والمراد بـ ((الدين)): التوحيد.
قوله: ((ولو كره الكافرون)) أي: وإن كره الكافرون كوننا مخلصين الدين لله، وكوننا عابدين.
٦٩ - (٤) ((سُبْحَانَ اللَّهِ، والحَمْدُ للهِ، واللهُ أكْبَرُ (ثَلاثاً وثَلاثِينَ) لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
وجاء فيه: ((فتلك تسعة وتسعون، وتمام المئة: لا إله إلا الله ... )).
وجاء عن أبي هريرة ﵁ في فضل هذا الذكر وصفته: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا، والنعيم المقيم؛ يصلّون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون؟ فقال ﷺ : ((ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم؛ إلا من صنع مثل ما صنعتم؟))، قالوا: بلى
стр. 142
يا رسول الله، قال: ((تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين)).
قال أبو صالح: يقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين)) (١).
قوله: ((الدثور)) جمع دثر؛ وهو المال الكثير، ويقع على: الواحد، والإثنين، والجمع.
قوله: ((بالدرجات العلا)) أي: إنهم حصَّلُوا الدرجات العلا، والنعيم المقيم وهو الجنة، بسبب حجهم وعمرتهم وجهادهم وصدقاتهم، وذلك كله بسبب قدرتهم على الدنيا، ونحن ما لنا دنيا!! فكيف نعمل حتى ندركهم؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ألا أعلمكم ... )) إلى آخره؛ يعني: متى قلتم هذا القول تدركونهم وتشاركونهم فيما أوتوا به، وتسبقون به من بعدكم.
قوله: ((كما نصلي)) أي: كصلاتنا بشرائطها مع الجماعة؛ والمعنى: إنهم شاركونا فيما نعمل من الصلاة والصوم، ولهم مزية علينا بأموالهم، حيث يحجون، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون بفضول أموالهم.
قوله: ((ألا أعلمكم)) ألا كلمة تنبيه، تنبه المخاطب على أن الأمر عظيم الشأن.
стр. 143
قوله: ((تدركون)) أي: بذلك الشيء وبسببه.
قوله: ((من سبقكم)) والمراد السبق المعنوي؛ وهو السبق في الفضيلة.
قوله: ((من بعدكم)) أي: من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل.
قوله: ((ولا يكون أحد أفضل منكم)) يدل على ترجيح هذه الأذكار على غيرها من الأعمال.
قوله: ((قال أبو صالح)) يعني: لما سُئل أبو صالح ذكوان السمان الزيات الراوي عن أبي هريرة ﵁ عن كيفية ذكرها؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين؛ وهذا يقتضي أن يكون العدد في الجميع ثلاثاً وثلاثين مرة، بأن يقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر))، هذه مرة، وهكذا حتى يصل إلى ثلاثٍ وثلاثين مرة.
وذكر في حديث أبي هريرة ﵁ من طريق آخر غير طريق أبي صالح: ((يسبح ثلاثاً وثلاثين - مستقلة - ويكبر ثلاثاً وثلاثين - مستقلة - ويحمد ثلاثاً وثلاثين - مستقلة -))، وهذا يقتضي أن يكون الجميع تسعة وتسعين.
وحديث أبي صالح محمول على هذا؛ ولأجل هذا قال القاضي عياض ﵀: ((هذا أولى من تأويل أبي صالح)).
وجاء في رواية: ((تسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً،
стр. 144
وتكبرون عشراً)) (١)، وهذه الرواية لا تنافي رواية الأكثر.
وفي رواية أن تمام المئة: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) (٢).
وفي رواية: أن التكبيرات أربع وثلاثون (٣).
وكلها صحيحة ويجب قبولها، فينبغي على الإنسان أن يجمع بين الروايات من حيث العمل؛ فيعمل بهذه تارة وبهذه تارة وهكذا ...
[قال المصحح: التسبيح، والتحميد، والتكبير أدبار الصلوات جاء على أنواع ستة على النحو الآتي:
النوع الأول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر (ثلاثاً وثلاثين) ويختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٤).
النوع الثاني: سبحان الله (ثلاثاً وثلاثين) الحمد لله (ثلاثاً وثلاثين) الله أكبر (أربعاً وثلاثين) (٥).
النوع الثالث: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر (ثلاثاً وثلاثين) (٦).
стр. 145
النوع الرابع: سبحان الله (عشراً) والحمد لله (عشراً) والله أكبر (عشراً) (١).
النوع الخامس: سبحان الله (إحدى عشرة)، والحمد لله (إحدى عشرة) والله أكبر (إحدى عشرة) (٢).
النوع السادس: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (خمساً وعشرين) (٣). والأفضل أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، فينوِّع بين هذه التسبيحات] (٤).
وجاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيمينه - وفي رواية: يعقد التسبيح بيمينه - (٥).
وفيه صفة التسبيح؛ وهو أن يكون باليد اليمنى فقط، وبطريقة العقد؛ أي: شد الإصبع إلى باطن الكف.
٧٠ - (٥) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
стр. 146
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسدَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ بَعْدَ كُلِّ صَلاةٍ (١))).
- صحابي الحديث هو عقبة بن عامر ﵁.
والحديث بلفظ: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دُبُرَ كل صلاة.
وقوله: ((المعوذات)) قد فسرها المصنف بذكر السور الثلاث كاملة.
والحكمة في هذا أن الشيطان لم يزل يوسوس به وهو في الصلاة، ويسعى لقطعه عن الصلاة، ثم عندما يفرغ منها يقبل إليه إقبالاً كليًّا؛ فأمر ﷺ عند ذلك أن يستعيذ بالمعوذات من الشيطان حتى لا يظفر عليه، ولا يتمكن منه.
وقد مر توضيح كلمات سورة الإخلاص؛ انظر شرح حديث
رقم (٦٣).
стр. 147
وهي سورة مشتملة على توحيد الله .
قوله: ﴿قُلْ﴾ أمر؛ أي: آمرك أن تقول: ....
قوله: ﴿أَعُوذُ﴾ أي: ألجأ وأعتصم وألوذ.
قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وهذا يشمل جميع ما خلق الله ، من إنس وجن وحيوانات.
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وهذا تخصيص بعد تعميم؛ أي: من شر ما يكون في الليل، حين يغشى الناس النعاس، وتنتشر فيه الأرواح الشريرة، والحيوانات المؤذية.
و ((الغاسق)) الليل إذا أقبل بظلمته.
و ((الوقب)) الدخول؛ وهو دخول الليل بغروب الشمس.
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أي: من شر السواحر اللاتي يستعن على سحرهن بالنفث في عقد الخيط، التي يعقدنها على السحر.
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ والحاسد هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود، فيسعى في زوالها، بما يقدر عليه من الأسباب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الحسد كراهة نعمة الله على الغير)).
إذاً فالحسد يشمل التمني لزوال النعمة، أو السعي في إزالتها، أو الكراهة لها على الغير.
стр. 148
أما لو تمنى أن يرزقه الله تعالى مثل ما أنعم على الآخرين، فهذا ليس من الحسد بل هو من الغبطة.
ويدخل في الحاسد العائن؛ [لأن العين] لا تصدر إلا من حاسد شرير الطبع، خبيث النفس.
وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ قال الزجاج ﵀: ((يعني: الشيطان ذا الوسواس، الخناس الرجاع؛ وهو الشيطان جاثم على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا غفل وسوس)).
قوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ظاهر قوله: ((الناس)) أنه يختص ببني آدم، ولكن قوله: ((من الجنة والناس)) يرجح دخول الجنة فيهم.
ووسوسة الشيطان تكون بكلام خفي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع.
٧١ - (٦) ((﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١) عَقِبَ
стр. 149
كُلِّ صَلاةٍ (١)).
- صحابي الحديث هو أبو أمامة الباهلي، صُدَيُّ بن عجلان ﵁.
والحديث هو قوله: ((من قرأ آية الكرسي دُبُر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)).
وهذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله تعالى؛ فقد قال رسول الله: ((يا أبا المنذر - أَي: أُبي بن كعب - أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟)) قال: قال أُبي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال أبي: فضرب في صدري، ثم قال: ((ليهنك العلم))، ثم قال: ((والذي نفس محمد بيده، إن لهذه الآية لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش)) (٢).
وقوله: ((ليهنك)) أي: ليكن العلم هنيئاً لك؛ فتُسرّ به وتَسعد.
قوله: ﴿سِنَةٌ﴾ أي: النعاس؛ وهو النوم الخفيف.
قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ما مضى، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكون بعدهم.
قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: سعته مثل سعة
стр. 150
السموات والأرض.
قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ أي: لا يثقله ولا يشق عليه، ﴿حِفْظُهُمَا﴾ أي: السموات والأرض.
قوله: ﴿الْعَلِيُّ﴾ أي: الرفيع فوق خلقه، والمتعالي عن الأشباه والأنداد.
[قال المصحح: والعلو وصف من صفات الله تعالى الذاتية، فله العلو المطلق: علو الذات، وأنه تعالى مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله، وله علو القدر، وله علو القهر)) (١)].
قوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ أي: الكبير الذي لا شيء أكبر منه.
٧٢ - (٧) ((لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحيي ويُميتُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قديرٌ (عَشْرَ مرَّاتٍ بَعْدَ صلاةِ المَغْربِ والصُّبْحِ))) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو ذر الغفاري، جُندب بن جُنادة وغيره ﵃ أجمعين -.
стр. 151
وجاء فيه: قوله ﷺ : ((من قال في دبر صلاة الصبح، وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلم: ... ، عشر مرات كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورُفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحُرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى)).
قوله: ((حرز)) الحرز هو المكان الذي يحفظ فيه؛ والمراد أنه في وقاية وحفظ.
وقوله: ((بعد صلاة المغرب)) قد جاءت في طرق أخرى للحديث.
٧٣ - (٨) ((اللَّهمُّ إنِّي أسأَلُكَ عِلماً نَافِعاً، ورِزْقاً طَيِّباً، وعَمَلاً مُتَقَبَّلاً (بعد السَّلامِ مِنْ صَلاةِ الفَجْرِ))) (١).
- صحابية الحديث هي أم سلمة ﵂.
قوله: ((علماً نافعاً)) أي: أنتفع به وأنفع غيري.
قوله: ((ورزقاً طيباً)) أي: حلالاً.
قوله: ((وعملاً متقبلاً)) أي: عندك؛ فتُثيبني وتأجرني عليه أجراً حسناً.
стр. 152
٢٦ - دُعاءُ صَلاةِ الاستِخَارَةِ
٧٤ - ((قالَ جَابِرُ بنُ عبدِ الله ﵄: كانَ رَسولُ الله يُعَلِّمُنا الاسْتِخَارَةَ في الأمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: ((إذا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَينِ مِنْ غَيْر الفَريْضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهُمَّ إنِّي أسْتَخيرُكَ بعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأسْألُكَ مِنْ فضلِكَ العَظِيم، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولا أعْلَمُ، وأنْتَ عَلاَّمُ الغُيوبِ، اللهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أن هذَا الأمرَ - ويُسمِّي حَاجَتَه - خَيرٌ لي في دِيني ومَعَاشي وعَاقِبَةِ أمْري - أو قالَ: عَاجِلهِ وآجِلِهِ - فاقْدُرْهُ لي ويَسِّرْهُ لي، ثمَّ بَارِكْ لي فيهِ، وإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذا الأمْرَ شَرٌّ لي في دِينِي ومَعَاشي وعَاقِبَةِ أمري - أوْ قالَ: عَاجِلِهِ وآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، واقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ
أرْضِنِي بِهِ)) (١).
стр. 153
ومَا نَدِمَ مَنْ اسْتَخَارَ الخَالِقَ، وَشَاوَرَ المَخْلُوْقينَ المُؤمِنينَ، وتَثَبَّتَ في أمْرِهِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (١).
قوله: ((في الأمور كلها)) أي: أمور الدنيا؛ لأن أمور الآخرة لا يحتاج فيها إلى الاستخارة؛ لأن الرجل إذا أراد أن يصلي، أو يصوم، أو يتصدق، لا حاجة [له] إلى الاستخارة، ولكن يحتاج إلى الاستخارة في أمور الدنيا، مثل: السفر، والنكاح، وشراء المركب، وبيعه، وبناء الدار، والانتقال إلى وطن آخر ... ، ونحو ذلك.
قوله: ((كما يعلمنا السورة من القرآن)) يدل على شدة اعتنائه ﷺ بتعليم الاستخارة.
قوله: ((إذا هم بالأمر)) أي: إذا عزم على القيام بعمل ولم يفعله.
قوله: ((فليركع ركعتين)) أي: ليصلي ركعتين، وقد يُذكر الركوع ويُراد به الصلاة، كما يُذكر السجود ويُراد به الصلاة، من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل.
قوله: ((من غير الفريضة)) أي: الصلوات الخمس المكتوبة؛ والمراد النوافل؛ بأن تكون تلك الركعتان من النافلة؛ قال النووي ﵀:
стр. 154
((الظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وتحية المسجد ... ، وغيرها من النوافل)).
قوله: ((أستخيرك)) أي: أطلب الخير أن تختار لي أصلح الأمرين؛ لأنك عالم به وأنا جاهل.
قوله: ((وأستقدرك)) أي: أطلب أن تُقْدِرَني على أصلح الأمرين، إذ أطلب منك القدرة على ما نويته، فإنك قادر على إقداري عليه، أو أن تقدرَ لي الخير بسبب قدرتك عليه.
قوله: ((ويسمي حاجته)) أي: يسمي أمره الذي قصده؛ مثلاً يقول: ((اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر خير لي ... ، أو هذا النكاح ... ، أو هذا البيع ... ، ونحو ذلك.
قوله: ((في ديني ... )) أي: إن كان فيه خير يرجع لديني، ولمعاشي، وعاقبة أمري، وإنما ذكر عاقبة الأمر؛ لأنه رُبَّ شيء يقصد فعله الإنسان يكون فيه خير في ذلك الحال، ولكن لا يكون خيراً في آخر الأمر، بل ينقلب إلى عكسه.
قوله: ((معاشي)) أي: العيش والحياة.
قوله: ((فاقدُرْهُ)) أي: اقضِ لي به وهيئه.
قوله: ((فاصرفه عني)) أي: لا تقضِ لي به، ولا ترزقني إياه.
قوله: ((واصرفني عنه)) أي: لا تيسر لي أن أفعله، وأقلعه من خاطري.
стр. 155
قوله: ((حيث كان)) أي: الخير؛ والمعنى: اقضِ لي بالخير حيث كان الخير.
قوله: ((ثم أرضني به)) أي: اجعلني راضياً بخيرك المقدور، أو بِشرِّك المصروف.
قوله: ((نَدِمَ)) أي: فعل الشيء ثم كرهه.
والاستخارة تكون مع الله تعالى بطلب الخير منه، والمشاورة تكون مع أهل الرأي والفطنة والصلاح والأمانة بطلب آرائهم في أمره، وليست مع جميع المخلوقين.
والتثبت في الأمر يكون ببذل الجهد، في تحري الأمر الذي يهم بفعله، من حيث صلاحه أو عدم صلاحه.
قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية؛ أمرٌ من الله تعالى لمحمد رسول الله ﷺ أن يستعرض آراء أصحابه؛ فيُشرك الجميع في الأمر الذي يَهِم بفعله، ثم يختار ما أشار إليه أكثرهم وأعقلهم، متوكلاً على الله تعالى بهمةٍ عالية.
٢٧ - أذْكَارُ الصَّبَاحِ والمَسَاءِ
((الحمدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نبيَّ بَعْدهُ)).
أراد المصنف من هذا القول؛ الاشتغال بذكر الله تعالى - والصلاة على رسوله ﷺ في تلك الأوقات.
стр. 156
[قال المصحح: أردتُ أن يبدأ المسلم بالحمد لله تعالى والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله ﷺ ثم يذكر الله تعالى] (١).
قال رسول الله ﷺ : ((لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحبُّ إليَّ من أن أعتق أربعة)) (٢).
قوله: ((من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل)) أي: أحررها وأخلصها إذ هي من أنفس وأغلى الأنفس.
٧٥ - (١) ((أعوذ بالله مِنَ الشَّيْطانِ الَّرجيمِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣)(٤)).
стр. 157
- صحابي الحديث هو أُبي بن كعب ﵁.
والحديث بتمامه؛ هو أن أُبي بن كعب ﵁ كان له جُرْنٌ من تمر، فكان ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، فسلم عليه، فرد ﵇، فقال: ما أنت؟ جنيٌّ أم إنسيٌّ؟ قال: جني، قال: فناولني يدك، فناوله يده، فإذا يدُه يدُ كلبٍ، وشعرُه شعرُ كلب، قال: هذا خَلْقُ الجِنِّ؟!
قال: قد علمتِ الجنُّ أن ما فيهم رجلاً أشد مني، قال: فما جاء بك؟ قال: بلغنا أنك تحبُّ الصدقة، فجئنا نُصيبُ من طعامك، قال: فما ينجينا منكم؟ قال: هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ﴾ من قالها حين يُمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يُصْبِحُ أُجيرَ منا حتى يُمسي.
فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له؟! فقال ﷺ : ((صدق الخبيث)).
قوله: ((جُرن)) الجرن هو موضع تجفيف التمر.
قوله: ((بدابة شبه الغلام المحتلم)) أي: البالغ؛ والمعنى: أنه رأى مخلوقاً حجمه كحجم الغلام البالغ.
стр. 158
قوله: ((أُجير)) أي: حُفِظَ ووُقي.
وقد تقدم شرح الآية؛ انظر شرح حديث رقم (٧١).
٧٦ - (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ثلاث مرات)) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن خُبَيب ﵁.
وجاء في الحديث: من قالها ثلاث مرات حين يصبح وحين يمسي؛ كَفَتْهُ من كل شيء.
وقد تقدم شرح الآيات؛ انظر شرح حديث رقم (٧٠).
стр. 159
٧٧ - (٣) ((أصْبَحْنَا وَأصْبَحَ المُلْكُ للهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أسْألُكَ خَيْرَ مَا في هَذَا اليَوْمِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذَا اليَوْمِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ، وسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وعَذَابٍ فِي القَبْرِ)) (١).
وإذَا أمْسَى قَالَ: أمْسَيْنَا وأمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ.
وإذَا أمْسَى قَالَ: رَبِّ أسْألُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وشَرِّ مَا بَعْدَهَا.
- صحابي الحديث هو عبد الله بن مسعود ﵁.
قوله: ((أصبحنا)) أو ((أمسينا)) أي: دخلنا في الصباح، أو دخلنا في المساء متلبسين بنعمةٍ وحفظٍ من الله تعالى.
قوله: ((إذا أمسى)) أي: إذا دخل في [المساء]، وفي لفظ ((إذا أصبح)) أي: إذا دخل [في الصباح].
стр. 160
قوله: ((وأصبح الملك لله))، وأيضاً قوله: ((وأمسى الملك لله)) أي: استمر دوام الملك والتصرف لله تعالى.
قوله: ((رب)) أي: يا رب.
قوله: ((خير ما في هذا اليوم - أو هذه الليلة -)) أي: الخيرات التي تحصل في هذا اليوم - أو هذه الليلة - من خيرات الدنيا والآخرة؛ أما خيرات الدنيا فهي حصول النعم والأمن والسلامة من طوارق الليل وحوادثه ... ونحوها، وأما خيرات الآخرة فهي حصول التوفيق لإحياء اليوم والليلة بالصلاة والتسبيح، وقراءة القرآن ... ونحو ذلك.
قوله: ((وخير ما بعده - أو ما بعدها -)) أي: أسألك الخيرات التي تعقب هذا اليوم أو هذه الليلة.
قوله: ((من الكسل)) وهو عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة، فلا يكون معذوراً، بخلاف العاجز؛ فإنه معذور لعدم القوة وفقدان الاستطاعة.
قوله: ((وسوء الكِبَر)) أراد به ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخبط في الرأي، وغير ذلك مما يسوء به الحال.
قوله: ((رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)) وإنما خصَّ عذابي النار والقبر، من بين سائر أعذبة يوم القيامة؛ لشدتهما، وعظم شأنهما؛ أما القبر: فلأنه أول منزل من منازل الآخرة؛ فإن من سلم فيه سلم في الجميع؛ وأما النار: فإن عذابها شديد، نعوذ بالله من ذلك، يا ربّ سلِّم سلِّم.
стр. 161
٧٨ - (٤) ((اللَّهُمَّ بِكَ أصْبَحْنَا، وبِكَ أمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وإلَيْكَ النُّشُورُ)) (١).
((وإذَا أمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أمْسَيْنَا، وَبِكَ أصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوْتُ، وَإليْكَ المَصِيْرُ)).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((بك أصبحنا)) متعلق بمحذوف؛ فكأنه يريد: بنعمتك أصبحنا، أو بحفظك ... أو بذكرك ... ، وكذلك التقدير في قوله: ((وبك أمسينا)).
قوله: ((وبك نحيا)) يكون في معنى الحال؛ أي: مستجيرين ومستعيذين بك في جميع الأوقات، وسائر الأحوال، في الإصباح والإمساء، والمحيا والممات.
قوله: ((وإليك النشور)) أي: الإحياء للبعث يوم القيامة.
قوله: ((وإليك المصير)) أي: المرجع.
وإنما قال في الإصباح: ((وإليك النشور))، وفي الإمساء: ((وإليك المصير))؛ لأن الإصباح يشبه النشر بعد الموت، والإمساء يشبه الموت بعد الحياة؛ فلذلك قال فيما يشبه الحياة: ((وإليك النشور))، وفيما يشبه الممات: ((وإليك المصير)) رعاية للتناسب والتشاكل، والله أعلم.
стр. 162
٧٩ - (٥) ((اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنَا عَبْدُكَ، وأَ نَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبُوْءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأبُوْءُ بِذَنْبِي فَاغْفِر لِي فَإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ)) (١).
- صحابي الحديث هو شدَّاد بن أوس ﵁.
وجاء في الحديث: أن من قالها موقناً بها حين يمسي، فمات من ليلته دخل الجنة، وكذلك إذا أصبح.
قوله: ((لا إله إلا أنت خلقتني)) اعتراف بالوحدانية والخالقية.
قوله: ((وأنا عبدك)) اعتراف بالعبودية.
قوله: ((وأنا على عهدك ووعدك)) أي: عهدك إليَّ بأن أوحدك، وأعترف بألوهيتك ووحدانيتك، ووعدك الجنة لي على هذا؛ يعني: أنا مقيم على توحيدك، وعلى حقيقة وعدك لي.
قوله: ((ما استطعت)) أي: قدر استطاعتي؛ لأن العبد لا يقدر على الشيء إلا قدر استطاعته.
قوله: ((أبوء لك بنعمتك علي)) أي: أعترف وأقر لك بما أنعمت به علي.
قوله: ((وأبوء بذنبي)) أي: أُقِرُّ وأعترف بما اجترحت من الذنب.
стр. 163
قوله: ((فإنه)) أي: فإن الشأن أنه ((لا يغفر الذنوب إلا أنت))؛ لأن غفران الذنوب مخصوص لله تعالى.
٨٠ - (٦) ((اللَّهُمَّ إنِّي أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ، وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، ومَلائِكَتِكَ، وجَميْعَ خَلْقِكَ، أنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيْكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ ورَسُولُكَ)) (أرْبَعَ مَرَّاتٍ) (١).
- صحابي الحديث هو أنس بن مالك ﵁.
وجاء في الحديث: أن مَن قالها حين يصبح أو يمسي أربع مرات، أعتقه الله من النار.
قوله: ((وأُشْهد حملة عرشك))؛ قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٢).
قال ابن عباس ﵄: ((﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدَّتهم إلا الله)).
وكذا قال الضحَّاك ﵀.
стр. 164
وقال الحسن البصري ﵀: ((الله أعلم كم هم؟ أثمانية أم ثمانية آلاف؟)).
قوله: ((وملائكتك))؛ الملائكة خلق عظيم، خلقهم الله تعالى من نور؛ فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((خُلِقَت الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارج من نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم)) (١).
وعطفه ((جميع خلقك)) على ((ملائكتك))؛ من باب عطف العام على الخاص؛ لأن جميع الخلق تتناول الملائكة وغيرهم.
والمراد هنا من تخصيص الملائكة من بين سائر المخلوقات: هو الدلالة على أن الملائكة أفضل من البشر، أو أن المقام مقام الإشهاد، والملائكة أولى بذلك من غيرهم؛ إما لأنهم عرفوا أن الله لا إله إلا هو، وأن محمداً عبده ورسوله، قبل سائر المخلوقات، وإما لأن الأصل في الشهود العدالة، وهي أتمّ فيهم.
قوله: ((أعتق الله)) الإعتاق هنا هو التخلُّص عن ذل النار.
٨١ - (٧) ((اللَّهُمَّ مَا أصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ، أوْ بِأحَدٍ مِنْ خَلقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَرِيْكَ لَكَ، فَلَكَ الحَمْدُ ولَكَ الشُّكْرُ)) (٢).
стр. 165
وإذَا أمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ مَا أمْسَى بِي ...
- صحابي الحديث هو عبد الله بن غنَّام ﵁.
وجاء في الحديث: أن من قالها: فقد أدَّى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي؛ فقد أدى شكر ليلته.
قوله: ((ما أصبح بي)) أي: ما صار مصاحباً بي من نعمة.
قوله: ((فمنك)) أي: فمن عندك ومن فضلك.
قوله: ((وحدك)) توكيد لقوله: ((فمنك))؛ وأيضاً: ((لا شريك لك)) توكيد لـ ((وحدك))؛ بمعنى كل ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك، لا يشاركك في إعطائها غيرك.
قوله: ((لك الحمد ولك الشكر)) أي: لك الحمد بلساني على ما أعطيت، ولك الشكر بجوارحي على ما أوليت، وإنما جمع بين الحمد والشكر؛ لأن الحمد رأس للشكر، والشكر سبب للزيادة، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١)، وشكر المنعم واجب؛ قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٢).
стр. 166
٨٢ - (٨) ((اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ)) (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١).
- صحابي الحديث هو أبو بكرة، نُفَيْع بن الحارث بن كَلَدَة ﵁.
قوله: ((اللهم عافني في بدني)) أي: سلِّمْني من الآفاتِ والأمراض في بدني.
قوله: ((عافني في سمعي ... وفي بصري)) خاص بعد عام؛ فقوله بدني شامل لكل الجسم، ولكن خصص هاتين الحاستين؛ لأنهما الطريق إلى القلب؛ الذي بصلاحه يصلح الجسد كله، وبفساده يفسد الجسد كله.
٨٣ - (٩) ((حَسْبِيَ اللهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ)) (سَبْعَ مَرَّاتٍ) (٢).
стр. 167
- صحابي الحديث هو أبو الدرداء ﵁.
وجاء في الحديث: أن من قالها حين يصبح وحين يمسي سبع مرات، كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة.
قوله: ((حسبي الله)) أي: كفاني الله تعالى في كل شيء.
قوله: ((عليه توكلت)) أي: اعتمدت.
٨٤ - (١٠) ((اللهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَفْوَ والعَافيةَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، اللهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَفْوَ والعَافيةَ في دِيْني ودُنْيَاي، وأهْلِي، ومَالي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللهُمَّ احْفَظْني مِنْ بيْنِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفِي، وعَنْ يَميني، وعَنْ شِمَالي، ومِنْ فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتكَ أنْ أُغْتالَ مِنْ تَحْتي)) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عمر ﵄.
قوله: ((العافية)) من عافاه الله وأعفاه، والاسم عافية؛ وهي: دفاع الله عن العبد الأسقام والبلايا.
أما سؤال العافية في الدين؛ فهي: دفاع الله كل ما يشين الدين
стр. 168
ويضره، وأما في الدنيا؛ فهي: دفاع الله كل ما يضر دنياه، وأما في الأهل؛ فهي: دفاع الله كل ما يلحق أهله من البلايا والأسقام ... وغير ذلك، وأما في المال؛ فهي: دفاع الله كل ما يضر ماله من الغرق والحرق والسرقة ... وغير ذلك من أنواع العوارض المؤذية.
قوله: ((عوراتي)) وهي: كل ما يستحي منه إذا ظهر؛ والعورة من الرجل ما بين سرته إلى ركبته، ومن الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين والأفضل تغطيتهما، وفي القدمين قولان، وقيل: جميع بدنها دون استثناء، ومن الأمة مثل الرجل مع بطنها وظهرها.
[قال المصحح: والقول الحق: أن المرأة كلها عورة حتى وجهها وكفيها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة)) (٢). وقال : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣). وأعظم جمال المرأة وزينتها في وجهها وكفيها. وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
стр. 169
وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١). وقالت عائشة ﵂ في شأن صفوان بن المعطل في قصة الإفك: (( ... فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فَخَمَّرتُ وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ... )) (٢) وهذه القصة تدل دلالة صريحة على تغطية الوجه، وكذلك في قصة زواج النبي ﷺ بصفية أثناء عودته من خيبر في الطريق إلى المدينة، وأنه أردفها خلفه على راحلته فاحتجبت حجاباً كاملاً، ومما يدل دلالة صريحة على أن جميع بدن المرأة عورة قول النبي ﷺ : ((المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) (٣). وهذه الأدلة الصريحة تدل على وجوب تغطية المرأة لوجهها وكفيها عند حضرة الرجال الأجانب، أما في الصلاة، فإنها لا تغطي وجهها إلا إذا كان عندها رجال ليسوا من محارمها.
وأما عورة الأمة المملوكة فالأقرب أن عورتها مثل عورة الحرة، وفي الصلاة مثل الحرة؛ لأنها قد تكون أجمل من الحرة فتفتن الناس، وقد سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول ذلك (٤)].
стр. 170
والمراد منها هاهنا: كل عيب وخلل في شيء؛ فهو عورة.
قوله: ((وآمن)) من قولك: أمن يؤمن من الأمن.
قوله: ((روعاتي)) جمع روعة؛ وهي: المرة الواحدة من الروع؛ وهو الفزع والخوف.
قوله: ((اللهم احفظني من بين يدي ... )) إلى آخره، طلب من الله أن يحفظه من المهالك، التي تعرض لابن آدم على وجه الغفلة، من الجهات الست بقوله: ((من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي)) ولاسيما من الشيطان، وهو المزعج لعباد الله بدعواه في قوله:
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ (١).
وأما من جهة الفوق؛ فإن منها ينزل البلاء والصواعق والعذاب.
وإنما أفرد الجهة السادسة بقوله: ((وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)) إشارة إلى أنه ما ثم مهلكة من المهالك، أشد وأفظع من التي تعرض لابن آدم من جهة التحت، وذلك مثل الخسف؛ لأن الخسف يكون من التحت.
وأما قوله: ((أغتال)) والاغتيال أن يؤتى الأمر من حيث لا يشعر، وأن يدهى بمكروه لم يرتقبه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ
стр. 171
أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (١).
٨٥ - (١١) ((اللَّهُمَّ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّموَاتِ والأرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَلِيْكَهُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وأنْ أقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءاً، أوْ أجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ)) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((عالم الغيب)) منصوب على النداء، وحرف النداء محذوف، تقديره: يا عالم الغيب، ويجوز أن يكون مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت عالم الغيب والشهادة.
والغيب: المعدوم، والشهادة: الموجود المدرك كأنه يشاهده.
وقيل: الغيب ما غاب عن العباد، والشهادة ما شاهدوه، وقيل: الغيب السر، والشهادة العلانية، وقيل: الغيب الآخرة، والشهادة الدنيا، وقيل: عالم الغيب والشهادة؛ أي: عالم ما كان وما يكون.
قوله: ((فاطر السموات والأرض)) أي: خالق السموات والأرض، يقال: فطر الشيء إذا بدأ وخلق.
стр. 172
والكلام فيها، وفي قوله: ((رب كل شيء)) مثل الكلام في ((عالم الغيب))؛ من حيث التقدير.
قوله: ((ومليكه)) أي: مالكه.
قوله: ((من شر نفسي)) إنما استعاذ بربه من شر النفس؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ميالة إلى الشهوات واللذات الفانية.
والنفس لها معانٍ، والمراد هاهنا المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان، ولهذا قال ﷺ : ((ومن شر نفسي)).
وأما نفس النبي ﷺ فمجبولة على الخير، وهي نفس مطمئنة، فكيف يتصور منها الشر حتى استعاذ من شرها؟ يجوز أن يكون المراد منه الدوام والثبات على ما هي عليه، أو المراد تعليم الأمة وإرشادهم إلى طريق الدعاء، وهو الأظهر.
قوله: ((وشر الشيطان)) الشيطان اسم لإبليس من شطن إذا بعد؛ سمي به؛ لأنه بَعُد من الرحمة.
وقيل: من شاط؛ أي: بطل؛ سمي به لأنه مبطل، والألف والنون فيه للمبالغة.
قوله: ((وشركه)) أي: شرك الشيطان، يروى هذا على وجهين؛ أحدهما: شِرْكه بكسر الشين وسكون الراء؛ ومعناه ما يدعو له الشيطان، ويوسوس له من الإشراك بالله سبحانه، والثاني: وشَرَكه بفتح الشين والراء، يريد حبائل الشيطان ومصايده.
стр. 173
قوله: ((أن أقترف)) أي: أكتسب.
قوله: ((أو أجُرَّه)) أي: أو أجر السوء.
قوله: ((وإذا أخذت مضجعك)) أي: عند النوم.
٨٦ - (١٢) ((بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيءٌ في الأرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيْمُ)) (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١).
- صحابي الحديث هو عثمان بن عفان ﵁.
وجاء في الحديث: أن من قالها ثلاثاً إذا أصبح، وثلاثاً إذا أمسى؛ لم يضره شيء.
قوله: ((بسم الله)) أي: بسم الله أستعيذ.
قوله: ((مع اسمه)) أي: مع مصاحبة اسمه.
قوله: ((ولا في السماء)) أي: ولا يضر مع اسمه شيء في السماء؛ يعني: كما أن أهل الأرض في الأمن والسلامة ببركة اسم الله تعالى ومصاحبته، كذلك أهل السماء، والذي يصحب اسم الله ويلازمه، لا يضره شيء؛ أو معناه: الذي لا يضر مع اسمه شيء من جهة الأرض ولا من جهة السماء.
стр. 174
قوله: ((وهو السميع العليم)) أي: السميع بكل المسموعات، والعليم بكل شيء.
٨٧ - (١٣) ((رَضِيْتُ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِيْناً، وبِمُحَمَّدٍ نَبيًّا)) (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١).
- صحابي الحديث هو ثوبان بن بُجْدُد ﵁.
وجاء في الحديث: أن من قالها ثلاثاً حين يصبح، وثلاثاً حين يُمسي، كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة.
قوله: ((رضيت بالله ربًّا)) أي: قنعت به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره.
[قال المصحح: فلا إله غيره ولا رب سواه فهو ربي ومعبودي] (٢).
قوله: ((وبالإسلام ديناً)) أي: رضيت بالإسلام ديناً؛ بمعنى لم أسْعَ في غير طريق الإسلام، ولم أسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ .
قوله: ((وبمحمد)) أي: رضيت بمحمد نبياً.
قوله: ((كان حقاً على الله أن يرضيه)) أي: كان واجباً أوجب الله على نفسه أن يرضيه.
وإذَا أمْسَى قَالَ: أمْسَيْنَا وأمْسَى المُلْكُ للَّهِ رَبِّ العَالَمينَ.
وإذَا أمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَتْحَهَا، ونَصْرَهَا ونُوْرَهَا، وبَرَكَتهَا، وَهُدَاهَا، وأعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فيْهَا وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا)).
- صحابي الحديث هو أبو مالك الأشعري ﵁.
قوله: ((فتحه)) أو ((فتحها)) أي: الظفر على المقصود.
قوله: ((نصره)) أو ((نصرها)) أي: النصرة على العدو.
قوله: ((نوره)) أو ((نورها)) أي: بالتوفيق إلى العلم والعمل.
قوله: ((بركته)) أو ((بركتها)) أي: بتيسير الرزق الحلال الطيب.
قوله: ((هداه)) أو ((هداها)) أي: الثبات على متابعة الهدى ومخالفة الهوى.
قال الطيبي ﵀: ((قوله: فتحه ... وما بعده بيان لقوله: خير هذا اليوم)).
قوله: ((من شر ما فيه - أو ما فيها -)) أي: في هذا اليوم أو هذه الليلة.
قوله: ((شر ما بعده - أو ما بعدها -)) واكتفى به عن سؤال خير ما بعده - أو ما بعدها -؛ إشارة بأن درء المفاسد أهم من جلب المنافع.
стр. 177
٩٠ - (١٦) ((أصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلامِ، وعَلَى كَلِمَةِ الإخْلاصِ، وعَلَى دِيْنِ نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وعَلَى مِلَّةِ أبِينَا إبْرَاهيمَ، حَنيفاً مُسْلِماً ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ)) (١).
وإذَا أمْسَى قَالَ: أمْسَيْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلامِ.
- صحابي الحديث هو عبد الرحمن بن أبي أبزى ﵁.
قوله: ((على فطرة الإسلام)) أي: دينه الحق، وقد تَرِد الفطرة بمعنى السنة.
قوله: ((كلمة الإخلاص)) وهي كلمة الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
قوله: ((ودين نبينا محمد ﷺ )) الظاهر أنه قالها تعليماً لغيره، قال النووي ﵀ في ((الأذكار)): ((لعله ﷺ قال ذلك جهراً ليسمعه غيره، ليتعلم غيره)).
قوله: ((حنيفاً)) أي: مائلاً إلى الدين المستقيم.
٩١ - (١٧) ((سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)) (مِئَةَ مَرَّةٍ) (٢).
стр. 178
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
وجاء في الحديث: ((من قالها مئة مرة حين يصبح وحين يمسي، لم يأتِ أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه)).
قوله: ((مئة مرة)) تعيين المئة لحكمة يعلمها الشارع، وخفي وجهها علينا.
قوله: ((بأفضل)) أي: بشيء أفضل مما جاء به هذا القائل.
قوله: ((أو زاد عليه)) يدل على أن الزيادة لا تضر في تعيين العدد، بخلاف النقصان.
٩٢ - (١٨) ((لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ)).
[عشر مرات] (١) أو ((مرة واحدة)) (٢).
стр. 179
- صحابي الحديث هو أبو عيَّاش؛ قيل: اسمه زيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل: غير ذلك ﵁ (١).
وجاء في الحديث: ((أن مَن قالها حين يصبح وحين يمسي؛ كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكُتِب له عشر حسنات، وحُطّ عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يُمسي)) (٢).
قوله: ((عدل رقبة)) أي: ما يساوي إعتاق رقبة.
٩٣ - (١٩) ((لَا إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شريكَ لهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ علَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ)) (مئةَ مَرَّةٍ إذَا أصْبَحَ) (٣).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
وجاء في الحديث: أن مَن قالها مئة مرة في يوم كانت له عدل عشر رقاب، وكُتِبَ له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك.
стр. 180
٩٤ - (٢٠) ((سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، ورِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ ومِدَادَ كَلِمَاتهِ)) (ثلاثَ مَرَّاتٍ إذَا أصْبَحَ) (١).
- صحابية الحديث هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية، زوج النبي ﷺ ﵂.
والحديث بتمامه: أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: ((ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟!)) قالت: نعم، قال النبي ﷺ : ((لقد قُلتُ بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن ... ))
قوله: ((في مسجدها)) أي: موضع صلاتها.
قوله: ((سبحان الله وبحمده ... مداد كلماته)) أي: مثلها في العدد، وقيل: مثلها في أنها لا تنفد، وقيل: في الثواب؛ والمداد هنا مصدر بمعنى المدد؛ وهو ما كثرت به الأشياء.
والمراد هنا المبالغة به في الكثرة؛ لأنه ذكر أولاً ما يحصره العد الكثير من عدد الخلق، ثم زنة العرش؛ ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك، وعبر عنه بهذا؛ أي: ما لا يحصيه عدٌّ كما لا تحصى كلمات الله - تعالى -.