أحمد: ((شهدت النبي ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم)) (١). قال النووي ﵀: ((فيه جواز الضحك والتبسّم)) (٢).وقال القرطبي ﵀: ((يمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام فيه جائز غير ممنوع، إذ لم يرد في ذلك منع، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضل وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم)) (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله ﷺ في المسجد فحسن، وأما المحرَّم فهو في المسجد أشد تحريماً، وكذلك المكروه، ويكره فيه فضول المباح)) (٤).
стр. 72
١٤ - رفع الأصوات في المساجد ممنوع؛ لأنه يشوِّش على المصلين، ولو بقراءة القرآن؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقرآن، فكشف الستر وقال: ((ألا إن كلكم مناج ربَّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة)) أو قال: ((في الصلاة)) (١).
وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: ((كنت قائماً في المسجد فحصبني (٢) رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ )) (٣).
стр. 73
وعن كعب بن مالك ﵁ أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجفَ حجرته (١) فنادى: ((يا كعب))، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ((ضع من دينك هذا)) وأومأ إليه: أي الشطر، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : ((قم فاقضه)) (٢)،قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي الحديث جواز رفع الصوت في المسجد، وهو كذلك ما لم يفحش ... والمنقول عن مالك منعه في المسجد مطلقاً، وعنه التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير، وما لا بد منه فيجوز، وبين رفعه باللغط ونحوه فلا)) (٣). ونقل الحافظ ابن حجر ﵀ عن المهلب قوله: ((لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لما تركهما النبي ﷺ ، ولبيَّن لهما ذلك)) قال ابن حجر: ((قلت: ولمن
стр. 74
منع أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصل بالطريق المؤدية إلى ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة، الموجبة لرفع الصوت)) (١)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن
عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا فيه جواز طلب قضاء الدين في المسجد، كأن يقول: أعطني ديني، وهذا ليس كالبيع، [أو] يقول: اقضني ديني جزاك الله خيراً)) (٢)، وسمعته يقول عن كلام النبي ﷺ لكعب وابن أبي حدرد: ((هذا من باب الإصلاح، والصواب أنهما إذا اتفقا على تعجيل الدين والوضع منه فلا بأس ... )) (٣).
١٥ - الصلاة بين السواري في المسجد، لا بأس بها للمنفرد، والإمام، أما المأمومون فتكره صلاتهم بينها عند السعة؛ لأن السواري تقطع الصفوف، ولا تكره عند ضيق المسجد، وقد جاء في ذلك حديث أنس بن مالك
стр. 75
- ﵁، فعن عبد الحميد بن محمود قال: كنت مع أنس بن مالك أصلي، قال: فألقونا بين السواري، قال: فتأخر أنس، فلما صلينا قال: إنَّا كُنَّا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ )) (١). وعن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ قال: كنا نُنْهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها طرداً)) (٢).
أما جواز ذلك للإمام والمنفرد؛ فلحديث ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين)) (٣).
١٦ - التّحلُّق في المسجد قبل صلاة الجمعة، جاء فيه حديث عبد الله بن عمرو ﵄: ((أن النبي ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد)). ولفظ الترمذي: ((نهى عن تناشد الأشعار في
стр. 76
المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلَّق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة)) (١). والتحلق، والحِلَق: جمع حَلْقة: الجماعة من الناس، فنهاهم أن يجلسوا متحلقين حلقة واحدة أو أكثر، حتى ولو كان ذلك لمذاكرة العلم؛ لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراصّ في الصفوف: الأول، فالأول، والتحلق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذي ندبوا إليه، فإذا فرغ من صلاة الجمعة فلا حرج ولا كراهة (٢). وقد كان شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن
стр. 77
باز ﵀ يعمل بهذا الحديث فيوقف الحلقات يوم الجمعة ابتداء من صلاة الفجر إلى الفراغ من صلاة الجمعة، ثم يكون هناك حلقة بعد صلاة الجمعة في بيته.
١٧ - الانتقال عند النعاس في المسجد إلى مكان آخر؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره)) (١). ولفظ الترمذي: ((إذا نعس أحدكم يوم الجمعة، فليتحول عن مجلسه ذلك)). ولفظ أحمد: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره)). وفي لفظ لأحمد: ((إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره)). وفي لفظ: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول
стр. 78
منه إلى غيره)).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وظاهر الأوامر الوجوب)) (١).
والحكمة من الانتقال أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه: انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه، وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي ﷺ في قصة نومهم عن صلاة الصبح بالانتقال من المكان الذي ناموا فيه، وأيضاً من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس في المسجد عن الذكر، أو سماع الخطبة، أو ما فيه منفعة (٢).
وقوله: ((إذا نعس أحدكم يوم الجمعة)) لم يرد بذلك
стр. 79
جميع اليوم بل المراد به إذا كان في المسجد ينتظر صلاة الجمعة، وسواء فيه حال الخطبة أو قبلها، لكن حال الخطبة أكثر. وقوله: ((يوم الجمعة)) يحتمل أنه خرج مخرج الأغلب؛ لطول مكث الناس في المسجد؛ للتبكير إلى صلاة الجمعة؛ ولسماع الخطبة، وأن المراد انتظار الصلاة في المسجد في الجمعة وغيرها، كما في لفظ أبي داود في الباب: ((إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره))، فيكون ذكر يوم الجمعة من التنصيص على بعض أفراد العام، ويحتمل أن المراد يوم الجمعة فقط؛ للاعتناء بسماع الخطبة)) (١).
١٨ - الصلاة في الكنيسة وإزالتها واتخاذ مكانها مسجد؛ لحديث طلق بن علي ﵁ قال: خرجنا وفداً إلى النبي ﷺ فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة (٢) لنا فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا فتوضأ،
стр. 80
وتمضمض، ثم صبه في إداوةٍ (١)، وأمرنا فقال: ((اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجداً)) قلنا: إن البلد بعيدٌ والحر شديد، والماء ينشف، فقال: ((مدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيباً))، فخرجنا حتى قدمنا فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجداً فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيئ، فلما سمع الأذان قال: دعوة حقٍّ، ثم استقبل تلعةً (٢) من تلاعنا فلم نره بعد)) (٣).
وقال عمر لبعض عظماء النصارى: ((إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور)) (٤). ((وكان
стр. 81
ابن عباس ﵄ يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تمثال)) (١).
وهذا الحديث يدل على جواز تحويل أماكن الكنائس إلى مساجد، وتدل الآثار على جواز الصلاة في الكنائس ولا يُصلَّى إلى الصور، ولا في مكان نجس (٢).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((لا بأس بالصلاة في الكنيسة، ولا يصلي إلى الصور، هذا إذا لم يجد مكاناً يصلي فيه غيرها)) (٣).
١٩ - الأمر بإمساك نصال السلاح في المساجد والأسواق ؛ لحديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا مرّ أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا ومعه نبل (٤) فليمسك على نصالها (٥))، أو قال: ((فليقبض بكفه أن
стр. 82
يصيب أحداً من المسلمين منها شيء)). وفي رواية: ((من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفّه مسلماً)) (١).
وعن جابر ﵁: أن رجلاً مرّ في المسجد بأسهم قد بدا نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها لا يخدش مسلماً. وفي لفظ مسلم: فقال له رسول الله ﷺ : ((أمسك بنصالها)). وفي لفظ آخر لمسلم: ((أن رجلاً مرَّ بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلماً)) (٢).
стр. 83
قال الإمام النووي ﵀: ((في هذا الأدب وهو الإمساك بنصالها عند المرور بين الناس في مسجد أو سوق أو غيرهما)) (١). وهذا فيه اجتناب كل ما يخاف منه والتحذير مما يؤذي المسلمين (٢).
وعن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((هذا النهي إذا لم تكن حاجة فإن كانت حاجة جاز، وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير، قال القاضي عياض: وهذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة ... )) (٤).
وقد جاء التشديد في النهي عن الإشارة بالسلاح حتى لو كان من باب المزاح، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه
стр. 84
لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من حفر النار)) (١). ولفظ مسلم: ((لا يشير أحدكم (٢) إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع (٣) في يده فيقع في حفرة من النار)) (٤)؛ولعظم الأمر قال النبي ﷺ : ((من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) (٥).
وأعظم من ذلك حمل السلاح على المسلمين؛ لقتالهم، فعن عبد الله بن عمر، وأبي موسى ﵃ عن النبي ﷺ أنه
стр. 85
قال: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) (١). وهذا يدلّ على الوعيد لمن سلّ السيف على المسلمين، وحمل السلاح عليهم لقتالهم به بغير حق، لِمَا في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم (٢).
وقد حرص النبي ﷺ على سلامة المؤمنين من كل ما يؤذيهم سدّاً لأبواب الشرور، ومن ذلك نهيه عن تناول السيف مسلولاً، فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يُتعاطى السيف مسلولاً (٣).
٢٠ - صلاة النساء في المساجد جاءت في الأحاديث الصحيحة ، وصلاتهن في البيوت أفضل، فإذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة: من طيب، أو تبرج وسفور، أو إظهار حليٍّ أو زينة وجب على الرجال الإذن لهن وعدم منعهن،
стр. 86
أما مع وجود هذه المنكرات فلا يجب ولا يجوز، ويحرم عليهن الخروج، ومن الأحاديث في ذلك ما يأتي:
الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)). وفي لفظ لمسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) (١). ولفظ أبي داود: ((لا تمنعوا نساءكم مساجد الله وبيوتهن خيرٌ لهن)) (٢).
الحديث الثاني: عن زينب الثقفية عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ العشاء فلا تطيَّب تلك الليلة))، وفي لفظ: ((إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسّ طيباً)) (٣).
الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) (٤).
стр. 87
الحديث الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تَفِلات (١)) (٢).
الحديث الخامس: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((صلاة المرأة في بيتها (٣) أفضل من صلاتها في حجرتها (٤)، وصلاتها في مَخْدعها (٥) أفضل من صلاتها في بيتها)) (٦).
стр. 88
فدل الحديث على أن ثواب صلاة المرأة في مسكنها الذي تسكن فيه، وتأوي إليه أكثر من ثواب صلاتها في حجرتها: أي صحن دارها التي تكون أبواب البيت إليها، وهي أدنى حالاً من البيت في الستر، وصلاة المرأة في الغرفة الصغيرة داخل بيتها الكبير أفضل من صلاتها في بيتها؛ لأن مبنى أمرها على التستر، فكلما كان المكان أستر كانت صلاتها فيه أفضل (١).
الحديث السادس: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو تركنا هذا الباب للنساء)) قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (٢). والمعنى: لو تركنا هذا الباب للنساء لكان حسناً؛ لئلا يختلط الرجال بالنساء في الدخول والخروج إذا حضرن المسجد لصلاة الجماعة فتحصل الفتنة، فينبغي أن يجعل في المساجد بعض الأبواب المخصوصة للنساء يدخلن ويخرجن منه،
стр. 89
وهذا إن أمنت الفتنة وإلا فيمنعن (١).
قال الإمام النووي ﵀: (( ... أحاديث ظاهرة في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء، مأخوذة من الأحاديث، وهو أن لا تكون: متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلال يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة، ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة، ونحوها ... )) (٢).
٢١ - الاحتباء في المسجد قبل صلاة الجمعة والإمام يخطب ، جاء فيه حديث معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن الحُبْوَةِ (٣) يوم الجمعة والإمام يخطب)) (٤).
стр. 90
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة، يعني والإمام يخطب)) (١).
قال الترمذي ﵀: ((وقد كَرِه قومٌ من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخَّص في ذلك بعضهم، ومنهم: عبد الله بن عمر، وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق: لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأساً)) (٢).
وقال الإمام الشوكاني: ((وقد اختلف العلماء في كراهية الاحتباء يوم الجمعة، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم، واستدلوا بحديث الباب وما ذكرناه في معناه وهي تقوِّي بعضها بعضاً. وذهب أكثر أهل العلم كما قال العراقي إلى عدم الكراهة ... وأجابوا عن أحاديث الباب أنها كلها ضعيفة ... )) (٣).
стр. 91
وقال المباركفوري: ((أحاديث الباب وإن كانت ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضاً، ولا شك في أن الحبوة جالبة للنوم، فالأولى أن يحترز عنها يوم الجمعة في حال الخطبة، هذا ما عندي والله تعالى أعلم)) (١). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول تعليقاً على كلام المباركفوري: ((هذا هو الأقرب فتركها أحسن)) (٢). وسمعته ﵀ يقول عن حديث معاذ بن أنس ﵁: ((أحسن ما جاء في الاحتباء هذا الحديث، وفيه مقال، وله شواهد ضعيفة، فالأولى بالمؤمن أن لا يحتبي، أما احتباء بعض الصحابة؛ فلأنه لم يبلغهم هذا الحديث)) (٣).
٢٢ - المنبر: مرقاة الخطيب سمي منبراً ؛ لارتفاعه وعلوه (٤)، وقد ثبت أن النبي ﷺ اتخذ منبراً في مسجده، فعن أبي حازم قال: سألوا سهل بن سعد ﵁ من أي شيء
стр. 92
المنبر؟ فقال: ((ما بقي بالناس أعلم مني: هو من أثل الغابة عمله فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ )). وفي لفظ: ((بعث رسول الله ﷺ إلى امرأة أن مُري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن)). وفي لفظ: ((والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار: ((مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهنّ إذا كلمتُ الناس)) فأمرته فعملها من طرفاءِ الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت هاهنا ... )) (١).
وعن جابر ﵁ أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً، قال: ((إن شئت)). وفي لفظ: ((كان جذع يقوم عليه النبي ﷺ فلما وُضِع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى
стр. 93
نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه)).
وفي لفظ: ((فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئنّ أنين الصبي الذي يسكَّت حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر)) (١).
وفي لفظ: ((كان المسجد مسقوفاً على جذوع من النخل، فكان النبي ﷺ يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه ... )) الحديث.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لَمّا بدَّن (٢) قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: ((بلى)) فاتخذ له منبراً مرقاتين)) (٣). وعن
стр. 94
سهل بن سعد ﵁ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: ((انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها)) فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع (١).
وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ((وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة)) (٢). وعن سهل ﵁: ((أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة)) (٣).
٢٣ - الإخلاص عند إتيان المسجد، ليفوز بالثواب العظيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى المسجد لشيء فهو حظه)) (٤). وهذا يدلّ على أن
стр. 95
من أتى المسجد لقصد حصول شيء أخروي أو دنيوي فذلك الشيء حظه ونصيبه؛ لأن لكل امرئ ما نوى، وفيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد، لئلا يكون مختلطاً بغرض دنيوي: كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب، بل ينوي الاعتكاف، والعزلة والانفراد، والعبادة، وزيارة بيت الله، واستفادة علم وإفادته، ونحوها (١).
٢٤ - يحذر من هجر المسجد الذي يليه إلا لعذر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليصلِّ أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد)) (٢).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يُرْمَى ببدعة، أو يُعلن
стр. 96
بفجورٍ، فلا بأس بتخطيه إلى غيره)) (١).
وهجر المسجد القريب إذا كثر من أهل الحي يؤدي أيضاً إلى خلوِّه عن الجماعة، ويؤدي إلى إساءة الظن بالإمام، أما إذا وُجد غرضٌ صحيح: كأن يحضر محاضرة، أو درساً، أو يكون المسجد الأبعد يبكر بالصلاة والمأموم محتاج إلى ذلك فلا بأس (٢). أو يكون الإنسان في المدينة أو مكة، فإن الأفضل أن يصلي في المسجد الحرام في مكة، وفي المسجد النبوي في المدينة؛ لأنه امتاز المسجد الأبعد بخاصية فيه (٣).
٢٥ - يحذر من تخطي رقاب الناس ؛ لحديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : ((اجلس فقد
стр. 97
آذيت)) (١).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجعل يتخطى الناس فقال رسول الله ﷺ : ((اجلس فقد آذيت وآنيت (٢)) (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ليس لأحد أن يتخطَّى رقاب الناس؛ ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم، والتعدي لحدود الله)) (٤).
٢٦ - لا يُفرّق بين اثنين ؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهّر ما استطاع من الطّهر، ويدهن من دهنه، أو يمسّ من
стр. 98
طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرّق بين اثنين، ثم يصلّي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلّم الإمام إلا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (١).
٢٧ - لا يمر بين يدي المصلي وسترته ؛ لحديث أبي جهيم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمرَّ بين يديه))، قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة (٢).
٢٨ - لا يتخذ مكاناً خاصاً لا يصلي إلا فيه ؛ لحديث عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (٣).
٢٩ - لا يقيم أحداً من مكانه ليجلس فيه ؛ لحديث
стр. 99
جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يقيمنَّ أحدُكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا)) (١). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((لا يقيمنّ أحدُكم الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا)) قال نافع: الجمعة؟ قال الجمعة وغيرها (٢)، وهذا عام في جميع المجالس.
٣٠ - يُنْصتُ للخطبة يوم الجمعة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) (٣).
٣١ - لا يشغل الوقت بين الأذان والإقامة بالكلام مع
стр. 100
الناس، فيضيع هذا الوقت العظيم بالقيل والقال وكثرة السؤال في أمور الدنيا، والإعراض عن قراءة القرآن والذكر، فقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه: ((سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقاً حلقاً، إمامهم الدنيا، فلا تُجالسوهم؛ فإنه ليس لله فيهم حاجة)) (١).
٣٢ - لا يحجز مكاناً بسجادة ونحوها، لا يوم الجمعة ولا غيره ؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، والمأمور به أن يسبق بنفسه إلى المسجد، فإذا قدَّم المفروش وتأخر هو فقد خالف الشريعة من جهتين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلّوا فيه، وأن يتمّوا الصف
стр. 101
الأول، ثم إنه يتخطّى الناس إذا حضروا (١). وأفتى بعدم جواز ذلك العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، وبيَّن أنه لا يحلّ؛ لأنه مخالف للشرع، ومخالف لما كان عليه الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان (٢).
٣٣ - لا يجلس الجنب والحائض في المسجد ، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). والمعنى: لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوه جنباً إلا عابري سبيل: يعني إلا مجتازين فيه الخروج منه، فقد أقيمت الصلاة هنا مقام المصلى والمسجد إذا كانت صلاة المسلمين في مساجدهم، ورجح هذا التفسير الإمام ابن
стр. 102
جرير ﵀ (١). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: ((ومن هذه الآية احتجّ كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضاً في معناه)) (٢)، ولكن على الحائض والنفساء أن تتحفظ حتى لا تلوث المسجد، وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((ناوليني الخمرة (٣) من المسجد))، فقالت: إني حائض، فقال: ((إن حيضتك ليست في يدك)) (٤). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد قال: ((يا عائشة ناوليني الثوب))، فقالت: إني حائض، فقال: ((حيضتك ليست في يدك)) (٥). أما حديث عائشة ﵂ ترفعه: ((وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب)) (٦).فهذا في حق من
стр. 103
يجلس في المسجد، وقد قال بعض أهل العلم بجواز جلوس الجنب في المسجد إذا توضأ، لخبر زيد بن أسلم أن بعض أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا توضؤوا جلسوا في المسجد (١)، ولكن قال غيرهم من أهل العلم لا يجلس مطلقاً لعموم الآية: ﴿وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢).والوضوء لا يخرجه من كونه جنباً؛ ولعموم الحديث المذكور آنفاً، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -حمه الله -قول: ((وهذا هو أظهر وأقوى، وفعل من جلس من الصحابة يحمل على أنه خفي عليه الدليل الدالّ على أنه يمنع الجنب من الجلوس في المسجد، والأصل الأخذ بالدليل، وزيد بن أسلم وإن روى له
стр. 104
مسلم ففي القلب منه شيء إذا تفرد بالحديث)) (١).
المبحث التاسع: المواضع المنهي عن الصلاة فيها: مما لا شك فيه أن الله قد جعل الأرض مسجداً وطهوراً للنبي محمد ﵊ وأمته، إلا المقبرة، والحمّام، ومعاطن الإبل، ومواضع النجاسة، ومواضع الخسف والعذاب؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام)) (٢). فالمقبرة لا يُصلى فيها ولا تصحُّ فيها الصلاة، سواء كانت الصلاة على القبر، أو بين القبور، أو في مكان منفرد عن
стр. 105
القبور: كالبيت داخل المقبرة، ولا يُصلَّى في الحمام، ولا تصح الصلاة فيه؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة والحمام لا يُصلَّى فيه (١). وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة قيل: هو لِمَا تحت المصلي من النجاسة، وقيل: لحرمة الموتى، وأما الحمام فحكمة المنع من الصلاة فيه؛ لأنه تكثر فيه النجاسات، وقيل: إنه مأوى الشياطين (٢). وسمعت الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((والحمامات: المعدّة للغسل، والصلاة في المقبرة، والصلاة إليها ممنوعة، والعلة أن الصلاة في المقبرة أو إليها وسيلة إلى الشرك، أما الحمام فهو مظنة النجاسات، أو لأنه بيت الشيطان، والله أعلم بالعلة)) (٣).
والصلاة على القبور ممنوعة؛ لحديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تصلوا إلى القبور
стр. 106
ولا تجلسوا عليها)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر)) (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً)) (٣).
والمراد بالصلاة في البيوت: النوافل؛ لأن الفرائض تقام مع الجماعة في المسجد، وقوله ﷺ : ((ولا تتخذوها قبوراً))؛ لأن القبور ليست بمحل للصلاة، وقد استنبط البخاري من هذا الحديث كراهية الصلاة في المقابر (٤).
ولا يُصلِّي المسلم في معاطن الإبل وهي مبارك الإبل؛ لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: ((لا تصلوا في مبارك
стр. 107
الإبل؛ فإنها من الشياطين)). وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: ((صلوا فيها فإنها بركة)) (١).
وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خُلقت من الشياطين)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل)) (٣).
وعن سبرة بن معبد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 108
((لا يُصلَّى في أعطان الإبل، ويُصلّى في مراح الغنم)) (١).
وعن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)) قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم فتوضأ من لحوم الإبل)). قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((نعم)). قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: ((لا)) (٢).
جاء في معظم الأحاديث التعبير بمعاطن الإبل، ووقع في بعضها ((مبارك الإبل)) وفي بعضها: ((أعطان الإبل)). وفي بعضها: ((مناخ الإبل)). وفي بعضها: ((مرابد الإبل)). وفي بعضها: ((مزابل الإبل)) والأحاديث تدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى تحريم الصلاة في معاطن الإبل، وإليه ذهب الإمام أحمد فقال: ((لا تصح بحال))
стр. 109
ومن صلى في معاطن الإبل أعاد لهذه الأحاديث، وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة، والصواب أن النهي يقتضي التحريم، وقد نقل ابن حزم أن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة، بنقل متواتر يوجب العلم. وقد قيل: إن حكمة النهي: كونها خلقت من الشياطين، وقيل: لكونها لا تخلو غالباً عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة؛ أو لئلا يتعرض لنفارها في صلاته فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها، أو تشوِّش عليه فتزيل الخشوع، وهذا كله مما يؤكد على المصلي أن يجتنب الصلاة في معاطنها (١).
ولا يصلي المسلم في مواضع الخسف والعذاب؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما
стр. 110
أصابهم)) (١). وفي لفظ: لَمّا مرّ رسول الله ﷺ بالحِجر قال: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين)). ثم رفع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي)) (٢).
أما جعل الإبل سترة في غير المعاطن فلا حرج، فقد كان ابن عمر ﵄ يصلي إلى بعيره، وقال: ((رأيت النبي ﷺ يفعله)) (٣).
المبحث العاشر: حلقات العلم في المساجد من أعظم القربات لله تعالى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً