ولا يقصّر، ولا يحل إحرامه؛ بل يبقى على إحرامه حتى يحل منه بعد التحلل يوم العيد. ٣ - الحج وحده: وهو ما يسمى بـ ((الإفراد))، وهو أن يحرم بالحج وحده من الميقات في أشهر الحج قائلاً عند نية الدخول في الإحرام: (لبيك حجاً). وعمل المفرد كعمل القارن سواء بسواء، إلا أن القارن عليه هدي - كالمتمتع - شكراً لله أن يَسَّر له في سفرةٍ واحدةٍ: عمرةً وحجاً، أما المفرد فليس عليه هدي، والأفضل للقارن وكذا المفرد إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، فيقصّر أو يحلق، ويكون بهذا متمتّعاً كما فعل أصحاب النبي ﷺ بأمره في حجة الوداع (١). قال ابن قدامة ﵀: ((أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء)) (٢)؛ لقول عائشة ﵂: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهلّ بالحج .. )) (٣). · أما من وصل الميقات في أشهر الحج وهو لا يريد حجاً، وإنما يريد العمرة، فلا يقال له متمتع، وإنما هو معتمر، وكذا من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فهو معتمر فقط (٤).

стр. 43

المبحث العاشر: محظورات الإحرام الحظر: المنع والحجر، وحظر الشيء: أي منعه (١). ومحظورات الإحرام: هي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام، وهي: ١ - إزالة الشعر من جميع البدن بحلق أو غيره بلا عذر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢)، وهذا نص على حلق الرأس، ويُقاس عليه سائر شعر البدن. ٢ - تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين بلا عذر؛ لأنه إزالة جزء من بدنه تحصل به الرفاهية، فأشبه إزالة الشعر، إلا إذا انكسر ظفره وتأذّى به، فلا بأس أن يزيل المؤذي منه فقط، ولا شيء عليه. ٣ - تعمّد تغطية الرأس للرجل ، وكذلك الوجه على الصحيح للرجل بملاصق كالعمامة، والغترة، والطاقية، وشبهها أما غير المتصل الملاصق كالخيمة والشمسية، وسقف السيارة فلا بأس به؛ لقول النبي ﷺ عندما سُئل ما يلبس المحرم من الثياب، قال: ((لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف ... )) (٣). أما جواز الاستظلال فقد ثبت أن ((أسامة وبلالاً كانا مع النبي ﷺ أثناء رمي جمرة العقبة أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبه يستره

стр. 44

من الحر حتى رمى جمرة العقبة)) (١). وأما تغطية الوجه للرجل فقد ثبت النهي عنه في قوله ﷺ في الرجل الذي وقصته راحلته: (( ... ولا تُخَمِّرُوا رأسه ولا وجهه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيّاً)) (٢). والمرأة لا تلبس النقاب، والبرقع، ولا القفازين؛ لقول النبي ﷺ : ((لا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين)) (٣)، ولكن إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال الأجانب قريباً منها، فإنها تَسدل الثوب أو الخمار من فوق رأسها على وجهها، قالت عائشة ﵂: ((كان الركبان يمرّون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه)) (٤)، وعن فاطمة بنت المنذر رحمها الله قالت: ((كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر)) (٥). ٤ - لبس الرجل للمخيط عمداً في جميع بدنه ، أو في بعضه مما هو مفصّل على الجسم كالقميص، والعمامة، والسراويل، والبرانس - وهو كل ثوب رأسه منه - والقفازين، والخفين، والجوربين، وكل ثوبٍ مسَّه

стр. 45

ورس أو زعفران، قال ابن تيمية ﵀ فيما يجوز للمحرم لبسه: ((يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالجبة، والقميص، ونحو ذلك ويتغطى به باتفاق الأئمة)) (١)، ولو خاط شقوق الإزار أو الرداء ورقعه فلا بأس به؛ فإن الذي يُمنع منه المحرم هو اللباس المصنوع على قدر الأعضاء، وما فصِّل عليها. ٥ - تعمّد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن، أو المأكول، أو المشروب، كأن يشرب قهوة فيها زعفران، إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه؛ لأنه ﷺ قال لرجل: ((اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، واتّقِ الصفرة)) (٢)، وقال في المحرم الذي وقصته ناقته: ((لا تحنطوه))، وفي رواية: ((ولا تمسوه بطيب)) (٣)؛ ولقوله ﷺ : ((لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه الزعفران، ولا الورس)) (٤). أما الطيب الذي تطيب به قبل الإحرام في رأسه ولحيته فلا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب لاستدامته كما تقدم. ٦ - قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٥)، وقوله سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ

стр. 46

البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١)، ويحرم صيد البر على المحرم بأمور: أ- أن يصيده بنفسه . ب- أن يأمر غيره بصيده . ج- أن يُشير بصيده أو يدلّ عليه ، [أو يُعين عليه]. د- أن يكون صِيد من أجله ، سواء علم بذلك أو لم يعلم، وبهذا يجتمع شمل الأخبار (٢). أما إذا لم يعمل المحرم شيئاً من هذه الأمور، ولم يُصد من أجله، وصاده الحلال فلا بأس بأكله؛ لحديث أبي قتادة (( ... هو حلال فكلوه)) (٣). ٧ - عقد النكاح ، فلا يتزوج المحرم، ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة، ولا يخطب، ولا يتقدم إليه أحد يخطب بنته أو أخته أو غير ذلك، قال النبي ﷺ : ((لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَح، ولا يخطب [ولا يُخطب عليه])) (٤)،وعقد النكاح ليس فيه فدية، ولكن يفسد النكاح (٥). ٨ - الوطء الذي يُوجب الغسل ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ (٦)، والرفث هو الجماع، فمن حصل له الجماع متعمداً قبل التحلّل الأول فسد نسكه (٧).

стр. 47

٩ - المباشرة فيما دون الفرج بوطء في غيره ، ولو بتقبيل، أو لمس، أو نظر بشهوة (١). ويحرم على الحاج وغيره، والمحرم وغير المحرم: صيد الحرم، وشجره، ونباته إلا الإذخر؛ لقول النبي ﷺ : ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه (٢)، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يُخْتلى خلاها)) (٣)، فقال العباس يا رسول الله: ((إلا الإذخر)) (٤)، فقال: ((إلا الإذخر)) (٥). وكذلك يحرم قطع شجر حرم المدينة، وقتل صيدها وتنفيره كمكة، قال النبي ﷺ : ((اللهمّ إني أحرّم ما بين جبليها مثل ما حرّم به إبراهيم مكة)) (٦)، وقال: ((لا يُقطع عضاهها ولا يُصاد صيدها)) (٧).

стр. 48

المبحث الحادي عشر: فدية المحظورات فاعل محظورات الإحرام له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة، فهذا آثم وعليه الفدية. الحالة الثانية: أن يفعل المحظور لحاجته إلى ذلك ، مثل أن يحتاج إلى لبس القميص؛ لدفع برد يخاف منه الضرر، فله فعل المحظور وعليه فديته؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁. الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور وهو معذور: إما جاهلاً أو ناسياً، أو مُكرهاً، أو نائماً فلا إثم عليه، أما الفدية فمحلّ خلاف بين أهل العلم، والأقرب إن شاء الله تعالى أنه لا شيء عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢)، فقال الله: ((قد فعلت)) (٣)، وفي الحديث عن النبي ﷺ : ((عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٤). وقال الله تعالى في خصوص الصيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا

стр. 49

فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١)، فقيَّد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمّداً، والتعمّد وصف مناسب للعقوبة والضمان فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمداً فلا جزاء عليه ولا إثم، لكن متى زال العذر: فعلم الجاهل وذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه، فإنه يجب التخلي عن المحظور فوراً، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو آثم وعليه الفدية (٢). ومقدار الفدية في محظورات الإحرام على النحو الآتي: ١ - الفدية في إزالة الشعر ، والظفر، وتغطية الذكر رأسه، ولبسه المخيط، ولبس القفازين، وانتقاب المرأة، واستعمال الطيب، الفدية في كل واحد من هذه المحظورات: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يُطعم، وإما صيام ثلاثة أيام. يختار ما شاء من هذه الأمور الثلاثة، فإن اختار الشاة فرق جميع اللحم على الفقراء، ولا يأكل منه شيئاً قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ لكعب بن عجرة: ((آذاك هوّامُ رأسك))؟ قال: نعم. فقال له: ((احلق رأسك ثم اذبح شاة نُسُكاً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)) (٤)، وهذا نص في الحلق، أما بقية هذه

стр. 50

المحظورات فقاسها أهل العلم على حلق الرأس، فجعلوا فيها هذه الفدية؛ لأن ذلك يحرم في حال الإحرام فأشبه حلق الرأس والله أعلم (١). ٢ - الوطء الذي يوجب الغسل: فمن جامع في الفرج قبل التحلل الأول فسد حجه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا بالجماع، ويجب عليه أن يتمّه، ويقضيه بعد ذلك؛ لأن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس ﵃ أفتوا بذلك (٢)، وغيرهم من الصحابة رضي الله عن الجميع (٣). وعليه بدنة يُفرّق لحمها على الفقراء بمكة حرسها الله تعالى (٤). أما من حصل له الجماع بعد التحلل الأول، فإنه لا يبطل حجه، وعليه ذبح شاة يفرّق لحمها على مساكين الحرم، والمرأة مثل الرجل في الفدية إذا كانت مطاوعة (٥)، وقيل عليه مع ذلك - إذا كان الباقي من أعمال التحلل الثاني هو طواف الإفاضة - أن يخرج إلى أدنى الحل خارج الحرم ويحرم منه، ويطوف طواف الإفاضة، ويسعى بعده وهو محرم (٦)،

стр. 51

والأصل في ذلك ما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي)) (١)، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). ٣ - جزاء الصيد: إن كان للصيد مثل خُيِّر بين ثلاثة أشياء: إما ذبح المثل وتوزيع جميع لحمه على فقراء مكة، وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل، ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرَّق على المساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً. فإن لم يكن للصيد مثل خُيِّر بين شيئين: إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول، ويخرج ما يقابلها طعاماً ويفرقه على المساكين، لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً (٣)، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ عَفَا الله عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ الله مِنْهُ وَالله عَزِيزٌ ذُو

стр. 52

انْتِقَامٍ﴾ (١). ومن الصيد الذي له مثل من النعم: الضبع: ((هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم)) (٢). وقضى عمر بن الخطاب ﵁: ((في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة)) (٣)، والجفرة من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وفُطِمَت وفُصِلَت عن أمها ورعت (٤)، وقضى ابن عباس ﵄ في حَمَام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة (٥)، وقال الإمام مالك: ((لم أزل أسمع أن في النعامة إذا قتلها المحرم بدنه)) (٦)، وغير ذلك مما له مثل. ٤ - المباشر بشهوة فيما دون الفرج: كالقبلة بشهوة، والمفاخذة، واللمس بشهوة، ونحو ذلك، سواء أنزل أو لم ينزل، من وقع منه ذلك فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام، وحجه صحيح، لكن عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، وقال بعض العلماء المحقّقين: ويجبر ذلك

стр. 53

بذبح رأس من الغنم يجزئ في الأضحية، يوزّعه على فقراء الحرم المكي (١)، وإن أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صام ثلاثة أيام أجزأه ذلك إن شاء الله تعالى، ولكن الأحوط أن يذبح شاة كما تقدم، والله أعلم. ٥ - من أحرم بحج أو عمرة ثم مُنِعَ من الوصول إلى البيت بحصر عدوّ، أو بمرض، أو ضياع نفقة، أو كسر، أو حادث، فعليه أن يبقى على إحرامه إذا كان يرجو زوال هذا الحابس أو المانع قريباً، كأن يكون المانع سيلاً، أو عدواً يمكن التفاوض معه في الدخول وأداء الطواف والسعي، وبقية المناسك، ولا يعجل في التحلّل؛ لأن النبي ﷺ في غزوة الحديبية لم يعجل، بل مكث هو وأصحابه للمفاوضات مع أهل مكة مدة يوم الحديبية لعلهم يسمحون لهم بالدخول، لأداء العمرة دون قتال، فلما لم يتيسر ذلك، وصمّموا على المنع إلا بالحرب، وفرغ رسول الله من قضية الكتاب، قال لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا ... )) (٢). وكذلك إذا كان المانع من إكمال الحج أو العمرة: مرض، أو حادث، أو ضياع نفقة، فإنه إذا أمكنه الصبر لعله يزول المانع أو أثر الحادث ثم يكمل

стр. 54

صبر، وإن لم يتمكن من ذلك فهو مُحصر على الصحيح، يذبح، ثم يحلق، أو يقصّر، ويتحلّل كما قال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّواْ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((من كُسِرَ أو عَرِجَ [أو مرض] فقد حلّ، وعليه حجة أخرى)) (٢). لكن إذا كان المحصر قد قال عند إحرامه: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) (٣) حلّ من إحرامه، ولم يكن عليه هَدْي. وهل يجب عليه القضاء أم لا يجب عليه؟ الراجح أنه لا يجب عليه القضاء، إلا إذا كانت حجة الإسلام أو عمرته، فيؤدّي الفرض بعد ذلك (٤).

стр. 55

المبحث الثاني عشر: ما يباح للمحرم ١ - يجوز للمحرم وغير المحرم أن يقتل الفواسق المؤذية في الحل والحرم، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خمس من الدواب كلّهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور)) (١). وفي رواية لمسلم: (( ... والحية)) (٢). وأمر رسول الله ﷺ بقتل الحية في منى (٣)، قال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السبع إذا بدأ المحرم فقتله، لا شيء عليه (٤). وقال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والفهد، والذئب، فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم، أو في أموالهم، مثل سباع البهائم كلها المحرم أكلها، وجوارح الطير: كالبازي، والصقر، والعقاب، والشاهين، ونحوها والحشرات المؤذية، والزنبور، والبقّ، والبعوض، والبراغيث، والذباب، وقد نصّ الخبر من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناه، فنصه على الحدأة والغراب تنبيهٌ على البازي المؤذي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيهٌ على الحشرات المؤذية، وعلى العقرب تنبيهٌ على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيهٌ على السباع المؤذية التي هي أعلى منه ..

стр. 56

وهذا إذا اعتدت عليه هذه الأشياء أما إذا لم تعتدِ عليه فلا يتعرض لها (١). ٢ - إذا لم يجد المحرم إزاراً جاز له لبس السراويل ، وإذا لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين (٢). والصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك في عرفات (٣). ٣ - لا حرج على المحرم في لبس الخفاف التي ساقها أسفل من الكعبين؛ لكونها من جنس النعلين. ٤ - لا حرج على المحرم أن يغتسل للتبرد ، ويغسل رأسه ويحكه برفق وسهولة إذا احتاج إلى ذلك (٤). ٥ - للمحرم أن يغسل ثيابه ، التي أحرم فيها من وسخ ونحوه، ويجوز له إبدالها بغيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لبسه. ٦ - لا بأس بوضع النظارة الشمسية أو الطبية على العينين. ٧ - لا بأس بربط الساعة على المعصم أو لبسها في اليد. ٨ - لا بأس بالحجامة إذا احتاج إليها المحرم؛ لأن النبي ﷺ : ((احتجم وهو محرم)) (٥).

стр. 57

٩ - لا بأس بالاستظلال بالمظلة أو الشمسية ، أو بسقف السيارة، وبالخيمة والشجرة، ونحو ذلك مما لا يكون ملاصقاً للرأس، فقد صحّ عنه ﷺ أنه ظُلِّلَ عليه بثوب حين رمى جمرة العقبة ضحىً (١). ١٠ - لا حرج بعقد الإزار وربطه بخيط ونحوه ؛ لعدم الدليل المقتضي للمنع. ١١ - يباح للمرأة من المخيط ما شاءت من الثياب وغيرها من كل ما أباحه الله لها ، إلا أنها لا تلبس النقاب والبرقع، ولا القفازين، وإذا احتاجت إلى أن تضع خمارها على وجهها فلا حرج عليها، بل ينبغي لها أن تسدل خمارها على وجهها من على رأسها إذا قابلت الرجال الأجانب (٢)، ولا حرج عليها في لبس الخفين، والشراب، والسراويل كما تقدم. ١٢ - لا حرج في شدّ ما يحفظ المال على الوسط، ولا حرج في استخدامه لربط الإزار كذلك (٣). ١٣ - لا حرج في أن يخيط المحرم الشقوق في إزاره أو ردائه ، أو يرقع ذلك، وإنما الممنوع هو ما فُصِّلَ على هيئة العضو أو البدن (٤).

стр. 58

المبحث الثالث عشر: أركان الحج وواجباته أولا: أركان الحج: أربعة على الصحيح، وهي: ١ - الإحرام: وهو نية الدخول في النسك ، فمن ترك هذه النية لم ينعقد حجه، لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١). ٢ - الوقوف بعرفة ؛ لقول النبي ﷺ : ((الحج عرفة)) (٢). ٣ - طواف الإفاضة: لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (٣)، وقول النبي ﷺ عندما حاضت صفية ((أحابستنا هي؟)). قالت عائشة: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: ((فلتنفر إذاً)) (٤)، فدلَّ ذلك على أن هذا الطواف لا بدّ منه، وأنه حابس لمن لم يأت به. ٤ - السعي بين الصفا والمروة ؛ لقول النبي ﷺ : ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)) (٥)، قالت عائشة ﵂: ((فَلَعَمْري ما أتمّ الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة)) (٦). ثانياً: واجبات الحج: سبعة على الصحيح، وهي: ١ - الإحرام من الميقات ؛ لقول النبي ﷺ حينما وقّت المواقيت: ((هنّ

стр. 59

لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ لمن كان يريد الحج والعمرة)) (١). ٢ - الوقوف بعرفة ، إلى غروب الشمس لمن وقف نهاراً؛ لأن النبي ﷺ وقف إلى الغروب، والفعل إذا خرج منه مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر (٢). ٣ - المبيت بمزدلفة ؛ لأن النبي ﷺ بات بها؛ وقال: ((لتأخذ أمتي نسكها، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاهم بعد عامي هذا)) (٣)؛ ولأنه أذن للضعفة بعد منتصف الليل، فدلّ ذلك على أن المبيت بمزدلفة لازم؛ وقد أمر الله بذكره عند المشعر الحرام (٤). ٤ - المبيت بمنى ليالي أيام التشريق ؛ لأن النبي ﷺ بات بها؛ ولأنه أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته (٥)، ورخّص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى (٦)، فدلّت هذه الرخصة والإذن على أن المبيت بمنى هذه الليالي واجب على غير السقاة والرعاة (٧).

стр. 60

٥ - رمي الجمرات مرتباً: جمرة العقبة يوم النحر، والجمرات الثلاث أيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ بدأ بجمرة العقبة، ورمى الجمرات الثلاث أيام التشريق، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَاذْكُرُواْ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١)، فالحجاج مأمورون بذكر الله في منى، وليس في منى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار؛ لقول النبي ﷺ : ((إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) (٢)، وقال جابر ﵁: ((رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه)) (٣). ٦ - الحلق أو التقصير ؛ لأن النبي ﷺ أمر به فقال: ((وليقصر وليحلّ)) (٤)؛ ولأنه ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصّرين مرة (٥). ٧ - طواف الوداع ؛ لأمر النبي ﷺ بذلك: ((لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت)) (٦)؛ ولقول ابن عباس ﵄: ((أُمِرَ الناسُ أن يكون

стр. 61

آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض)) (١). والباقي من أفعال الحج وأقواله سنن: كلبس إزار ورداء أبيضين للرجل، والتلبية من حين الإحرام إلى استلام الحجر الأسود في العمرة، أما الحج فإلى رمي جمرة العقبة، والمبيت بمنى ليلة عرفة، والرمل، والاضطباع للرجال في موضعهما من طواف القدوم، وتقبيل الحجر الأسود، والأذكار، والأدعية، وصعود الصفا ... فمن ترك ركناً لم يتمّ نسكه إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه (٢)، ودليل وجوب الدم على تارك الواجب قول ابن عباس ﵄: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) (٣).

стр. 62

المبحث الرابع عشر: أركان العمرة وواجباتها أولاً: أركان العمرة: ثلاثة (١): ١ - الإحرام ، وهو نية الدخول فيها لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) (٢). ٢ - الطواف بالبيت . ٣ - السعي ؛ قال رسول الله ﷺ في الطواف والسعي: ((ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ... )) (٣)، وقال في السعي: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)) (٤). ثانياً: واجبات العمرة: اثنان: ١ - الإحرام بها من الحل ؛ لأمر النبي ﷺ عائشة أن تعتمر من التنعيم (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ في المواقيت. ٢ - الحلق أو التقصير ؛ لقول النبي ﷺ : ((وليقصر وليحلّ)) (٦)، فمن ترك ركناً لم تتمّ عمرته إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن وقع في الجماع قبل التقصير أو الحلق في العمرة فعليه شاة؛ لفتوى ابن عباس ﵄، وعمرته صحيحة (٧).

стр. 63

ومن وقع في الجماع قبل الطواف بالبيت لعمرته فسدت إجماعاً، وإن كان الجماع بعد الطواف وقبل السعي فسدت كذلك عند الجمهور، وعليه في الحالتين المضي في فاسدها، والقضاء والهدي (١).

стр. 64

المبحث الخامس عشر: صفة دخول مكة إذا وصل المعتمر أو الحاج إلى مكة استحب له ما يأتي: ١ - يُستحبّ له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف ، وإن لم يفعل ذلك فلا حرج عليه، وهذا مُستحبّ؛ لأن النبي ﷺ : ((بات بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة)) (١). ٢ - يُستحبّ له إن تيسّر أن يغتسل ؛ لأن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل ويَذْكُرُ ذلك عن النبي ﷺ (٢). ٣ - يُستحبّ له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها ؛ لأن الداخل يأتي من قبل وجهها، ومن أي طريق دخل فلا بأس، فعن عائشة ﵂ ((أن النبي ﷺ لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها)) (٣)، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة من جميع الجوانب، لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة اقتداءً بالنبي ﷺ ؛ فإنه دخلها من وجهها من الناحية العليا، وكان ﷺ يغتسل لدخول مكة، كما يبيت بذي طوى، وهو عند الآبار التي يقال لها آبار الزاهر، فمن تيسر له المبيت بها، والاغتسال، ودخول مكة نهاراً، وإلا فليس عليه شيء من ذلك (٤).

стр. 65

٤ - فإذا وصل إلى المسجد الحرام فالأفضل له أن يقدّم رجله اليمنى ، ويقول: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)) (١) [بسم الله، والصلاة] (٢) [والسلام على رسول الله] (٣)، اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك)) (٤)، وإذا خرج من المسجد قال: ((بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهمّ إني أسالك من فضلك))، [اللهمّ اعصمني من الشيطان الرجيم] (٥)، وهذا الذكر يُقال عند الدخول لسائر المساجد، وكذلك دعاء الخروج، وليس خاصاً بالمسجد الحرام، ومن لم يفعل هذه السنن الأربع فلا حرج عليه بحمد الله تعالى (٦). ٥ - من لم يتيسّر له الغسل قبل دخول المسجد الحرام فلا بد له من الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : ((أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت)) (٧)؛ ولقوله

стр. 66

- ﷺ لعائشة ﵂: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) (١)؛ ولقوله ﷺ : ((الطواف بالبيت صلاة [ألا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير])) (٢). ٦ - تحية المسجد الحرام: الطواف لمن أراد الطواف ، أما من لم يرد الطواف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٣). ٧ - الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علّة كالمريض ؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني اشتكي فقال: ((طوفي من وراء الناس وأنت راكبة))، قالت فطفت ورسول الله ﷺ حينئذٍ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور (٤).

стр. 67

المبحث السادس عشر: الطواف بالبيت إذا وصل المعتمر أو الحاج إلى الكعبة عمل كالآتي: ١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعاً أو معتمراً (١)، ثم يقصد الحجر الأسود ويستقبله ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك (٢)، ولا يؤذي الناس بالزحام، ويقول عند استلامه: ((الله أكبر)) (٣)، ولو قال: ((بسم الله والله أكبر)) (٤) فحسن، وللحجر الأسود سنن أربع كلها ثبتت عن النبي ﷺ ، وهي: السنة الأولى: يمسحه بيده ويقبّله ويكبر، وهذا أكمل الحالات (٥). السنة الثانية: فإن لم يتيسّر له ذلك مَسَحَهُ بيده وقبّل يده (٦). السنة الثالثة: فإن لم يتيسّر له ذلك استلمه بعصا، أوبشيء، وقبّل ما استلمه به (٧). السنة الرابعة: فإن لم يتيسر له ذلك أشار إليه بيده وكبّر، ولا يقبِّل ما

стр. 68

يشير به (١)، وهذه سنن من فعل منها ما تيسر فقد أصاب سنة النبي ﷺ والحمد لله. ٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره ، وإن قال في ابتداء طوافه: ((اللهمّ إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ )) فحسن (٢). ٣ - جاء في عمرة القضاء أنهم رملوا إلا فيما بين الركنين ، ولكن استقرّت السنة أنه ﷺ رمل في حجة الوداع من الحجر إلى الحجر (٣)، فيرمل الرجل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه (٤)،وذلك في الطواف الأول، سواءً كان متمتعاً، أو معتمراً، أو محرماً بالحج وحده، أو قارناً بين الحج والعمرة، والرمل: هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطَى وهو الخَبَبُ، ويمشي في الأربعة الباقية، يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود، ويختم به. ٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره ، والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر: يُبدي

стр. 69

منكبه الأيمن، ويُغطّي الأيسر (١). ٥ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه (٢)، ولو قال إذا مسحه: ((بسم الله، والله أكبر)) فحسن (٣)، ولا يُقبِّله؛ فإن شقّ عليه مَسْحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشِيرُ إليه، ولا يكبّر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه. ٦ - يُستحبّ له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤). ٧ - كُلَّمَا مَرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبله ، وقال: ((الله أكبر))، فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه مرّة واحدة بيده اليمنى وكبر مرة واحدة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئاً من القرآن، ولا يؤذي الطائفين وليس في الطواف أدعية محددة، ومن خصّص لكل شوط من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له، ولا يطوف من داخل الحِجْر؛ لأنه من البيت فلا بد أن يكون الطواف من ورائه.

стр. 70

٨ - فإذا كَمَّل سبعة أشواط وفرغ منها سوَّى رداءه فوضعه على كتفيه ، وتقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١)، ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه، وإن لم يتيسر ذلك لزحام ونحوه صلاّهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس ولا يصلي في طريقهم، ويُستحبّ له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ (٢). ٩ - يُستحبّ له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها ، ويصبّ على رأسه لفعل النبي ﷺ (٣). ١٠ - يُستحبّ له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر (٤).

стр. 71

المبحث السابع عشر: السعي بين الصفا والمروة ١ - ثم يخرج إلى المسعى ويتجه إلى الصفا ، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله﴾ (١)، أبدأ بما بدأ الله به (٢). ٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة فيوحّد الله ويكبّره [ ويحمده] (٣)، ويقول: (([الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر] (٤) [لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت] (٥) وهو على كل شيء قدير، لا إلا الله وحده [لا شريك له] (٦) أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) (٧)، ويرفع يديه بما تيسر من الدعاء (٨)، ويكرِّر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة. ٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى يَصِلَ إلى العلم الأخضر الأول فيسعى الرجل سعياً شديداً إن تيسر له الركض، ولا يؤذي أحداً،

стр. 72

فإذا وصل إلى العلم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه في دعائه، ويقول ويفعل كما قال وفعل على الصفا. ٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل العلم الأول سعى بينه وبين الثاني سعياً شديداً ، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن يصل إلى الصفا، فإذا وصل قال وفعل كما قال وفعل أول مرة، وهكذا على المروة حتى يكمل سبعة أشواط: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكرٍ ودعاءٍ، ويكثر من ذلك، وإن دعا في السعي بقوله: ((رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم)) فلا بأس، لثبوت ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن مسعود ﵃ (١). ويُستحبّ أن يكون متطهراً من الأحداث والأخباث ، ولو سعى على غير طهارةٍ أجزأه ذلك، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف بالبيت سعت وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في السعي وإنما هي مستحبة (٢). ٥ - فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئاً بالصفا خاتماً بالمروة حلق رأسه إن كان رجلاً معتمراً ، أو متمتعاً، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: (رأس الأصبع)، وإذا كان وقت الحج قريباً،

стр. 73

وكانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي ﷺ لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصّر ويحلّ (١)، ولم يأمرهم بالحلق، ولا بدّ في التقصير من تعميم الرأس، ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة. فإذا فعل المحرم ما ذُكِرَ فقد تمت عمرته، وحلَّ له كل شيء حُرم عليه بالإحرام، إلا أن يكون قارناً أو مفرداً قد ساق الهدي من الحلِّ؛ فإنه يبقى على إحرامه حتى يحلّ من الحجِّ والعمرةِ جميعاً بعد التحلّل الأول يوم النحر. فإذا لم يكن مع القارن أو المفرد هدي، فالأفضل في حقّه أن يجعلها عمرة ويفعل ما يفعله المتمتّع، ويكون بهذا متمتّعاً عليه ما على المتمتّع؛ لقول النبي ﷺ في آخر طوافه على المروة: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة)) (٢). وإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة قبل أن تطوف بالبيت ولم تطهر حتى يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه، وتعتبر بذلك قارنة بين الحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الحاج

стр. 74

غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل؛ لقول النبي ﷺ لعائشة لمَّا حاضت: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) (١)، فإذا طهرت طافت بالبيت وبين الصفا والمروة طوافاً واحداً، وسعيا واحداً وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعاً (٢).

стр. 75

المبحث الثامن عشر: أعمال الحج يوم الثامن ١ - إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة استحبّ للذين أحلّوا بعد العمرة، وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج ضُحىً من مساكنهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، أما القارن والمفرد الذين لم يحلّوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول. ٢ - يُستحبّ الاغتسال، والتنظّف، والتطيّب ، وأن يفعل ما فعل عند إحرامه من الميقات. ٣ - ينوي الحج بقلبه ويلبّي قائلاً: ((لبيك حجاً)) وإن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) (١). وإذا كان حاجاً عن غيره نوى بقلبه ثم قال: لبّيك حجاً عن فلانٍ، أو عن فلانة، أو عن أم فلان إن كانت أنثى، ثم يستمر في التلبية ((لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٢). وإن زاد: ((لبّيك إله الحقّ لبّيك)) فحسن؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ (٣).
следующие страницы →