← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96495

شرح حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة

مجدي بن عبد الوهاب الأحمد

Полный текст (353 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الخطابي ﵀: ((هذا الكلام تمثيل وتقريب، والكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد، حتى لو يقدر أن تكون تلك الكلمات أجساماً تملأ الأماكن، لبلغت من كثرتها ما يملأ السموات والأرض)). قوله: ((وملء ما شئت من شيء بعد)) هذه إشارة إلى أن حمد الله أعز من أن يدخل فيه الحسبان، أو يكتنفه الزمان والمكان؛ فأحال الأمر فيه على المشيئة، وليس وراء ذلك للحمد منتهى، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه، وبهذه الرتبة استحق نبينا ﷺ أن يسمى أحمد؛ لأنه كان أحمد ممن سواه. قوله: ((أهل الثناء)) والثناء: هو الوصف الجميل والمدح. قوله: ((والمجد)) أي: العظمة، ونهاية الشرف، يقال: رجلٌ ماجدٌ، منضال كثيرُ الخيرِ شريفٌ، والمجيد: فعيل، للمبالغة، ومنه سُمي الله مجيداً. وقوله: ((وكلنا لك عبد)) اعتراف بالعبودية لله تعالى وأنه المالك لنا. وكون هذا أحق ما يقوله العبد؛ لأن فيه التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته. قوله: ((ولا ينفع ذا الجَد منك الجد)) أي: لا ينفع الغنى صاحبَ الغنى منك غناه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك. والجد في اللغة الحظ، والسعادة، والغنى، ومنه ((تعالى جدك))؛ أي: علت عظمتك، ويجيء بمعنى أب الأب.

стр. 107

١٩ - دُعَاءُ السُّجُودِ ٤١ - (١) ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى)) (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١). - صحابي الحديث هو حذيفة بن اليمان ﵁. قوله: ((سبحان ربي الأعلى)) أي: أنزهه وأقدسه عن كل النقائص. قوله: ((ثلاث مرات)) أي: يقولها ثلاث مرات. ويستحب أهل العلم ألا ينقص الإنسان في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، بل يزيد على ذلك. والحكمة في تخصيص الركوع بالعظيم والسجود بالأعلى؛ أن السجود لمَّا كان فيه غاية التواضع، لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام كان أفضل من الركوع، فحسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل، وهو الأعلى بخلاف العظيم. ٤٢ - (٢) ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) (٢). تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (٣٤).

стр. 108

٤٣ - (٣) ((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ)) (١). تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (٣٥). ٤٤ - (٤) ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخَالِقينَ)) (٢). - صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب ﵁. قوله: ((وشق سمعه وبصره)) من الشَّق - بفتح الشين - أي: فلق وفتح، والشِّق - بكسر الشين - نصف الشيء. قوله: ((أحسن الخالقين)) أي: المقدرين والمصورين. ٤٥ - (٥) ((سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ، والمَلَكُوتِ، والكِبْرِيَاءِ، والعَظَمَةِ)) (٣). تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (٣٧). ٤٦ - (٦) ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلّهُ، وَأوَّلَهُ

стр. 109

وآخِرَهُ، وعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ)) (١). - صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁. قوله: ((دِقَّه)) أي: قليله. قوله: ((جِلّه)) أي: كثيره. قوله: ((دقه وجله ... )) إلى آخره، تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: ((اغفر لي ذنبي كله)) تناول جميع ذنوبه مجملاً، ثم فصله بقوله: دقه وجله ... ، وهذا أعظم بالاعتراف والإقرار بما اقْتُرِفَ. ٤٧ - (٧) ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوْذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) (٢). - صحابية الحديث هي عائشة ﵂. قال الخطابي ﵀: ((استعاذ رسول الله ﷺ ، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له استعاذ به منه لا غير.

стр. 110

ومعنى ذلك: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب في حق عبادته، والثناء عليه)). قوله: ((أعوذ بك منك)) أي: أعوذ بك من سخطك، أو من عذابك. قوله: ((لا أحصي ثناء عليك)) أي: لا أطيقه ولا أبلغه. قوله: ((أنت كما أثنيت على نفسك)) اعتراف بالعجز عن الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، فكما أنه لا نهاية لصفاته فكذلك لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه. فكل ثناء أثنى به عليه - وإن كثر، وطال، وبالغ فيه - فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. ٢٠ - دُعَاءُ الجَلسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَينِ ٤٨ - (١) ((رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي)) (١). - صحابي الحديث هو حذيفة بن اليمان ﵁. جاء في صلاة النبي ﷺ في الليل، وقيامه الطويل بالبقرة، والنساء، وآل عمران، وركوعه الذي هو نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك .. ، وأنه كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي ... ، ويجلس بقدر سجوده.

стр. 111

وهذا يدل على أنه كان يقول: ((رب اغفر لي)) أكثر من المرتين المذكورتين في الحديث، بل كان يكرر ويلح في طلب المغفرة. ٤٩ - (٢) ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَاجْبُرنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي، وارْفَعْنِي)) (١). - صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄. قوله: ((اللهم اغفر لي)) أي: ذنوبي أو تقصيري في طاعتك. قوله: ((وارحمني)) أي: من عندك لا بعملي، أو ارحمني بقبول عبادتي. قوله: ((واهدني)) أي: وفقني لصالح الأعمال. قوله: ((واجبرني)) من جبر العظم المكسور، لا من الجبر الذي هو القهر؛ والمعنى: أن تسدّ مفاقري، وتغنني. قوله: ((وعافني)) أي: من البلاء في الدارين، أو من الأمراض الظاهرة والباطنة. قوله: ((وارزقني)) أي: بفضلك وَمَنّك. قوله: ((وارفعني)) أي: في الدارين بالعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 112

٢١ - دُعَاءُ سُجُوْدِ التِّلاوَةِ ٥٠ - (١) ((سَجَدَ وَجْهِيَ للَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾)) (١). - صحابية الحديث هي عائشة ﵂. قوله: ((للذي خلقه وشق سمعه وبصره)) تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك. قوله: ((بحوله)) أي: بتحويله وصرفه الآفات عنهما. قوله: ((وقوته)) أي: قدرته بالثبات والإعانة عليهما. ٥١ - (٢) ((اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أجْراً، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرَاً، واْجعَلْهَا لِي عِنْدِكَ ذُخْراً، وتَقَبَّلَهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ)) (٢). - صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄. قوله: ((اللهم اكتب لي)) أي: أثبت لي بها - أي: السجدة - ((أجراً)). قوله: ((وضع)) أي: حُطَّ.

стр. 113

قوله: ((وزراً)) أي: ذنباً. قوله: ((ذخراً)) أي: كنزاً، وقيل: أجراً؛ وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب، وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالماً من محبط أو مبطل. قوله: ((كما تقبلتها من عبدك داود)) حين ﴿خَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (١)؛ وهو طلب القبول المطلق. قال ابن حزم ﵀ في ((المحلى)): ((في القرآن أربع عشرة سجدة؛ أولها في آخر ختمة سورة الأعراف، ثم في الرعد، ثم في النحل، ثم في سبحان [أي: الإسراء]، ثم في كهيعص [أي: مَريم]، ثم في الحج في الأولى، وليس قرب آخرها سجدة، ثم في الفرقان، ثم في النمل، ثم في ألم تنزيل [أي: السجدة]، ثم في ص، ثم في حم فصلت، ثم في والنجم في آخرها، ثم في إذا السماء انشقت عند قوله تعالى ((لا يسجدون))، ثم في اقرأ باسم ربك في آخرها)). [قال المصحح: والصواب: أن السجدات في القرآن خمس عشرة سجدة؛ لأن سورة الحج فيها سجدتان؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت يا رسول الله، فُضِّلت سورة الحج بسجدتين؟ قال: ((نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (٢)].

стр. 114

قال ابن قدامة في ((المغني)): ((يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة؛ من الطهارتين من الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية، ولا نعلم فيه خلافاً، إلا ما رُوي عن عثمان بن عفان ﵁ في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد ابن المسيب، قال: ويقول: اللهم لك سَجَدتُ ... ، وعن الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وضوء: يسجد حيث كان وجهه، ولنا قول النبي ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور))؛ فيدخل في عمومه السجود، ولأنه صلاة فيشترط له ذلك كذات الركوع)). أ. هـ. وقال الشوكاني ﵀ في ((النيل)): ((ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان، وأما ستر العورة، واستقبال القبلة مع الإمكان؛ فقيل: إنه معتبر اتفاقاً، قال ابن حجر في ((الفتح)): لم يوافق ابن عمر ﵁ أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وأخرج أيضاً عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماءً)) انتهى بتصرف. قلت: والأقرب إلى الصواب فيما يظهر لي؛ الأخذ بما قاله ابن قدامة ﵀، والله أعلم.

стр. 115

وأزيد أيضاً على ما ذكره من الشروط أمراً، وهو عدم فعلها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. [قال المصحح: والصواب: أن سجود التلاوة لا يشترط له ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولكن يُستحب ذلك وهو الأفضل، كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، أما الجنب فلا يقرأ شيئاً من القرآن حتى يتطهر (١)؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄، مع شدة اتباعه للسنة ((ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد)) (٢)]. ٢٢ - التَّشَهُّدُ هو قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ ولأن هذا الجزء هو الأشرف من هذا الذكر سمي به. ٥٢ - ((التَّحيَّاتُ لِلَّه، والصَّلواتُ، والطِّيِّباتُ، السَّلامُ عَليْكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللَّهِ وبَركاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وعَلَى

стр. 116

عِبَادِ اللَّهِ الصَّالحينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأشْهَدُ أنَّ مُحمداً عَبْدُهُ ورَسُولُه)) (١). - صحابي الحديث هو عبد الله بن مسعود ﵁. قوله: ((التحيات)) جمع تحية؛ ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: الملك. قال المحب الطبري ﵀: ((يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركاً بين هذه المعاني)). وقال الخطابي والبغوي - رحمهما الله -: ((المراد بالتحيات لله أنواع التعظيم له)). قوله: ((الصلوات)) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل، وقيل: العبادات كلها. قوله: ((الطيبات)) أي: ما طاب من الكلام، وحسن أن يثنى به على الله - تعالى - دون ما لا يليق بصفاته، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعم. قوله: ((السلام عليك أيها النبي)) السلام بمعنى السلامة، والسلام من أسماء الله تعالى؛ والمعنى أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد؛

стр. 117

ومعنى قولنا: السلام عليك ... الدعاء؛ أي: سلمت من المكاره، وقيل: معناه اسم الله عليك. وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمان حياته ﷺ ، وزمان وفاته ﷺ . وهو قوله ﵁: ((وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام على النبي)). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((هذه الزيادة ظاهرها أنهم كانوا يقولون: ((السلام عليك أيها النبي)) بكاف الخطاب في حياة النبي ﷺ ، فلما مات النبي ﷺ تركوا الخطاب، وذكروه بلفظ الغيبة؛ فصاروا يقولون: ((السلام على النبي ﷺ )). وقال العلامة الألباني ﵀ في ((الصفة)): ((وقول ابن مسعود: ((قلنا: السلام على النبي))؛ يعني: أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون ((السلام عليك أيها النبي)) في التشهد والنبي ﷺ حي، فلما مات عدلوا عن ذلك، وقالوا: ((السلام على النبي)) ولا بد أن يكون ذلك بتوقيف منه ﷺ ، ويؤيده أن عائشة ﵂ كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة: ((السلام على النبي)). قلت: في ظاهر ما نقلته عن العالمين الفاضلين ما يدل على اتفاق الصحابة على ما ذكروه ... ولكن فيما يظهر لي في هذه المسألة: أن أقل ما يقال فيها: أنها مسألة مختلف فيها، وأما الراجح:

стр. 118

فالراجح الأخذ بصفة التشهد الذي كان ينطق به النبي ﷺ في حياته ﷺ وفعله كثير من الصحابة بعد وفاته ﷺ ؛ كمثل ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ (١) أنه كان يخطب على المنبر يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: ... السلام عليك أيها النبي، وكلهم يسمع الخطبة ويتعلم من عمر ﵁ صفة التشهد ولا ينكر عليه أحد، والصحابة متوافرون في زمنه ﵁ وأيضاً ما جاء عن عائشة ﵂، وعن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وأبي موسى الأشعري ﵃ أجمعين. وقال الطيبي ﵀: ((نحن نتبع لفظ الرسول الذي كان علَّمه الصحابة))، والله أعلم. [قال المصحح: وهذا هو الصواب وهو أن المصلي يقول في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) بلفظ المخاطب الحاضر: ((السلام عليك أيها النبي)) قال العلامة البسام ﵀: ((لم يقصد بهذه الكاف ((عليك)) المخاطب الحاضر، وإنما قصد بها مجرد السلام: سواء كان حاضراً أو غائباً، بعيداً أو قريباً، حياً أو ميتاً؛ ولذا فإنها تُقال سراً، وإنما اختص النبي ﷺ بهذا الخطاب، لقوة استحضار المرء هذا السلام الذي كأن صاحبه حاضراً، واختص ﷺ بكاف الخطاب بالصلاة، وكل

стр. 119

هذا من علو شأنه، ومن رفع ذكره واسمه)) (١)]. قوله: ((ورحمة الله)) إحسانه ورأفته. [قال المصحح: وهذا تأويل فاسد، والصواب أن الرحمة هنا: صفةٌ لله تعالى تليق بجلاله يرحم بها عباده، وينعم عليهم] (٢). قوله: ((وبركاته)) أي: زيادته من كل خير. قوله: ((السلام علينا)) استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء. قوله: ((وعلى عباد الله الصالحين)) الأشهر في تفسير الصالح؛ أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته. قال الحكيم الترمذي ﵀: ((من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً، وإلا حُرِمَ هذا الفضل العظيم)). ٢٣ - الصَّلاةُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشهُّدِ ٥٣ - (١) ((اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ وعلَى آلِ مُحمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إبْرَاهِيْمَ وعَلَى آلِ إبراهِيْمَ، إنَّكَ حَميدٌ

стр. 120

مَجيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلى آلِ مُحمَّدٍ، كمَا بَارَكْتَ عَلَى إبراهِيْمَ وعَلَى آلِ إبْراهيمَ، إنَّك حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ)) (١). - صحابي الحديث هو كعب بن عُجرة ﵁. ٥٤ - (٢) ((اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى أزواجِهِ وذُرِّيتهِ، كمَا صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْراهيمَ، وبَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ، وَعَلَى أزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كمَا بَاركْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيْمَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ)) (٢). - صحابي الحديث هو أبو حميد الساعدي المنذر بن سعد بن المنذر ﵁. قوله: ((اللهم صلِّ على محمد)) قال ابن الأثير ﵀ في ((النهاية)): ((معناه: عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته))، وقيل: المعنى لما أمر الله - تعالى - بالصلاة عليه، ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك أحلناه على الله، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد لأنك أعلم بما يليق به.

стр. 121

وقيل: صلاة الله - سبحانه - على محمد رسوله وعبده؛ هي ذكره في الملأ الأعلى. قال الخطابي ﵀: ((الصلاة التي بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره، والتي بمعنى الدعاء والتبرك تقال لغيره؛ ومنه الحديث: ((اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)) (١) أي: ترحم وبرك)). قوله: ((على آل محمد)) قال ابن الأثير ﵀ في ((النهاية)): ((اختلف في آل النبي ﷺ فالأكثر على أنهم أهل بيته، قال الشافعي: دل هذا الحديث - يعني حديث: لا تحل الصدقة لمحمد وآل محمد (٢)، أن آل محمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وعُوِّضوا منها الخمس، وهم صليبة بني هاشم وبني المطلب، [و] قيل: آله أصحابه ومن آمن به، وفي اللغة يقع على الجميع)). [قال المصحح: والصواب: أن ((آله ﷺ ) إذا ذكرت وحدها أو مع أصحابه، فإنها تكون بمعنى أتباعه على دينه منذ بُعث إلى يوم القيامة، أما إذا قرنت بالأتباع، فقيل: ((آله وأتباعه)) فالآل: هم المؤمنون من آل بيت النبي ﷺ )) (٣)].

стр. 122

قوله: ((وعلى أزواجه وذريته)) أي: نسله؛ وهم هنا أولاد فاطمة ﵂، وكذا غيرها من البنات، ولكن بعضهن لم يعقب وبعضهن انقطع عقبه. قوله: ((كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)) اشتهر الخلاف والتساؤل بين العلماء عن وجه التشبيه في قوله: ((كما صليت))؛ لأن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه؛ إذ أن محمداً ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ ، وقضية كونه أفضل؛ أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل. واستحسن كثير من العلماء قول من قال: ((إن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء؛ حصل لآل محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد ﷺ ، فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره)). قال العلامة ابن القيم ﵀ معلقاً على هذا القول: ((وهذا أحسن ما قيل، وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن طلحة عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)؛ قال ابن عباس: ((محمد من آل إبراهيم))، وهذا نص [فإنه]

стр. 123

إذا دخل (١) غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله؛ فدخول رسول الله ﷺ أولى؛ فيكون قولنا: ((كما صليت على آل إبراهيم)) متناولاً للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله تعالى أن نصلي عليه وعلى آله خصوصاً؛ بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ . قال: ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعاً، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه؛ صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله - وفيهم النبيون - ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته)). قوله: ((بارك)) من البركة؛ وهي الزيادة والثبوت والدوام؛ أي: أدم شرفه وكرامته وتعظيمه وزد له في ذلك.

стр. 124

قوله: ((إنك حميد)) أي: محمود الأفعال والصفات، مستحق لجميع المحامد، ((مجيد)) أي: عظيم كريم. ٢٤ - الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ قَبْلَ السَّلامِ ٥٥ - (١) ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحيَا والمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسيحِ الدَّجَّالِ)) (١). - صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁. قوله: ((المحيا)) بمعنى الحياة، و ((الممات)) بمعنى الموت، وفتنة الحياة التي تعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأشدها وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت، واختلفوا في فتنة الممات، قيل: فتنة القبر، وقيل: يحتمل أن يراد به الفتنة عند الاحتضار؛ أضاف الفتنة إلى الموت لقربها منه. وإذا كان المراد من قوله: ((وفتنة الممات)) فتنة القبر فيفهم منه التكرار؛ لأن قوله: من عذاب القبر يدل على هذا.

стр. 125

والظاهر أن ليس فيه تكرار؛ لأن العذاب يزيد على الفتنة، والفتنة سبب له. قوله: ((المسيح الدجال)) أما تسميته بالمسيح؛ فلأن الخير مُسِحَ منه، فهو مسيح الضلالة، وقيل: سمي به؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح، وهو أن لا يبقى على أحد شِقَّي وَجْهِهِ عينٌ، ولا حاجب إلا استوى، وقيل: لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. وقيل: إنه الذي مُسح خَلْقهُ؛ أي: شُوهَ، فكأنه هرب من الالتباس بالمسيح ابن مريم ﵉ ولا التباس؛ لأن عيسى ﵇ إنما سمي مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده المباركة ذا عاهة إلا برأ، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بدهن، وقيل: المسيح الصديق. وأما تسميته بالدجال؛ فلأنه خدَّاع، ملبِّس. والدجل: الخلط، ويقال: الطلي والتغطية، ودجلة نهر بغداد، سميت بذلك؛ لأنها تغطي الأرض بمائها، وهذا المعنى - أيضاً - في الدجال؛ لأنه يغطي الأرض بكثرة أتباعه، وقيل: لأنه مطموس العين من قولهم: دجل الأثر، إذا عفى ودرس، وقيل: من دجل؛ أي: كذب؛ والدجال: الكذاب. وفائدة التعوذ من شر الدجال في ذلك الوقت، مع علمه بأن الدجال

стр. 126

متأخر عن ذلك الزمان بكثير؛ أن ينتشر الخبر، ويشيع بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة بأنه كذاب، مبطل، مفتري، ساعٍ على وجه الأرض بالفساد، ومموه ساحر، حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه، ويتحقق أمره، ويعرفوا أنه على الباطل، كما أخبر رسول الله ﷺ . ٥٦ - (٢) ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسيحِ الدَّجَّالِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ المَأثَمِ والمَغْرَمِ)) (١). - صحابية الحديث هي عائشة ﵂. وجاء فيه؛ أنه قال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله، فقال: ((إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف)). قوله: ((المأثم)) معناه: الإثم. وقوله: ((المغرم)) هو الغُرم، وهو الدَّين، وقيل: الغرم والمغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه. قوله: ((قال له قائل ... )) وإنما سأل هذا عن وجه الحكمة في كثرة

стр. 127

استعاذته ﷺ من المغرم؛ فأجاب رسول الله بأن الرجل إذا غرم، أي: إذا لحقه دين حدَّث فكذب، بأن يتعلل لصاحب الدَّين بعلل شتَّى، وهو كاذب فيها، وغرضه الدفع، ووعد فأخلف، بأن يقول: أوفي حقك اليوم الفلاني، والساعة الفلانية، ولم يوفه، فيقترف من أجل الدين الكذب، والخلف في الوعد، وهذا من صفات المنافقين - نعوذ بالله من ذلك -. وكلمة ((ما)) في قوله: ((ما أكثر ما تستعيذ)) للتعجب؛ أي: ما أكثر استعاذتك من المغرم. ٥٧ - (٣) ((اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثيراً، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي إنَّك أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)) (١). - صحابي الحديث هو عبد الله بن عمرو ﵄. قوله: ((ظلماً كثيراً)) بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم ((كبيراً)) بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، وقال النووي ﵀ في ((الأذكار)): ((ينبغي أن يجمع بينهما، فيقال: ظلماً كثيراً كبيراً)). أو يأتي بهذه أحياناً وبالأخرى أحياناً.

стр. 128

وفي هذا دليل على أن الإنسان لا يعرى من ذنب وتقصير؛ كما قال ﷺ : ((استقيموا ولن تحصوا)) (١)، وفي الحديث: ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) (٢). قوله: ((لا يغفر الذنوب إلا أنت)) إقرار بوحدانية الله تعالى، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار، كما قال تعالى في الحديث القدسي: ((عَلِمَ أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب)) (٣). وفي هذا امتثال لما أثنى الله عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. (٤). فقوله ﷺ : ((ولا يغفر الذنوب إلا أنت))؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. قوله: ((فاغفر لي مغفرة)) إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها من عند الله تعالى، لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده سبحانه. قوله: ((إنك أنت الغفور الرحيم)) من باب المقابلة، والختم للكلام،

стр. 129

فالغفور مقابل لقوله: ((اغفر لي))، والرحيم مقابل لقوله: ((ارحمني)). ٥٨ - (٤) ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، ومَا أخَّرْتُ، ومَا أسْرَرْتُ، ومَا أعْلَنْتُ، ومَا أسْرَفْتُ، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ)) (١). - صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب ﵁. أقول: هذا أيضاً لتعليم الأمة، ولتعظيم الله ، حيث لم يقطع سؤاله منه. قوله: ((ما قدمت)) أي: من الذنوب. قوله: ((وما أخرت))، أي: من الطاعات، [وقيل: إن وقع مني ذنب فاغفره لي] (٢). قوله: ((وما أسرفت)) أي: وما أكثرت من الذنوب والخطايا، والأوزار والآثام. قوله: ((أنت المقدِّم وأنت المؤخر)) معنى التقديم والتأخير فيهما هو تنزل الأشياء منازلها، وترتيبها في التكوين والتفضيل، وغير ذلك على ما تقتضيه الحكمة.

стр. 130

٥٩ - (٥) ((اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (١). - صحابي الحديث هو معاذ بن جبل ﵁. قوله: ((ذكرك)) يشتمل جميع أنواع الثناء حتى قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم الديني. وإنما قدم الذكر على الشكر؛ لأن العبد إذا لم يكن ذاكراً لم يكن شاكراً، كما قدم في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي﴾ (٢). قوله: ((وحسن عبادتك)) قيد بالحسن؛ لأن العبادة الحسنة هي العبادة الخالصة، فالعبادة إذا لم تكن خالصة [صواباً على السنة] لا تقبل، ولا تنفع صاحبها. ٦٠ - (٦) ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ، وأعُوْذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)) (٣). - صحابي الحديث هو سعد بن أبي وقاص ﵁.

стр. 131

قوله: ((البخل)) أي: منع إنفاق المال، بعد الحصول عليه، وحبه وإمساكه. قوله: ((الجبن)) أي: تَهَيُّب الإقدام على ما لا ينبغي أن يُخاف. قوله: ((أن أردَّ إلى أرذلِ العمر)) هو البلوغ إلى حد في الهرم، يعود معه كالطفل؛ في سخف العقل، وقلة الفهم، وضعف القوة. والأرذل: هو الرَّديء من كل شيء. قوله: ((فتنة الدنيا)) ومعنى الفتنة الاختبار، قال شعبة ﵀: ((يعني: فتنة الدَّجَّال))، وفي إطلاق الدنيا على الدجال، إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صريحاً في قوله ﷺ : ((إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال)) (١). ومعنى ((ذرأ)) خلق. قوله: ((عذاب القبر)) فيه إثبات لعذاب القبر؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بفتنة القبر وعذابه ونعيمه؛ فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ ومَا دينك؟ ومَن نبيك؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢)؛ فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبةٍ من حديد، فيصيح

стр. 132

صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين - الإنس والجن - ولو سمعوا لصعقوا (١)، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب!! ٦١ - (٧) ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) (٢). - صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁. أي: اللهم إني أطلب منك الفوز بالجنة، وأن تجيرني من عذاب النار. ويتضمن هذا الدعاء طلب التوفيق والهداية إلى الأعمال الصالحة المبتغى بها وجه الله تعالى، التي هي سبب للفوز بالجنة، وطلب البعد عن الأعمال السيئة، التي هي سبب لعذاب النار. ٦٢ - (٨) ((اللَّهُمَّ بعِلْمِكَ الغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ؛ أحْيِني مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْراً لِي، وتَوَفَّنِي إذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْراً لي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا والغَضَبِ، وأسْألُكَ القَصْدَ فِي الغِنَى والفَقْرِ، وأسْألُكَ نَعِيماً لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ

стр. 133

لا تَنْقَطِعُ، وأسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ القَضَاءِ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِيْنَةِ الإيْمَانِ، واجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)) (١). - صحابي الحديث هو عمار بن ياسر ﵁. قوله: ((ما علمت الحياة خيراً لي)) أي: إذا كانت الحياة خيراً لي في علمك للغيب، وكذلك التقدير في قوله: ((وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)) أي: إذا كانت الوفاة خيراً لي في علمك. قوله: ((خشيتك في الغيب والشهادة)) أي: فيما غاب عني وفيما أشاهده، والمراد منه: الخشية في جميع الأحوال. قوله: ((كلمة الحق)) أي: التكلم بالحق؛ والمراد: العون والتوفيق على التكلم بالحق. قوله: ((في الرضا والغضب)) أي: في حالة الرضا وحالة الغضب، أو المعنى: عند رضاء الراضي، وعند غضب الغاضب. قوله: ((القصد)) القصد من الأمور؛ أي: المعتدل الذي لا يميل على أحد طرفي التفريط والإفراط؛ يعني: أسألك الاعتدال والوسط في الفقر

стр. 134

والغنى، لا فقراً بالتفريط، ولا غنىً بالإفراط؛ لأن الفقر جداً يستدعي ترك الصبر، المؤدي إلى ارتكاب الطعن في التقدير، والتكلم بأنواع البشاعة، والغنى جداً يؤدي إلى الطغيان والفساد، وخير الأمور أوسطها. قوله: ((نعيماً لا ينفد)) أي: لا يفرغ، وهو نعيم الجنة. قوله: ((قرة عين لا تنقطع)) كناية عن السرور والفرح، يقال: قرَّتْ عيناه؛ أي: سر بذلك وفرح، وقيل معناه: بلوغ الأمنية حتى ترضى النفس، وتسكن العين، ولا تستشرف إلى غيره. قوله: ((وأسألك الرضا بعد القضاء)) أي: بعد قضائك عليَّ بشيء من الخير والشر؛ أما في الخير فيرضى به ويقنع به، ولا يتكلف في طلب الزيادة، ويشكر على ما أوتي به، وأما في الشر فيصبر عليه ولا يكفر. قوله: ((وأسألك برد العيش بعد الموت)) كناية عن الراحة بعد الموت. قوله: ((وأسألك لذة النظر إلى وجهك)) إنما سأل هنا لذة النظر ولم يكتف بسؤال النظر، مبالغة في الرؤية وكثرتها؛ لأنه فرق بين رؤية ورؤية. قوله: ((والشوق)) أي: أسألك لذة الشوق إلى لقائك؛ والشوق هو تعلق النفس بالشيء. قوله: ((في غير ضراء)) متعلق بقوله: ((أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي)) أي: أحيني إذا أردت حياتي في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، وتوفني إذا أردت وفاتي في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة عند الموت. والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء.

стр. 135

ووصف الضراء بالمضرة، والفتنة بالمضلة للتأكيد والمبالغة. قوله: ((اللهم زينا بزينة الإيمان)) أي: بشرائعه؛ لأن الشرائع زينة الإيمان؛ يعني: وفقنا لأداء طاعتك وإقامة شرائعك، حتى تكون لنا زينة في الدنيا والآخرة. قوله: ((هداة)) جمع هادي؛ أي: اجمع لنا فينا بين الهدى والاهتداء. ٦٣ - (٩) ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ يَا أللهُ بأنَّكَ الوَاحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، أنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)) (١). - صحابي الحديث هو مِحْجَن بن الأرْدَع ﵁. قوله: ((بأنك)) الباء سببية؛ أي: بسبب أنك الواحد. قوله: ((الواحد الأحد)) لا فرق بين الواحد والأحد؛ أي: الفرد الذي لا نظير له، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله تعالى؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. قوله: ((الصمد)) هو الذي يُصمد إليه في الحاجات؛ أي: يقصد لكونه قادراً على قضائها، قال الزجاج ﵀: ((الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد، فلا سيد فوقه))، وقيل: هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه

стр. 136

كل أحد، وقيل: هو الذي لا جوف له؛ قال الشعبي ﵀: ((هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب)). قوله: ((الذي لم يلد ولم يولد)) أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قوله: ((كفواً)) أي: مثلاً ونداً ونظيراً. ٦٤ - (١٠) ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لَا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، وَحْدَكَ لا شَرِيْكَ لَكَ، المَنَّانُ، يَا بَدِيْعَ السَّمَاواتِ والأرْضِ، يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) (١). - صحابي الحديث هو أنس بن مالك ﵁. قوله: ((المنان)) أي: كثير العطاء، من المنة بمعنى النعمة، والمنة مذمومة من الخلق؛ لأنهم لا يملكون شيئاً، قال صاحب ((الصحاح)): ((مَن عليه هنا؛ أي: أنعم، والمنان من أسماء الله تعالى)). قوله: ((يا بديع السموات والأرض)) أي: مبدعها ومخترعها لا على مثال سبق. قوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)) أي: صاحب العظمة والسلطان

стр. 137

والإنعام والإحسان. وجاء في نهاية الحديث؛ قوله ﷺ : ((لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعْطَى)). قال الطيبي ﵀: ((فيه دلالة على أن لله تعالى اسماً أعظم إذا دعي به أجاب)). قال الشوكاني ﵀: ((قد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولاً)). قال ابن حجر ﵀: ((وأرجحها من حيث السند: الله لا إله إلا هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد)). وقال الجزري ﵀: ((وعندي أن الاسم الأعظم: لا إله إلا هو الحي القيوم)). ورجح ذلك ابن القيم وغيره، والله أعلم. ٦٥ - (١١) ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأَنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ)) (١).

стр. 138

- صحابي الحديث هو بريدة بن الحُصَيْب الأسلمي ﵁. قد تقدم شرحه قريباً؛ انظر شرح حديث رقم (٦٣). ٢٥ - الأذْكَارُ بَعْدَ السَّلاَمِ مِنَ الصَّلاَةِ ٦٦ - (١) ((أسْتَغْفِرُ اللهَ - ثَلاثاً - اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ)) (١). - صحابي الحديث هو ثَوبان الهاشمي ﵁. قوله: ((أستغفر الله ثلاثاً)) أي: ثلاث مرات؛ قيل للأوزاعي - وهو أحد رواة الحديث -: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله. قوله: ((أنت السلام)) أي: السالم من المعايب والحوادث، والتغير والآفات، وهو اسم من أسماء الله تعالى؛ فالله هو السلام، وصف به نفسه في كونه سليماً من النقائص، أو في إعطائه السلامة. قوله: ((ومنك السلام)) أي: السلامة، والمعنى: أنه منك يرجى ويستوهب ويستفاد. قوله: ((تباركت)) أي: تعاليت وتعاظمت، وأصل المعنى: كثرت خيراتك واتسعت، وقيل معناه: البقاء والدوام.

стр. 139

قوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)) أي: المستحق لأن يهاب لسلطانه وجلاله، ويثنى عليه بما يليق بعلو شأنه، والجلال مصدر الجليل، يقال: جليل بيِّنُ الجلالة؛ والجلال: عِظَم القدر؛ فالمعنى: أن الله تعالى مستحق أن يُجَلَّ ويكرم، فلا يجحد، ولا يكفر به، وهو الرب الذي يستحق على عباده الإجلال والإكرام. ٦٧ - (٢) ((لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ [ثلاثاً]، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ)) (١). - صحابي الحديث هو المغيرة بن شعبة ﵁. قوله: ((لا مانع لما أعطيت)) أي: لا أحد يقدر على منع ما أعطيت أحداً من عبادك، فإذا أراد الله تعالى أن يعطي أحداً شيئاً، واجتمع الإنس والجن على منعه، لعجزوا عن ذلك. قوله: ((ولا معطي لما منعت)) أي: ولا أحد يقدر على إعطاء ما منعت. قوله: ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) أي: لا يمنع ذا الغنى غناؤه من عذابك.

стр. 140

٦٨ - (٣) ((لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ، لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَلا نَعْبُدُ إلاَّ إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ ولَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ)) (١). - صحابي الحديث هو عبد الله بن الزبير ﵁. قوله: ((ولا نعبد إلا إياه)) أي: عبادتنا مقصورة على الله تعالى، غير متجاوز عنه. قوله: ((له النعمة)) أي: النعمة الظاهرة والباطنة، وهي بكسر النون، ما أنعم به من رزق ومال وغيره، وأما بفتحها: فهي المسَرَّة والفرح وطيب العيش. قوله: ((وله الفضل)) أي: في كل شيء، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢). قوله: ((وله الثناء الحسن)) والثناء يشمل أنواع الحمد والمدح والشكر. والثناء على الله تعالى كله حسن، وإن لم يوصف بالحسن.

стр. 141

والمراد بـ ((الدين)): التوحيد. قوله: ((ولو كره الكافرون)) أي: وإن كره الكافرون كوننا مخلصين الدين لله، وكوننا عابدين. ٦٩ - (٤) ((سُبْحَانَ اللَّهِ، والحَمْدُ للهِ، واللهُ أكْبَرُ (ثَلاثاً وثَلاثِينَ) لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)) (١). - صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁. وجاء فيه: ((فتلك تسعة وتسعون، وتمام المئة: لا إله إلا الله ... )). وجاء عن أبي هريرة ﵁ في فضل هذا الذكر وصفته: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا، والنعيم المقيم؛ يصلّون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون؟ فقال ﷺ : ((ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم؛ إلا من صنع مثل ما صنعتم؟))، قالوا: بلى

стр. 142

يا رسول الله، قال: ((تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين)). قال أبو صالح: يقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين)) (١). قوله: ((الدثور)) جمع دثر؛ وهو المال الكثير، ويقع على: الواحد، والإثنين، والجمع. قوله: ((بالدرجات العلا)) أي: إنهم حصَّلُوا الدرجات العلا، والنعيم المقيم وهو الجنة، بسبب حجهم وعمرتهم وجهادهم وصدقاتهم، وذلك كله بسبب قدرتهم على الدنيا، ونحن ما لنا دنيا!! فكيف نعمل حتى ندركهم؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ألا أعلمكم ... )) إلى آخره؛ يعني: متى قلتم هذا القول تدركونهم وتشاركونهم فيما أوتوا به، وتسبقون به من بعدكم. قوله: ((كما نصلي)) أي: كصلاتنا بشرائطها مع الجماعة؛ والمعنى: إنهم شاركونا فيما نعمل من الصلاة والصوم، ولهم مزية علينا بأموالهم، حيث يحجون، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون بفضول أموالهم. قوله: ((ألا أعلمكم)) ألا كلمة تنبيه، تنبه المخاطب على أن الأمر عظيم الشأن.

стр. 143

قوله: ((تدركون)) أي: بذلك الشيء وبسببه. قوله: ((من سبقكم)) والمراد السبق المعنوي؛ وهو السبق في الفضيلة. قوله: ((من بعدكم)) أي: من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل. قوله: ((ولا يكون أحد أفضل منكم)) يدل على ترجيح هذه الأذكار على غيرها من الأعمال. قوله: ((قال أبو صالح)) يعني: لما سُئل أبو صالح ذكوان السمان الزيات الراوي عن أبي هريرة ﵁ عن كيفية ذكرها؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين؛ وهذا يقتضي أن يكون العدد في الجميع ثلاثاً وثلاثين مرة، بأن يقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر))، هذه مرة، وهكذا حتى يصل إلى ثلاثٍ وثلاثين مرة. وذكر في حديث أبي هريرة ﵁ من طريق آخر غير طريق أبي صالح: ((يسبح ثلاثاً وثلاثين - مستقلة - ويكبر ثلاثاً وثلاثين - مستقلة - ويحمد ثلاثاً وثلاثين - مستقلة -))، وهذا يقتضي أن يكون الجميع تسعة وتسعين. وحديث أبي صالح محمول على هذا؛ ولأجل هذا قال القاضي عياض ﵀: ((هذا أولى من تأويل أبي صالح)). وجاء في رواية: ((تسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً،

стр. 144

وتكبرون عشراً)) (١)، وهذه الرواية لا تنافي رواية الأكثر. وفي رواية أن تمام المئة: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) (٢). وفي رواية: أن التكبيرات أربع وثلاثون (٣). وكلها صحيحة ويجب قبولها، فينبغي على الإنسان أن يجمع بين الروايات من حيث العمل؛ فيعمل بهذه تارة وبهذه تارة وهكذا ... [قال المصحح: التسبيح، والتحميد، والتكبير أدبار الصلوات جاء على أنواع ستة على النحو الآتي: النوع الأول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر (ثلاثاً وثلاثين) ويختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٤). النوع الثاني: سبحان الله (ثلاثاً وثلاثين) الحمد لله (ثلاثاً وثلاثين) الله أكبر (أربعاً وثلاثين) (٥). النوع الثالث: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر (ثلاثاً وثلاثين) (٦).

стр. 145

النوع الرابع: سبحان الله (عشراً) والحمد لله (عشراً) والله أكبر (عشراً) (١). النوع الخامس: سبحان الله (إحدى عشرة)، والحمد لله (إحدى عشرة) والله أكبر (إحدى عشرة) (٢). النوع السادس: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (خمساً وعشرين) (٣). والأفضل أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، فينوِّع بين هذه التسبيحات] (٤). وجاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيمينه - وفي رواية: يعقد التسبيح بيمينه - (٥). وفيه صفة التسبيح؛ وهو أن يكون باليد اليمنى فقط، وبطريقة العقد؛ أي: شد الإصبع إلى باطن الكف. ٧٠ - (٥) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
следующие страницы →