سؤاله، لطيفاً في حديثه، يحسن الوصول إلى ما يريد برفق وأدب. وينبغي أن يعوّد الطفل على النوم مبكراً، والاستيقاظ مبكراً، كما يعوّد على ممارسة الرياضة التي لا تتعارض مع الدين؛ ليقوى بها بدنه، ويعتاد على النشاط، والقدرة على الحركة، وعدم الكسل والخمول، وكلما تقدمت به السن تأكد العمل على حسن توجيهه وتربيته، فإذا بلغ ست سنين أُدّب، وهُذّب، وأُرسل إلى المدرسة المثالية للتعلم، ورُبِّي تربية كاملة: جسمية، وعقلية، وخلقية، واجتماعية، بحيث يُعدُّ للحياة العملية التي تنتظره.
فإذا بلغ سبع سنين أُمِر بالصلاة، وعُلِّم الطهارة والوضوء، وشُجِّع على الصلاة، وتأديتها في أوقاتها في المسجد مع الجماعة، حتى يصبح ذلك خُلقاً له.
فإذا بلغ عشر سنين ضُرِب إذا ترك الصلاة، أو أهمل فيها، وعُزِل فراشه عن إخوته وأخواته.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال ﷺ : ((مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ على تَركِهَا لعشرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في الْمَضَاجِعِ)) (١).
وفي استطاعة المدرس أن يوصل إلى الأطفال كثيراً من الأخلاق الفاضلة: كالصدق في القول، والأمانة في العمل، والعدالة
стр. 142
في الحكم، والصراحة، والشجاعة، والإخلاص.
وينبغي أن يختار الرجل مؤدباً لولده؛ فإن المؤدب (المدرس) هو الذي يربِّي هذا الولد.
وقد قال بعض الحكماء يوصي مؤدب ولده: ((ليكن إصلاحك لابني إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح ما استقبحت)) (١).
فالصبي يُحاكي أُستاذه، وزملاءه قصداً ومن غير قصد فيما يقولون وما يفعلون، ويأنس بما يأنسون، وقد ثبت في علم النفس أن الطفل بطبيعته يُحاكي ما يحدث في المجتمع الذي يُحيط به: حسناً كان أو قبيحاً، فهو يُحاكي من يعيشون معه أو يتصلون به؛ ولهذا يجب أن يكون المُقلِّد قدوة طيبة، ونموذجاً حسناً؛ فإن الطفل للمحاكاة عنده أثر كبير في تربيته الخلقية، والعقلية، والتقليد عامل مُهِمٌّ في المرحلة الأولى لتكوين العادة.
والطفل يرى الشيء يفعل أمامه ويكرره حتى يصير عادة له، وهو في الواقع: يُحاكي أبويه، وإخوته الكبار، ولكنه يكسب من محاكاة الصغار أكثر مما يكسب من محاكاة الكبار.
وينبغي للأب أن يُعوِّد الطفل على آداب الأكل، والشرب، وذلك بأن يغسل يديه قبل الأكل وبعده، ويُسمِّي عند البدء بالأكل والشرب، ويأكل بيمينه، ويحمد الله عند الانتهاء من الأكل والشرب،
стр. 143
ويأكل مما يليه، ولا ينظر إلى الآكلين حوله، ويمضغ اللقمة مضغاً جيداً، ولا يتقدم على من هو أكبر منه، وإذا شرب يشرب بهدوء، ولا يتنفس في الإناء.
وهذه الأخلاق قد ورد بها التوجيه من المصطفى ﷺ فيما يرويه عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: كُنتُ غُلاماً في حِجْر رسول الله ﷺ فقال لي: ((يا غُلام سمِّ الله، وكُلْ بِيَمينكَ، وكُلْ ممَّا يَليكَ)) (١).
وينبغي للأبوين تعليم الأطفال أوقات الاستئذان على أبويهما، ما لم يبلغ الطفل الحلم، فإذا بلغ الحلم وجب عليه الاستئذان دائماً وأبداً، كلما أراد أن يدخل على أبويه، والأوقات التي يجب على الأبوين أن يرشدوا أطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم ثلاثة أوقات:
١ – من قبل صلاة الفجر.
٢ – حين وضع الثياب من الظهيرة.
٣ – من بعد صلاة العشاء.
وما عدا هذه الثلاثة الأوقات فيجوز دخول الأطفال الصغار بدون استئذان، وكذلك الخدم، فإذا بلغ الأطفال الحلم وجب عليهم الاستئذان كلما أرادوا الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ
стр. 144
وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيَاتِ والله عَلِيمٌ حَكِيم﴾ (١).
فهذه الآداب الإسلامية التي تُكسِبَ من تمسك بها السعادة في الدنيا والآخرة، وينبغي ألا يتهاون بها وألاَّ تُهمَل، وتُضيَّع؛ فإن من ترك الآداب الإسلامية وتخلَّى عنها فقد أهملها، ويخشى عليه من الضلال والعياذ بالله.
стр. 145
المبحث الرابع عشر: تأديبهم بالأدب النبوي
على الوالد أن يُؤدِّب أولاده، بالأدب النبوي، في جميع شؤون حياتهم: من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وآداب العبادة، وآداب كل شيء مباح: من الأعمال الدنيوية، وغيرها.
ومن ذلك تعليمهم آداب قراءة القرآن الكريم، بحيث يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة، وأن يكون على طهارة.
وتعليمهم آداب دخول المساجد، فقد ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: ((أعُوذُ بالله العَظيمِ، وبِوَجْهِهِ الكَريم، وبِسُلطانِهِ القَديم مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم)) قال: ((فإذا قَالَ ذَلك قال الشَّيطان: حفظَ مِنِّي سائِرَ اليَومِ)) (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول إذا دخل المسجد: ((بسمِ الله، اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ))، وإذا خرج قال: ((بسمِ الله، اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ)) (٢).
وعن أبي حُميد أو أبي أُسيد قال: قال النبي ﷺ : ((إذا دخل
стр. 146
أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللهم افتح لنا أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وإذا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللهم إني أَسْأَلُكَ من فَضْلِكَ)) (١).
ومن آداب دخول المسجد أن يدخل بالرِّجل اليمنى ويخرج باليسرى.
ويعلمه آداب دخول المنزل بأن يقول دعاء الدخول، والخروج وآداب الاستئذان وغيره من الآداب الإسلامية، فيقول عند دخوله المنزل: ((اللهم إني أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِسْمِ الله وَلَجْنَا، وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى الله رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ على أَهْلِهِ)) (٢).
ويقول عند الخروج من المنزل: ((بسم الله، توكَّلتُ على الله، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أن أضِلَّ أو أُضَل، أو أزِلَّ أو أُزَلّ، أو أظْلِم أو أُظْلَم، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَل عليَّ)) (٣).
ويعلمه آداب النوم والاستيقاظ من النوم كذلك، فعن
стр. 147
حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام قال: ((باسْمِكَ اللهمَّ أمُوتُ وأحْيَا))، وإذا استيقظ من منامه قال: ((الحَمدُ لله الذي أحْيَانا بَعدَما أماتَنَا وإليْهِ النُّشُور)) (١). وغير ذلك من أدعية النوم والاستيقاظ.
ويعلمه آداب سماع الأذان والقول مثل ما يقول المؤذن.
وبعد انتهاء المؤذن يصلي على النبي ﷺ ويسأل الله له الوسيلة (٢).
ويعلمه كذلك دعاء الكرب والهم والحزن والالتجاء إلى الله ليغرس في قلبه الاعتماد على الله في الرخاء والشدة، فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: ((لَا إِلَهَ إلا الله الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إلا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إلا الله رَبُّ
стр. 148
السماوات وَرَبُّ الأرضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)) (١).
ويعلمه كذلك الدعاء عند لقاء العدو، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوماً قال: ((اللهمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِم)) (٢).
ويعلمه آداب ركوب الدابة، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر: ((يكبِّر ثلاثاً ثم يقول: سبحانَ الذِي سَخَّر لَنَا هَذا وما كُنَّا لهُ مُقرِنينَ، وإنَّا إلى رَبِّنَا لمنقَلِبونَ)) (٣).
ويعلمه آداب القيام من المجلس، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فيه لَغَطُه فقالَ قَبْلَ أنْ يَقومَ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللهمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إليْكَ إلا غُفِر له ما كان في مجلسه ذلك)) (٤).
стр. 149
وهذه الآداب النبوية الشريفة ينبغي للأب أن لا يسردها دفعة واحدة على الولد فيمل، ولكن يطبق أمامه، ويعلمه شيئاً فشيئاً، ومع طول الزمن وتتابع الليالي والأيام يصبح هذا العمل الطيب والآداب الحميدة - آداب الرسول ﷺ خلقاً لهذا الولد وجِبلَّة له، فيكون من الذاكرين الله كثيراً؛ لأنه مربوط بآداب الرسول ﷺ ، فعندما يدخل المسجد أو يخرج منه، وعند الدخول في المنزل والخروج منه، وعند النوم والاستيقاظ، وركوب الدابة، ودخول الخلاء والخروج منه، يفعل مثل ما كان رسول الله ﷺ يفعل، ومن فعل هذه السنن والآداب فإنه يكون من الأولى أن يحافظ على الفرائض والواجبات، فيكون موفقاً في دنياه وأخراه، ويصبح من الرجال الصالحين الذين يفيدون والديهم ومجتمعهم المسلم إن شاءالله تعالى.
* ... * ... *
стр. 150
المبحث الخامس عشر: العدل بين الأولاد
لقد كفلت الشريعة الإسلامية للأولاد حقوقاً كثيرة، من بينها حقوقهم في النسب والرضاعة والحضانة، كما تقدم، وأوجب على الوالدين العدل في المعاملة بين الأولاد: في الأمور المادية، والأدبية، ولا عجب في أن تأمر الشريعة بالعدل بين الأولاد، وهي التي أمرت بالعدل بين جميع الناس، وقد أمر الله تعالى بالعدل في أكثر من موضع في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢).
فالله يدعو المؤمنين لأداء الأمانة، وهي القيام بالقسط المطلق، الذي يمنع البغي والظلم في الأرض، والذي يكفل العدل بين الناس، وإذا كان هذا النوع مطلوباً في حق سائر الناس؛ فإنه يتحتم القيام به في حق الولد من باب أولى؛ لأن على الوالدين أن ينهضا بواجب حسن التربية؛ ولهذا فإنه لا يحل لشخص أن يفضِّل
стр. 151
بعض أولاده على بعض في العطاء؛ لما يترتب على ذلك: من زرع العداوة، والبغضاء، وقطع الصلات التي أمر الله بها أن توصل، وإذا كان كل من الأبوين يسره أن يتسابق أولاده في بره، ويتنافسوا في احترامه وتوقيره؛ فإن على الآباء والأمهات العدل بين أولادهم: في الهدايا، والهبات، بل وفي الملابس والأدوات، وفي المداعبة، والنظرات، والتقبيل؛ لأن هذا أدعى إلى إيجاد المودة، ويبعث على التراحم (١).
وقد جاءت السنة المطهرة بالشيء الكثير من هذا، فعن النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نَحلْتُ ابني هذا غُلاماً، فقال: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْله؟)) قال: لا، قال: ((فارْجِعْهُ)) (٢).
وفي رواية أخرى عند البخاري عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، فقال: ((أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثلَ هَذَا؟)) قال: لا، قال: ((فاتَّقُوا الله واعْدِلُوا بَيْنَ أوْلادِكُمْ)) قال: فرَجَعَ
стр. 152
فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ (١).
وفي رواية لمسلم: ((أكلّ بَنِيكَ نَحَلتَ؟)) قال: لا، قال: ((فاردُدْهُ)) (٢).
وفي رواية لمسلم: ((أفَعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كُلّهم؟)) قال: لا، قال: ((اتَّقُوا الله واعْدِلُوا في أولادَكمْ)) (٣).
وفي رواية لمسلم أيضاً: ((يا بشير، ألَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذا؟)) قال: نعم، فقال: ((أكُلّهم وَهَبْتَ لَهُ مِثلَ هَذا؟)) قال: لا، قال: ((فلا تُشْهِدُني إذاً فإنِّي لا أشْهَدُ عَلى جوْرٍ)) (٤).
وفي رواية لمسلم أيضاً: ((أكُلّ بَنِيكَ قَدْ نحَلْتَ مِثلَ النُّعمانِ؟)) قال: لا، قال: ((فأشْهِد عَلى هَذَا غَيرِي)) ثم قال: ((أيَسُرُّكَ أنْ يَكونُوا إليْكَ في البرِّ سَواء؟)) قال: بلى، قال: ((فلا إذاً)) (٥).
وفي رواية لمسلم أيضاً: ((أكُلّ وَلَدِكَ أعْطَيتَهُ هَذا؟)) قال: لا، قال: ((ألَيْسَ تُريدُ مِنهم البرَّ مِثلَ ما تُريدُ منْ ذَا؟)) قال: بلى، قال: ((فإنِّي لا أشْهَد)) (٦).
وعن ابن عباس ﵄ يرفعه: ((سَوُّوا بينَ أوْلادَكُم في العَطِيَّةِ،
стр. 153
فلوْ كُنْتُ مُفَضِّلاً أحَداً لَفَضَّلتُ النِّساءَ)) (١).
فمن هذه الروايات الصحيحة وغيرها يجب على الأب أن يعدل بين أولاده كما يجب عليه أن يعدل في كل أموره، وفي كل شيء، فإن الله يحب المقسطين.
* ... * ... *
стр. 154
المبحث السادس عشر: الحلم والرفق بهم
على الأب أن يكون حليماً في تربيته لأولاده، وأن يكون رفيقاً بهم، وألاَّ يكون قاسياً شديداً، فلقد كان الرسول ﷺ أرحم الناس وأكرمهم، وهو الذي كان يُقبِّل الحسن والحسين، وكان ﷺ بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قَبَّل الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم، فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال: ((مَنْ لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ)) (١).
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((يا عائشةُ إنَّ الله رَفِيقٌ يُحبُّ الرِّفْقَ، ويُعْطِي على الرَّفقِ ما لا يُعْطِي علَى العُنْفِ)) (٢).
وعن المقداد بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة ﵂ عن البداوة؟ فقالت::كان رسول الله ﷺ يبدو إلى هذه التِّلاع (٣)، وإنه أراد البداوة مرة فأرسل إليَّ ناقة محرَّمة (٤) من إبل الصدقة، فقال لي: ((يا عائِشَةُ، ارفِقِي فإنَّ الرِّفْقَ لم يَكُنْ في شيءٍ قَطّ إلا زَانَهُ، ولا نُزِعَ من شيءٍ قطّ إلا شَانَهُ)) (٥).
стр. 155
وعن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الخَيْرَ كُلَّهُ)) (١).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه ﵊ قال: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمَهُم الرَّحْمنُ، ارْحَمُوا مَنْ في الأرضِ يَرْحَمَكُمْ مَنْ في السَّماءِ)) (٢).
ويؤخذ مما تقدم أن الرفق من أخلاق العظماء وأخلاق الرجال الذين يقتدون ويتبعون خير خلق الله محمد بن عبد الله ﵊، فهو الذي قال: ((لمْ يَكُنْ الرِّفقُ في شَيءٍ قَط إلا زَانَهُ، ولا نُزِعَ مِن شيءٍ قَط إلا شَانَهُ)) فعلى الأب أن يرفق بأولاده وأهله، وأن يعاملهم بالتي هي أحسن، فلا يكون بالشديد ولا يكون بالسهل الهيِّن؛ حتى يركب أولاده على عاتقه وتقلّ هيبته، لكن خير الأمور أوسطها، وفي الغالب أن الأولاد يعملون ما يعمل أبوهم. وقد قال بعض الشعراء:
إذا كان ربّ البيت بالدُّف ضارباً ... فشيمةُ أهلِ البيت كلهم الرقص (٣)
стр. 156
ومعنى ذلك أن صاحب البيت المسؤول عن الأسرة يعمل أي عمل ويهتم به؛ فإنَّ أسرته تقلِّده وتتبع أثره، وقد شاهدنا رجالاً صالحين يُصلُّون ونرى أبناءهم الصغار ينظرون إليهم ويرفعون رؤوسهم ويخفضون، يريدون تقليد آبائهم في صلاتهم، فهذا الواقع ملموس بالمشاهدة، وبالعكس نرى الرجال الذين عندهم نوع من الانحراف والخمول عندما يشربون السجائر، نرى أبناءهم يعمدون إلى أخذ أقلاماً أو أعواداً صغيرة ويجعلونها في أفواههم، وكأنَّهم يشربون الدخان! كل ذلك لأنهم شاهدوا آباءهم، فأرادوا تقليدهم!! فيجب على الأب أن يحافظ على السلوك، والأخلاق الحميدة، ويكون رفيقاً، رحيماً، قدوة لأولاده في كل خير.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (١).
فعلى هذا يجب على ولي الطفل أو المربِّي أن يكون رفيقاً في الأمور التي يحب الله الرفق فيها، ولا يكون رفيقاً في الأمور التي يغضب الله التهاون بها والتكاسل؛ فإنه يجب على كل مسلم أن يجعل أعماله موافقة لشرع الله .
والتوجيهات الإسلامية التي ذكرت بعضاً منها في لين الجانب
стр. 157
وحسن القول، وفضيلة المعاملة والحلم والرفق، من صفات المؤمنين؛ لأنهم كالجسد الواحد في توادهم وتراحمهم، فالجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
فيجب على الآباء خاصة، وعلى المسلمين عامة الالتزام بالرفق.
стр. 158
المبحث السابع عشر: الرحمة بالأولاد
الرحمة بالأولاد والتبسط معهم، من أخلاق الرسول ﷺ ، فهو القدوة العظمى والمربي الأول، فقد كان ﷺ أحسن الناس خلقاً، وهو الذي قال الله في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (١).
وقد قال ﷺ : ((مَنْ يُحرَمَ الرِّفْق يُحْرَمَ الخَير كلُّه)) (٢).
وقال ﷺ : ((مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل ومعه صبي، فجعل يضمه إليه، فقال الرسول ﷺ : ((أتَرْحَمَه؟)) قال: نعم، قال: ((فالله أْرحَمُ بِكَ مِنْكَ بهِ، وهوَ أرْحَمُ الرَّاحِمينَ)) (٤).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاءت امرأة إلى عائشة ﵂ فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، ونظرا إلى أمهما، فعمدت الأم إلى التمرة فشقَّتها، فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي ﷺ فأخبرته عائشة، فقال: ((ومَا يُعجِبُكِ مِنْ ذلكَ؟ لَقَدْ رَحِمَها الله بِرَحْمَتِها صَبِيَّيها)) (٥). وكان ﵊ إذا رأى طفلاً
стр. 159
يحتضر وأوشكت أن تفيض روحه، فاضت عيناه بالدموع: حزناً، وعطفاً على الصغار، وتعليماً للأمة فضيلة العطف والرحمة، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت بنت النبي ﷺ إلى أبيها إن ابني قد احتضر، فاشهدنا، فأرسل ﵊ يقرئها السلام، ويقول: ((إنَّ للهِ ما أخَذَ ولهُ ما أعْطَى، وكلّ شيءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِر ولتَحْتَسِب)) فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال ﵃، فرُفع إلى النبي ﷺ الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: ((هذِهِ رحَمَةٌ جَعَلها الله في قُلُوبِ عِبَادهِ، وإنَّما يَرْحَمُ الله مِنْ عِبادِهِ
стр. 160
الرُّحَمَاء)) (١).
وتسلية الرسول ﷺ لأخي أنس حين قال له ﷺ وهو يداعبه ويُسلِّيه: ((يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيرُ)) (٢).
هذه نماذج قليلة جداً من أخلاق الرسول ﷺ ، فينبغي لكل مسلم أن يقتدي به في أفعاله ومعاملته وكل شؤون حياته ﷺ .
* ... * ... *
стр. 161
المبحث الثامن عشر: التلطف بالأطفال وإدخال السرور عليهم
وَصَلَ النبيُّ ﷺ إلى الدرجة العليا في الكمال البشري في جميع المجالات، ومن هذه الأخلاق العظيمة أخلاقه مع الأطفال التي ضرب فيها المثل الأعلى، ولا يصل إلى درجته أحد من خلق الله تعالى، لا علماء النفس، ولا غيرهم؛ ولكن مع ذلك المسلم يُلْزِمُ نفسه على حسب قدرته بالاقتداء بالنبي ﷺ ، ومن هذا تلطفه ومداعبته الكريمة للأطفال، ومن ذلك على سبيل المثال والإيجاز ما يأتي:
المثال الأول: مداعبته ﷺ محمود بن الرُّبيع:
قال محمود ﵁: ((عَقلتُ من النبي ﷺ مَجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ)) (١)، وقوله ﵁: عقلت: أي حفظت، ومجةً: المجُّ هو إرسال الماء من الفَمِ، ولا يُسمَّى مجًّا إلا إذا كان عن بُعدٍ، وفعل ذلك ﷺ إمَّا مداعبةً أو ليُبارك عليه كما كان ذلك شأنه مع أولاد الصحابة (٢)، قال شيخنا ابن باز ﵀: وهذا من باب المداعبة وحسن الخلق (٣).
المثال الثاني: ملاطفته ومداعبته ﷺ لجملة من الأطفال:
عن جابر بن سَمُرة ﵁، قال: ((صليتُ مع رسول الله ﷺ صلاة
стр. 162
الأُولى ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معه، فاستقبلهُ وِلدانٌ فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحداً واحداً، قال: وأما أنا فمسح خدَّيَّ فوجدت لِيَدِهِ برداً أو ريحاً، كأنما أخرجها من جؤنة (١) عطّار)) (٢).
المثال الثالث: ملاطفته ﷺ الحسن والحسين في مواقف كثيرة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «من لا يَرْحم لا يُرحم» (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: تُقَبِّلون صبيانكم فما نُقَبِّلُهُم، فقال النبيُّ ﷺ : «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أن نَزَعَ اللهُ من قلبك الرحمة» (٤)، والمعنى: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه (٥).
والحسن والحسين ﵄ من أحب الناس إلى النبي ﷺ ، فعن ابن عمر ﵄ قال: ... وسمعتُ النبي ﷺ يقول: «هُمَا ريحانتاي من الدنيا» (٦)، والمعنى: أنهما مما أكرمني الله وحباني به؛ لأن
стр. 163
الأولاد يُشمّون ويُقبَّلون، فكأنهم من جملة الرياحين، وقوله «من الدنيا» أي نصيبي من الريحان الدنيوي (١).
وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يُصلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢).
وقد أصلح الله به بين معاوية ومن معه وأتباع علي بن أبي طالب ومن معه فتنازل عن الخلافة لمعاوية فحقن الله تعالى به دماء المسلمين (٣).
وعن البراء ﵁ قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ والحسن بن عليٍّ على عاتقه يقول: «اللهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه» (٤).
المثال الرابع: ركوب الصبي على ظهره ﷺ وهو ساجد:
عن شدَّادٍ ﵁ قال: خرج النبي ﷺ إلى الناس؛ ليصلي بهم إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسناً أو حسيناً فتقدَّم رسول الله ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أَبِي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ ، وهو ساجد، فرجعتُ إلى سجودي، فلمَّا قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا
стр. 164
رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظنَنّا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك، قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أُعَجِّلَهُ حتى يقضي حاجته» (١).
المثال الخامس: محبته ﷺ لأُسامة:
عن أسامة بن زيد ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأخذني فَيُقْعِدُني على فخذه ويُقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثُمَّ يضمُّهما ثم يقول: «اللهم ارحمهما فإني أرحمهما»، وفي رواية: «اللهم إني أُحبُّهما فأَحبَّهما» (٢).
المثال السادس: حَمْلُهُ ﷺ بنت زينب وهو يصلي:
فعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب، بنت رسول الله ﷺ بنت أبي العاص، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها (٣).
стр. 165
المثال السابع: مداعبة أم خالد باللغة الحبشية:
فعن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: ((أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعليَّ قميص أصفر، قال رسول الله ﷺ : «سَنَه سَنَه» قال عبد الله الراوي: وهي بالحبشية: حسنة، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي (١)، قال رسول الله ﷺ : «دعها» ثم قال: «أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي» قال عبد الله فبقيت حتى ذكر)) (٢)، والمعنى فبقيت حتى ذكر الراوي من بقائها أمداً طويلاً، وقيل: لم تعش امرأة مثلما عاشت أم خالد (٣).
المثال الثامن: تخفيفه ﷺ الصلاة عند بكاء الصبي:
كان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي رحمة لأمه وشفقة عليها وعليه، ﷺ ، فعن أبي قتادة، عن أبيه ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي لأقوم في الصلاة أُريد أن أُطوِّل فيها فأسمع بكاء الصّبيِّ؛ فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أُمِّه» (٤).
المثال التاسع: سلامه ﷺ على الصبيان:
فعن أنس بن مالك ﵁ أنه مرَّ على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي ﷺ يفعله (٥).
стр. 166
المثال العاشر: مداعبته ﷺ لأبي عُميرٍ:
فعن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خُلقاً، وكان لي أخٌ يُقال له: أبو عُمير – أحسبه فَطِيماً – وكان إذا جاء ﷺ قال: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغير؟» (١) نُغرٌ كان يلعبُ به، أي طير صغير كان يلعب به أبو عمير، فمات النُّغير، فرآه النبي ﷺ حزيناً على النغير، فداعبه ﷺ (٢).
المثال الحادي عشر: إعطاؤه ﷺ الصبي قبل الأشياخ؛ لأ نه عن يمينه:
أعطى ﷺ الشراب لغلام صغير عن يمينه قبل الأشياخ، فعن سهل بن سعد ﵁ قال: أُتِيَ النبي ﷺ بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ أصغر القوم، والأشياخ عن يساره فقال: «يا غلام أَتَأْذَنُ لِي أَن أُعطيه الأشياخ؟» قال: ما كنت لأوثر بفضلي منكَ أحداً يا رسول الله! فأعطاه إياه. وفي رواية: «أَتَأْذَنُ لي أن أُعطِيَ هؤلاء؟» فقال الغلامُ: لا واللهِ يا رسول الله، لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحداً، قال: فَتَلَّهُ رسولُ الله ﷺ في يده (٣).
стр. 167
المثال الثاني عشر: بول الصبيان في حجره ﷺ -:
فعن أمِّ قيس بنت مِحصنٍ أنها أتت بابنٍ لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحه ولم يغسله (١).
وغير هذه المواقف كثيرةٌ جداً.
* ... * ... *
стр. 168
المبحث التاسع عشر: مصاحبتهم بعد البلوغ
بعد أن بذل الوالد جهده في تربيته لأولاده: من المهد، فالطفولة المبكرة، فالطفولة المتأخرة، فالمراهقة من سن الثانية عشر إلى إحدى وعشرين كما يقوله علماء النفس، فقد أدى ما كان واجباً عليه من رعاية: عقلية، وتربية ماديَّة، وأدبيّة، وصحيّة، وغير ذلك؛ فإنه بعد البلوغ من الأحسن أن يصاحبه ويعتبره رجلاً ويحمله المسؤولية ويناصحه، ولا يَعْنِي هذا أن يتركه بعد البلوغ ولا يرشده إلى أمور دينه ودنياه، بل عليه أن يلازمه حتى ولو بعد البلوغ، ويرشده إلى كل خير.
وقد قص القرآن الكريم قصصاً من إرشاد الآباء الصالحين وتوجيههم إلى كل خير، وتحذيرهم من كل شر، قال تعالى عن لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ (١)، يخبر تعالى عن وصية لقمان لابنه، أوصاه أولاً بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به أحداً، ثم قال محذراً له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟، فقال رسول الله ﷺ : ((إنَّهُ لَيْسَ بذلكَ، ألا تَسمَعُ إلى قولِ لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
стр. 169
عَظِيم﴾)) (١).
ثُم قَصَّ الله وصية أخرى للقمان لابنه، قال : ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِير * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير﴾ (٢).
هذه وصايا نافعة قد ذكرها الله عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فلقمان أرشد ابنه إلى أن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل يُحضرها الله يوم القيامة ويجازي عليها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (٣).
ومهما كانت الذرة خافية يأتي بها من لا تخفى عليه خافية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير﴾ أي لطيف العلم بالأشياء، وخبير بكل شيء، حتى دبيب النمل في الليل البهيم، وكل مخلوق يُرى وما لا يُرَى.
стр. 170
ثم أوصى لقمان ابنه بإقام الصلاة: ومعنى إقامتها بفروضها، وحدودها، وأركانها، وأوقاتها، وواجباتها، وأوصاه أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حسب الاستطاعة، ويصبر على ما أصابه؛ لأن الداعي إلى الله تعالى لا بد أن يناله الأذى، والصبر على أذى الناس من العزائم التي يوهبها الله لأهل دعوته.
ثم نهى لقمان ابنه عن الكبر، وتصعير الخدّ، أي لا يعرض بوجهه عن الناس إذا كلمهم أو كلموه، احتقاراً منه لهم، واستكباراً عليهم، ونهاه ألا يمشي في الأرض مرحاً، والله لا يحب كل معجب بنفسه فخور على غيره، واقصد في مشيك: لا بطيئاً ولا مسرعاً، واغضض من صوتك: أي لا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ فإنَّ أنكر الأصوات صوت الحمير، فهذه وصايا نافعة من قصص القرآن الكريم عن لقمان الحكيم.
ومن وصايا لقمان لابنه ما ذُكِرَ عنه أنه قال له:
١ - يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.
٢ - يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام (يعني السلام)، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق، حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجعل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (١).
стр. 171
وعن أنس ﵁ قال: ((كَانَ رَسولُ الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁: سُئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: ((تَقْوى الله وحُسْن الخُلُق)). وسُئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: ((الأجْوَفانِ: الفَمُ والفَرْجُ)) (٢).
وعن أنس ﵁ أنه ذُكِر مرفوعاً: ((ذَهَبَ حُسْنُ الخُلق بخَيرِ الدُّنيا والآخِرة)) (٣).
стр. 172
المبحث العشرون: تعليمهم اختيار الجليس الصالح والصاحب الصالح
إن الشريعة الإسلامية قد أرشدت معتنقيها إلى كل فضيلة تعود بالخير عليهم في دنياهم وأخراهم، فلا نجد أمراً من أمور البشرية يهمها ويسعدها إلا وقد جاء الإسلام بحكم واضح فيه، ويكون هذا الحكم شافياً كافياً، فقد شرع الإسلام اختيار الجليس الصالح، فمن هنا يجب على الآباء إرشاد أبنائهم إلى مجالسة الصالحين والتزام مجالسهم؛ فإن الصالح لا يأتي إلا بخير، كما قال الرسول ﷺ :
فعن أبي هريرة ﵁: ((المرءُ عَلى دِينِ خَلِيْلِهِ، فَلْيَنظُر أحَدَكُمْ مَنْ يُخَالل)) (١).
فينبغي لأب الطفل وأمه كذلك أن يلحقا أولادهما برفقة صالحة وإبعادهم عن رفقاء السوء.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال ﷺ : ((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ من صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أو تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أو ثَوْبَكَ أو تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً)) (٢).
فالرسول ﷺ أرشدنا إلى أن الرجل على دين خليله، وأن الجليس السوء مثل حامل الكير: إما أن يجد منه الإنسان ريحاً خبيثة، وإما أن يحرق ثيابه. أما حامل المسك، فإنه لا يجد منه
стр. 173
صاحبه إلا رائحة طيبة أو يشتري منه مسكاً، فعلى الآباء أولاً إرشاد أبنائهم وأقاربهم وإخوانهم الشباب وغيرهم إلى مجالسة الصالحين، وتحذيرهم من مجالسة الفساق والعاصين؛ فإنهم إذا جالسوا الصالحين فسوف يعينونهم على الحق، ويذكِّرونهم إذا نسوا.
أما أهل الفسق والضلال فإنه لا يأتي منهم إلا شر ولا يعملون إلا فجوراً وعصياناً والعياذ بالله، وقد أخبرنا الله بالذي يَعضّ على يديه يوم القيامة ويذكر سبب ذلك أنه: كان جليسه، وخليله، وصديقه الذي كان يرشده ويهديه إلى: الفسق، والكفر، والعصيان، قال : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ (١).
يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول ﷺ ، وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقاً أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم (٢). وقد قال الله : ﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِين﴾ (٣).
فنأخذ مما تقدم أن الخليل يتحسَّر على ما فعل مع خليله، الذي يعلم أنه لم يردُّه عن طريق الحق إلا هذا الخليل الضال، فقد ردَّه
стр. 174
من طريق: الحق، والهدى، إلى طريق الباطل، والزور، ومن طريق النور، إلى طريق الظلام الدامس، وردّه من الإيمان إلى الكفر والجحود، فندم حين لا ينفع الندم، فيجب على الآباء إرشاد أبنائهم وتوجيههم إلى مجالسة الأخيار والبعد عن الأشرار.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ، ولهُ ما اكْتَسَب)) (١).
فالواجب على كل مسلم أن يأخذ بالتوجيهات التي وردت في الكتاب والسنة، حتى تصح أحوال أبنائهم، وتسمو أخلاقهم، ويظهر في المجتمع أدبهم وحتى يكونوا في الأمة أداة خير ودعاة إصلاح، ودعاة هداية، فيصلح المجتمع بصلاحهم، وتفخر الأمة: بكريم فعالهم، وجميل صفاتهم (٢).
ومن أسباب صلاح الذريّة: تزويج الأبناء بزوجات صالحات، وتزويج البنات بأزواج صالحين؛ لأن الزوج الصالح جليس صالح، والزوجة الصالحة جليسة صالحة، والدعاء للأولاد من القلب واللسان بصدق وإخلاص، والحذر من دعاء الوالدين على أولادهما؛ لأن دعوة الوالد على ولده مستجابة.
* ... * ... *
стр. 175
المبحث الحادي والعشرون: فوائد التربية الحسنة
أولاً: بر الوالدين:
بعد الجهد الطويل لهذا الأب والتربية الصالحة إذا كان صالحاً فإنه سوف يجني ثمرات جهده، وسوف يحصل إن شاءالله على أولاد صالحين، يبرُّونه في حياتهم بإطاعتهم له، ومحافظتهم على أوامر اللَّه ﵎، ففي حياة هذا الأب يجد أولاداً صالحين، بارّين بأمهم وأبيهم، رحماء بينهم، وقد قال القائل:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه (١)
وبعد موت الأب يدعون له ويستغفرون له، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((إذَا مَاتَ الإنسانُ انْقَطعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثلاثةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَاريةٍ، أو عِلمٍ يُنْتَفعُ به، أو ولدٍ صالِحٍ يَدعُو لهُ)) (٢).
فهذا من فضل اللَّه على كل من له ولد صالح؛ فإنه سوف يبرّه في حياته، وبعد موته، والقرآن الكريم والسنة فيهما الكثير من هذا، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ
стр. 176
تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١).
فقد وصى الله بعبادته أولاً، وقرن بالعبادة بر الوالدين، ونهى عن كل ما يؤذيهما حتى التأفيف، الذي هو أدنى مراتب القول السيء، ونهى عن نهر الوالدين ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾. قال بعض المفسرين: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، وقال عطاء: لا تنفض يدك على والديك (٢)، ثم أمر سبحانه بالقول اللين والتواضع للوالدين والرحمة بهما.
وقد ثبت في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحقُّ بحسن صحابتي؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثم مَن؟ قال: ((أمُّك))، قال: ثم مَن؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثم مَن؟ قال: ((أبُوك)) (٣).
وفي رواية قال: ((أُمُّك، ثمَّ أُمُّك، ثمَّ أُمُّك، ثمَّ أبَاكَ، ثمَّ أدْناكَ أدْناكَ)) (٤).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ مِنْ أبرِّ البرّ
стр. 177
صِلَةُ الرَّجلِ أهلَ وُدِّ أبيهِ بعدَ أن يولِّي)) (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ أحبَّ أن يُبْسَطَ لهُ في رِزْقِهِ، ويُنسأَ لهُ في أثَرِهِ فلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) (٢).
هذه الأحاديث تبيِّن حق الوالد على ولده، ففي الغالب أن الأبناء الذين تربوا على الأخلاق الإسلامية يلتزمون بهذه الشريعة وبهذه الفضائل، بل الواجبات، فهذا تعود ثمرته على الوالد الذي بذل جهده في تربية أولاده على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد قال القائل:
قد ينفع الأدب الأحداث في مَهَلٍ ... وليس ينفع بعد الكَبْرةِ الأدبُ
إن الغصونَ إذا قوَّمتها اعتدلت ... ولا يَلينُ إذَا قَوَّمتَهُ الخَشَبُ (٣)
فالولد الذي عوَّده أبوه على طاعة الله ﵎ في صغره يأتي بتوفيق الله صالحاً في كبره إن شاءالله، فمن هذا الصلاح يحصل الأب والأم على الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ لأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وهم قد أحسنوا تربية أولادهم في الصغر، فأعطاهم
стр. 178
الله ﵎ هذا الأجر بسبب عملهم الطيب، وجعل أولادهم بارين بهم في حياتهم وبعد الممات، كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ .
ثانياً: الرجولة الصالحة والأنوثة الصالحة:
من فوائد التربية الحسنة للأولاد أنه يَنْتُجُ عن هذه التربية أولادٌ صالحون، وبنات صالحات، يمتثلون أوامر ربهم ورسولهم ﷺ ، فهم يملكون أخلاقاً عالية وآداباً سامية. فعن ابن عباس ﵄ قال: ((لَعَنَ رسولُ الله ﷺ المخنَّثينَ منَ الرِّجالِ، والمترَجِّلات مِنَ النِّساءِ)) (١).
وفي رواية: ((لعنَ رسولُ الله ﷺ المتشبِّهينَ مِنَ الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمتشَبِّهات مِنَ النِّساءِ بالرِّجالِ)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ)) (٣).
فنجد الأبناء الذين أخذوا التربية الحسنة من آبائهم لا يسلكون هذه المسالك، بينما نجد الذين لم تحسن تربيتهم يسلكون هذه
стр. 179
المسالك المذكورة.
فالأبناء الذين تربوا تربية إسلامية تراهم محافظين على رجولتهم، فلا يتشبهون بالنساء ولا بالفساق، بينما نجد عكسهم بعكسهم، فالمربِّي الصالح يَنْتُجُ عن تربيته أولادٌ صالحون: ذكوراً وإناثاً، يحافظون على شرع الله، ويلتزمون بالآداب الإسلامية، والأخلاق الحميدة، والرجولة الكاملة، والأنوثة الكاملة للنساء؛ لأن مراقبة الله هي التي تجعل المسلم دائماً وأبداً يلتزم بالأخلاق الحميدة. وقد قال القائل:
إذا ما خلوت الدهر يوماً ... فلا ... تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا إن ما تخفي عليه يغيب (١)
ثالثاً: الأخلاق الحميدة:
من فوائد التربية الحسنة الأخلاق الحميدة التي وردت في الشرع، فقد كان الرسول ﷺ أحسن الناس خلقاً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (٢). ويقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا
стр. 180
غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ)) (٢).
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه الناس)) (٣).
وعن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ الناس بِخُلُقٍ حَسَنٍ)) (٤).
وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما شَيْءٌ أَثْقَلُ في مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يوم الْقِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)) (٥).