← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96478

الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (292 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١). فقد وصى الله بعبادته أولاً، وقرن بالعبادة بر الوالدين، ونهى عن كل ما يؤذيهما حتى التأفيف، الذي هو أدنى مراتب القول السيء، ونهى عن نهر الوالدين ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾. قال بعض المفسرين: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، وقال عطاء: لا تنفض يدك على والديك (٢)، ثم أمر سبحانه بالقول اللين والتواضع للوالدين والرحمة بهما. وقد ثبت في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحقُّ بحسن صحابتي؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثم مَن؟ قال: ((أمُّك))، قال: ثم مَن؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثم مَن؟ قال: ((أبُوك)) (٣). وفي رواية قال: ((أُمُّك، ثمَّ أُمُّك، ثمَّ أُمُّك، ثمَّ أبَاكَ، ثمَّ أدْناكَ أدْناكَ)) (٤). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ مِنْ أبرِّ البرّ

стр. 177

صِلَةُ الرَّجلِ أهلَ وُدِّ أبيهِ بعدَ أن يولِّي)) (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ أحبَّ أن يُبْسَطَ لهُ في رِزْقِهِ، ويُنسأَ لهُ في أثَرِهِ فلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) (٢). هذه الأحاديث تبيِّن حق الوالد على ولده، ففي الغالب أن الأبناء الذين تربوا على الأخلاق الإسلامية يلتزمون بهذه الشريعة وبهذه الفضائل، بل الواجبات، فهذا تعود ثمرته على الوالد الذي بذل جهده في تربية أولاده على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد قال القائل: قد ينفع الأدب الأحداث في مَهَلٍ ... وليس ينفع بعد الكَبْرةِ الأدبُ إن الغصونَ إذا قوَّمتها اعتدلت ... ولا يَلينُ إذَا قَوَّمتَهُ الخَشَبُ (٣) فالولد الذي عوَّده أبوه على طاعة الله ﵎ في صغره يأتي بتوفيق الله صالحاً في كبره إن شاءالله، فمن هذا الصلاح يحصل الأب والأم على الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ لأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وهم قد أحسنوا تربية أولادهم في الصغر، فأعطاهم

стр. 178

الله ﵎ هذا الأجر بسبب عملهم الطيب، وجعل أولادهم بارين بهم في حياتهم وبعد الممات، كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ . ثانياً: الرجولة الصالحة والأنوثة الصالحة: من فوائد التربية الحسنة للأولاد أنه يَنْتُجُ عن هذه التربية أولادٌ صالحون، وبنات صالحات، يمتثلون أوامر ربهم ورسولهم ﷺ ، فهم يملكون أخلاقاً عالية وآداباً سامية. فعن ابن عباس ﵄ قال: ((لَعَنَ رسولُ الله ﷺ المخنَّثينَ منَ الرِّجالِ، والمترَجِّلات مِنَ النِّساءِ)) (١). وفي رواية: ((لعنَ رسولُ الله ﷺ المتشبِّهينَ مِنَ الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمتشَبِّهات مِنَ النِّساءِ بالرِّجالِ)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ)) (٣). فنجد الأبناء الذين أخذوا التربية الحسنة من آبائهم لا يسلكون هذه المسالك، بينما نجد الذين لم تحسن تربيتهم يسلكون هذه

стр. 179

المسالك المذكورة. فالأبناء الذين تربوا تربية إسلامية تراهم محافظين على رجولتهم، فلا يتشبهون بالنساء ولا بالفساق، بينما نجد عكسهم بعكسهم، فالمربِّي الصالح يَنْتُجُ عن تربيته أولادٌ صالحون: ذكوراً وإناثاً، يحافظون على شرع الله، ويلتزمون بالآداب الإسلامية، والأخلاق الحميدة، والرجولة الكاملة، والأنوثة الكاملة للنساء؛ لأن مراقبة الله هي التي تجعل المسلم دائماً وأبداً يلتزم بالأخلاق الحميدة. وقد قال القائل: إذا ما خلوت الدهر يوماً ... فلا ... تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا إن ما تخفي عليه يغيب (١) ثالثاً: الأخلاق الحميدة: من فوائد التربية الحسنة الأخلاق الحميدة التي وردت في الشرع، فقد كان الرسول ﷺ أحسن الناس خلقاً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (٢). ويقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا

стр. 180

غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ)) (٢). وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه الناس)) (٣). وعن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ الناس بِخُلُقٍ حَسَنٍ)) (٤). وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما شَيْءٌ أَثْقَلُ في مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يوم الْقِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)) (٥).

стр. 181

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: ((تَقْوى الله وحُسن الخُلُق))، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: ((الفم والفَرج)) (١). وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كان مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)) (٢). فالآباء الصالحون يطبقون هذه الأخلاق الحميدة وغيرها من الأخلاق الفاضلة: كالتواضع، والصدق، والوفاء بالعهد، والأمانة، والاستقامة، والشجاعة، والصبر، والحلم، والأناة، والرفق، والتقوى، والحياء، والورع، والتوكل على الله، والرحمة، والمحبة، والإيثار على النفس، وهذه أخلاق حميدة يتصف بها أبناء الرجال الصالحين الذين تلقوا التربية الحسنة من آبائهم الصلحاء. قال الشاعر:

стр. 182

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا (١) رابعاً: تكوين أسرة مسلمة متماسكة: إن من نتائج التربية الصالحة إخراج أسرة صالحين مصلحين، وأعظم أسرة يضرب بها المثل لكل الأجيال هي أسرة محمد بن عبد الله ﵊. فإن التعاطف الذي قدَّره الله تعالى بين الزوجين: الرجل والمرأة لِمَن أجلِّ النعم التي أسبغها الله على عباده، وأعظم الآيات الدالة على قدرته وإعجازه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ (٢). فبهذا التعاطف تقوم الأسرة السعيدة، وتدوم الحياة الأسرية المستقرة التي في ظلها تزدهر المعاني الكريمة، وإن المتأمل في سيرة الدعوة الإسلامية ليَسْتطيع أن يلمس بوضوح بعض ما يمكن للأسرة القوية، ولقد جعل الإسلام رابطة الزواج الشرعي القائم على الكتاب والسنة، هو الوسيلة الوحيدة لتكوين الأسرة المسلمة، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من رَزَقَهُ الله امْرَأَةً صَالِحَةً

стр. 183

فَقَدْ أَعَانَهُ على شَطرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ الله في الشَّطْرِ الثَّانِي)) (١). ففي هذا الأساس تتكون الأسرة المسلمة الصالحة من وقت زواج الرجل الصالح بالمرأة الصالحة، ومن ثم تربية الأولاد التربية الإسلامية، فيتكون مجتمع صالح من هذه الأسرة الصالحة، يتراحمون فيما بينهم، ويحب بعضهم بعضاً، ويقومون بواجبهم الذي خلقوا من أجله، وهو عبادة الله ﵎ وعدم الإشراك به. والمؤمن دائماً يسأل الله الذرية الصالحة كما قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٢). فمن نتائج دعاء المؤمنين ربهم رزقهم الهداية، ثم الأولاد وأعانهم على تربيتهم، ومن ثم تكونت: أسرة مسلمة، متماسكة، كالبنيان يشد بعضه بعضاً (٣)، وكانوا كالجسد الواحد: في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٤)، وكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً،

стр. 184

وكانوا يحبون لإخوانهم المسلمين ما يحبون لأنفسهم، إلى غير ذلك من ترابط الأسرة المسلمة وتماسكها. خامساً: انتشار الحب بين الأولاد: ومن نتائج وفوائد التربية الحسنة انتشار الحُب بين الأولاد، وذلك؛ لأنهم مؤدبون على طاعة الله ورسوله، ومن أطاع الله فإنه يحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما يبغضه الله ورسوله، فالله قد أمر بالتواصل والتراحم، والتعاطف، فهم ممتثلون لأمره ، ففي الصحيحين عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((ثَلَاثٌ من كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، من كان الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إليه مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كانَ يحبُّ المرء لَا يُحِبُّهُ إلا لله، ومنْ كانَ َيَكْرَهُ أَنْ يرجعَ في الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ الله منهُ، كما يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ)) (١). وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال ﷺ : ((مَنْ أحَبَّ لله، وأبْغَضَ لله وأعطَى للهِ، ومنَعَ لله، فقَدِ استكمَلَ الإيمانَ)) (٢).

стр. 185

وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال ﵊: ((أوْثَق عُرَى الإيمانَ: الحبّ في الله، والبُغْضُ في الله)) (١). وعبد الله الصادق في إيمانه: هو من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله ورسوله، هذا هو الذي استكمل الإيمان (٢). قال الله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ (٣). فنتائج التربية الحسنة وفوائدها عظيمة وجمة: فهم متراحمون، متعاطفون فيما بينهم، ومتحابون، وليس حبهم بينهم فحسب، بل يحبون كل من كان يحب الله ورسوله، فهم يحبون لله ويبغضون له سبحانه.

стр. 186

المبحث الثاني والعشرون: مضار التربية السيئة أولاً: عقوق الوالدين: الآباء الذين لم يعتنوا بتربية أولادهم التربية الإسلامية سوف يجدون ما قدموا لأنفسهم في حياتهم وبعد وفاتهم، إلا من عصم الله ورحم، ففي الدنيا العقوق وعدم البر والصلة، وفي الآخرة يكون هذا الأب مسؤولاً أمام الخالق ﵎ عن الإهمال الذي قام به نحو أولاده، وكذلك إذا توفي الوالد وخلَّف أولاداً فسَّاقاً فإنه لا ينتفع منهم بعد موته؛ لأنهم قد لا يبتعدون عن الجرائم والآثام، فإذا فعلوا ذلك فيستبعد أن يدعوا لوالديهم، والصلاح شرط لقبول العمل وإيصاله إلى والد الولد ((ولدٌ صالحٌ يدعو له)). وقد ورد في قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رَغِمَ أنفُهُ، رَغِمَ أنفُهُ، رَغِمَ أنفُهُ)) قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: ((مَنْ أدْرَكَ والِدَيهِ عِنْدَ الكِبَر أحَدَهُما أو كِلاهُما، ثم لم يدخل الجنَّةَ)) (١). وعن المغيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وقال، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)) (٢).

стр. 187

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مِنَ الكبائرِ شَتْمُ الرَّجل والدَيْهِ)) قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: ((نَعم، يَسُبُّ أبَا الرَّجل فيسبُّ أباه، ويَسبُّ أمّهُ فيسب أمّه)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خَلَقَ الله الْخَلْقَ فلما فَرَغَ منه قَامَتِ الرَّحِمُ، فقال: مَهْ؟ قالت: هذا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ من الْقَطِيعَةِ. فقال: ألا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ من وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ من قَطَعَكِ؟ قالت: بَلَى يا رَبِّ! قال فَذَلِك لكِ)) (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الرَّحِمُ معلَّقةٌ بالعَرْشِ، تقول: مَنْ وَصَلَني وصَلَهُ الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعَهُ الله)) (٣). وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخُل الجنَّةَ قاطِعٌ)) (٤).

стр. 188

فلهذه الأحاديث الصحيحة تحرم القطيعة والعقوق، والغالب أن الأولاد الذين لم يتربوا على الأخلاق الفاضلة يقعون في ما ذُكِر وغيره من المحرمات؛ لأنه لا يوجد عندهم تحصين عن هذا، والمعصوم من عصم الله، ولكن هذا في الغالب، والله أعلم. ثانياً: الرجولة الناقصة والأ نوثة الناقصة: سبق أن عرفنا الرجولة الصالحة، والأنوثة الصالحة، وتبيَّن لنا أثر التربية الحسنة، أما الآن فأتناول أثر التربية السيئة، وما يترتب على هذه التربية وبسببها يخرج رجال ناقصو الرجولة، وبنات ناقصات الأنوثة. فلا شك أن التربية هي الأساس الذي يُبنى عليه المجتمع المسلم. ولقد أخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : ((كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أو يُمَجِّسَانِهِ)) (١). فلهذا نجد أولاداً فاسقين في الغالب من الآباء الفاسقين، وذلك لأن هؤلاء الآباء لم يهتموا بأنفسهم ولا بأولادهم من الناحية المعنوية، فنجد أن الولد يحاول تقليد النساء، والبنت تحاول تقليد الرجال، وما ذلك إلا لعدم التربية الإسلامية، ومن ثم عدم الإيمان الكامل، وقد سبق وأن ذكرت قبل هذا حديث اللعن لمن تشبه من

стр. 189

الرجال بالنساء، ولمن تشبه من النساء بالرجال، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صِنْفَانِ من أَهْلِ النَّارِ لم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بها الناس، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رؤوسهن كأسنة الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، ولا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ من مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)) (١). وهذا الحديث من علامات صدق الرسول ﷺ ، فقد وقع بعد أربعة عشر قرناً من الهجرة النبوية، وهو معجزة من معجزات الرسول ﷺ ، فقد تكشَّفت النساء إلا من رحم ربي، وقد رأينا النساء اللائي قل حياؤهن يلبسن ملابس خفيفة أو ملابس قصيرة، حتى وصل الأمر إلى أقبح من هذا، فرأينا نساء يمشين مع رجالهن وقد أسبل رجالهن الثياب وهي تكنس الشوارع من طولها، أما نساؤهم فقد رفعن ثيابهن إلى أنصاف الساقين أو الركبتين، كاشفة رأسها، وعنقها، وصدرها، ومبدية زينتها أمام الرجال الأجانب، فأصبح الأمر بالعكس، فإنا لله وإنا إليه راجعون!! وما ذلك إلا بسبب التربية السيئة التي قامت بعيدة عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وسوء معاملة الأبوين للولد، من الأمور التي يكاد يجمع علماء التربية عليها، إن الولد إذا عومل من قبل أبويه ومربيه المعاملة

стр. 190

القاسية وأدب بالضرب الشديد والتوبيخ في غير محله، وكان التحقير والازدراء موجهاً من الآباء والتشهير والسخرية فإن ردود الفعل ستظهر في سلوكه وخُلُقه، وإن مظاهر الخوف والانكماش، ستبدو في تصرفاته وأفعاله، وقد يؤول به الأمر إلى الانتحار حيناً، أو إلى مقاتلة أبويه أحياناً، أو إلى ترك البيت نهائياً، متخلصاً مما يعانيه من القسوة الظالمة والمعاملة الأليمة، فلا عجب – وهذه الحالة – أن نراه في المجتمع مجرماً وفي هذه الحياة شاذاً ومنحرفاً!! ولا عجب أن ينشأ على الاعوجاج والميوعة والانحلال. ثالثاً: الأخلاق الفاسدة غير الحميدة: إن التربية السيئة التي لم تعتمد على الهدي النبوي الشريف لا بد وأن تكون ناقصة، وينتج عنها أخلاق فاسدة غير مرضية، وقد قال الله ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُون﴾ (١). وقال تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ (٣). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذَا رَأَيْتَ الله

стр. 191

يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فإنَّما هَوَ اسْتِدْراجٌ))، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون﴾ (١). وغير ذلك من النصوص التي وردت في الشرع تدل على ذم الأخلاق السيئة، والأبناء الذين لم يُعلَّموا الأخلاق الحميدة: أخلاق الرسول ﷺ ، فكيف يعرفون أخلاقه وهم لم يعلَّموا ولم يوجَّهوا التوجيه السليم؟ فهم عند آباءٍ فاسقين، وأمهات لا يخفن الله ولا يراقبنه، فمن هذه الغباوة ظهر أولاد فاسدون واستحبوا الأخلاق الرذيلة على الأخلاق الحميدة، واستحبوا: الكذب على الصدق، والأمانة، والنفاق على الإخلاص، واستحبوا: الإسراف، والبخل على الكرم، والاقتصاد، واستحبوا: التكبر، والإعجاب على التواضع، ولين الجانب، وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة الناتجة عن سوء التربية. رابعاً: أسرةٌ منحلَّة غير ملتزمة بشرع الله: من نتائج التربية السيئة تفكك الأسرة وانحلالها وفساد أخلاقها، وذلك؛ لأن التربية الإسلامية هي أساس الأخلاق، والفضائل، فعند المراهقة للأولاد والبنات تنتشر الأخلاق الرذيلة

стр. 192

وتتفرق الأسرة ولم يعد يضم البيت العائلي عدداً من الأسرة بحيث يجمع بين الجد وأولاده، وحفدته وزوجاتهم، فالزوج يعيش مستقلاً عن زوجته في معاشه ومهنته، والمرأة تنطلق في العمل، ولم يعد لديها الفراغ الكافي لتربية أطفالها، وقامت مقامها مدارس رياض الأطفال، وأخذت تزاحم الرجال جنباً إلى جنب (١)، والبنت ذهبت مع صديقها للنزهة، والولد يذهب مع أقرانه الخبثاء، هذا بالنسبة للأسرة المنحلة انحلالاً كاملاً، أما ما دون ذلك فإنه يظهر في بعض الأسر التي لم تحض على التربية الإسلامية ولا على تعاليم الدين الصحيح، فنجد مثلاً عدداً من البنات يقبعن في بيوت آبائهن عوانس، بدون زواج، فالفتيان يقفون اليوم من الفتيات موقفاً لا يدل على إقبالهم عليهن، ورغبتهم فيهن؛ لأن مشكلة الجنس قد حلتها الأوضاع المتفككة المنحلة للأسرة، والمجتمع، وذلك لرغبة آباء البنات في المال الكثير، فكأن الفتاة سلعة، والزواج تجارة، فما على صاحب السلعة إلا أن يحتال ويساوم الشاري، ويشغل رغبته، وحاجته ليقبض أكبر ثمن ممكن لهذه السلعة، ولا يسأل والد الفتاة عن دين الرجل ولا أمانته، وإنما الذي يسأل عنه كم مع هذا من المال، وما له من حوانيت وأملاك!! إلخ (٢). فيسبب هذا ضياع الأسرة، وقد تحدث أمور لا يرضاها

стр. 193

المسلم، وما ذلك إلا لعدم التمسك بالشريعة الإسلامية وعدم التربية الإسلامية الصحيحة، التي على أساس من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ (١). وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عنها بَعْدِي إلا هَالِكٌ)) (٢). أو كما قال ﷺ . وينتج من تفكك الأسرة والانحلال أمور كثيرة، ومن هذه الأخلاق الرذيلة التكبر على المسلمين، فعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال ﷺ : (( ... وإنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلي أَنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ، ولا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ)) (٣). والبغي هو التعدي والاستطالة. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذَا قالَ الرجل:

стр. 194

هَلَكَ النَّاس فهوَ أهلَكهُمْ)) (١). وعن أبي خراش ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً فهوَ كسفكِ دَمِهِ)) (٢). خامساً: وجود العداوة بين الأولاد: إن من مضار التربية السيئة وجود العداوة بين الأولاد ونفور بعضهم من بعض، وذلك لأنه لا يوجد عندهم تراحم ولا تعاطف، ولا تكاتف فيما بينهم، فنجد الأخ قد لا يستأنس مع أخيه الذي من صلب أبيه، وما نتج هذا إلا عن سوء التربية التي تلقاها من أبيه أو مربيه، والله ﵎ قد نهى عن التباغض والعداوة سواء بين الأخوة الأشقاء أو بين المسلمين عموماً، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٣). وقال سبحانه في صفات المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤). وقال : ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء

стр. 195

عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (١). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا تَبَاغَضُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَقَاطَعوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاث)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ويوم الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يشرك بالله شَيْئًا، إِلا رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)) (٣). وفي رواية لمسلم: ((تُعرضُ الأعمال في كلِّ يومِ خميسٍ واثنين)) وذكر نحو الحديث السابق (٤). ونكتفي بهذه الأحاديث الصحيحة التي تحرم القطيعة والهجران فوق ثلاثٍ إلا لمن هجر لأجل الله، فلا إثم عليه إن شاءالله؛ لأن هجره من أجل أن يتوب من معصيته، فالأولاد الذين لم يدربوا على التراحم والتعاطف والتآلف يتصفون بالقطيعة والهجران إلا من رحم ربي، قال القائل:

стр. 196

وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه (١) فما على الأب إلا هداية الإرشاد والبيان، أما هداية القلب والجوارح فهي بيد الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، . ولا شك أن أسباب انحراف الأولاد كثيرة جداً، ولكن منها الأسباب الآتية: ١ - الفقر. ٢ - الطلاق. ٣ - الفراغ الذي يَتَحكَّمُ في الأطفال، وانتشار البطالة والجلوس بدون عمل. ٤ - القرناء الفاسدين، والخلطة الفاسدة. ٥ - سوء معاملة الوالدين للولد. ٦ - مشاهدة أفلام الجريمة والجنس. ٧ - تخلِّي الأبوين عن تربية الأولاد. ٨ - مصيبة اليتم. وهذه أسباب خطيرة تسبب الانحراف عن الصراط المستقيم إلا من عصم الله (٢). * ... * ... *

стр. 197

المبحث الثالث والعشرون: الهدي النبوي في تربية الشباب أولاً: مفهوم مرحلة الشباب: لقد ذكر الله هذه المرحلة في كتابه العزيز بالفتوة، كما في قوله عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (١). ووصفها بالقوة كما في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير﴾ (٢). ومرحلة القوة في هذه الآية التي تقع بين مرحلتي ضعف، هي مرحلة الشباب (٣). كما وردت الإشارة إليها بصفات أخرى: كالأشُد، كما في قوله : ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٤). والأشد هنا: الاحتلام كما قاله الشعبي ومالك وغير واحد من

стр. 198

السلف (١). وقيل: ((هو بلوغ سن الرشد والقوة)) (٢). وصفة الرشد وردت في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣). في هذه الآية دلالة واضحة على أن الرشد لا يكون قبل الاحتلام. وفي السنة المطهرة ورد ذكر هذه المرحلة بلفظ الشباب والفتيان وغيرهما، ومن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ)) (٤). وقال جندب بن عبد الله ﵁: ((كُنَّا مَعَ النبي ﷺ ، ونَحْنُ فِتْيان حزاوِرة (٥)، فتَعَلَّمنا الإِيمانَ قَبْلَ أنْ نَتَعلَّمَ القرآنَ، فازْدَدْنا به إِيماناً)) (٦).

стр. 199

وأما من حيث المعنى اللغوي فإن الشباب بمعنى: الفتاء والحداثة. يقال: شَبَّ الغُلاَمُ يَشِبّ شَبَاباً وشُبُوباً، وشَبِيباً، وأشبَّه الله، وأشبَّ الله قرنه، بمعنىً، والاسم الشبيبة، هو خلاف الشيب. والشباب جمع شَابٍّ وكذلك شُبَّانُ وشَبَبَةٌ. وشباب الشيء أوله، يقال: لقيت فلاناً في شباب النهار، أي في أوله (١). وكلمة (شاب) تعني في أصلها اللغوي النماء والقوة. يقول ابن فارس: ((الشين والباء أصل واحد يدل على نماء الشيء وقوته، في حرارة تعتريه)) (٢). ولتحديد مرحلة الشباب فهي من حيث البداية تتبين مما يأتي: قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (٣). وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رُفِعَ القَلَمُ عَن ثلاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقِظ، وعَنِ الصَّبيِّ حتَّى يَشبّ، وعَنِ المَعْتوهِ حتَّى يَعْقِل)) (٤).

стр. 200

وبالنظر إلى هذه النصوص نجد أن الله سمَّى الإنسان قبل الاحتلام طفلاً. وفي حديث ابن مسعود ﵁ نجد أن الرسول ﷺ خاطب جماعة باسم الشباب، حاثًّا لهم على الزواج، ولا يكون الزواج إلا بعد الاحتلام. وفي حديث علي ﵁ نجد أن النبي ﷺ جعل بداية الشباب بلوغ الإنسان، وعلى هذا الأساس، فإن مرحلة الشباب تبدأ بالبلوغ. ومن حيث نهاية المرحلة فقد ورد فيها خلاف بين أهل اللغة، ومن ذلك: ما قاله الزبيدي عن محمد بن حبيب أن الشباب من سن السابعة عشرة إلى أن يستكمل إحدى وخمسين. وقيل: ((الشاب هو البالغ إلى أن يكمل ثلاثين)). وقيل: ((ابن ست عشرة إلى اثنتين وثلاثين)) (١). واعتبر أبو منصور الثعالبي في تقسيمه لأسنان الناس الشباب إلى سن الأربعين (٢). وعند بطرس البستاني، الشاب لغة: من يكون سنه بين الثلاثين

стр. 201

إلى الأربعين (١). وأما التحديد المختار لمرحلة الشباب فهو: من البلوغ (٢) حتى بلوغ سن الأربعين. وسبب هذا الاختيار أن الأصل اللغوي لكلمة الشباب يدل على أمرين: النماء والقوة. ونجد في القرآن الكريم أن سن الأربعين داخلة في هذا المعنى وأنها نهاية للنماء. كما في قوله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (٣). يقول ابن كثير ﵀: ﴿إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ .. أي قوي وشب وارتجل ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي تناهى عقله وكمل فهمه (٤). ثانياً: أهمية مرحلة الشباب: وأما أهمية هذه المرحلة فتعود إلى عدة سمات منها: ١ - الشباب: بداية التكليف: عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((رُفِعَ القَلَمُ عَن ثلاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقِظ، وعَنِ الصَّبيِّ حتَّى يَشبّ، وعَنِ المَعْتوهِ حتَّى

стр. 202

يَعْقِل)) (١). ومرحلة الشباب هي المرحلة التي يحصل فيها العلم والقدرة على التكليف الشرعي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢): ((الأمر والنهي، الذي يسميه العلماء التكليف الشرعي، مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء والصلاة قائماً، والصوم، وغير ذلك على من يعجز عنه)). ويقول (٣) أيضاً: ((تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحال، غير واقع في الشريعة، بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن تكمل فيه أداة العلم والقدرة، تخفيفاً عنه، وضبطاً لمناط التكليف، وإن كان تكليفه ممكناً، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذلك لأنه لم يتم فهمه، ولأن العقل يظهر في الناس شيئاً فشيئاً وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ)). ولما كانت مرحلة الشباب هي بداية سلوك طريق العبادة

стр. 203

الاختيارية التي تنبع من الإنسان نفسه، ويجري عليه القلم فيها بالحسنات والسيئات، فلا بد لهذا الشاب من رعاية خاصة تعينه على بداية سلوك الطريق، وتوضح له معالمه، وتذلل له مصاعبه، وتبين له زاده. حتى يسير الشاب إلى ربه آمناً مطمئناً على هُدًى وبصيرة. ٢ – الشباب: فترة القوة: يمر الإنسان في حياته بمراحل تتفاوت قوةً وضعفاً، فهو يخرج إلى الدنيا صغيراً ضعيفاً لا يعلم شيئاً، ثم يكبر شيئاً فشيئاً، ويقوى جسمه، وتنمو حواسه، ويزداد عقلاً وعلماً، حتى يبلغ أشده. قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (١). يقول ابن كثير ﵀ (٢): ((ذكر الله تعالى منته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، بعد هذا يرزقهم السمع الذي يدركون به الأصوات، والأبصار التي يحسون بها المرئيات، والأفئدة وهي العقول – التي مركزها القلب على الصحيح وقيل الدماغ – والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلاً قليلاً، كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده)).

стр. 204

ولكن هذه المرحلة من القوة لا تدوم مع الإنسان، بل إذا طال به العمر عاد مرة أخرى إلى الضعف، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُون﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀ (٣): يخرج من بطن أمه ضعيفاً نحيفاً واهن القوى، ثم يشب قليلاً قليلاً، حتى يكون صغيراً، ثم حدثاً، ثم مراهقاً، ثم شاباً وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص، فيكتهل، ثم يشيخ، ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة. وقال ابن جرير الطبري ﵀ (٤): أحدث لكم الضعف بالهرم والكبر عما كنتم عليه أقوياء في شبابكم، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاء﴾ يخلق ما يشاء: من ضعفٍ، وقوَّةٍ، وشبابٍ، وشيب. وقال ابن الجوزي (٥) ﵀ في قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ ضَعْفٍ

стр. 205

قُوَّةً﴾: يعني جعل بعد ضعف الطفولة قوة الشباب، ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الكبر وشيبه. وكما ورد في السنة ما يدل على أن الشباب مرحلة القوة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جمعت القرآن كله في ليلة. فقال رسول الله ﷺ : ((إنِّي أخْشَى أنْ يَطُولَ عَلَيْكَ الزَّمان، وأنْ تَمِلَّ فاقرأْهُ في شَهرٍ)). فقلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي. قال: ((فاقْرأهُ في عَشْرةٍ)) قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي. قال: ((فاقْرأهُ في سَبْعٍ)). قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي. فأبى (١). والقوة في هذه المرحلة في كل شيء: قوة في البدن، وقوة في الحواس، وقوة على العمل والتكسب، وقوة على طلب العلم. قال الإمام الشافعي (٢) ﵀: ولا ينال العلم إلا فتى ... خال من الأفكار والشغل لو أن لقمان الحكيم الذي ... سارت به الركبان بالفضل بُلِيَ بفقرٍ وعيالٍ لما ... فرَّق بين التبن والبقل

стр. 206

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵀: قلت لأبي: يا أبت، ما الحفاظ؟ قال: يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا (١). وكما أن مرحلة الشباب قوة في التعلُّم، فهي قوة في التعليم أيضاً. فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا عن رسول الله ﷺ قال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد (٢). ولما كانت مرحلة الشباب أيضاً مرحلة قوة في الشهوة الجنسية، لزم الاهتمام بها، وتحصين الشباب من الوقوع في المعصية، من أجل ذلك حرص الرسول ﷺ على تحصين شباب الصحابة ﵃، كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ شباباً لا نجد شيئاً، فقال لنا رسول الله ﷺ : ((يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ، وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنَّه لهُ وِجَاءٌ)) (٣).

стр. 207

وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب (١). ومن هنا يتأكد الاهتمام بالشباب من أولياء أمورهم ومن المربين والدعاة، والسعي إلى تحصينهم، وأن يبعدوهم، ويبعدوا عنهم كل ما شأنه إثارة شهواتهم ووقوعهم فيما حرم الله عليهم. ٣ – الشباب: أفضل فترات العمر: تعود الأفضلية لهذه المرحلة لما يجتمع للإنسان فيها من القوة والنشاط، دون غيرها، ولما يتوافر له فيها من كمال الحواس، والقدرة على التعلم والكسب، ولكن هذه الأفضلية ليست مطلقة لكل الناس، بل وربما كانت بعض الفترات عند بعض الناس أفضل من فترة الشباب، وذلك عندما يتحقق له في تلك المرحلة قوة الإيمان ودوام الصلة بالله ، ففي هذه الحال تكون الأفضلية الحقيقية. وتكتمل الأفضلية عندما تجتمع مرحلة الشباب مع قوة الإيمان فيها. ومما يدل على فضل هذه المرحلة أنها هي الحال التي يكون

стр. 208

عليها أهل الجنة، لما ورد عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ينادِي مُنَادٍ، إنَّ لَكُم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَداً، وإنَّ لكُم أنْ تَحْيوا فلا تَمُوتُوا أبَداً، وإنَّ لكُم أن تَشبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبَداً، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَنْعَمُوا فلا تبأسُوا أبَداً)) (١). وراحة الحياة وبهجتها في الدنيا غالباً ما تكون في مرحلة الشباب، فهي مرحلة يتطلع الصغير أن يصل إليها، ويتمنى الكبير أن يرجع إليها، هي مرحلة بكى عليها الشيوخ وتغنَّى بها الشعراء، كما يقول أبو العتاهية: بكيتُ على الشبابِ بدمعِ عيني ... فلم يُغن البكاء ولا النحيب فيا أسفاً أسفت على الشباب ... نعاه الشيبُ والرأس الخضيبُ عريت من الشباب وكنت غضًّا ... كما يعرى من الورق القضيب فيا ليت الشبابَ يعود يوماً ... فأخبره بما فعل المشيب (٢) ويقول فتيان الشاغوري نادماً على شبابه ومتلهفاً على لهو الشباب وعصره (٣).

стр. 209

هريق شبابي واستشن لشقوتي ... أديمي فلم أملك شباباً ولا وفرا (١) تبين لي خيط من الفجر ناصع ... إلى جنب خيط حالك وخط الشعرا (٢) واللهو الباطل مذموم في هذه المرحلة وفي غيرها من المراحل، ولكن المقصود هو استمتاع الشباب بطيبات الحياة. فهذا جابر بن عبد الله ﵁ لما تزوج سأله رسول الله ﷺ قائلاً: ((هل تزوَّجتَ بِكْراً أمْ ثَيِّباً؟)). قال جابر: تزوجت ثيباً. قال: ((فهلا تَزوَّجْتَ بِكراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك)) (٣). وعن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عَلَيْكُم بالأبْكارِ، فإنَّهُنَّ أعْذَبُ أفْواهاً، وأنْتَقُ أرْحاماً، وأرضَى باليسير)) (٤).

стр. 210

٤ – الشباب: أطول مراحل العمر: إذا كان عمر الإنسان في هذه الأمة بين الستين والسبعين إذا أطال الله عمره، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعْمارُ أمَّتِي ما بَيْنَ السِّتِّين إلى السَّبعين، وأقلَّهم مَنْ يَجُوزُ ذلكَ)) (١). فإن الوسط الحسابي لهذين العددين (٦٠، ٧٠) هو ٦٥ سنة. وإذا كان زمن سن الغلومية هو من الولادة حتى سن الشباب (٢). وسن الشباب من الرابعة عشرة – غالباً – إلى الأربعين حسب التعريف السابق. ثم زمن الكهولة من انتهاء فترة الشباب (٣) إلى تمام الخمسين (٤). ثم الشيخوخة من بعد الخمسين إلى آخر العمر، فمرحلة

стр. 211

الشباب هي أطول هذه المراحل، ويمكن توضيح هذه النسب بالجدول والرسم البياني الآتي: جدول يبين النسب المئوية لمراحل العمر (١) المرحلة ... السنوات ... السنوات ... النسبة المئوية الغلومية ... من الولادة ... إلى ١٣ ... ٢٠ الشباب ... من ١٤ ... إلى ٤٠ ... ٤١.٥ الكهولة ... من ٤١ ... إلى ٥٠ ... ١٥.٤ الشيخوخة ... من ٥١ ... إلى الوفاة ... ٢٣.١ المجموع ... ١٠٠ ثالثاً: تعامل النبي ﷺ مع الشباب: ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في تعامله مع الناس عامة، ومع الشباب خاصة، قبل البعثة وبعدها مما حبب الناس إليه، وألَّفهم عليه. وقد وصف شباب الصحابة ﵃ خلق رسول الله ﷺ وكان مما قالوا فيه: كان ﵊ أحسن الناس خُلُقاً، لم يكن فاحشاً، ولا متفحِّشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح (٢). ولا يكاد يواجه أحداً في وجهه بشيء

стр. 212

يكرهه (١). وما ضرب شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله (٢)، وإذا استسلف سلفاً قضى خيراً منه (٣)، وما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال لا (٤). وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (٥). رابعاً: مواقف النبي ﷺ مع الشباب في التربية: من مواقفه ﷺ مع الشباب التي تدل على حسن خلقه معهم المواقف الآتية: ١ - الرفق بهم والشفقة عليهم عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتينا النبي ﷺ

стр. 213

ونحن شببه متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رقيقاً (١) رحيماً، فقال: ((ارْجِعُوا إلى أهْلِيكُمْ فعَلِّمُوهم ومُرُوهُم، وصَلُّوا كَمَا رأيْتُمونِي أصَلِّي، وإذَا حَضَرتِ الصَّلاة فليؤذِّنْ لَكُمْ أحَدَكُم، ثمَّ ليؤُمَّكُمْ أكبَرُكُم)) (٢). وانظر إلى شفقته ﷺ لما طلع عليه مصعب بن عمير ﵁ - وما كان بمكة أحسن منه ولا أنعم نعمة منه - وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم (٣). وهذا أنس بن مالك ﵁ يروي حاله مع رسول الله ﷺ فيقول: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ (٤) قط، وما قال لشيء صنعته، لِمَ صنعته؟! ولا لشيء تركته: لمَ تركته؟! وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقاً، ولا مسست خزًّا قط (٥) ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكاً قط، ولا

стр. 214

عطراً كان أطيب من عرق النبي ﷺ (١). في هذا الحديث دليل على أن للاهتمام بحسن المظهر وطيب الرائحة أثره على المدعوين. ٢ - الابتسام لهم والترحيب بهم عن جرير بن عبد الله قال: «ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((سَيَأتِيكُم أقْوَامٌ يَطْلُبُونَ العِلْمَ، فإذَا رَأيْتُمُوهُم فقُولُوا لَهُمْ: مَرْحباً مَرْحباً بِوَصِيَّةِ رسول الله ﷺ واقْنُوهم)) (٣). ٣ - الشراء منهم وإكرامهم بزيادتهم في الربح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت مع النبي ﷺ في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا (٤)، فأتى عليَّ النبي ﷺ فقال: ((جابر؟)) فقلت: نعم، قال: ((ما شَأنُك؟)) قلت: أبطأ عليَّ جملي وأعيا، فتخلفت، فنزل

стр. 215

يحجنه بمحجَنِه (١) ثم قال: ((اركَب)) فركبته، فلقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ ... إلى أن قال: ((أتَبِيعُ جَملَك؟)) قلت: نعم، فاشتراه مني بأوقية، ثم قدم رسول الله ﷺ قبلي وقدمت بالغداة، فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال: ((الآن قَدِمْتَ؟)) قلت: نعم، قال: ((فدَع جملَك، فادخل، فصلِّ ركعتين))، فدخلت فصليت، فأمر بلالاً أن يزن له أوقية، فوزن لي بلال فأرجح في الميزان، فانطلقت حتى وليت، فقال: ((ادعو لي جابراً)) قلت: الآن يرد عليَّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليَّ منه، فقال: ((خُذْ جَمَلَكَ، ولَكَ ثَمَنُه)) (٢). ٤ - تقديرهم واحترام حقوقهم عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه - وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ - فقال للغلام: ((أتَأذَن لِي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟)) فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أؤثر بنصيبي منك أحداً، قال: فتله (٣) رسول الله ﷺ في يده (٤).
следующие страницы →