← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96478

الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (292 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سبباً لمضارة الآخر ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ (١). فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على طفلها؛ ليهددها فيه، أو تقبل إرضاعه بلا مقابل إذا كانت أجنبية عن أب المولود، أمَّا إذا كانت الزوجية قائمة فليس لها أجرة على إرضاعه، وكذلك إذا كانت معتدة من طلاق رجعي، إذ إن النفقة تثبت لها لقيام الزوجية، وبقائها في مدة العدة، ولا تستحق أجرة أو نفقة، بسبب الرضاعة، إذ لا يحسب للمرأة نفقتان، وإن تعددت أسباب الوجود (٢). ولا تستغل هي عطف الأب على ابنه وحبه له لتثقل كاهله بمطالبها، وليس للأم مضارة الأب، وإذا فعلت فللأب أن يحضر لطفله مرضعاً حين تتحقق مصلحة الطفل في هذا الرضاع ... ، على شرط أن يوفي أجرها وأن يحسن معاملتها. وإذا توفي الأب فإن المسؤولية تنتقل إلى وارثه، وعلى الوارث مثل ذلك، فهو المكلف أن يرزق من تقوم بإرضاع الطفل ويكسوها بالمعروف والحسنى، وهكذا توالي الشريعة الإسلامية عنايتها بالطفل، وتعمل على حفظه، فلا يتعرض للضياع إن مات والده،

стр. 107

فحقه وحق من تقوم بإرضاعه مكفول في جميع الحالات (١). والشريعة تضرب المثل الأعلى في العناية بالطفل، والعمل على صيانته وحفظه، فلقد قرر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ عطاء للأطفال من بيت المال يبدأ بعد الفطام، ولما علم أن الأمهات تسارع إلى فطام أطفالهن استعجالاً لهذا العطاء، أفزعه ذلك وأقض مضجعه وحرمه النوم ولم يكد المصلون يتبينون صوته في القرآن من شدة تأثره وبكائه، فسارع بعد الصلاة بإصدار قراره بأن العطاء لكل طفل من حين ولادته، وما ذلك إلا للحفاظ على الطفولة وحمايتها، وإقناع الأمهات باستمرارهن في الإرضاع (٢). وهذا العمل الذي فعله عمر يدل على رحمته بالمؤمنين والشفقة على أطفالهم، والشريعة الإسلامية كاملة شاملة، تشمل جميع أمور الدنيا والآخرة، التي فيها سعادة للبشرية جمعاء في دنياهم وأخراهم، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ (٣). * ... * ... *

стр. 108

المبحث الثامن: الحضانة أولاً: تعريف الحضانة لغة وشرعاً: الحضانة في اللغة: هي ضم الشيء إلى الحضن، وهو الجنب أو الصدر والعضدان وما بينهما. يقال: حضن الطائر أفراخه واحتضنها: إذا ضمها إلى جناحه. وحضنت الأم طفلها إذا ضمته إلى جنبها أو صدرها. ومن معانيها: النصر، والإيواء، يقال: حضنه واحتضنه، أي أواه ونصره. والحضانة في الاصطلاح: التزام الطفل لتربيته والقيام بحفظه وتدبير شؤونه (١). ثانياً: عناية الشريعة الإسلامية بالحضانة: لقد عنيت الشريعة الإسلامية بالأسرة ورسمت لها الطريق السوي؛ لكي يدوم الصفاء وتستمر المودة والمحبة والألفة؛ حتى يعيش الأولاد في أحضان الأبوين، عيشة كريمة بعيدة عن النكد والشحناء، فأمرت برعاية الولد والمحافظة على حياته وصحته وتربيته، وتنشئته وتثقيفه بين الأبوين ... هذا ما يُعْرَفُ بالحضانة، ولكن عندما تنفصم العُرَى الزوجية وينفصل الزوجان لا تترك الشريعة الأولاد للضياع والتشرد، وإنما تعمل على تربيتهم وحمايتهم؛ حتى يصلوا إلى مرحلة تمكنهم من الاعتماد على

стр. 109

أنفسهم وإدراك مصالحهم. ولقد جاءت الشريعة في هذا الباب بتعاليم سامية ووصايا حكيمة، تأتي في الجو الملبد بالنزاع والمليء بالخصومات بين الزوجين، فتفتح الأنفس على الخير، وتلفتها إلى المعروف لمصلحة الطفل الناشئ الذي هو ثمرة مشتركة بين الزوجين يهمهما أمره. ومرحلة الحضانة هذه قد حافظ فيها الإسلام على مصلحة الولد أولاً: وعطف فيها على الأم ثانياً: رعاية لحنانها، وتقديراً لعاطفتها الفيَّاضة التي ترى في الولد أنه جزء منها، فجعل للأم ثم لقرابتها الأقرب فالأقرب حضانة الطفل حتى يبلغ سبع سنين وبعدها يدخل في مرحلة أخرى يصدر فيها حكماً يجعله لأبيه، أو لأمه، أو يخير بينهما، وذلك عدل ورحمة ووضع الأمور في مواضعها (١). ثالثاً: أهمية الحضانة: وللحضانة شأن آخر خلاف الرضاع، ولها أحكام تخالف الإرضاع، ولكن لا يرد تطبيق الأحكام للحضانة غالباً إلا في حال الفرقة بين الزوجين ووجود أولاد دون السن التي يستغني فيها الصغير عن النساء، وذلك؛ لأن الطفل يحتاج إلى نوع من: الرعاية، والحماية، والتربية، والقيام بما يصلحه، وهذا ما يعرف بالولاية.

стр. 110

رابعاً: أقسام الولاية: الولاية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الولاية الأولى: ولاية التربية والحفظ، وهي القيام على شؤون الطفل من وقت نزوله من بطن أمه وهي المسماة بالحضانة، والأم هنا أحق بالقيام على تربية ولدها، والأم مقدمة على الأب في هذا المجال، لما تحمله من أنواع الرحمة والعطف، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجْري له حِواءً، وإن أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه منِّي، فقال لها رسول الله ﷺ : ((أنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لم تَنْكِحِي)) (١). والولاية الثانية: الولاية على النفس: وذلك بإنفاذ التصرفات في كل أمر يتعلق بنفس الصغير المولَّى عليه، وبين هذه الولاية وبين الحضانة مشاركة زمنية، تنتهي بانتهاء مدة الحضانة، على أن هذه الولاية قد تكون من القوة بحيث يجبر المولَّى عليه على أمرٍ ينفعه، أو الاعتراض على سلوكه، والحيلولة بينه وبين التصرفات الضارة. الولاية الثالثة: الولاية على المال: وهي تختص بتنمية أمواله ودفع الزكاة عنه حتى يبلغ الصغير الرشد، وقد ورد النهي عن دفع

стр. 111

المال إلى من ليس أهلاً لحفظه وصيانته، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ (١). وقد علق القرطبي على الآية بقوله: ((فالسفيه المشار إليه في الآية له أحوال: حال يحجر عليه لانعدام عقله بجنون أو غيره، وحال يحجر عليه لصغره، وحال لسوء نظره لنفسه وماله)) (٢). خامساً: أنواع الولاية: والولاية من حيث الولي نوعان: نوع يُقدَّمُ فيه الأب على الأم، ونوع تقدم فيه الأم على الأب، فيقدم الأب في الولاية على المال والنكاح، وتقدم الأم على الأب في الرضاع والحضانة. سادساً: شروط الحضانة: يشترط للحضانة شروط على النحو الآتي: ١ - ألا تكون الأم مزوجة بأجنبي . ٢ - أن تكون أمينة . ٣ - العدالة إذا كانت الحضانة لغير الأبوين . ٤ - القدرة على التربية . ٥ - أن تكون ذات رحم ، فلا حضانة للقريبة غير المحرم، كما لا

стр. 112

يثبت الحق في الحضانة للمحارم غير الأقارب، كالأم والأخت من الرضاعة إذا لم تكن قريبة أو محرماً. ٦ - يشترط في الحاضنة ألا تكون مرتدة ؛ فإنها سوف تفسد المحضون. أما الشروط التي يلزم توافرها في الرجل الذي له حق الحضانة لعدم وجود أهل الحضانة من النساء، فهي: ١ - الحرية. ٢ - العقل. ٣ - البلوغ. ٤ - القدرة على تربية الطفل. ٥ - الأمانة. ٦ - وأن يكون ذا رحم محرماً إذا كان الطفل أنثى. ٧ - وأن يكون عصبة للطفل ويقدم من يكون مقدماً في الميراث (١). سابعاً: أدلة ثبوت الحضانة: أدلة ثبوت الحضانة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. ف من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢). ومن السنة: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني فأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : ((أنْتِ أحقُّ بِهِ ما لم تَنْكِحي)) (٣).

стр. 113

وعن البراء بن عازب ﵄ أن ابنة حمزة اختصم فيها: علي، وجعفر، وزيد، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: ((الخَالةُ بمَنزلةِ الأُمِّ)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خيَّر غلاماً بين أبيه وأمه (٢). وعن أبي هريرة أيضاً ﵁: أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال رسول الله ﷺ : ((استَهِمَا عَلَيْهِ)) فقال زوجها: من يُحاقُّني في ولدي؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هذَا أبوكَ وهَذهِ أمُّك وخُذْ بِيَدِ أيُّهُما شِئْتَ)) فأخذَ بيد أمه فانطلقت به (٣). وروى أبو داود عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني جدي رافع، أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي

стр. 114

وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال رسول الله ﷺ : ((اقْعُد ناحية)) وقال لها: ((اقْعُدِي ناحية)) فأقعد الصبية بينهما، ثم قال: ((ادعوها)) فمالت إلى أمِّها، فقال النبي ﷺ : ((اللهمَّ اهْدِهَا)) فمالت إلى أبيها فأخذها (١). أما الإجماع: فقد جاء في الفقه الحنبلي: أن كفالة الطفل وحضانته واجبة. وجاء في الفقه المالكي: الإجماع قائم على وجوب كفالة الأطفال الصغار (٢). والشريعة الإسلامية كفلت حق الطفل كما كفلت حقوق الآخرين، فمهما عدلت البشرية إلى غيرها فإنها سوف تبقى تائهة ضائعة، حتى ترجع لتعاليم الشريعة الإسلامية وتترك قوانين هي عبارة عن كلمات تقال، وهي في الواقع توقع الفساد وتضيع حقوق الآخرين. أما أحكام الشريعة الإسلامية فإنها صالحة لكل زمان ومكان. ونأخذ مما تقدم أن وقت حضانة الطفل من وقت ولادته إلى بلوغه مبلغ الرجال ينقسم إلى مرحلتين: المرحلة الأولى: مرحلة الحضانة وهي التي يحتاج فيها الطفل إلى الرعاية والخدمة، ولا يحسن هذا في الغالب إلا النساء، وتنتهي هذه المرحلة بالنظر إلى الغلام – سواء كانت الحاضنة الأم أو

стр. 115

غيرها – ببلوغه حداً يستقل فيه بنفسه وحده وقدَّر بعض الفقهاء ذلك بسبع سنين. أما البنت فيفرق بين حضانة الأم والجدة وحضانة غيرهما، فإن كانت الحاضنة الأم أو الجدة بقيت البنت عندها حتى تبلغ مبلغ النساء، وإن كانت الحاضنة غيرهما بقيت عندها إلى سن المراهقة تسع سنين على المفتى به عند الحنفية ورواية عند أحمد (١). المرحلة الثانية: وهي مرحلة ضم الطفل إلى وليه، الذي يرعاه ويقوم على تأديبه بأنواع التربية والتهذيب. أما البنت – بعد حد الاستغناء الذي تشارك فيه الغلام – فتستمر حضانتها حتى تبلغ مبلغ النساء إذا كانت الحاضنة هي الأم أو الجدة، أما إذا لم تكن كذلك فحتى سن التمييز عند غيرها من النساء، ثم تكون عند الأب ليقوم بحمايتها والمحافظة عليها وصون عرضها، والولد يقوم بتأديبه وإرشاده إلى الأمور الخيرية (٢).

стр. 116

المبحث التاسع: النفقة على الأولاد أولاً: أهمية النفقة على الأولاد في الشريعة الإسلامية: من حقوق الطفل في الشريعة الإسلامية حقه في الإنفاق عليه مادام صغيراً غير قادر على الكسب، ولم يكن له مال، وتستمر نفقة الصغير على أبيه أو على ورثته، حتى يحصل على مال أو يكبر ويكون قادراً على التكسب. أما إذا كبر الصغار وهم فقراء أو كانوا غير قادرين على الكسب، فإما أن يكونوا ذكوراً أو يكونوا إناثاً، فإن كانوا ذكوراً فلا تجب نفقتهم على أبيهم إلا إذا كانوا عاجزين عن الكسب بسبب مرض أو غيره، فإن قدر أحدهم على اكتساب شيء لا يفي بنفقته كان على الأب أن يُكَمِّلها له. أما البنت فتجب نفقتها على أبيها حتى تتزوج ولو لم تكن عاجزة عن الكسب، ولا يجوز لأبيها أن يدفعها لتكسب أو يؤجرها في عمل أو خدمة، فإن ذلك يعرضها للفتنة والانحراف، ولكن إذا كان لها كسب من طريق مأمون كأن كانت تعمل وهي في بيتها وتكتسب من ذلك، وكان أبوها فقيراً فلا تجب عليه نفقتها، فإن كان كسبها لا يفي بحاجتها كان على أبيها أن يكمل لها بما فيه كفايتها. ثانياً: الأدلة على وجوب النفقة على الأولاد: النفقة على الأولاد واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.

стр. 117

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٢). أما الأدلة من السنة فهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((أفضلُ الصَّدَقة ما تركَ غِنىً، واليدُ العُليا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، ابْدأ بمَنْ تَعول، تَقُولُ المرأةُ: إمَّا أن تُطْعمَني وإمَّا تُطَلِّقَني، ويَقُولُ العبدُ: أطْعمني واسْتَعملني، ويَقُولُ الابن: أطْعِمني، إلى مَنْ تدَعُني)) فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هَذا مِنْ كِيسِ أبي هُريرة)) (٣). وعن عائشة ﵂ أن هنداً بنت عتبة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سراً وهو لا يعلم، فهل في ذلك شيء؟ فقال النبي ﷺ : ((خُذِي ما يَكْفِيكِ ووَلَدُكِ بالمعروفِ)) (٤).

стр. 118

وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذَا أنْفَقَ المسلمُ نَفَقَةً عَلى أهلِهِ وهوَ يحْتِسِبُها كانَتْ لهُ صَدَقَةٌ)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((السَّاعِي عَلى الأرْمَلَةِ والمسْكينِ كالمُجَاهِدِ في سبيلِ الله أو القائِمِ اللَّيلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ)) (٢). وعنه أيضاً: أن رسول الله ﷺ قال: ((قالَ الله تعالى: أنْفِقْ يا ابنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيكَ)) (٣). وعن سعد ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعودني وأنا مريض بمكة فقلت: لي مالٌ أوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: ((الثُّلثُ والثُّلُثُ كثيرٌ، أَنْ تَدَعْ وَرَثَتكَ أغْنِياءَ خيرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عَالةً يتَكَفَّفونَ النَّاسَ في أيْدِيهِم، ومهما أنْفَقتَ فهُوَ لكَ صَدَقَةٌ حتَّى اللقْمَة ترْفَعُها في فيِّ امْرأتِكَ، ولعلَّ الله يَرْفَعُكَ، ينتَفِعُ بكَ ناسٌ ويَضُرَّ بكَ آخَرونَ)) (٤). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ ما تَرَكَ

стр. 119

غِنًى، واليَدُ العُليا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وابْدأ بِمَنْ تَعول: تَقُولُ امْرَأَتُكَ: إمَّا أنْ تُعطيني وإمَّا أن تُطَلِّقني، ويقُولُ العبدُ: اطْعِمني واسْتَعملني، ويَقولُ الابن: أطْعِمني إلى مَنْ تَكِلُني)) (١). فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ : ((أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ على عِيَالِهِ، ودِينارٌ يُنفِقُهُ على فَرَسِهِ في سبيلِ الله، ودِينارٌ يُنفِقُه على أَصْحَابِهِ في سَبِيلِ الله، قال أبو قِلاَبَةَ: بَدَأُ بِالْعِيَالِ ثم قال أبو قلابةَ: أيُّ رجلٍ أعظمُ أجْراً منْ رجلٍ يُنفق على عِيالٍ صِغار، يَعفهم الله أو ينفعهم الله بهِ ويُغنِيهم)) (٢). رواه مسلم والترمذي. وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: مرَّ على النبي ﷺ رجل فرأى أصحاب رسول الله ﷺ من جلده ونشاطه، فقالوا يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال ﷺ : ((إن كان خَرَجَ يَسْعَى على أولادٍ صِغارٍ فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّه، وَإِنْ كان خَرَجَ يَسْعَى على أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّه، وَإِنْ كان يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان خَرَجَ يَسعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطَانِ)) (٣). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

стр. 120

وهكذا نجد السنة المطهرة قد جاءت موافقة للقرآن الكريم من كل وجه، وشارحة له، في وجوب نفقة الولد على الوالد، فقد عاضدت السنة القرآن الكريم، وتواردت معه، وقد تضافرت الأدلة في هذا الحكم (١). وجوب نفقة الأولاد بالإجماع: قال ابن قدامة ﵀ في المغني عن ابن المنذر: ((وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض ولده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله)) (٢). * ... * ... *

стр. 121

المبحث العاشر: تعليمهم التعليم الشرعي يبدأ التعليم للطفل من أول خروجه من بطن أمه إلى هذه الحياة؛ لأنه من المستحب أن يسمع ما يطرد الشيطان عنه، وأن يطرق سمعه كلام حسن. وقد ورد في الحديث عن أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ أذَّن في أُذن الحسن بن علي عند ولادته (١)، لأن هذا الكلام أحسن كلام يطرق أذن المولود، وحيث إن الطفل يعتبر صفحة بيضاء فاستحب أن يسمع أولاً وقبل كل شيء ذكر الله الذي يطرد الشيطان، ثم على والد الطفل عندما يبلغ سن التعليم، وقد يبدأ من استطاعة الطفل على النطق بالكلام فليقنه (لا إله إلا الله)، ويغرس حب الإسلام في قلبه، والعلم هو الذي يهدي الإنسان إلى معرفة خالقه ، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٢). وقال : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق

стр. 122

* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (٣). كما جاء في السنة الأمر بتعليم الأطفال كل ما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، وأول شيء يلقن لهم ويلقى في أسماعهم، أعذب الكلام وأطيبه، وهو ذكر الله . قال أبو رافع: رأيت النبي ﷺ : ((أذَّنَ في أُذُنِ الحَسنَ بن علي حينَ وَلَدَتْهُ فاَطِمَة)) (٤). ويتعين على الوالد والوالدة مواصلة تعليم الطفل وتربيته بحسب ما تقتضيه مراحل نموه، فيُعلَّم كيف ينطق ثم الكلام، وأحسن ما يقال له في هذا هو تلقينه لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ﷺ ، ويجعل هذا عند الطفل من باب التسلية له، ويحسن تعليم الأطفال كل ما ينفعهم ويقوي أجسادهم، يقول أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁: ((علِّموا أولادكم السباحةَ والرمي،

стр. 123

ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً)) (١). ومن ذلك يجب على الأب أن يعلِّم ابنه الصلاة ويرغِّبه فيها إذا بلغ سبع سنين. عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال ﷺ : ((مُرُوا أبْنَاءكم بالصَّلاةِ لسبعٍ، واضْرِبُوهُم عَلى تَرْكِها لِعَشْرٍ، وفرِّقُوا بَيْنهم في المضَاجِعِ)) (٢). وأعظم العلوم: القرآن، فينبغي لوالد الطفل ووالدته أن يُعلَّموا أولادهم القرآن من الصِّغر. وعلى الأب أن يجتنب القسوة والضرب في أول أمر الطفل إلا بعد العاشرة إذا تكاسل عن الصلاة، وقد كان النبي ﷺ مثالاً للرحمة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي قتادة: ((أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب على عنقه، فإذا ركع أو سجد وضعها، وإذا جلس ردها في مكانها، وهكذا حتى انتهى من صلاته)) (٣).

стр. 124

ومن حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه (١). وقد اعتبر ﷺ تأديب الطفل حق من حقوقه على والده، فقال فيما رواه عنه أبي سعيد وابن عباس ﵄: ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَلْيُحْسِن اسمُهُ وأدَبَه، فَإذَا بَلَغَ فَلْيُزوِّجهُ، فإنْ بَلَغَ ولم يُزَوِّجهُ فأصَابَ إثْماً فإنَّما إثْمُهُ عَلى أبِيهِ)) (٢). وكان ﵊ يهتم بالأطفال، ويعتني بهم، ويعلمهم الأدب حتى طريقة الأكل والشرب وغير ذلك، فقد قال ﷺ لعمر بن أبي سلمة عندما رآه يأكل وتطيش يده في الصحفة: ((يا غُلام سمِّ الله، وكُلْ بِيَمينكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيْكَ)) (٣). وقوله ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: ((يا غُلَامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لم يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله لك، وَلَوِ اجْتَمَعُوا على أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)). رواه الترمذي. وفي رواية

стр. 125

لغير الترمذي: ((احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وما أصَابَكَ لم يَكُنْ ليخطئك، وَاعْلَمْ أَنَّ النصرَ معَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ معَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مع الْعُسْرِ يُسْرًا)) (١). هذا التوجيه الكريم من المصطفى ﷺ للأمة في شخصية ابن عباس ﵄ ليس تربية على الزهد أو توجيهها إلى اعتزال الحياة، ولكنها تصحيح العقيدة وتثبيت الإيمان الراسخ في قلب عبد الله بن عباس حتى لا يفسدها فقر أو حرمان، أو يطغيها ثراء أو متاع أو يحول بينها وبين عقيدتها عرض أو جاه، فهذه النصوص المذكورة تدل دلالة واضحة على مدى عناية الشريعة بالعلم والتعلم، إذاً فواجب على كل والد أن يربي أولاده على الأخلاق الفاضلة ويعلمهم دينهم، وأفضل ما يعلم الطفل قبل كل علم بعد استقامة لسانه هو القرآن الكريم؛ لأنه حبل الله المتين، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن تمسك به لم يضل. ثم بعد ذلك يُعلِّمه الصلاة إذا بلغ سبع سنين مع استمراره في تعلم القرآن والسنة النبوية على قدر تحمله وطاقته، ويكون ذلك على أيدي رجال صالحين، وهذان الأصلان العظيمان هما أساس

стр. 126

الدين ومصدره، فإذا تعلم الناشئ هذا القرآن وهذه السنة المطهرة وتعمق فيهما وفهم الأحكام والعبادات، والمعاملات، والآداب كان من الذين وصفهم الله بالعلم إذا عمل بما علم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١). ونأخذ في هذا الموضع رأي ونظر مؤرخ من مؤرخي الإسلام بعد أن استدلينا من القرآن والسنة المطهرة، ألا وهو ابن خلدون. يرى ابن خلدون أن مناهج التعليم تختلف باختلاف البيئات الإسلامية، ولكن المسلمين متفقون على أن القرآن هو أصل الدين ومصدر العلوم الإسلامية، ولذلك جعلوه أصلاً من أصول التعليم، وأساساً من أسس التربية الإسلامية، وفي ذلك يقول: ((اعلم إن تعليم الوِلدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن، وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الكتاب، وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخاً وهو أصل لما بعده)) (٢). وعلى ما تقدم فإن الأب مسؤول عن تعليم ابنه أمور دينه من أركان وواجبات ومستحبات، وكذلك أمور دنياه، التي تعود عليه

стр. 127

وعلى أمة الإسلام بالخير والبركة، هذا هو التعليم المطلوب. وخلاصة القول: أن الأب يُربِّي أولاده ذكوراً وإناثاً على طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ على النحو الآتي: أولاً: المسؤوليات الكبرى للأب والمربي: ١ - مسؤولية التربية الإيمانية: تلقينه إذا نطق بالكلمات الطيبة وأعظمها «لا إله إلا الله» وتعريفه أوَّل ما يعقل: الحلال والحرام، ويؤمر بالصلاة في سن السابعة، وتأديبه على حب الله تعالى وحب النبي ﷺ ، وحب القرآن، ويرشده إلى: الإيمان بأركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، وركن الإحسان: أن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، ويغرس الخشوع لله في قلبه، والتقوى، والمراقبة لله تعالى في السر والعلن. ٢ - مسؤولية التربية الخُلُقية ، وهذه المسؤولية هي ثمرة من ثمرات الإيمان، فيربيهم على الصدق، وجميع الأخلاق الفاضلة، ويحذرهم من الكذب وجميع الأخلاق الرذيلة. ٣ - مسؤولية التربية الجسمية ، فينفق على أولاده من الحلال، ويحافظ على القواعد الصحية لأولاده، ويبعدهم عن أسباب الأمراض، ويعالج المرضى منهم، ويُطبِّق قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، ويُعلِّمهم على الرماية، وركوب الخيل، والسباحة عند الأمن من المفاسد، ويعوّدهم على الجدِّ والرجولة، ويبعدهم عن كل ما يضرهم من المفاسد.

стр. 128

٤ - مسؤولية التربية العقلية ، فيعلمهم كل ما ينفعهم منذ الصغر، وإبعادهم عن المفاسد المنتشرة؛ لما في ذلك من التأثير على العقل والذاكرة: كالخمور، والتدخين، وغير ذلك. ٥ - مسؤولية التربية النفسية ، فيبعدهم عن ظاهرة الخور، والخجل، والخوف، والحسد، والغضب، والشعور بالنقص، ويربي فيهم الإيمان بالقضاء والقدر، وغير ذلك. ٦ - المسؤولية الاجتماعية ، فيربِّيهم على القيام بحقوق الآخرين بجميع أنواعها، وعلى الرحمة، والعفو، والتقوى، والإيثار، والجرأة، وغير ذلك. ٧ - يُحذِّرهم من الانحراف الجنسي ، ويزوِّج المحتاج منهم (١). ثانياً: وسائل التربية المؤثرة التي ينبغي للأب والمربي استخدامها: ١ - التربية بالقدوة ، فيكون الأب والمربِّي قدوة صالحة في جميع أموره: في العبادة، والكرم، والزهد، والتواضع، والحلم، والشجاعة، ويتخذ الرسول ﷺ قدوة له، فحينئذ ينفع تعليمه ويقتدى به. ٢ - التربية بالعبادة: فيربي أولاده على العبادة، ويعلمهم أنواع العبادات بإخلاص، ومتابعة للنبي ﷺ . ٣ - التربية بالموعظة: فيوصيهم ويعظهم، كما وعظ لقمان الحكيم ابنه، ويعظهم بالقرآن والسنة. ٤ - التربية بالملاحظة: فيراقب أولاده في جميع الجوانب،

стр. 129

وجميع تصرفاتهم، فلا بد من ذلك، ويقوِّم ما اعوجّ منها بالحكمة. ٥ – التربية بالعقوبة: والتأديب عند الحاجة، وهي العقوبات الشرعية: من الحدود، والجلد على التهاون بالصلاة لمن بلغ سبع سنين، وعقوبة التعزيرات. ثالثاً: القواعد الأساسية في التربية التي يعمل بها الأب والمربي: ١ – الربط الاعتقادي ، فيجب أن يُربط الولد منذ تعقُّله بأركان الإيمان الستة الأساسية، وأركان الإسلام الخمسة، وحينئذ ينشأ الولد على المراقبة لله تعالى، وقد سبق ذلك في مسؤولية التربية الإيمانية. ٢ – الربط الروحي ، فيربط الولد بالعبادة، ويؤمر بالصلاة، والصوم إذا أطاقه، وبعبادة الحج إذا استطاع الأب ذلك بغير مشقة، وبعبادة الزكاة، والصدقة إذا كان الأب والمربي يقدر على ذلك، ويربطه بالقرآن فيُحفَّظ ويُعلَّم، ويربطه بالمساجد التي هي بيوت الله تعالى، ويربطه بذكر الله ، فيُعلَّم أذكار الصباح والمساء، وأذكار أدبار الصلوات، وغير ذلك من الأذكار ويكون ذلك بالتدرّج، ويُربط الولد بالنوافل: من صلاة الضحى، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الليل ولو قليلاً، وصلاة الاستخارة، ويُربط بالصيام، كصوم يوم عرفة، وعشر ذي الحجة، وصيام عاشوراء مع يوم قبله أو بعده، وبصوم ست من شوال، وغير ذلك على حسب الاستطاعة، ويربط بمراقبة الله تعالى في السر والعلن، ويربط الولد بالآداب الاجتماعية، وتعليمه حقوق الله تعالى، ثم حقوق المجتمع، وقد سبق في

стр. 130

مسؤولية التربية الاجتماعية، ومن الربط الاجتماعي: ربط الولد بالمرشد الطلابي، وبالصحبة الصالحة، وبالعلم والعلماء. ٣ - قاعدة التحذير: فيحذر الأب والمربي الولد من الرِّدة، والتحذير من الإلحاد، والتحذير من اللهو المحرم: من الغناء، والمزامير، والشطرنج، والقمار، والموسيقى، والنظر إلى آلات الفساد، والمسلسلات الخليعة، ويحذره من التقليد بدون دليل، ويحذره من رفقة السوء، ومن مفاسد الأخلاق، ومن الحرام بجميع أنواعه: سواء كان في الملبس، أو المشرب والمأكل، أو حلق اللحية، أو إسبال الثياب، وغير ذلك من أنواع التحذير. ٤ - مسائل مهمة في التربية ينبغي للأب أن يعملها ، ومن أهمها: تشويق الولد إلى أفضل المكاسب، ومراعاة استعداداته، ويروّح على الولد في المباحات بدون إفراط ولا تفريط، وإيجاد التعاون بين البيت والمسجد والمدرسة، وتقوية الصلة بين المربِّي والولد، وتوفير الوسائل العلمية النافعة، والسير على منهج تربوي في اليوم والليلة ينفع الولد في الدنيا والآخرة (١). * ... * ... *

стр. 131

المبحث الحادي عشر: تعليمهم حرفة شريفة يكتسبون منها على والد الطفل أن يعلمه حرفة شريفة يكتسب منها بعد أن علمه ما يجب عليه من العلم الشرعي، ومن التربية الحسنة المستمدة من الكتاب والسنة، ولقد ورد في هذا الموضوع نصوص شرعية كثيرة، تحث الإنسان على أن يكون كسبه بيده، لأن أطيب ما أكل المسلم من عمل يده، وقد كان نبي الله داود يأكل من عمل يده. عن المقدام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَا أكَلَ أحَدٌ طَعَاماً قَطّ خَيْراً مِنْ أنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)) (١). رواه البخاري. وعن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((لأنْ يَحْتَطِبَ أحَدَكُم حزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أنْ يَسْألَ أحَداً فَيُعطِيهِ أوْ يَمْنَعه)) (٢). رواه البخاري. وعن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الله يُدْخلُ الثَّلاثَةَ بالسَّهْمِ الوَاحِدِ الجَنَّةَ، صَانِعُهُ يَحتَسِبَ في صَنْعَتِهِ الخَير، والممدّ به، والرَّامِي بِهِ)) وقال: ((ارمُوا وارْكَبُوا، وإنْ تَرْمُوا أحبَّ إليَّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا، وإنْ كلّ شيءٍ يَلْهو بِهِ الرَّجلُ بَاطِلٌ، إلاَّ رَمْيةَ الرَّجلِ بِقَوْسِهِ، وتأدِيبهُ فَرسه ومُلاعَبَتِهِ امرأتِهِ، فإنَّهُنَّ مِنَ الحقِّ، ومَنْ نَسِيَ الرَّمْيَ بَعْدَما عَلِمَهُ فَقَدْ كَفَر الذي علمه)) (٣). رواه أحمد

стр. 132

وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي. وعن أبي مسعود ﵁: ((إذَا أنْفَقَ المسْلمُ نَفَقَةً عَلى أهْلِهِ كَانَتْ لهُ صَدَقَةً)) (١). رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَة والمِسْكِينِ كالمجَاهِدِ في سَبيلِ الله أو القَائِمِ الليلَ الصَّائِمِ النَّهارَ)) (٢). وعن سعد في حديثه الطويل، عن النبي ﷺ : ((ومهْمَا أنفَقْتَ فهُوَ لَكَ صَدَقَةً، حتَّى اللقمَةَ ترْفَعُها في فيّ امْرَأتك)) (٣). رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنَّ أطْيَبَ مَا أكَلَ الرَّجُلَ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ وَلَدهُ مِنْ كَسْبِهِ)) (٤). رواه البخاري وأحمد

стр. 133

وابن ماجه والترمذي والنسائي. وعن عائشة فيما نقل عنها عروة قال: قالت عائشة ﵂: ((كان أصحاب رسول الله ﷺ عمَّال أنفسهم، فكان يكون لهم أرواحٌ، فقيل لهم: لو اغتسلتُم)) (١). ولقد ذكر الله في القرآن ما يحث الإنسان على طلب الرزق من الحلال، ولكن بشرط ألا يشغله عن طاعة الله ، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (٣). عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أفْضَلُ الصَّدَقةَ ما تَرَكَ غِنىً، واليَدُ العُلْيا خَيرٌ مِنَ اليدِ السُّفْلى, وابْدأ بِمَنْ تُعولُ ... )) (٤). وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: مرَّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحاب رسول الله ﷺ من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله، لو

стр. 134

كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : ((إن كان خَرَجَ يَسْعَى على أولادٍ صِغارٍ فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان خَرَجَ يَسْعَى على أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطَانِ)) (١). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وهكذا نجد السنة المطهرة تحث على طلب الرزق، كما حث على ذلك القرآن الكريم، والأدلة من القرآن والسنة على أن طلب الرزق عبادة كثيرة جداً، ولكن الفرق بين هذه الأعمال والتي تتحول إلى عبادة وبين أعمال الذين يكدحون من غير المسلمين أن هذه الأعمال تتحول بنية المؤمن الصادق واحتسابه إلى عبادة. إذاً نأخذ مما تقدم أنه يجب على والد الطفل أن يعلمه حرفة شريفة يكتسب منها، لكي يعيش على الحلال، ويبتعد عن الحرام والشبهات، ولقد قال بعض المربين: إنه من المستحسن لوالد الطفل بعد أن يعلمه العلوم الشرعية التي لا بد منها، أن يراعي رغبة الولد وميوله إلى المهنة التي يرغب أن يكون عالماً فيها، ما لم تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ومن هؤلاء العلماء العلاَّمة ابن خلدون، وابن سينا وغيرهما. وقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ

стр. 135

أنه قال: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى الله من الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بالله، ولا تَعْجَزْ، وإن أصَابَكَ شيءٌ فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وكذا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وما شَاءَ فَعَلَ، فإن لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) (١). وعن أنس ﵁: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي ﷺ فسأله، فقال: ((أَمَا في بَيْتِكَ شيءٌ؟)) قال: بلى حلس، نلبس بعضَهُ ونبسط بعضه، وقعبٌ «إناء» نشرب فيه الماء، قال: ((ائتني بهما)) فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: ((مَنْ يشْتري هذينِ؟)) قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: ((اشترِ بأحدِهِما طَعاماً فانبذهُ إلى أهْلِكَ، واشترِ بالآخَرِ قَدُّوماً فأتِني بهِ)) فأتاه به، فشد فيه رسول الله ﷺ عوداً بيده، ثم قال: ((اذْهَبْ واحْتَطِبْ وبِعْ ولا أرَيَنَّكَ خمسَةَ عَشَرَ يوماً))، ففعل فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول الله ﷺ : ((هذَا خَيرٌ لكَ مِنْ أنْ تَجِيءَ، والمسألة نكتَة في وَجْهِكَ يَومَ القِيامة)) (٢).

стр. 136

المبحث الثاني عشر: الرعاية العقلية على والد الطفل أن يحافظ على رعاية ابنه من الناحية العقلية، ويلاحظ الصحة العقلية في الولد، فكل ما يؤثر على عقل الولد وذاكرته، واتزانه؛ فعليه أن يبعده عنه، وأن ينهاه عنه، ويبيّن له خطره المحدق على: الجسم، والعقل، والنفس. وبناء على هذا وجب على الأب أو المربِّي أن يلاحظ في الولد مفسدة تناول الخمور، والمخدرات؛ لكونها: تفتك بالجسم وتورث الهستريا والجنون. وعليه أن يلاحظ العادة السرية لكونها تورث السل، وتضعف الذاكرة، وتسبب الخمول الذهني، والشرود العقلي، والقلق والانطوائية والخوف. ويمكن أن يلاحظ مفسدة التدخين؛ لكونه: يهيِّج الأعصاب، ويؤثِّر على الذاكرة، ويُضعف ملكة الإحضار الذهني، والتفكير. وعليه أن يلاحظ أخيراً مفسدة الخلاعة من الأفلام، والتمثيليات والصور العارية؛ لكونها تعطل وظيفة العقل وتقضي بشكل تدريجي على ملكة الاستذكار والتفكير الصافي. فالصحة العقلية للولد هي من أهم ما يجب على الوالد أو على المربِّي أن يلحظها ويهتم بها، ويؤكد عليها، وهي من أظهر ما يتميز بها، وبقدر العناية والملاحظة والاهتمام يتحقق للولد الوقار

стр. 137

والتعقل والاتزان (١). وعلى والد الطفل أو المربي أن يرشده إلى الاقتران بالجلساء الصالحين، والابتعاد عن جلساء السوء؛ لأن المرء من جليسه. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((المرءُ عَلى دِينِ خَلِيلهِ، فَليَنْظر أحَدَكُم مَنْ يُخالِل)) (٢). قال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي (٣) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَمَثَلِ صاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الحدَّادِ، لا يعدمكَ منْ صاحِبِ المسْكِ إمَّا أنْ تشتَريه، أو تَجِدَ

стр. 138

ريحه، وكِيرِ الحدَّادِ ْ يُحْرِقُ بَدَنَك أو ثَوْبَك، أوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً)) (١).

стр. 139

المبحث الثالث عشر: تعويدهم على الأخلاق الفاضلة لقد دعانا نبي الرحمة ﷺ إلى تأديب أطفالنا، وغرس الأخلاق الكريمة في نفوسهم، وتعويدهم على حسن السمت والتحلِّي بالصدق، والأمانة، واحترام الكبير، فعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَيْسَ مِنْ أمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرَفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه)) (١). وعن أنس بن مالك ﵄ عن النبي ﷺ : ((أكْرِموا أوْلادَكُم، وأحسِنُوا أدَبَهم)) (٢). وعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا من نَحْلٍ أَفْضَلَ من أَدَبٍ حَسَنٍ)) (٣).

стр. 140

وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ورَّث والدٌ وَلَداً خَيراً مِنْ أدَبٍ حَسَن)) (١). فالولد أمانةٌ عند أبويه، وهو معدن نفيس يجب الاعتناء به والمحافظة على تعويده على الأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة، وقلب الطفل طاهر نظيف قابل لما يُلقى إليه من خير وشر. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أو يُمَجِّسَانِهِ)) (٢). ومما لا شك فيه أن والد الطفل ووالدته يستطيعان بتوفيق الله لهما العمل على حسن تربية الولد، عن طريق القدوة الحسنة أولاً، ثم تلقينه الآداب الفاضلة، والعمل على غرس الخصال الكريمة في نفسه وطبعه على الصفات الحميدة، وتقوية صلته بالله عن طريق حفظه للقرآن، وممارسة والده ووالدته العبادات، وتعليمه إيَّاها وتعويده عليها؛ فإن المرحلة الأولى من مراحل الطفل هي أهم مرحلة في تربية الطفل جسمياً وخلقياً، وفي تعويده أحسن العادات، وأكرم الأخلاق، فيعنى الوالدان بصحة الطفل وتغذيته تغذية صحية، وتعويده أدب الحديث، وأدب السؤال، بحيث يكون مُهذَّباً في

стр. 141

سؤاله، لطيفاً في حديثه، يحسن الوصول إلى ما يريد برفق وأدب. وينبغي أن يعوّد الطفل على النوم مبكراً، والاستيقاظ مبكراً، كما يعوّد على ممارسة الرياضة التي لا تتعارض مع الدين؛ ليقوى بها بدنه، ويعتاد على النشاط، والقدرة على الحركة، وعدم الكسل والخمول، وكلما تقدمت به السن تأكد العمل على حسن توجيهه وتربيته، فإذا بلغ ست سنين أُدّب، وهُذّب، وأُرسل إلى المدرسة المثالية للتعلم، ورُبِّي تربية كاملة: جسمية، وعقلية، وخلقية، واجتماعية، بحيث يُعدُّ للحياة العملية التي تنتظره. فإذا بلغ سبع سنين أُمِر بالصلاة، وعُلِّم الطهارة والوضوء، وشُجِّع على الصلاة، وتأديتها في أوقاتها في المسجد مع الجماعة، حتى يصبح ذلك خُلقاً له. فإذا بلغ عشر سنين ضُرِب إذا ترك الصلاة، أو أهمل فيها، وعُزِل فراشه عن إخوته وأخواته. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال ﷺ : ((مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ على تَركِهَا لعشرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في الْمَضَاجِعِ)) (١). وفي استطاعة المدرس أن يوصل إلى الأطفال كثيراً من الأخلاق الفاضلة: كالصدق في القول، والأمانة في العمل، والعدالة

стр. 142

في الحكم، والصراحة، والشجاعة، والإخلاص. وينبغي أن يختار الرجل مؤدباً لولده؛ فإن المؤدب (المدرس) هو الذي يربِّي هذا الولد. وقد قال بعض الحكماء يوصي مؤدب ولده: ((ليكن إصلاحك لابني إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح ما استقبحت)) (١). فالصبي يُحاكي أُستاذه، وزملاءه قصداً ومن غير قصد فيما يقولون وما يفعلون، ويأنس بما يأنسون، وقد ثبت في علم النفس أن الطفل بطبيعته يُحاكي ما يحدث في المجتمع الذي يُحيط به: حسناً كان أو قبيحاً، فهو يُحاكي من يعيشون معه أو يتصلون به؛ ولهذا يجب أن يكون المُقلِّد قدوة طيبة، ونموذجاً حسناً؛ فإن الطفل للمحاكاة عنده أثر كبير في تربيته الخلقية، والعقلية، والتقليد عامل مُهِمٌّ في المرحلة الأولى لتكوين العادة. والطفل يرى الشيء يفعل أمامه ويكرره حتى يصير عادة له، وهو في الواقع: يُحاكي أبويه، وإخوته الكبار، ولكنه يكسب من محاكاة الصغار أكثر مما يكسب من محاكاة الكبار. وينبغي للأب أن يُعوِّد الطفل على آداب الأكل، والشرب، وذلك بأن يغسل يديه قبل الأكل وبعده، ويُسمِّي عند البدء بالأكل والشرب، ويأكل بيمينه، ويحمد الله عند الانتهاء من الأكل والشرب،

стр. 143

ويأكل مما يليه، ولا ينظر إلى الآكلين حوله، ويمضغ اللقمة مضغاً جيداً، ولا يتقدم على من هو أكبر منه، وإذا شرب يشرب بهدوء، ولا يتنفس في الإناء. وهذه الأخلاق قد ورد بها التوجيه من المصطفى ﷺ فيما يرويه عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: كُنتُ غُلاماً في حِجْر رسول الله ﷺ فقال لي: ((يا غُلام سمِّ الله، وكُلْ بِيَمينكَ، وكُلْ ممَّا يَليكَ)) (١). وينبغي للأبوين تعليم الأطفال أوقات الاستئذان على أبويهما، ما لم يبلغ الطفل الحلم، فإذا بلغ الحلم وجب عليه الاستئذان دائماً وأبداً، كلما أراد أن يدخل على أبويه، والأوقات التي يجب على الأبوين أن يرشدوا أطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم ثلاثة أوقات: ١ – من قبل صلاة الفجر. ٢ – حين وضع الثياب من الظهيرة. ٣ – من بعد صلاة العشاء. وما عدا هذه الثلاثة الأوقات فيجوز دخول الأطفال الصغار بدون استئذان، وكذلك الخدم، فإذا بلغ الأطفال الحلم وجب عليهم الاستئذان كلما أرادوا الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ

стр. 144

وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيَاتِ والله عَلِيمٌ حَكِيم﴾ (١). فهذه الآداب الإسلامية التي تُكسِبَ من تمسك بها السعادة في الدنيا والآخرة، وينبغي ألا يتهاون بها وألاَّ تُهمَل، وتُضيَّع؛ فإن من ترك الآداب الإسلامية وتخلَّى عنها فقد أهملها، ويخشى عليه من الضلال والعياذ بالله.

стр. 145

المبحث الرابع عشر: تأديبهم بالأدب النبوي على الوالد أن يُؤدِّب أولاده، بالأدب النبوي، في جميع شؤون حياتهم: من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وآداب العبادة، وآداب كل شيء مباح: من الأعمال الدنيوية، وغيرها. ومن ذلك تعليمهم آداب قراءة القرآن الكريم، بحيث يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة، وأن يكون على طهارة. وتعليمهم آداب دخول المساجد، فقد ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: ((أعُوذُ بالله العَظيمِ، وبِوَجْهِهِ الكَريم، وبِسُلطانِهِ القَديم مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم)) قال: ((فإذا قَالَ ذَلك قال الشَّيطان: حفظَ مِنِّي سائِرَ اليَومِ)) (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول إذا دخل المسجد: ((بسمِ الله، اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ))، وإذا خرج قال: ((بسمِ الله، اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ)) (٢). وعن أبي حُميد أو أبي أُسيد قال: قال النبي ﷺ : ((إذا دخل
следующие страницы →