أو أشتغل في شيء لا يعنيني، ومعنى الثاني: أن يجهل غيري علي؛ بأن يقابلني مقابلة الجهلاء بالسفاهة، والمجادلة ... ، ونحوهما.
وفي هذا تعليم لأمته ﷺ ، وبيان الطريقة في كيفية استعاذتهم عند خروجهم من منازلهم.
١١ - الذِّكْرُ عِنْدَ دُخُولِ المَنْزِلِ
١٨ - ((بِسْمِ اللهِ وَلَجْنَا، وبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وعَلَى اللَّهِ رَبِّنا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أهْلِهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو مالك الأشعري؛ مختلف في اسمه؛ قيل: عبيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث ﵁.
قوله: ((بسم الله ولجنا)) أي: دخلنا.
قوله: ((بسم الله خرجنا)) أي: كان خروجنا أيضاً على ذكر الله تعالى.
стр. 72
قوله: ((وعلى الله ربنا توكلنا)) أي: معتمدين في دخولنا وخروجنا، وفي كل أمرنا على الله ربنا .
قوله: ((ثم يسلم على أهله)) أي: أهل بيته؛ يقول لهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
١٢ - دُعَاءُ الذَّهَابِ إلَى المَسْجِدِ
١٩ - ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي لِسَانِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، ومِنْ فَوْقِي نُوراً، وَمِنْ تَحْتِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ شِمَالِي نُوراً، وَمِنْ أمَامِي نُوراً، وَمِنْ خَلْفِي نُوراً، واجْعَلْ في نَفْسِي نُوراً، وأعْظِمْ لِي نُوراً، وَعَظِّمْ لِي نُوراً، واجْعَلْ لِي نُوراً، وَاجْعَلْنِي نُوراً، اللَّهُمَّ أعْطِنِي نُوراً، واجْعَلْ فِي عَصَبِي نُوراً، وَفِي لَحْمِي نُوراً، وَفِي دَمِي نُوراً، وفِي شَعْرِي نُوراً، وفِي بَشَرِي نُوراً)) (١).
[((اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُوراً فِي قَبْرِي ... ونُوراً فِي عِظَامِي])) (٢)
стр. 73
[((وَزِدْنِي نُوراً، وَزِدْنِي نُوراً، وَزِدْنِي نُوراً])) (١) [((وَهَبْ لِي نُوراً عَلَى نُورٍ])) (٢).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله ﷺ يمكن حملها على ظاهرها؛ فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نوراً، يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم، هو ومن تبعه أو مَن شاء الله منهم.
والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية؛ كما قال تعالى:
﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٤).
والتحقيق في معناه أن النور مُظهِرٌ ما نسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب
стр. 74
كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات)).
قال الطيبي ﵀: ((معنى طلب النور للأعضاء عضواً عضواً؛ أن يتحلى بأنوار المعرفة والطاعات ويتعرى عما عداهما؛ فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس، فكان التخلص منها بالأنوار السادَّة لتلك الجهات.
وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان وضياء الحق، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى:
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
١٣ - دُعَاءُ دُخُولِ المَسْجِدِ
٢٠ - ((يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى)) (٢)، ويقول: ((أعُوذُ باللَّهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)) (٣).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
وجاء في نهاية الحديث قوله: ((فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حُفظ مني سائر اليوم)).
قوله: ((بوجهه الكريم)) العرب تطلق الكريم على الشيء النافع الذي
стр. 75
يدوم نفعه، ويسهل تناوله، وكل شيء يشرف في بابه؛ فإنهم يصفونه بالكرم، ولا يستعمل الكرم في وصف أحد إلا في المحاسن الكثيرة، والعرب تقول: كرَّم الله وجهك؛ أي: أكرمك، ويستعمل الوجه في أشرف ما يقصد، وأعظم ما يُبتغى، ووجه الله الكريم أشرف ما يتوجه إليه، وأكرم ما يتوسل به.
[قال المصحح: ووجه الله الكريم يليق بجلاله وهو صفة من صفاته الذاتية لا يشبهه في ذلك أحداً من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾] (١).
قوله: ((وسلطانه القديم)) السلطان في الأصل الحجة، والمراد به هاهنا قهره وقدرته الباهرة القديمة.
ومعنى اختصاص وجه الله الكريم، وسلطانه القديم بالذكر عند الاستعاذة؛ أن التعوذ إنما يصح بمن انتهى كرمه، وعلا شأنه، وكملت قدرته، فلا يَخْذِلُ المستعيذ به، ولا يُسْلِمُهُ، ولا يُخيبُ رجاءه، ولا يعجز عن أمره، ولا يحيل إلى غيره، وذلك بما لا يوجد إلا عند الله، ولا ينال إلا منه .
قوله: ((الرجيم)) أي: المطرود من رحمة الله تعالى.
قوله: ((سائر اليوم)) أي: جميع اليوم.
стр. 76
((بسم اللهِ، وَالصَّلاةُ)) (١). (([وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ الله] (٢))، ((اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ)) (٣).
[قال المصحح: البسملة والصلاة من حديث أنس بن مالك ﵁، والسلام وطلب فتح أبواب الرحمة من حديث أبي هريرة ﵁] (٤).
قوله: ((الصلاة والسلام على رسول الله)) ومعنى الصلاة على النبي في جميع المواضع، ذكره في الملأ الأعلى، وقيل: تعظيمه في الدنيا بإعلاء كلمته، وإحياء شريعته، وفي الآخرة برفع درجته، وتشفيعه لأمته.
قوله: ((أبواب رحمتك)) أي: أنواع رحمتك.
١٤ - دُعَاءُ الخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ
٢١ - - ((يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى)) (٥) وَيَقُولُ: ((بِسْمِ اللَّهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم)) (٦).
стр. 77
- البسملة والصلاة من حديث أنس بن مالك ﵁، والسلام وطلب الفضل من حديث أبي حميد وأبي أسيد، وطلب العصمة من حديث أبي هريرة ﵃ جميعاً.
قال الطيبي رحمه الله تعالى: ((لعل السر في تخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج؛ أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته، فيناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل؛ كما قال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١).
قوله: ((اعصمني)) أي: احفظني وقني.
١٥ - أذْكَارُ الأَذَانِ
٢٢ - (١) يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ إلاَّ فِي ((حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ وَحَيَّ عَلَى الفَلاَحِ)) فَيَقُولُ: ((لاَ حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ)) (٢).
فالحديث المتفق عليه الذي أشار إليه المصنف؛ هو قوله: ((إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ؛ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ)).
وهو من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وأما الحديث الذي ذُكر فيه الحيعلة والتفصيل؛ فهو من رواية
стр. 78
مسلم (١)، وهو قوله ﷺ : ((إذا قال: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة)).
من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: ((إذا سمعتم النداء)) أي: الأذان.
قوله: ((ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله)) أي: ثم قال المؤذن.
قوله: ((قال: أشهد أن لا إله إلا الله)) أي: قال أحدكم ... إلى آخره.
قوله: ((حي على الصلاة)) أي: هلموا إليها.
قوله: ((حي على الفلاح)) أي: أسرعوا إلى الفوز والنجاح والنجاة.
قوله: ((من قلبه)) أي: خالصاً مخلصاً من قلبه، ودل هذا على أن الأعمال يشترط لها الإخلاص، ولا عمل بدون الإخلاص؛ لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢).
стр. 79
فالحديث الأول عام مخصوص بحديث عمر ﵁.
والمراد منه أن نقول مثل ما قاله غير الحيعلتين؛ فإنه يقول بعد قوله: حي على الصلاة وحي على الفلاح: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما قول المؤذن: الصلاة خير من النوم فلم يرد شيء في القول بمثل ما يقول أو غير ذلك، فتبقى على العموم، أو على عدم ذكر شيء عند سماعها، وهو الأرجح؛ لأنها مما زيد على ألفاظ الأذان في أذان الفجر فقط؛ فيحتاج القول بمثل ما يقول المؤذن عند سماعها إلى دليل، ولا دليل على ذلك.
[قال المصحح: والصواب أن المستمع للأذان إذا سمع المؤذن يقول: الصلاة خير من النوم في أذان الفجر يقول مثل ما يقول المؤذن: ((الصلاة خير من النوم))؛ لأن النبي ﷺ قال: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن))] (١).
واعلم أن إجابة المؤذن اختلف فيها؛ هل هي واجبة بالحديثين المتقدمين، أم هي سنة لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد، قال: ((وَأنَا وأنَا)) (٢)؟! والأظهر القول بسنِّيَّتها، والله أعلم.
стр. 80
٢٣ - (٢) يقولُ: ((وأنَا أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيْكَ لهُ، وأنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورَسُولُهُ، رَضِيتُ باللَّهِ رَبًّا، وبمُحَمَدٍ رَسُولاً، وبالإسْلامِ دِيناً)) (١) ((يَقُولَ ذَلِكَ عَقِبَ تَشَهُّدِ المُؤَذِّنِ)) (٢).
- صحابي الحديث هو سعد بن أبي وقاص ﵁.
قوله: ((رضيت بالله ربًّا)) أي: ملكاً ومالكاً ومتصرفاً ومدبراً ... [وإلهاً حقاً] (٣).
قوله: ((وبمحمدٍ رسولاً)) أي: رسولاً من عند الله - تعالى -؛ فأتابعه بكل ما جاء به؛ أأتمر بأمره وأنتهي عما نهى.
قوله: ((وبالإسلام ديناً)) أي: بأحكامه وشرائعه.
قوله: ((يقول ذلك عقب تشهد المؤذن)) أي: بعد قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
ليس هذا اللفظ لفظ رواية ابن خزيمة ﵀ إنما لفظه هو، قوله ﷺ : ((من سمع المؤذن يتشهد ... )).
стр. 81
٢٤ - (٣) ((يُصَلِّي عَلَى النَّبِي ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ إجَابَةِ المُؤَذِّنِ)) (١).
هذا من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة)).
قوله: ((ثم صلوا عليَّ)) أي: بعد الفراغ من إجابة المؤذن صلوا علي؛ وإنما أمر بالصلاة عليه عقب الإجابة؛ لأن الإجابة دعاء وثناء، ولا يقبل الدعاء إلا بالصلاة عليه، لقوله ﷺ : ((كل دعاء محجوب حتى يُصَلِّي على النبي ﷺ )) (٢).
قوله: ((فإنه)) أي: فإن الشأن أن ((من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشراً))، كما جاء عنه ﷺ أنه قال: ((من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات)) (٣).
стр. 82
قوله: ((ثم سلوا الله لي الوسيلة)) والوسيلة ما يتقرب به إلى الغير؛ يقال: وَسَلَ فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه بوسيلة، إذا تقرب إليه بعمل، والمراد بها في الحديث منزلة في الجنة، حيث فسرها ﷺ بقوله: ((فإنها منزلة في الجنة)).
قوله: ((لا تنبغي)) أي: هذه الوسيلة ((إلا لعبد)) واحد، ((من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو)).
قوله: ((حلت له)) أي: وجبت له ((الشفاعة))؛ أي: شفاعتي.
٢٥ - (٤) يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيْلَةَ والفَضِيْلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ، [إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيْعَادِ])) (١).
- صحابي الحديث هو جابر بن عبد الله ﵄.
قوله: ((رب هذه الدعوة التامة)) والمراد دعوة التوحيد؛ وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشرك نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا
стр. 83
تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها فمعرض للنقص.
قوله: ((الصلاة القائمة)) أي: الدائمة.
قوله: ((الوسيلة)) هي منزلة في الجنة.
قوله: ((الفضيلة)) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلق.
قوله: ((وابعثه مقاماً محموداً)) أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاماً يحمد القائم فيه.
قوله: ((الذي وعدته؛ إنك لا تخلف الميعاد)) قال الطيبي ﵀: ((المراد بذلك قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١)، وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله تعالى واقع)).
وجاء في نهاية الحديث؛ قوله ﷺ في جزاء من قالها: ((حلت له شفاعتي)) أي: استحقت ووجبت أو نزلت عليه.
قال المهلب ﵀: ((في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة)).
٢٦ - (٥) ((يَدْعُو لِنَفْسِهِ بَيْنَ الأَذَانِ والإقَامَةِ؛ فَإنَّ الدُّعَاءَ حِيْنَئذٍ لا يُرَدُّ)) (٢).
стр. 84
وهذا جاء في قوله ﷺ : ((لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة)).
- صحابي الحديث هو أبو سعيد الخدري ﵁.
ولفظ الدعاء بإطلاقه شامل لكل دعاء، ولكن لابد من تقييده بما في الأحاديث الأخرى من أنه ما لم يكن دعاء بإثم أو قطيعة رحم أو اعتداء.
١٦ - دُعَاءُ الاسْتِفْتَاحِ
قوله: ((الاستفتاح)) أي: افتتاح الصلاة.
٢٧ - (١) ((اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ، بالثَّلْجِ والمَاءِ والبَرَدِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((خطاياي)) جمع خطيئة؛ وهي الذنب.
وإنما شبه بعدها ببعد المشرق والمغرب مبالغة في البعد؛ لأنه ما في المشاهدات أبعد مما بين المشرق والمغرب، فيكون المراد من المباعدة محو الذنوب، وترك المؤاخذة بها، أو المنع من وقوعها، والعصمة منها.
قوله: ((اللهم نقني)) أي: نظفني ((من خطاياي)) كما تنظف ((الثوب
стр. 85
الأبيض من الدنس))؛ شبه نظافة ذاته من الذنوب بنظافة الثوب الأبيض من الدنس؛ لأن زوال الدنس في الثوب الأبيض أظهر، بخلاف سائر الألوان؛ فإنه ربما يبقى فيه أثر الدنس بعد الغسل، ولم يظهر ذلك لمانع فيه بخلاف الأبيض، فإنه يظهر كل أثر فيه؛ والقصد من هذا التشبيه أن يقلع من الذنوب بالكلية، كقلع الدنس من الثوب الأبيض، بحيث لم يبق فيه أثر ما.
قوله: ((اللهم اغسلني من خطاياي ... )) إلى آخره، ذَكَرَ أنواع المطهرات المنزلة من السماء، التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبياناً لأنواع المغفرة، التي لا يخلص من الذنوب إلا بها؛ أي: طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك، التي هي في تمحيص الذنوب نهاية هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الجنابة والأحداث.
والمعنى: كما جعلتها سبباً لحصول الطهارة، فاجعلها سبباً لحصول المغفرة؛ وبيان ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي: ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء)) (١).
٢٨ - (٢) ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وتَبَارَكَ اسْمُكَ، وتَعَالَى جَدُّكَ، ولاَ إلَهَ غَيْرُكَ)) (٢).
стр. 86
- صحابي الحديث هو أبو سعيد الخدري ﵁، وعائشة ﵂.
قوله: ((وبحمدك)) أي: أحمد بحمدك، أو تقديره: وبحمدك سبَّحتك، ووفِّقْتُ لذلك.
قوله: ((وتبارك)) من البركة، وهي الكثرة والاتساع، وتبارك؛ أي: تعالى وتعظم، وكثرت بركاته في السموات والأرض، إذ به تقوم، وبه تستنزل الخيرات.
قوله: ((وتعالى)) أي: علا وارتفع.
قوله: ((جدك)) أي: عظمتك.
٢٩ - (٣) ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ حَنِيفاً ومَا أنَا مِنَ المُشْرِكينَ، إنَّ صَلاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، ومَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العَالَمينَ، لا شَرِيْكَ لَهُ، وبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وأَنَا مِنَ المُسْلِمينَ. اللَّهُمَّ أنْتَ الْمَلِكُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، أنْتَ رَبِّي، وأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً إنَّهُ لا يَغْفِرُ
стр. 87
الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ، وَاهْدِنِي لأحْسَنِ الأخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأحْسَنِهَا إلاَّ أنْتَ، واصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلاَّ أنْتَ، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إليْكَ، أنَا بِكَ وإلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وتَعَالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوْبُ إلَيْكَ)) (١).
- صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: ((وجهت وجهي)) أي: أخلصت ديني وعملي، وقيل: قصدت بعبادتي ((الذي فطر السموات والأرض)) أي: خلق السموات والأرض.
قوله: ((حنيفاً)) أي: مستقيماً مخلصاً؛ معناه: مائلاً إلى الدين الحق، وهو الإسلام؛ وأصل الحنف الميل، ويكون من الخير والشر، وينصرف إلى ما تقتضيه القرينة.
وقال أبو عبيد ﵀: ((الحنيفي عند العرب من كان على دين إبراهيم)).
قوله: ((وما أنا من المشركين)) بيان الحنيف، وإيضاح معناه.
و ((المشرك)) يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ويهودي،
стр. 88
ونصراني، ومجوسي، ومرتدٍّ، وزنديق ... وغيرهم.
قوله: ((إن صلاتي)) أي: عبادتي.
قوله: ((نسكي)) أي: تقربي كله، وقيل: ذبحي.
وجمع بين الصلاة والذبح، كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١)، وقيل: صلاتي وحجي.
قوله: ((ومحياي ومماتي)) أي: وما آتيه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ((لله رب العالمين)) خالصة لوجهة ((لا شريك له، وبذلك)) من الإخلاص ((أمرت)) من الله تعالى، ((وأنا من المسلمين)).
قوله: ((ظلمت نفسي)) بأن أوردتها موارد المعاصي.
قوله: ((واعترفت بذنبي)) والاعتراف بالذنب بمنزلة الرجوع منه، قدمه على سؤال المغفرة أدباً، كما قال آدم وحواء - صلوات الله عليهما وسلامه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
قوله: ((واهدني)) أي: ارشدني ووفقني ((لأحسن الأخلاق)) أي: لصوابها.
قوله: ((واصرف عني سيئها)) أي: سيء الأخلاق؛ أي: قبيحها.
стр. 89
قوله: ((لبيك)) من اللب بالمكان إذا أقام به ولزمه؛ ومعناها: أنا مقيم على طاعتك.
قوله: ((وسعديك)) أي: إسعاداً بعد إسعاد.
قوله: ((والشر ليس إليك)) اعلم أن مذهب أهل الحق أن جميع الكائنات خيرها وشرها، نفعها وضرها، كلها من الله ، وبإرادته وتقديره هو وقد اختلف العلماء في تفسيره، على عدة أقوال:
الأول: أن معناه: والشر لا يُتقرَّب به إليك - هو الأشهر -.
والثاني: لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب.
والثالث: لا يضاف إليك أدباً؛ فلا يقال: يا خالق الشر، وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الخنازير، وإن كان خالقها.
والرابع: ليس شرًّا بالنسبة إلى حكمتك؛ فإنك لا تخلق شيئاً عبثاً - وهذا قوي - والله أعلم.
قوله: ((أنا بك وإليك)) أي: بك أستجير، وإليك ألتجئ، وبك أحيا وأموت، وإليك المرجع والمصير، أو أنا قائم بك؛ لأن جميع الموجودات الممكنة قائمة بك، وراغب إليك ... ، ونحو ذلك من التقديرات.
قوله: ((تباركت)): استحققت الثناء العظيم المتزايد.
قوله: ((وتعاليت)) أي: تعظمت عن مُتَوهم الأوهام، ومتصور الأفهام، وعن كل النقائص.
стр. 90
٣٠ - (٤) ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائيلَ، ومِيكَائيْلَ، وإسْرَافيْلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بإذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (١).
- صحابية الحديث هي عائشة ﵂.
قوله: ((رب جبرائل وميكائيل وإسرافيل)) إنما خصص هؤلاء بالذكر من بين سائر المخلوقات، كما جاء في القرآن والسنة من نظائره؛ من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة، وكبير الشأن، ودون ما يستحقر ويستصغر؛ فيقال له: سبحانه رب السموات والأرض، ورب العرش الكريم، ورب الملائكة والروح، ورب المشرقين والمغربين، ورب الناس ورب كل شيء، فاطر السموات والأرض، خالق السموات والأرض، وكل ذلك وشبهه وصف له بدلائله العظيمة، وعظيم القدرة والملك.
ومعنى ((جبرائيل)) عبد الله؛ لأن ((جبر)) معرب ((كبر)) وهو العبد، و ((ائيل)) هو الله تعالى، وهو: أي: جبرائيل - ملك متوسط بين الله
стр. 91
ورسله، وهو أمين الوحي، وكذلك ((ميكائيل وإسرافيل)) معناهما عبد الله، قيل: إنما خص هذه الملائكة تشريفاً لهم.
قوله: ((عالم الغيب والشهادة)) أي: ما غاب عن العباد وما شاهدوه.
قوله: ((اهدني لما اختلف فيه من الحق)) أي: وفقني إلى الحق الذي اختُلف فيه وثبتني عليه.
قوله: ((بإذنك)) أي: بتيسيرك وفضلك.
قوله: ((إلى صراط مستقيم)) أي: طريق الحق والصواب.
٣١ - (٥) ((اللهُ أكْبَرُ كَبيراً، اللهُ أكْبَرُ كَبيراً، اللهُ أكْبَرُ كَبيراً، والحَمْدُ للَّهِ كَثيراً، والحَمْدُ للَّهِ كَثِيراً، وَالحَمْدُ للَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلاً (ثَلاثاً) أعُوذُ با للَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ: مِنْ نَفْحِهِ وَنَفْثِهِ، وهَمْزِهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو جبير بن مطعم ﵁.
قوله: ((الله أكبر كبيراً)) أي: كبرت كبيراً، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة، أو مصدراً بتقدير تكبيراً كبيراً.
قوله: ((كثيراً)) أي: حمداً كثيراً.
стр. 92
قوله: ((بكرة وأصيلاً)) أي: أول النهار وآخره.
قوله: ((نفخه)) فسرها الراوي بالكبر؛ وإنما فسر النفخ بالكبر؛ لأن المتكبر يتعاظم لا سيما إذا مدح.
قوله: ((نفثه)) فسرها الراوي بالشعر؛ وإنما كان الشعر من نفثة الشيطان؛ لأنه يدعو الشعراء المداحين الهجائين المعظمين المحقرين ... ، وقيل: المراد شياطين الإنس؛ وهم الشعراء الذين يختلقون كلاماً لا حقيقة له.
والنفث في اللغة: قذف الريق وهو أقل من التفل.
قوله: ((همزه)) فسرها الراوي بالموتة؛ والمراد بها هنا الجنون.
والهمز في اللغة: العصر، يقال: همزت الشيء في كفي؛ أي: عصرته.
٣٢ - (٦) ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ (١) أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فيهنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ]، [وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ] [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ] [وَلَكَ الحَمْدُ] [أنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وقَوْلُكَ الحَقُّ، ولِقَاؤُكَ الحَقُّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ
стр. 93
حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ] [اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وبِكَ آَمَنْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإليْكَ حَاكَمْتُ. فاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، ومَا أخَّرْتُ، ومَا أسْرَرْتُ، ومَا أعْلَنْتُ] [أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ] [أنْتَ إلَهِي لَا إِلَهَ إلاَّ أنْتَ])) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
قوله: ((أنت نور السموات والأرض)) أي: إن كل شيء استنار منها واستضاء فبقدرتك، وأضاف النور إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشوا ضياءه، وعلى هذا فسر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢).
وقد ثبت أن الله تعالى سمى نفسه: ((النور)) بالكتاب والسنة، وقد ورد في الكتاب على صيغة الإضافة، وفي الحديث الصحيح (٣) الذي جاء
стр. 94
عن أبي ذر ﵁ من غير إضافة، وذلك قوله ﷺ : ((نور أنى أراه)) حين سأله أبو ذر ﵁: ((هل رأيت ربك؟)).
[قال المصحح: قوله ﷺ : ((نور أنَّى أراه)) معناه: حجابه نور فكيف أراه، وقد فسر ذلك الحديث الآخر الذي قال فيه النبي ﷺ : ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور)) وفي رواية: ((النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) (١). فاسم النور بدون إضافة يحتاج إلى دليل، أما القرآن فقد جاء مضافاً نور السموات والأرض] (٢).
وقد أحصى أهل الإسلام ((النور)) في جملة الأسماء الحسنى، وقد عرفنا من أصول الدين أن حقيقة ذلك ومعناه يختص بالله سبحانه، ولا يجوز أن يفسر بالمعاني المشتركة، وصح لنا إطلاقه على الله بالتوقيف.
[قال المصحح: سألت شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هل من أسماء الله النور؟ فقال: نور السموات والأرض] (٣).
ونقول في بيان ما أشكل: إن الله تعالى سمى القمر نوراً، وسمى النبي ﷺ نوراً، وهما مخلوقات، وبينهما مباينة ظاهرة في المعنى، فتسمية القمر بالنور
стр. 95
للضوء المنتشر منه في الأبصار، وتسمية النبي ﷺ به للدلالات الواضحة، التي لاحَت منه للبصائر، وسمى القرآن نوراً لمعانيه التي تُخرج الناس عن ظلمات الكفر والجهالة، وسمى نفسه نوراً لما اختص به من إشراق الجلال، [وسبحات] العظمة، التي تضمحل الأنوار دونها.
وهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق فيه لغيره سبحانه، بل هو المستحق له المدعو به: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١).
قوله: ((أنت قيم السموات)) أي: الذي يقوم بحفظها ومراعاتها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، يؤتي كل شيء ما به قوامه، ويقوم على كل شيء من خلقه مما يراه من تدبيره.
قوله: ((أنت رب السموات والأرض)) أي: أنت مالك السموات والأرض ((ومن فيهن)) والرب يأتي بمعنى المالك والسيد والمطاع والمصلح.
قوله: ((أنت الحق)) الحق اسم من أسماء الله - تعالى -؛ ومعناه: الموجود حقيقة، المتحقق وجوده وإلاهيته.
قوله: ((ووعدك الحق)) أي: الثابت غير الباطل؛ قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢).
قوله: ((وقولك الحق)) أي: غير كذب، بل هو صدق حقاً وجزماً.
стр. 96
قوله: ((ولقاؤك الحق)) أي: واقع كائن لا محالة، والمراد من لقاء الله: المصير إلى الدار الآخرة.
[قال المصحح: لقاء الله تعالى حق لا شك فيه، لكن على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: ((أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير، وقال: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ... كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ فذكر أنه يكدح إلى الله فيلاقيه، والكدح إليه: يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبهما ... ))] (٢).
قوله: ((والجنة حق)) أي: موجودة مُعدَّة للمؤمنين.
قوله: ((والنار حق)) موجودة مُعدَّة للكافرين.
قوله: ((والنبيون حق)) أي: حق في أنهم من عند الله - تعالى - وأنهم أنبياء الله تعالى وعبيده.
قوله: ((ومحمد حق)) أي: حق نبوته ورسالته، وأنه عبد الله ورسوله إلى العرب والعجم [والإنس والجن، ولا نبي بعده] (٣)، وإنما أفرد نفسه بالذكر، وإن كان داخلاً في النبيين، تنبيهاً على شرفه وفضله.
стр. 97
قوله: ((والساعة حق)) أي: واقعة كائنة لا محالة، والمراد من الساعة هو الحشر والنشر.
قوله: ((اللهم لك أسلمت)) أي: انقدتُ وأطعت.
قوله: ((وبك آمنت)) أي: صدقت بك وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت.
فيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام.
قوله: ((وعليك توكلت)) أي: فوَّضت أمري إليك، واعتمدتُ في كل شأني عليك.
قوله: ((وإليك أنبت)) أي: رجعت وأقبلت بهمتي وطاعتي إليك، وأعرضت عما سواك.
قوله: ((وبك خاصمت)) أي: بك أحتج وأدافع، وأقاتل من عاند فيك، وكفر بك، وأقمعه بالحجة وبالسيف.
قوله: ((وإليك حاكمت)) أي: رفعت محاكمتي إليك في كل من جحد الحق، وجعلتك الحكم بيني وبينه، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم، من صنم وكاهن ونار وشيطان .. وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد على غيرك.
قوله: ((فاغفر لي ما قدمت وما أخرت)) أي: من الذنوب.
قوله: ((وما أسررت)) بها، ((وما أعلنت)) منها؛ أي: من المعاصي والذنوب.
стр. 98
معلوم أن النبي ﷺ مغفور له ومعصوم عن الذنوب؛ فيكون هذا تواضعاً منه وهضماً لنفسه، ويجوز أن يكون تعليماً لأمته، وإرشاداً إلى طريق الدعاء؛ لأنهم غير معصومين ومبتلون بالذنوب، والتقصير في الطاعة.
١٧ - دُعَاءُ الرُّكُوعِ
٣٣ - (١) ((سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ)) ثَلاثَ مَرَّاتٍ (١).
- صحابي الحديث هو حذيفة بن اليمان ﵁.
قوله: ((سبحان ربي العظيم)) أي: أنزهه وأقدسه عن كل النقائص.
قوله: ((ثلاث مرات)) أي: يقولها ثلاث مرات.
ويستحب أهل العلم ألا ينقص الإنسان في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات.
٣٤ - (٢) ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) (٢).
- صحابية الحديث هي عائشة ﵂.
стр. 99
بَوَّب البخاري ﵀ على هذا الحديث: باب الدعاء في الركوع.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ معلقاً على تبويب البخاري: ((فقيل: الحكمة في تخصيص الركوع بالدعاء دون التسبيح - مع أن الحديث واحد - أنه قصد الإشارة إلى الرد على مَن كره الدعاء في الركوع كمالك ﵀، وأما التسبيح فلا خلاف فيه، فاهتم هنا بذكر الدعاء لذلك.
وحجة المخالف؛ الحديث الذي أخرجه مسلم (١) من رواية ابن عباس ﵄ مرفوعاً، وفيه: ((فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم))؛ لكنه لا مفهوم له؛ فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود)).
٣٥ - (٣) ((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ)) (٢).
- صحابية الحديث هي عائشة ﵂.
قوله: ((سُبُّوح)) أي: المنزه عن كل عيب، من سبحت الله تعالى؛ أي: نزهته.
قوله: ((القُدوس)) الطاهر من كل عيب، العظيم في النزاهة عن كل ما يستقبح.
قوله: ((والروح)) قيل: جبريل ﵇، خص بالذكر تفضيلاً
стр. 100
على سائر الملائكة؛ كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (١)، وقيل: الروح صنف من الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ (٢)، ويحتمل أن يراد به الروح الذي به قوام كل حي؛ أي: رب الملائكة، ورب الروح، والله أعلم.
٣٦ - (٤) ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وعَصَبِي، [وَمَا اسْتَقَلَّت بهِ قَدَمي])) (٣).
- صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: ((لك ركعت)) تأخير الفعل للاختصاص؛ والركوع؛ هو الميلان والخرور، وقد يُذكر ويُراد به الصلاة.
قوله: ((خشع لك سمعي .. )) والمراد بالخشوع من هذه الأشياء هو الانقياد والطاعة؛ فيكون هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم.
أما تخصيص السمع والبصر من بين الحواس؛ فلأنهما أعظم الحواس،
стр. 101
وأكثرها فعلاً، وأقواها عملاً، وأمسها حاجة؛ ولأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعتا قَلَّت الوساوس.
وأما تخصيص المخ والعظم والعصب من بين سائر أجزاء البدن؛ فلأن ما في أقصى قعر البدن المخ، ثم العظم، ثم العصب؛ لأن المخ يمسكه العظم، والعظم يمسكه العصب، وسائر أجزاء البدن مركبة عليها، فإذا حصل الانقياد والطاعة، فهذه عمدة بنية الحيوان، وأيضاً العصب خزانة الأرواح النفسانية، واللحم والشحم غادٍ ورائح، فإذا حصل الانقياد والطاعة من هذه فمن الذي يتركب عليهما بطريق الأولى.
ومعنى انقياد السمع: قبول سماع الحق، والإعراض عن سماع الباطل، وأما انقياد البصر: النظر إلى كل ما ليس فيه حرمة، وأما انقياد المخ والعظم والعصب: انقياد باطنه كانقياد ظاهره؛ لأن الباطن إذا لم يوافق الظاهر لا يكون انقياد الظاهر مفيداً معتبراً، وانقياد الباطن عبارة عن تصفيته عن دنس الشرك والنفاق، وتزيينه بالإخلاص والعلم والحكمة.
قوله: ((وما استقلت به قدمي)) أي: جميع بدنه؛ فهو من عطف العام على الخاص.
٣٧ - (٥) ((سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ، والمَلَكُوتِ، والكِبْرِيَاءِ، والعَظَمَةِ)) (١).
стр. 102
- صحابي الحديث هو عوف بن مالك الأشجعي ﵁.
قوله: ((ذي الجبروت)) الجبروت: من الجبر، وهو القهر، وهو من صفات الله تعالى ومنه الجابر؛ ومعناه: الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي.
قوله: ((الملكوت)) من الملك؛ ومعنى ذي الملكوت: صاحب ملاك كل شيء.
وصيغة الفعلوت للمبالغة.
قوله: ((والكبرياء)) أي: سبحان ذي الكبرياء؛ أي: العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله .
١٨ - دُعَاءُ الرَّفْع مِنَ الرُّكُوعِ
٣٨ - (١) ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
٣٩ - (٢) ((رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ، حَمْداً كَثيراً طَيِّباً مُبَاركاً فيهِ)) (٢).
- صحابي الحديث هو رِفَاعة بن رافع الزُّرقي ﵁.
стр. 103
وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث، على أن التسميع والتحميد يجمع بينهما الإمام والمأموم على السواء.
وأما قوله ﷺ : ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد))؛ فإنه لم يُسق لبيان ما يقول الإمام والمأموم في هذا الركن، بل لبيان أن تحميد المأموم إنما يكون بعد تسميع الإمام.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): ((وأنَّه يُستحب لكل مصلٍّ من إمام ومأموم ومنفرد؛ أن يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ويجمع بينهما فيكون قوله: سمع الله لمن حمده في حال ارتفاعه، وقوله: ربنا ولك الحمد في حال اعتداله؛ لقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (١).
[قال المصحح: والصواب أن المأموم لا يجمع بين التسميع والتحميد، فإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده؛ فإن المأموم يقول: ((ربنا ولك الحمد)) قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في ترجيحه، لعدم قول المأموم سمع الله لمن حمده: (( ... فإذا قال قائل: ما الجواب عن قوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقد كان ﷺ يقول: ((سمع الله لمن حمده)) فالجواب على هذا سهل، وهو: أن قوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) عام، وأما قوله: ((وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)) (٢).
стр. 104
فهذا خاص، والخاص يقضي على العام، فيكون المأموم مستثنى من هذا العموم؛ بالنسبة لقوله: ((سمع الله لمن حمده))؛ فإنه يقول: ((ربنا ولك الحمد)) فقط] (١).
قوله: ((سمع الله لمن حمده)) أي: تقبل الله منه حمده. [واستجاب له] (٢).
وَضَع السمعَ موضع القَبولِ والإجابة للاشتراك بين القبول والسمع، والغرض من الدعاء القبول والإجابة.
قوله: ((ربنا ولك الحمد)) وفي رواية بلا ((واو))، والأكثر على أنه بـ ((واو)) وكلاهما حسن، ثم قيل: هذه ((الواو)) زائدة، وقيل: عاطفة؛ تقديره: ربنا حمدناك ولك الحمد.
[قال المصحح: قد ثبت عن النبي ﷺ في الذكر بعد الرفع من الركوع أربعة أنواع على النحو الآتي:
النوع الأول: ((ربنا لك الحمد)) (٣).
النوع الثاني: ((ربنا ولك الحمد)) (٤).
النوع الثالث: ((اللهم ربنا لك الحمد)) (٥).
стр. 105
النوع الرابع: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) (١).
والأفضل أن يقول كل نوع، فينوِّع: يقول: هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة (٢).
قوله: ((ربنا ولك الحمد)) الحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم)) (٣)].
قوله: ((طيباً)) أي: خالصاً.
قوله: ((مباركاً)) أي: متزايداً.
٤٠ - (٣) ((مِلْءَ السَّمَوَات ومِلءَ الأرضِ ومَا بَيْنَهُما، ومِلْء ما شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ، أحَقُّ ما قَالَ العَبْدُ، وكُلُّنا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيتَ، ولا مُعْطِي لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ)) (٤).
- صحابي الحديث هو أبو سعيد الخدري ﵁.
قوله: ((ملء السموات وملء الأرض وما بينهما)) إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فيه.
стр. 106
قال الخطابي ﵀: ((هذا الكلام تمثيل وتقريب، والكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد، حتى لو يقدر أن تكون تلك الكلمات أجساماً تملأ الأماكن، لبلغت من كثرتها ما يملأ السموات والأرض)).
قوله: ((وملء ما شئت من شيء بعد)) هذه إشارة إلى أن حمد الله أعز من أن يدخل فيه الحسبان، أو يكتنفه الزمان والمكان؛ فأحال الأمر فيه على المشيئة، وليس وراء ذلك للحمد منتهى، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه، وبهذه الرتبة استحق نبينا ﷺ أن يسمى أحمد؛ لأنه كان أحمد ممن سواه.
قوله: ((أهل الثناء)) والثناء: هو الوصف الجميل والمدح.
قوله: ((والمجد)) أي: العظمة، ونهاية الشرف، يقال: رجلٌ ماجدٌ، منضال كثيرُ الخيرِ شريفٌ، والمجيد: فعيل، للمبالغة، ومنه سُمي الله مجيداً.
وقوله: ((وكلنا لك عبد)) اعتراف بالعبودية لله تعالى وأنه المالك لنا.
وكون هذا أحق ما يقوله العبد؛ لأن فيه التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته.
قوله: ((ولا ينفع ذا الجَد منك الجد)) أي: لا ينفع الغنى صاحبَ الغنى منك غناه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك.
والجد في اللغة الحظ، والسعادة، والغنى، ومنه ((تعالى جدك))؛ أي: علت عظمتك، ويجيء بمعنى أب الأب.
стр. 107
١٩ - دُعَاءُ السُّجُودِ
٤١ - (١) ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى)) (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١).
- صحابي الحديث هو حذيفة بن اليمان ﵁.
قوله: ((سبحان ربي الأعلى)) أي: أنزهه وأقدسه عن كل النقائص.
قوله: ((ثلاث مرات)) أي: يقولها ثلاث مرات.
ويستحب أهل العلم ألا ينقص الإنسان في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، بل يزيد على ذلك.
والحكمة في تخصيص الركوع بالعظيم والسجود بالأعلى؛ أن السجود لمَّا كان فيه غاية التواضع، لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام كان أفضل من الركوع، فحسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل، وهو الأعلى بخلاف العظيم.
٤٢ - (٢) ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) (٢).
تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (٣٤).
стр. 108
٤٣ - (٣) ((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ)) (١).
تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (٣٥).
٤٤ - (٤) ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخَالِقينَ)) (٢).
- صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: ((وشق سمعه وبصره)) من الشَّق - بفتح الشين - أي: فلق وفتح، والشِّق - بكسر الشين - نصف الشيء.
قوله: ((أحسن الخالقين)) أي: المقدرين والمصورين.
٤٥ - (٥) ((سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ، والمَلَكُوتِ، والكِبْرِيَاءِ، والعَظَمَةِ)) (٣).
تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (٣٧).
٤٦ - (٦) ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلّهُ، وَأوَّلَهُ
стр. 109
وآخِرَهُ، وعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((دِقَّه)) أي: قليله.
قوله: ((جِلّه)) أي: كثيره.
قوله: ((دقه وجله ... )) إلى آخره، تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: ((اغفر لي ذنبي كله)) تناول جميع ذنوبه مجملاً، ثم فصله بقوله: دقه وجله ... ، وهذا أعظم بالاعتراف والإقرار بما اقْتُرِفَ.
٤٧ - (٧) ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوْذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) (٢).
- صحابية الحديث هي عائشة ﵂.
قال الخطابي ﵀: ((استعاذ رسول الله ﷺ ، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له استعاذ به منه لا غير.
стр. 110
ومعنى ذلك: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب في حق عبادته، والثناء عليه)).
قوله: ((أعوذ بك منك)) أي: أعوذ بك من سخطك، أو من عذابك.
قوله: ((لا أحصي ثناء عليك)) أي: لا أطيقه ولا أبلغه.
قوله: ((أنت كما أثنيت على نفسك)) اعتراف بالعجز عن الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، فكما أنه لا نهاية لصفاته فكذلك لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه.
فكل ثناء أثنى به عليه - وإن كثر، وطال، وبالغ فيه - فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ.
٢٠ - دُعَاءُ الجَلسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَينِ
٤٨ - (١) ((رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي)) (١).
- صحابي الحديث هو حذيفة بن اليمان ﵁.
جاء في صلاة النبي ﷺ في الليل، وقيامه الطويل بالبقرة، والنساء، وآل عمران، وركوعه الذي هو نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك .. ، وأنه كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي ... ، ويجلس بقدر سجوده.