الشباب هي أطول هذه المراحل، ويمكن توضيح هذه النسب بالجدول والرسم البياني الآتي:
جدول يبين النسب المئوية لمراحل العمر (١)
المرحلة ... السنوات ... السنوات ... النسبة المئوية
الغلومية ... من الولادة ... إلى ١٣ ... ٢٠
الشباب ... من ١٤ ... إلى ٤٠ ... ٤١.٥
الكهولة ... من ٤١ ... إلى ٥٠ ... ١٥.٤
الشيخوخة ... من ٥١ ... إلى الوفاة ... ٢٣.١
المجموع ... ١٠٠
ثالثاً: تعامل النبي ﷺ مع الشباب:
ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في تعامله مع الناس عامة، ومع الشباب خاصة، قبل البعثة وبعدها مما حبب الناس إليه، وألَّفهم عليه.
وقد وصف شباب الصحابة ﵃ خلق رسول الله ﷺ وكان مما قالوا فيه: كان ﵊ أحسن الناس خُلُقاً، لم يكن فاحشاً، ولا متفحِّشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح (٢). ولا يكاد يواجه أحداً في وجهه بشيء
стр. 212
يكرهه (١). وما ضرب شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله (٢)، وإذا استسلف سلفاً قضى خيراً منه (٣)، وما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال لا (٤). وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (٥).
رابعاً: مواقف النبي ﷺ مع الشباب في التربية:
من مواقفه ﷺ مع الشباب التي تدل على حسن خلقه معهم المواقف الآتية:
١ - الرفق بهم والشفقة عليهم
عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتينا النبي ﷺ
стр. 213
ونحن شببه متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رقيقاً (١) رحيماً، فقال: ((ارْجِعُوا إلى أهْلِيكُمْ فعَلِّمُوهم ومُرُوهُم، وصَلُّوا كَمَا رأيْتُمونِي أصَلِّي، وإذَا حَضَرتِ الصَّلاة فليؤذِّنْ لَكُمْ أحَدَكُم، ثمَّ ليؤُمَّكُمْ أكبَرُكُم)) (٢).
وانظر إلى شفقته ﷺ لما طلع عليه مصعب بن عمير ﵁ - وما كان بمكة أحسن منه ولا أنعم نعمة منه - وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم (٣).
وهذا أنس بن مالك ﵁ يروي حاله مع رسول الله ﷺ فيقول: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ (٤) قط، وما قال لشيء صنعته، لِمَ صنعته؟! ولا لشيء تركته: لمَ تركته؟! وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقاً، ولا مسست خزًّا قط (٥) ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكاً قط، ولا
стр. 214
عطراً كان أطيب من عرق النبي ﷺ (١).
في هذا الحديث دليل على أن للاهتمام بحسن المظهر وطيب الرائحة أثره على المدعوين.
٢ - الابتسام لهم والترحيب بهم
عن جرير بن عبد الله قال: «ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((سَيَأتِيكُم أقْوَامٌ يَطْلُبُونَ العِلْمَ، فإذَا رَأيْتُمُوهُم فقُولُوا لَهُمْ: مَرْحباً مَرْحباً بِوَصِيَّةِ رسول الله ﷺ واقْنُوهم)) (٣).
٣ - الشراء منهم وإكرامهم بزيادتهم في الربح
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت مع النبي ﷺ في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا (٤)، فأتى عليَّ النبي ﷺ فقال: ((جابر؟)) فقلت: نعم، قال: ((ما شَأنُك؟)) قلت: أبطأ عليَّ جملي وأعيا، فتخلفت، فنزل
стр. 215
يحجنه بمحجَنِه (١) ثم قال: ((اركَب)) فركبته، فلقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ ... إلى أن قال: ((أتَبِيعُ جَملَك؟)) قلت: نعم، فاشتراه مني بأوقية، ثم قدم رسول الله ﷺ قبلي وقدمت بالغداة، فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال: ((الآن قَدِمْتَ؟)) قلت: نعم، قال: ((فدَع جملَك، فادخل، فصلِّ ركعتين))، فدخلت فصليت، فأمر بلالاً أن يزن له أوقية، فوزن لي بلال فأرجح في الميزان، فانطلقت حتى وليت، فقال: ((ادعو لي جابراً)) قلت: الآن يرد عليَّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليَّ منه، فقال: ((خُذْ جَمَلَكَ، ولَكَ ثَمَنُه)) (٢).
٤ - تقديرهم واحترام حقوقهم
عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه - وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ - فقال للغلام: ((أتَأذَن لِي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟)) فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أؤثر بنصيبي منك أحداً، قال: فتله (٣) رسول الله ﷺ في يده (٤).
стр. 216
٥ – دعاؤهم بأحب الأسماء إليهم وإدخال السرور عليهم
كان رسول الله ﷺ يدعو عليًّا بأبي تراب. فعن سهل بن سعد ﵁ قال: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي به (١). كما أنه ﵊ يغير الأسماء القبيحة إلى أحسن منها، كما غير اسم سهل بن سعد من حزن إلى سهل، وعاصية إلى جميلة، وبرة إلى جويرية (٢).
٦ – تهوين ما يحزنهم
لما توفي والد جابر بن عبد الله ﵄ وحزن عليه جابر وازداد همه لما ترك والده من عيال ودين، لقيه الرسول ﷺ على هذه الحال فقال: ((يا جابرُ، مَا لي أراكَ منْكَسِراً؟)) قالَ جابر: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: ((أفَلا أبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بهِ أبَاكَ؟)) قال: بلى يا رسول الله، قال: ((ما كَلَّمَ الله أحداً قَطّ إلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجاب، وكَلَّمَ أبَاكَ كِفَاحاً، فقالَ: يا عَبْدِي، تَمَنَّ عليَّ أُعْطِكَ، قال: يا ربِّ تُحْيينِي فأُقْتَل فيكَ ثانيةً، فقالَ الربُّ سبحانه: إنَّه سَبَقَ مِنِّي أنَّهُم إليْهَا لا يَرْجِعُونَ. قالَ: يا ربِّ، فأبْلِغْ مَنْ وَرائِي، قال: فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ
стр. 217
أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ (١).
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل رسول الله ﷺ أحد عن الدجال أكثر مما سألته عنه، فقال لي: ((أيْ بُنيَّ، وما يُنْصِبُك (٢) مِنْهُ إنَّه لَنْ يَضُرُّكَ)) قال: قلت: إنهم يزعمون أنه معه أنهار الماء وجبال الخبز، قال: ((هوَ أهْوَنُ على الله مِنْ ذَلكَ)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب فانْخَنَس منه (٤) فذهب فاغتسل ثم جاء، فقال: ((أيْنَ كُنْتَ يا أبَا هُريرة؟)) قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: ((سُبْحانَ الله، إنَّ المسلمَ لا يَنْجَس)) (٥).
٧ - إردافهم معه على الدابة
عن ابن عباس ﵄ أن أسامة ﵁ كان رِدف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى بجمرة العقبة (٦)، وكما كان عليه
стр. 218
الصلاة والسلام يردف معاذ بن جبل ﵁ كما علمنا من حديثه.
٨ – قضاء حاجاتهم
عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : ((اللهمَّ اهْدِ أمَّ أبي هُريرة)). فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مُجَافٌ (١)، فسمعت أمي خَشْفَ قدمي (٢)، فقالت: مكانك! يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة (٣) الماء، قال: فاغتسلتْ، ولَبِست دِرْعَها، وعجلت عن خِمَارِها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، «فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيراً». قال: قلت يا رسول الله، ادع الله أن يُحبِّبني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : ((اللهمَّ حَبِّبْ عُبَيْدكَ هذا – يعني أبا هريرة
стр. 219
– وأُمَّه إلى عبادِك المؤمنينَ، وحَبِّبْ إليْهِم المؤمنينَ)) فما خُلِقَ مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبَّني (١).
٩ – عيادة مرضاهم
عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كان غلام يهودي يخدم رسول الله ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: ((أَسْلِم)) فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: ((الحمدُ للهِ الذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)) (٢).
خامساً: ترغيب الشباب في حسن الخلق
كان النبي ﷺ يحرص على هذا الجانب النفسي لدى الشباب، ليرغبهم في حسن الخلق والآداب الحسنة، وله ﷺ مع الشباب مواقف كثيرة لا يتسع المقام لحصرها، ولكن منها المواقف الآتية:
١ – حسن الأخلاق أحب الناس إلى رسول الله ﷺ -
عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ مِنْ أحَبِّكُم إليَّ، وأقرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَومَ القِيامَةِ أحَاسِنَكُمْ أخْلاقاً، وإنَّ أبْغَضَكُمْ إليَّ، وأبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَومَ القِيامَةِ الثَّرثَارونَ (٣) والمُتَشَدِّقونَ (٤)، والمُتَفِيْهِقون)). قال: ((المتكبرون)) (٥).
стр. 220
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ألا أخْبِرُكُم بأحَبِّكُمْ إليَّ، وأقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَومَ القِيامَة؟))، فسكت القوم، فأعادها مرتين أو ثلاثاً. قال القوم: نعم يا رسول الله، قال: ((أحْسَنُكُم خُلُقاً)) (١).
ولا شك أن الحصول على محبة الرسول ﷺ ، والقرب منه يوم القيامة، من الأهداف التي يسعى إليها المؤمن. كما سأل ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ رسول الله ﷺ بقوله: أسألك مرافقتك في الجنة (٢).
وعندما قال الرسول ﷺ في غزوة خيبر ((لأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتحُ الله عَلى يَدَيْهِ، يحبُّ الله ورسُولَهُ، ويُحبُّهُ الله ورسولَه)) (٣)، يقصد علي بن أبي طالب ﵁. استشرف الصحابة ﵃ كلهم يرجو أن يُعطاها، رغبة منهم في أن يكونوا من أهل تلك الصفة.
ولا شك أن واحدة من الخصلتين: أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، كافية لترغيب المؤمن في العمل اللازم لها، وهو
стр. 221
حسن الخلق.
٢ – حُسْنُ الخُلُق يُحرِّم على النار
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أُخْبِرُكُم بِمَنْ يَحرُم علَى النَّارِ، وبمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار؟ عَلَى كلِّ قَرِيبٍ هيِّنٍ سَهْلٍ)) (١).
إن النجاة من النار مطلب للؤمن، فإذا أدرك أن هذا مترتب على التواضع وخفض الجناح، أسرع لتحقيقه، لنيل مطلوبه.
٣ – الصدق يهدي إلى البر
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عَلَيْكُم بالصِّدْقِ؛ فإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةَ، وما يَزَال الرَّجُلَ يَصْدُقُ ويَتَحرَّى الصِّدْقَ حتَّى يُكْتَبَ عنْدَ الله صِدِّيقاً. وإيَّاكُم والكَذِب؛ فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورَ، وإنَّ الفُجَورَ يَهْدي إلى النَّارِ. وما يزالُ العبدُ يَكْذَبُ ويتَحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتَبَ عندَ الله كَذَّاباً)) (٢).
إن معرفة الشباب المؤمن أن الصدق طريق موصل إلى الجنة، يرغِّبهم فيه، ويحثهم عليه. كما أن معرفتهم بأن الكذب طريق إلى
стр. 222
النار فهذا يحذرهم منه، ويبعدهم عنه.
٤ - الحب في الله طريق الجنة
ويرغب الرسول ﷺ الشباب وغيرهم بالتحاب بينهم، وإفشاء السلام، مبيناً أن ذلك هو طريق الجنة التي يسعى المؤمن للفوز بها.
حيث يقول فيما رواه أبو هريرة ﵁: ((لا تَدْخُلوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شيءٍ إذَا فَعَلْتُموهُ تَحَابَبْتُم؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُم)) (١).
٥ - ثمرة الورع والقناعة ومحبة الناس
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبَا هُريرةَ! كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أعْبَدَ النَّاس، وكُنْ قَنِعاً تَكُنْ أشْكَرَ النَّاس، وأحِبَّ للنَّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤمِناً، وأحْسِنْ جِوارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسلماً، وأقِلَّ الضَّحِكَ فإنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكَ تُمِيتُ القَلْبَ)) (٢).
٦ - ترغيب الشباب في أبواب الخير
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: ((لقَدْ سألتَ عَظِيماً، وإنَّه ليسيرٌ علَى مَنْ يَسَّرهُ الله عليه: تَعْبُدَ الله لا تُشْرك بِهِ شَيئاً، وتُقيمُ
стр. 223
الصَّلاةَ، وتُؤتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمضانَ، وتَحِجُّ البَيْتَ)) ثم قال: ((ألا أدُلُّكَ علَى أبْوابِ الخَير؟ الصَّومُ جُنَّة، والصَّدَقةُ تُطْفئُ الخَطيئة، كَما يُطفئُ النارَ المَاءُ، وصلاةُ الرَّجُل في جَوْفِ الليْل)). ثم قرأ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. ثم قال: ((ألا أُخْبِرك بِرَأسِ الأمرِ وعُمودِه وذروَةِ سِنَامهِ؟ الجهَادُ)). ثم قال: ((ألا أخْبركَ بمِلاكِ ذلكَ كُلِّه؟)) قلت: بلى. فأخذَ بلسانه فقال: ((كفَّ عَلَيْكَ هذَا)) قلت: يا نبي الله وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ((ثَكَلَتْكَ أمّك يا معاذ، هل يكبَّ النَّاسَ عَلَى وجوهِهم في النَّارِ إلا حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِم؟!)) (١).
سادساً: إرشاد النبي ﷺ الآباء في التأديب
تأديب الشباب هو حلقة من سلسلة مراحل التأديب التي تبدأ في الصغر. وفي هذه المرحلة – بداية التأديب – تقع المسؤولية كاملة على الأبوين، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ إذ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((ألاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: فالإمامُ الأعظمُ الذي عَلَى النَّاسِ راعٍ، وهوَ مَسؤولٌ عنْ رعيَّتهِ: والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِه، وهوَ مسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والمَرْأةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، وهيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُم، وعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ علَى مالِ سَيِّدِهِ، وهوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، ألا فكُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ
стр. 224
رَعِيَّتهِ)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَا مِنْ مَولودٍ إلا ويُولَدُ علَى الفِطْرةِ، فأبَوَاهُ يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه، كما تُنتجُ البَهيمةُ بهيمةً جَمْعاء، هل تحسُّون فيها مِنْ جَدعاء)) (٢).
ويحذر رسول الله ﷺ من أهمل رعيته كما ورد في حديث معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرعيهِ الله رَعِيَّةً فلَمْ يُحِطْهَا بِنُصحِهِ [إلا] لمْ يَجِد رائِحَةَ الجَنَّةِ)) (٣).
كما وردت التوجيهات القرآنية من المولى جل وعلا كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٤).
فإذا كان الأب يخاف على ابنه من نار الدنيا، ويضع الاحتياطات اللازمة لذلك، فخوفه عليه من نار الآخرة يجب أن يكون أشد، وصيانته منها هو تأديبه وتهذيبه وتعليمه القيام بحقوق الإسلام. عن علي ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
стр. 225
نَارًا﴾ أدبوهم وعلموهم (١). وفي هذا المعنى أيضاً يخاطب الله نبيه قائلاً: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢).
ويوصي الله المؤمنين بأولادهم كما في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (٣).
كما يذكر الله في سورة لقمان أنموذجاً من نماذج تأديب الآباء للأبناء، ويتمثل ذلك في وصايا لقمان ﵇ لابنه (٤).
سابعاً: وصايا النبي ﷺ للشباب في الآداب
أوصى النبي ﷺ الشباب بوصايا كثيرة، منها الوصايا الآتية:
١ - لا تصاحب إلا مؤمناً .
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع الرسول ﷺ يقول: ((لا تُصاحِب إلا مُؤْمناً، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إلا تَقِيٌّ)) (٥).
الشباب في هذه المرحلة وخاصة في بدايتها أحوج ما يكونون
стр. 226
إلى النصيحة والإرشاد في اختيار الأصحاب والجلساء.
ويضرب الرسول ﵊ للشباب مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحامِلِ الْمِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ، فحامِل المِسْكِ إمَّا أنْ يُحذيكَ وإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً طَيِّبةً، ونافِخِ الكِيرِ إمَّا أنْ يُحْرِقُ ثِيابَكَ وإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً خَبيثةً)) (١).
ولعظم تأثير الجليس على جليسه يقول : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المرءُ عَلى دِينِ خَلِيْلِهِ، فَلْيَنظُر أحَدَكُمْ مَنْ يُخَالل)) (٣).
والشاب خاصة أشد تأثراً بقرينه، ومن هنا تأتي أهمية اختيار
стр. 227
الصاحب، وإذا كان الفتى في هذه المرحلة لا يتمكن من المعرفة التامة بالصاحب المناسب الذي يسلم من شره، وينتفع بخيره. وهنا يأتي دور الداعية ببيان ذلك للشباب وإعانتهم عليه.
ذكر الغزالي شروط الصاحب فقال: ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلاً، حسن الخُلق، غير فاسق، ولا مبتدع ولا حريص على الدنيا.
أما العقل فهو رأس المال وهو الأصل، فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت. قال علي ﵁:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ما شاه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه (١)
وأما حسن الخلق فلا بد منه، إذ رب عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه، ولكن إذا غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن أطاع هواه، وخالف ما هو معلوم عنده، لعجزه عن قهر صفاته وتقويم أخلاقه، فلا خير في صحبته.
وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته؛ لأن من
стр. 228
يخاف الله لا يصرُّ على كبيرة. ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته، ولا يوثق بصداقته، بل يتغير بتغيير الأغراض.
وأما المبتدع ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدي شؤمها إليه، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة، فكيف تؤثر صحبته؟
وحسن الخُلُق قد جمعه علقمة العطاردي في وصيته لابنه، حين حضرته الوفاة.
قال: يا بني إذا عرضت لك صحبة الرجال حاجة، فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك.
اصحب من إذا مددت يدك بالخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن رأى سيئة سدَّها.
اصحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك. اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمراً أمرك، وإن تنازعتما في شيء آثرك (١).
٢ – أحسن خلقك للناس
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز (٢) أن قال: ((أحْسِنْ خُلُقكَ للناسِ يا معاذ بن جبل)) (٣).
стр. 229
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن معاذ بن جبل ﵁ أراد سفراً فقال: يا رسول الله، أوصني، قال: ((اعبُدِ الله ولا تُشْركْ بهِ شَيئاً)) قال: يا رسول الله، زدني، قال: ((إذَا سأْلْتَ فأحْسِن)) قال: يا رسول الله زدني. قال: ((استَقِمْ، ولتُحسِنَ خُلُقِك)) (١).
٣ – املك عليك لسانك
عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: ((امْلُك عَليكَ لِسانَك، وليسعَكَ بيتُكَ، وابكِ علَى خَطِيئتكَ)) (٢).
كما أوصى الرسول ﷺ الشاب معاذ بن جبل ﵁ بجملة من الأعمال ثم قال: ((ألا أخُبِركَ بمَلاكِ ذلِكَ كُلّه؟)) قال معاذ: بلى. فأخذ بلسانه وقال: ((تكفّ عَليْكَ هَذا)) قال معاذ: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ((ثَكَلَتْكَ أمُّك يا مُعاذ، هلْ يَكبُّ النَّاس على وجوهِهِم في النَّارِ إلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهم؟!)) (٣).
وهذه إشارة من الرسول ﷺ للشباب، إلى أن السلامة في كف
стр. 230
اللسان؛ لأن الكلام ترجمان، يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على رد شوارده، فحق على العاقل أن يحذر من زلَلِهِ، بالإمساك عنه، أو بالإقلال منه، فرحم الله امرءاً قال فَغَنِمَ، أو سكت فسَلِمَ.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: ((اللسان معيار أطاشه الجهل، وأرجحه العقل)).
وقال بعض الحكماء: ((الزم الصمت تعد حكيماً، جاهلاً كنت أو عالماً)).
وقال بعض الأدباء: سعد من لسانه صموت، وكلامه قوت (١).
وليعلم الشاب أنه إذا أراد أن يتكلم. فإن للكلام شروطاً هي:
١ - أن يكون للكلام داع يدعو إليه: إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرر.
٢ - أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.
٣ - أن يقتصر منه على قدر الحاجة.
٤ - أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.
٤ - لا تتبع النظرة النظرة
عن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: ((يا عليّ لا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فإنَّ لكَ الأولى ولَيْسَت لكَ الآخِرَةُ)) (٢).
стр. 231
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري (١).
ما أحوج الشباب إلى مثل هذه النصيحة، والتأكيد عليها لاجتماع شهواتهم وكثرة الفتن في هذا الزمان، وإذا كان الشاب غير متزوج، كانت الحاجة أشد، لما في النظر عليه من الخطر.
قال ابن القيم ﵀: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان. فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل: ((الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده)) ولهذا قال الشاعر:
كل الحوادث مبدؤها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت في قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر
والعبد ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغير موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحباً بسرورٍ عاد بالضرر (٢)
стр. 232
٥ - البداءة باليمين
يُوصي رسول الله ﷺ الشباب بالتيمن، في أكلهم وشربهم وتنعلهم، وفي كل أمورهم، كما هي حاله. عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذَا أكَلَ أحدكُمْ فَلْيَأكُلْ بِيمِينهِ، وإذَا شَرِبَ فَلْيَشرَبْ بِيمينهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشْرَبُ بشِمالِهِ)) (١). وعن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((لا تأكُلُوا بالشِّمَالِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُلُ بالشِّمال)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذَا انْتَعَلَ أحدُكُم فليَبْدأ باليُمْنَى، وإذَا خَلَعَ فليبدَأ بالشِّمالِ، وليُنْعلهُمَا جَميعاً، أو لِيَخْلَعْهُما جَميعاً)) (٣).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تَمشِ في نَعْلٍ واحدٍ، ولا تَحْتَبِ (٤) في إزارٍ واحِدٍ، ولا تأكُلْ بِشِمَالِكَ، ولا تَشْتَمِلِ الصَّمَاء (٥)، ولا تضَعْ إحْدَى رِجْليكَ على الأخْرَى، إذَا
стр. 233
استَلْقَيتَ)) (١).
٦ – ارفع إزارك
عن ابن عمر ﵄ قال: مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال: ((يا عبد الله، ارْفَعْ إزَارَك)) فرفعته، ثم قال: ((زِدْ)) فزدت, فما زلت أتحراها بعد. فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: ((أنْصافِ السَّاقَين)) (٢).
والتحذير من إسبال الثياب ضروري للشباب، لأن الشاب تعجبه نفسه ويغلبه هواه، فيقع فيما حرم الله.
ولا بد أن يدرك الشاب جيداً خطر هذا الجرم، وما يترتب عليه من الإثم. ومن ذلك أن الله يوم القيامة لا ينظر إلى من جرَّ إزاره بطراً، كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يَنْظرِ الله يومَ القِيامة إلى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً)) (٣).
стр. 234
وأنه مُعَرَّضٌ لأن يخسف الله به الأرض، كما في حديث سالم بن عبد الله أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: ((بينما رَجُلٌ يَجرُّ إزَارَهُ إذْ خُسِفَ بهِ؛ فهوَ يتَجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يومِ القِيامةِ)) (١). وأنه معرض لعذاب جهنم كما في قوله ﵊: ((ما أسْفَلَ الكَعْبينِ مِنَ الإزارِ ففي النَّارِ)) (٢).
ثامناً: تقويم أخطاء الشباب في الآداب
استخدم النبي ﷺ أساليب حكيمة في إصلاح أخطاء الشباب في الآداب، ومن ذلك الأساليب الآتية:
١ - أسلوب الإصلاح العملي
لما كان الرسول ﷺ في حجة الوداع، أردف معه الفضل بن العباس ﵄ من مزدلفة إلى منى، وكان الفضل ﵁ حسن الشعر، أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله ﷺ مَرَّت به ظُعُن (٣) يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن. فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر. فحول الرسول ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل. يصرف وجهه من الشق الآخر
стр. 235
ينظر (١).
تصرف حكيم من رسول الله ﷺ لم يزد على وضع يده أمام وجه الفضل ﵁، مع أنه نظر إلى النساء وهو في عبادة، ورديف النبي ﷺ ، ولكن هذا الأسلوب النبوي كان كافياً لإصلاح الخطأ من الفضل بن عباس ﵄.
ومن الحكمة في الإصلاح الاقتصار من الأسلوب على ما يكون كافياً في ردع المخطئ، وإصلاح الخطأ، دون الزيادة على ذلك، من التوبيخ والتجريح. من مراعاة حال المخطئ ودرجة الخطأ. فالفضل ﵁ شاب حديث السن قوي الشهوة. ولم تغب هذه الأشياء عن تصور النبي ﷺ عند توجيهه للفضل بن عباس ﵄.
٢ – أسلوب التلميح
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: ((مَنْ ذا؟)) فقلتُ: أنا فقال: ((أنَا أنَا ... )) كأنه كرهها (٢).
ولم يوضح النبي ﷺ خطأه في الاستئذان، ولكنه لما ردد ((أنا)) كارهاً كان في ذلك إيحاء لجابر بن عبد الله ﵄ بخطئه.
وقد يكون الإيحاء بالغضب، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها،
стр. 236
فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه (١).
٣ – أسلوب الثناء
للثناء تأثير عجيب على النفوس، إذا استغل في الدعوة، مع مراعاة الاعتدال فيه. وخاصة على الشباب، لما لديهم من حاجة إلى التقدير والاحترام والقبول الاجتماعي. ففي الثناء عليهم وبيان حسناتهم إشباع لهذه الحاجة.
كان الرسول ﷺ يستغل هذه الحاجة في الوقت المناسب لإصلاح أخطاء الشباب في الآداب.
عن خريم بن فاتك الأسدي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((نِعْمَ الرَّجلُ أنتَ يا خريم، لولا خلَّتانِ فيكَ)) قلت: وما هما يا رسول الله؟ قال: ((إسْبَال إزَارِكَ، وإرْخاؤُكَ شَعْرِكَ)) (٢).
وفي رواية: ((لولا أنَّ فِيْكَ اثنَتينِ كُنْتَ أنْتَ)) قال: إن واحدة تكفيني، قال: ((تسْبِل إزَارك، وتوفِّرُ شَعْرَك)). قال: لا جرم والله لا أفعل (٣)! أسلوب حكيم جعل خريم بن فاتك الأسدي يقسم أن ينتهي عنهما، طمعاً في المكانة التي يكون فيها إذا ارتدع عن تلكما الخصلتين.
стр. 237
فحري بالدعاة أن يغتنموا ما في الشباب من خصال حميدة، ليثنوا عليهم فيها، ويحذروهم من سواها، مع إشعارهم بأن أخطاءهم قليلة، وأنهم سيصبحون في مكان محمود إذا تخلصوا منها، بدلاً من التركيز على المساوئ، وإغفال المحاسن، والإعراض عن النتائج.
٤ – أسلوب الإقناع بالحوار
عن عبيدة بن خلف قال: قدمت المدينة وأنا شاب متأزر ببردة لي ملحاء أجرها، فأدركني رجل فغمزني بمخصرة معه، فقال: ((أمَا لَوْ رَفَعْتَ ثَوْبَكَ كَانَ أبْقَى وأنْقَى)) فالتفت، فإذا هو رسول الله ﷺ قال: قلت يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء، قال: ((وإنْ كانَتْ بُردَةً مَلحاء، أما لَكَ فيَّ أسوَة)) فنظرت إلى إزاره فإذا فوق الكعبين وتحت العضلة (١).
لم يكتف رسول الله ﷺ ببيان الخطأ لعبيدة بن الحارث، بل حثه على إصلاحه، وأقنعه بأهمية ذلك، كما أن رسول الله ﷺ لم يجار الشاب عندما قال: ((إنها بردة ملحاء)) لها مكانة في نفسه، فحكم الشرع فوق هوى النفس.
ومن هذا الباب أيضاً حديث الشاب الذي جاء يستأذن النبي ﷺ في الزنى.
стр. 238
٥ – أسلوب التحذير والتنفير
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ مِنْ أكبرِ الكَبَائرَ أن يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ)) قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يَسُبُّ الرَّجلُ أبَا الرَّجُلِ، فيسبُّ أبَاهُ، ويَسُبُّ أمَّه، فيَسُبَّ أمَّه)) (١).
وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنَبِّئكم بأكْبَرِ الكَبائر؟)) قلنا بلى يا رسول الله، قال: (ثلاثاً): ((الإشْراكَ بالله، وعُقُوقِ الوَالدَينِ)). وكان متكئاً فجلس فقال: ((ألا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهَادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ)) فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت (٢).
كما يحذر الرسول ﷺ الشباب الذين اغتروا بطراوة أجسادهم، وجمال أشكالهم، وحسن شعورهم، حتى تشبوا بالنساء: هيئةً، ولباساً، ومشية، وكلاماً، كما يقول ابن عباس ﵄: لعن رسول الله ﷺ المتشبِّهين من الرِّجالِ بالنساءِ، والمتشبِّهات من النِّساءِ بالرِّجالِ (٣).
وعن ابن عباس ﵄ أيضاً: لعن رسول الله ﷺ المخنثين من
стр. 239
الرجال، والمترجِّلات من النساء، وقال: ((أخْرِجُوهُم مِنْ بِيوتِكُمْ)) قال: فأخرج النبي ﷺ فلاناً وأخرج عمر فلانة (١).
٦ - أسلوب العتاب والعقاب
أسلوب العتاب والعقاب الذي في محله ولا يتجاوز حده من الأساليب النبوية في تقويم الأخطاء لدى الشباب، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعلى فاطمة ﵂ من الليل، فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هوِّياً من الليل. قال فلم يسمع لنا حسًّا. قال: فرجع إلينا، فأيقظنا وقال: ((قوما فصَلِّيا)) قال: فجلست وأنا أعرك عيني وأقول: إنا والله ما نصلي إلا ما كتب لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء يبعثنا بعثنا: قال: فولَّى رسول الله ﷺ وهو يقول ويضرب بيده على فخذه: ((ما نُصلِّي إلا ما كَتَبَ لنا؟ ما نصلِّي إلا ما كَتَب لنا؟)) ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٢).
بهذا الأسلوب اللطيف الذي ليس فيه تجريح ولا توبيخ، عاتب رسول الله ﷺ علياً وفاطمة ﵄.
وعن معاوية بن جاهمة السلمي قال: أتيت رسول الله ﷺ
стр. 240
فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: ((وَيْحَكَ أحيَّةٌ أمُّك؟)) قلت: نعم. قال: ((ارجِع فبرَّهَا)) ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: ((ويْحَك أحيَّةٌ أمُّكَ؟)) قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((فارجِع إليْها فبُرَّها)) ثم أتيته من أمامه، فقلت يا رسول الله: إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: ((ويْحكَ أحيَّة أمُّك)) قلت: نعم يا رسول الله: قال: ((ويحَك الزَمْ رِجْلَها فثمَّ الجنَّة)) (١).
مع أن معاوية كرر على رسول الله ﷺ الطلب إلا أن رسول الله ﷺ لم يزد عن قوله: ((ويحك .. )).
ولكن العتاب يزداد مع حجم الخطأ، فيكون عقاباً يصل إلى تطبيق الحد الشرعي إذا لزم الأمر ذلك دون مراعاة للطبقات أو تأثرٍ بالعواطف.
كما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس فقال: يا رسول الله اقضِ بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق، اقضِ لي يا رسول الله بكتاب الله، إن ابني كان
стр. 241
عَسِيفاً (١) على هذا فزنى بامرأته. فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت بمائة من الغنم، ووليدة، ثم سألت أهل العلم فزعموا أن ما على ابني: جلد مائة وتغريب عام. فقال: ((والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكتابِ الله: أمَّا الغَنَم والوَلِيدة فردٌّ عَلَيْكَ، وعلى ابْنِكَ جَلْدُ مائَة وتَغْريبُ عامٍ. وأمَّا أنْتَ يا أنيس فاغْدُ على امْرأةِ هذَا فارْجُمْهَا))، فغَدا أنيسٌ فَرَجَمَها (٢)(٣).
* ... * ... *
стр. 242
المبحث الرابع والعشرون: التربية والتأديب بالقوة عند الحاجة
لا شك أن التربية بالرفق، واللين، والرحمة، من أهم أساليب التربية، وقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك، كما تقدم في المباحث السابقة، وما ضرب رسول اللَّه ﷺ أحداً بيده إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه؛ لحديث: عائشة ﵂ قالت: ((مَا ضَرَبَ رسولُ اللَّه ﷺ شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمُ للَّهِ تَعَالَى)) (١).
ولكن إذا لم ينفع الرفق واللين، والرحمة؛ فإن التربية بالحكمة هي وضع الشيء في موضعه بإحكامٍ وإتقانٍ، بدون زيادة ولا نقصان؛ فإن المربِّي كالطبيب في معالجته للمرض والمرضى، فمن المرض ما يحتاج إلى حمية المريض عن بعض المأكولات، ومن المرض ما يحتاج إلى بعض الأدوية اليسيرة، ومن المرض ما يحتاج إلى كيٍّ بالنار عند الحاجة، ومن المرض ما يحتاج إلى عملية جراحية للمريض، إذا لم ينفع في علاجه غيرها، فتستخدم عند الحاجة إليها، بشرط الالتزام بالشروط والضوابط الشرعية، وقد جاءت نصوص من الكتاب والسنة في التأديب بالقوة عند الحاجة لذلك، وهي على النحو الآتي:
стр. 243
أولاً: النصوص بالمنطوق أو المفهوم وهي على النحو الآتي:
١ - أمر الله المؤمنين بإلزام أنفسهم وأهليهم بطاعة الله ، ووقاية أنفسهم وأهليهم من عذاب الله، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (١).
قال العلامة السعدي ﵀: ((أي يا من منَّ الله عليهم بالإيمان قوموا بلوازمه وشروطه، فـ ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ووقاية الأنفس بإلزامها بأمر الله، والقيام بأمره امتثالاً، ونهيه اجتناباً، والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل [والأولاد] بتأديبهم، وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته: من الزوجات، والأولاد، وغيرهم، مِمَّن هُوَ تحت ولايته وتصرفه)) (٢).
٢ - نهى النبي ﷺ عن الضرب في الوجه ؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ)) (٣).
стр. 244
٣ - لعن رسول اللَّه ﷺ من وسم البهيمة في وجهها ؛ لحديث: جابر ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ في وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ)) (١).
٤ - نهى النبي ﷺ عن الوسْم في الوجه ؛ لحديث جابر ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عَنِ الضَّرْبِ في الوَجْهِ، وَعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ)) (٢).
٥ - نهى النبي ﷺ أن يضرب الرجل امرأته ضرب العبد ، ثم يُضاجعها؛ لحديث: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْفُسِ، وَقَالَ: ((بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ، أَوِ الْعَبْدِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا)) وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَوُهَيْبٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ: ((جَلْدَ الْعَبْدِ)) (٣).
стр. 245
٦ - أدّب النبي ﷺ بعض المجاهدين في صدره ، ثم طلب منه أن يقتصّ منه؛ لحديث: عبد الله بن جبير الخزاعي وغيره قال: ((طعن رسول الله ﷺ رجلاً في بطنه، إما بقضيب، وإما بسواك، قال: أوجعتني فأقدني، فأعطاه العود الذي كان معه، ثم قال: ((استقد))، فقبّل بطنه، ثم قال: بل أعفو عنك، لعلك أن تشفع لي بها يوم القيامة)) (١).
٧ - خرج النبي ﷺ ليلة إلى مقبرة البقيع يزور أهلها ، فلحقته عائشة ﵂ فلهدها في صدرها؛ لحديث عائشة ﵂: ((قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا