١٢١ - (٢) ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ وغَلَبَةِ الرِّجَالِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أنس بن مالك ﵁.
وجاء في بداية الحديث؛ قول أنس ﵁: فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: ...
قوله: ((الهم والحزن)) قال الطيبي ﵀: ((الهم في المتوقع، والحزن فيما فات)).
قوله: ((وضَلَع الدَّيْن)) أصل الضَلَع الاعوجاج، يقال: ضَلَعَ يَضْلَع؛ أي: مال؛ والمراد به هنا ثقل الدين وشدته؛ وذلك حيث لا يجد مَن عليه الدين وفاء، ولا سيما مع المطالبة.
وقال بعض السلف: ((ما دخل هَمُّ الدَّين قلباً، إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه)).
قوله: ((وغلبة الرجال)) أي: قهرهم وشدة تسلطهم عليه؛ والمراد بالرجال الظلمة أو الدائنون، واستعاذ ﷺ من أن يغلبه الرجال لما في ذلك من الوهن في النفس.
стр. 212
قال الكرماني ﵀: ((هذا الدعاء من جوامع الكلم؛ لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية وبدنية وخارجية؛ فالأولى بحسب القوى التي للإنسان؛ وهي ثلاثة: العقلية والغضبية والشهوانية؛ فالهم والحزن يتعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية، والعجز والكسل بالبدنية، والضَلع والغلبة بالخارجية؛ والدعاء مشتمل على جميع ذلك)) بتصرف.
٣٥ - دُعَاءُ الكَرْبِ
١٢٢ - (١) ((لَا إلَهَ إِلاَّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمُ، لَا إلَهَ إلا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَريْمِ)) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
وفي رواية لمسلم: أن النبي ﷺ إذا حزبه أمر؛ أي: نزل به أمر مهم، أو أصابه غم.
قوله: ((العظيم)) صفة الرب سبحانه، ومعناه: الذي جل عن حدود العقول، حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته.
قوله: ((الحليم)) هو الذي لا يستخفّه شيء من عصيان العباد، ولا
стр. 213
يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً، فهو منته إليه.
قوله: ((رب العرش الكريم)) الكريم صفة للرب ؛ ومعناه: الجواد المعطي، الذي لا ينفذ عطاؤه، وهو الكريم المطلق؛ والكريم: الجامع أنواع الخير والشرف والفضائل.
١٢٣ - (٢) ((اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أرْجُو، فَلا تَكِلني إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إلاَّ أنْتَ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو بكرة، نفيع بن الحارث الثقفي ﵁.
قوله: ((رحمتك أرجو)) تأخير الفعل للاختصاص؛ أي: نخصك برجاء الرحمة، فغيرك لا يرحم.
قوله: ((فلا تكلني إلى نفسي)) أي: لا تسلمني ولا تتركني إلى نفسي، فأنصرف عن طاعتك باتباعها.
قوله: ((طرفة عين)) خارج مخرج المبالغة؛ يعني: لا تكلني إلى نفسي أصلاً في أي حالة من الأحوال.
قوله: ((شأني)) أي: أمري وحالي.
١٢٤ - (٣) ((لَا إِلَه إِلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ
стр. 214
الظَّالِمينَ)) (١).
- صحابي الحديث هو سعد بن أبي وقاص ﵁.
والحديث بتمامه، هو قوله ﷺ : ((دعوة ذي النون إذ دعا بها، وهو في بطن الحوت: ((لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)) لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط؛ إلا استُجيب له)).
قوله: ((دعوة ذي النون)) أي: دعاؤه، وذو النون اسم النبي يونس ﵇، ومن الأنبياء جماعة لهم اسمان، مثل عيسى والمسيح، وذي الكفل واليسع، وإبراهيم والخليل، ومحمد وأحمد ... ، والنون اسم الحوت، ومعنى ذي النون: صاحب النون.
قوله: ((إذ دعا بها)) أي: حين دعا بها ربه، ((وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)) بمعنى: سبحانك إني تبت إليك، إني كنت من الظالمين لنفسي.
قوله: ((في شيء قط)) أي: في شيء من الأشياء، وكلمة ((قط)) للماضي المنفي، ويجوز فيه تسكين الطاء بالتشديد، والتخفيف، وضمها بهما.
١٢٥ - (٤) ((اللهُ اللهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بهِ شَيْئاً)) (٢).
стр. 215
- صحابية الحديث هي أسماء بنت عميس ﵂.
وجاء في بداية الحديث؛ قوله ﷺ : ((ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب ... )).
قوله: ((الله الله)) تأكيد لفظي؛ وهو مناداة حذف منه حرف النداء (يا) في اللفظين، وتقدير الكلام: يا الله، يا الله.
ولا دليل في هذا الحديث على جواز إفراد اسم الله تعالى في الذكر؛ كقولهم: الله الله الله الله ... وهكذا، بدون طلب من المنادى.
وأما الحديث فإن سياقه يدلُّ على أنَّ الذي يدعو مصاب بكرب؛ فيكون تقديره: يا الله يا الله فرج عني ما بي من الكرب، فأنت ربي ولا أشرك بك شيئاً.
٣٦ - دُعَاءُ لِقَاءِ العَدُوِّ وذِي السُّلْطَانِ
قوله: ((ذي السلطان)) أي: ذي قوة وقدرة؛ وهو كل مَن له يد قاهرة على الناس.
١٢٦ - (١) ((اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُوْرِهِمْ، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ)) (١).
стр. 216
- صحابي الحديث هو أبو موسى الأشعري ﵁.
وجاء في بدايته: أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوماً، قال: ...
قوله: ((نجعلك في نحورهم)) يقال: جعلت فلاناً في نحر العدو؛ أي: قبالته وحذاءه، وتخصيص النحر بالذكر؛ لأن العدو يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال؛ والمعنى: نسألك أن تتولانا في الجهة التي يريدون أن يأتونا منها، ونتوقى بك عما يواجهوننا به، فأنت الذي تدفع شرورهم، وتكفينا أمرهم، وتحول بيننا وبينهم، ولعله اختار هذا اللفظ تفاؤلاً بقتل العدو، والله أعلم.
١٢٧ - (٢) ((اللَّهُمَّ أنْتَ عَضُدِي، وأنْتَ نَصِيري، بِكَ أحُولُ، وَبِكَ أصُولُ، وَبِكَ أقَاتِلُ)) (١).
- صحابي الحديث هو أنس بن مالك ﵁.
وجاء في بدايته: أن النبي ﷺ كان يقول عند لقاء العدو: ...
قوله: ((أنت عضدي)) أي: عوني.
قوله: ((أحول)) بالحاء المهملة؛ أي: أتحرك.
قوله: ((وبك أصول)) أي: بك أحمل على العدو، من الصولة وهي الحملة.
قوله: ((وبك أقاتل)) أي: بعونك وتأييدك أقاتل.
стр. 217
١٢٨ - (٣) ((حَسْبُنَا اللهُ، ونِعْمَ الوَكِيلُ)) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
وجاء فيه: ((قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقاله محمد ﷺ حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٢).
قوله: ((قالها إبراهيم)) أي: قال هذه الكلمة ((حين أُلقي في النار))، عقاباً له من قومه، لما فعل من تحطيم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله تعالى.
قوله: ((وقالها محمد)) أي: قال هذه الكلمة نبينا محمد ﷺ حين قال نعيم بن مسعود: إن الناس قد جمعوا لكم؛ يعني: أبا سفيان وأصحابه، فاخشوهم ولا تخرجوا إليهم، ولم تسمع الصحابة منه، فخرجوا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأيقنوا أن الله لا يخذل محمداً، فلا جرم رجعوا غانمين سالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٣).
قوله: ((حسبنا الله)) أي: يكفينا الله تعالى في كل شيء، و ((نعم الوكيل)) يعني: نعم الثقة، وهو اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: القيم الكفيل بأرزاق العباد.
وكلمة ((نعم)) للمدح، كما أن كلمة ((بئس)) للذم.
стр. 218
٣٧ - دُعَاءُ مَنْ خَافَ ظُلْمَ السُّلْطَانِ
١٢٩ - (١) ((اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْعِ، ورَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، كُنْ لِي جَاراً مِنْ فُلاَنِ بْنِ فُلانٍ، وأحْزَابِهِ مِنْ خَلائِقِكَ؛ أنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحدٌ مِنْهُمْ أوْ يَطْغَى، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنُاؤُكَ، ولا إِلَهَ إلاَّ أنْتَ)) (١).
هذا أثر من قول عبد الله بن مسعود ﵁.
قوله: ((كُن لي جاراً)) أي: مجيراً ومعيناً.
قوله: ((أن يفرط علي أحد منهم أو يطغى)) كقوله تعالى فيما حكاه عن موسى وهارون: ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ (٢).
أي: يعجل علينا بالقتل والعقوبة، ويقال: فرط عليه فلان إذا عجل.
((أو يطغى)) أي: يتجاوز الحد في الإساءة.
قوله: ((عز جارك)) أي: قوي من استجار بك.
قوله: ((جل ثناؤك)) أي: عظم الثناء عليك.
стр. 219
١٣٠ - (٢) ((اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أعَزُّ مِنْ خَلْقِهِ جَمِيعاً، اللهُ أعَزُّ مِمَّا أخَافُ وأحْذَرُ، أعُوذُ باللهِ الذِي لَا إِلَهَ إلاَّ هُوَ، المُمْسِكِ السَّمَواتِ السَّبْعِ أنْ يَقَعْنَ عَلَى الأرْضِ إِلاَّ بإذْنِهِ، مِنْ شَرِّ عَبْدِكَ فُلانٍ، وُجُنُودِهِ وَأتْبَاعِهِ وأشْيَاعِهِ، مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، اللَّهُمَّ كُنْ لِي جَاراً مِنْ شَرِّهِمْ، جَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَعَزَّ جَارُكَ، وتَبَارَكَ اسْمُكَ: وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)). (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١).
هذا أثر من قول عبد الله بن عباس ﵄.
قوله: ((الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعاً)) أي: مهما كَبُر مقام السلطان وَعظُمَتْ قُوَّتُهُ، فالله أكبر وأعز وأعظم منه ومن جميع الخلق.
قوله: ((الله أعز مما أخاف وأحذر)) أي: الله تعالى أقوى وأعظم من هذا المخلوق الذي في قلبي خوف وحذر منه.
قوله: ((أعوذ)) أي: أستجير.
قوله: ((من شر عبدك فلان)) أي: يذكر اسم الذي يأتيه منه الشر.
стр. 220
قوله: ((أشياعه)) الأشياع جمع شيعة؛ والمراد: الأتباع والأنصار والأعوان.
قوله: ((كن لي جاراً)) أي: حامياً وحافظاً.
قوله: ((تبارك اسمك)) أي: كثرت بركة اسمك، أي: وجد كل خير من ذكر اسمك.
٣٨ - الدُّعَاءُ عَلَى العَدُوِّ
١٣١ - ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيْعَ الحِسَابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وزَلْزِلْهُمْ)) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن أبي أوفى ﵁.
قوله: ((منزل الكتاب)) أي: القرآن.
قوله: ((وهازم الأحزاب)) أي: أصناف الكفار.
قوله: ((اهزمهم وزلزلهم)) أي: اكسر شوكتهم وازعجهم، وحركهم بالشدائد؛ قال أهل اللغة: الزلزال والزلزلة الشدائد التي تحرك الناس.
٣٩ - مَا يَقُولُ مَنْ خَافَ قَوْماً
١٣٢ - ((اللَّهُمَّ اكْفِنِيْهِمْ بِمَا شِئْتَ)) (٢).
стр. 221
- صحابي الحديث هو صهيب بن سنان، أبو يحيى الرومي ﵁.
وهذا الدعاء جاء في قصة الغلام والراهب المشهورة.
قوله: ((اكفينهم)) أي: احفظني واحمني منهم.
قوله: ((بما شئت)) أي: بالذي تشاء من أسباب الوقاية والحماية.
٤٠ - دُعَاءُ مَنْ أصَابَهُ وَسْوَسَةٌ في الإيْمَانِ
١٣٣ - (١) ((يَسْتَعِيْذُ بِاللَّهِ)).
(٢) ((يَنْتَهِي عَمَّا وَسْوَسَ فِيهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
١٣٤ - (٣) يَقُولُ: ((آمَنْتُ باللهِ وَرُسُلِهِ)) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
والحديث بتمامه؛ هو قوله ﷺ : ((يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ ... ، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغهُ فليستعذ بالله ولينتهِ)).
والحديث الآخر؛ هو قوله ﷺ : ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خَلَقَ الله الخَلْقَ، فمن خَلَقَ الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً
стр. 222
فليقل: ((آمنت بالله))، وفي رواية: ((ورسله)).
ومعناها: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها.
قال المازري ﵀: ((والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين؛ فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدْفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمراً طائراً بغير أصل دفع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له ينظر فيه؛ وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة؛ فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها والله أعلم)).
١٣٥ - (٤) ((يَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)(٢))).
هذا أثر عن عبد الله بن عباس ﵄.
وجاء في بدايته؛ قال أبو زميل وهو سماك بن الوليد - أحد التابعين - قلت لابن عباس ﵄: ما شيء أجده في نفسي - يعني شيئاً من شك -؟ فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: ...
قوله: ((ما شيء أجده)) أي: أي شيء أجده.
стр. 223
وقد فسر النبي ﷺ الأسماء الأربعة التي وردت في الآية بقوله ﷺ : ((اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)) (١).
وهذه الأسماء متضمنة معنى الإحاطة المطلقة؛ سواء الزمنية في الأول والآخر، أم المكانية في الظاهر والباطن.
وقد تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (١٠٧).
٤١ - دُعَاءُ قَضَاءِ الدَّيْنِ
١٣٦ - (١) ((اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وأَغْنِني بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ)) (٢).
- صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب ﵁.
وجاء في بدايته: أن مكاتباً جاء علياً فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني، قال علي ﵁: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ ، لو كان عليك مثل جبل صِيْرٍ دَيناً أدَّاه الله عنك، قال: قل: ....
قوله: ((مكاتباً)) المكاتب: العبد الذي قال له مولاه: إن أديت إلي ألفاً مثلاً، كل شهر مئة فأنت حر؛ فقبله؛ فهذا عقد الكتابة، فإذا أدى المال المشروط عتق، والولاء له، فإذا عجز رُدَّ إلى الرق.
стр. 224
قوله: ((لو كان عليك مثل جبل صير ديناً)) فرض وتقدير خارج مخرج المبالغة، و ((صير)): جبل في ((أجإ)) بوزن ((فَعَلٍ)) في ديار طيء، فيه كهوف شبه البيوت، كما قال ياقوت.
قوله: ((اكفني)) من كف؛ أي: اصرفني وابعدني.
قوله: ((بحلالك عن حرامك)) برزقك الحلال عن الوقوع في الحرام، واجعلني مستغنياً به عمن سواك.
١٣٧ - (٢) ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلعِ الدَّيْنِ وغَلَبَةِ الرِّجَال)) (١).
قد تقدم شرحه؛ انظر حديث رقم (١٢١).
٤٢ - دُعَاءُ الوَسْوَسَةِ في الصَّلاةِ والقِرَاءَةِ
أي: ماذا تقول وتفعل عند وسوسة الشيطان في الصلاة، وقراءة القرآن.
١٣٨ - ((أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، واتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ)) (ثَلاثاً) (٢).
стр. 225
صحابي الحديث هو عثمان بن أبي العاص ﵁.
والحديث بتمامه؛ هو قول عثمان بن أبي العاص ﵁: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها عليَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً))، قال ﵁: ففعلت ذلك فأذهبه الله عنِّي.
قوله: ((حال بيني وبين صلاتي)) أي: صار حائلاً، والحائل: الحاجز بين الشيئين والمعنى: أنه صرفه وألْهَاه عن أداء عبادته بشكل حسن.
قوله: ((يلبسها)) أي: يخلطها عليَّ، من اللَّبس وهو الخلط.
قوله: ((خِنْزَبٌ)) واختلفوا في ضبط الخاء، فمنهم من فتحها، ومنهم من كسرها، ويعدان مشهوران، ومنهم من ضمها؛ حكاه ابن الأثير في ((النهاية))، والمعروف الفتح والكسر.
خنزب هو لقب لذاك الشيطان، وهو في اللغة قطعة لحم منتنة.
قوله: ((واتفل على يسارك)) إنما أمر باليسار؛ لأن الشيطان يأتي من قبل اليسار؛ لأن القلب أقرب إلى اليسار، ولا يقصد الشيطان إلا القلب.
قال النووي ﵀: ((في هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عند وسوسته مع تفل على اليسار ثلاثاً)).
стр. 226
٤٣ - دُعَاءُ مَنِ اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ أمْرٌ
١٣٩ - ((اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إلاَّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلاً، وأنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إذَا شِئْتَ سَهْلاً)) (١).
- صحابي الحديث هو أنس بن مالك ﵁.
قوله: ((لا سهل)) أي: لا شيء لين ولا هين إلا ما جعلته ليناً وهيناً.
قوله: ((الحزن)) أي: ما غلظ وصعب.
٤٤ - مَا يَقُولُ وَيَفعَلُ مَنْ أذْنَبَ ذَنْباً
١٤٠ - ((مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْباً فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ)) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو بكر الصديق ﵁.
قوله: ((ما من عبدٍ)) سواء كان ذكراً أم أنثى.
قوله: ((يذنب ذنباً)) أي: أي ذنب كان.
قوله: ((فيحسن الطَّهور)) أي: الوضوء أو الاغتسال.
قوله: ((ثم يستغفر الله)) أي: لذلك الذنب؛ والمراد بالاستغفار
стр. 227
التوبة: بالندامة، والإقلاع، والعزم على أن لا يعود إليه أبداً، وأن يتدارك الحقوق، إن كانت هناك.
وجاء في نهاية الحديث: ثم قرأ ﷺ ، أو أبو بكر ﵁، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١).
٤٥ - دُعَاءُ طَرْدِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ
١٤١ - (١) ((الاسْتِعَاذَةُ باللهِ مِنْهُ)) (٢).
والمراد أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٣).
١٤٢ - (٢) ((الأَذَانُ)).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
стр. 228
ومما يطرد الشيطان الأذان؛ فقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التأذين، أقبل، فإذا ثوِّب بالصلاة، أدبر فإذا قضى التثويب، أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى)) (١).
قوله: ((إذا نودي للصلاة)) أي: إذا أذن.
قوله: ((أدبر الشيطان)) هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من خرقه أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم، حتى يحصل له الضراط من شدة ما هو به؛ لأن الواقع في الشدة العظيمة من خوف وغيره؛ تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يحفظ نفسه فينفتح مخرج البول والغائط، ولما كان الشيطان - عليه اللعنة - يعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، حتى يتوجه إلى الهروب، حتى لا يسمع الأذان، شبه حاله بحال ذلك الرجل.
فإن قيل: ما الحكمة من أن الشيطان يهرب من الأذان، ولا يهرب من قراءة القرآن، وهي أفضل من الأذان؟ قيل له: إنما يفر من الأذان، وله ضراط لئلا يسمعه، فيحتاج أن يشهد بما يسمع إذا استشهد يوم القيامة؛ لأنه جاء في الحديث: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنسان ولا شيء إلا شهد يوم القيامة)) والشيطان أيضاً شيء.
стр. 229
والأحسن فيه أن يقال: إنما يدبر الشيطان لعظم أمر الأذان؛ لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد، وإظهار شعار الإسلام، وإعلانه، وقيل: إنما يدبر ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد.
قوله: ((فإذا قضى التأذين أقبل)) أي: فإذا فرغ من الأذان أقبل الشيطان، لزوال ما يلحقه من الشدة والداهية.
١٤٣ - (٣) ((الأذْكَارُ وَقِراءَةُ القُرْآنِ)).
قال رسول الله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة (١))).
ومما يطرد الشيطان أذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، وأذكار دخول المنزل والخروج منه، وأذكار دخول المسجد والخروج منه، وغير ذلك من الأذكار المشروعة مثل قراءة آية الكرسي عند النوم، والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مئة مرة، كانت له حرزاً من الشيطان يومه كله.
٤٦ - الدُّعَاءُ حيْنَمَا يَقَعُ مَا لا يَرْضَاهُ أوْ غُلِبَ عَلَى أمْرِهِ
١٤٤ - ((قَدَرُ اللَّهِ ومَا شَاءَ فَعَلَ)) (٢).
стр. 230
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
والحديث بتمامه؛ هو قوله ﷺ : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ، ولا تعجز وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت، كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)).
قوله: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف)) أي: المؤمن الذي له عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، ويكون له كثرة الإقدام على العدو في الجهاد، وسرعة الخروج والذهاب في طلبه، وشدة العزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وشدة الرغبة في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، والنشاط في طلبها، والمحافظة عليها ... ونحو ذلك.
قوله: ((وفي كلٍّ خير)) أي: في كلٍّ واحد من القوي والضعيف خير؛ لاشتراكهما في الإيمان.
قوله: ((احرِص)) أي: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده.
قوله: ((واستعن بالله)) أي: اطلب العون من الله تعالى.
قوله: ((ولا تعجز)) بكسر الجيم، وحكي فتحها؛ أي: لا تعجز [عن] الطاعات، ولا تكسل عنها، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة؛ والمراد منه أن لا يترك النشاط.
قوله: ((وإن أصابك شيء)) أي: شيء مما تكرهه.
стр. 231
قوله: ((ولكن قل: قدر الله)) أي: هذا قَدَرُ الله، أو قَدَرُ الله هكذا.
قوله: ((ما شاء فعل)) أي: ما شاء الله أن يفعل فعل، فإن المشيئة له، والذي قدره كائن لا محالة، ولا ينفع قول العبد: لو كان كذا لكان كذا.
قوله: ((فإن لو)) تعليل لقوله: ((لا تقل لو))؛ أي: التلفظ بكلمة ((لو)) ((تفتح عمل الشيطان)).
واعلم أن المراد بقوله: ((فإن لو تفتح عمل الشيطان))؛ الإتيان بها في صيغة تكون فيها منازعة القدر على ما فاته من أمور الدنيا، ولم يكن المراد به كراهة التلفظ بكلمة ((لو)) في جميع الأحوال، وسائر الصور، ويبين هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (١)؛ فأتت الآية على قسمين: ما يحمد منه وما يذم؛ وقوله: ((ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت)) (٢). وما أشبهه من كلامه غير داخل في هذا الباب؛ لأنه لم يرد به المنازعة في القدر، وكلمة ((لو)) في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ من قبيل رد القدر، والمنازعة فيه، ولذلك ذمهم الله تعالى، وجعل ذلك حسرة في قلوبهم، فعرفنا أن التلفظ بكلمة ((لو)) إنما يكون مذموماً إذا كان مفضياً بالعبد إلى التكذيب بالقدر، وعدم الرضا بصنع الله تعالى.
стр. 232
٤٧ - تَهْنِئَةُ المَوْلُودِ لَهُ وَجَوَابُهُ
١٤٥ - ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي المَوْهُوبِ لَكَ، وَشَكَرْتَ الوَاهِبَ، وبَلَغَ أشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ)).
ويَرُدُّ عَلَيْهِ المُهَنَّأُ فَيَقُولُ: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وبَارَكَ عَلَيْكَ، وجَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، ورَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ، وأجْزَلَ ثَوَابَكَ)) (١).
هذه التهنئة تنقل عن الحسن البصري ﵀؛ وأما الجواب فالظاهر أنه لأحد العلماء.
وجاء فيه: أن رجلاً جاء إلى الحسن، وعنده رجل قد ولد له غلام؛ فقال له: يهنك الفارس، فقال له الحسن: ما يدريك فارس هو أو حمار؟! قال: قل: ... (٢)
قوله: ((بارك الله لك في الموهوب لك)) أي: أكثر الله تعالى الخير لك في الذي رزقك.
стр. 233
و ((الموهوب)) أي: المرزوق؛ أي: الذي أعطي لك من الله ومَنَّ به عليك.
قوله: ((وشكرت الواهب)) الواهب هو الله ؛ أي: جعلك الله راضياً بما رزقك، فتشكره على ذلك وتحمده.
قوله: ((وبلغ أشده)) أي: اللهم بَلِّغه الشباب والقوة، وطول العمر؛ فيكن عونك في شأنك كله، فتنتفع به.
قوله: ((ورزقت بره)) أي: جعله الله تعالى لك طائعاً.
قوله: ((أجزل)) أي: أعظم وأكثر.
٤٨ - مَا يُعَوَّذُ بهِ الأوْلادُ
١٤٦ - كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ ﵄: ((أُعِيذُكُمَا بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ)) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
قوله: ((بكلمات الله التامة)) المراد من الكلمات: أسماؤه الحسنى، وكتبه المنزلة، ووصفها بالتمام، لخلوها عن العوارض والنواقص.
قوله: ((هامَّة)) هي كل ذات سم يقتل؛ كالحية والعقرب ... وغيرهما، والجمع: الهوام.
قوله: ((عين لامَّة)) هي التي تصيب ما نظرت إليه بسوء.
стр. 234
٤٩ - الدُّعَاءُ للمَرِيضِ فِي عِيَادَتِهِ
١٤٧ - (١) ((لا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ)) (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
قال ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ إذا دخل على مريض يعوده، قال له: ...
قوله: ((لا بأس)) أي لا شدة عليك ولا أذى.
قوله: ((طهور)) أي: هذا طهور لك من ذنوبك؛ أي: مطهرة.
قوله: ((إن شاءالله)) هذه جملة خبرية، وليست جملة دعائية؛ لأن الدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به، لنهي النبي ﷺ أن يقول الرجل: ((اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت)) (٢).
١٤٨ - (٢) ((أسَألُ اللَّهَ العَظِيمَ، رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، أنْ يَشْفِيَكَ)) (سَبْعَ مَرَّاتٍ) (٣).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
والحديث بتمامه؛ هو قوله ﷺ : ((ما من عبد مسلم يعود مريضاً، لم
стр. 235
يحضر أجله فيقول عنده سبع مرات: .... ؛ إلا عافاه الله)).
قوله: ((يشفيك)) بفتح الياء؛ أي: يبرئك، ويذهب عنك ما تجد.
والمعنى: أن الرجل إذا عاد مريضاً، وقرأ عنده هذا الدعاء سبع مرات، وكان هذا المريض في علم الله لم يحضر أجله، يعافى له بفضل الله ، وإلا إذا كان الأجل حاضراً لم ينفع الدعاء إلا في ثواب القراءة خاصة، والله أعلم.
٥٠ - فَضْلُ عِيَادةِ المَرِيضِ
١٤٩ - قال ﷺ : ((إذَا عَادَ الرَّجُلُ أخَاهُ المُسْلِمَ، مَشَى فِي خِرَافَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كَانَ غُدْوَةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وإنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ)) (١).
- صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: ((خِرَافَة)) بكسر الخاء، وفتحها؛ أي: في اجتناء ثمارها، وفي ((القاموس)) الخُرفة، بالضم، المخترف والمجتنى، كالخرافة، وفي بعض الروايات: ((في خُرفة الجنة)).
стр. 236
قال الهروي ﵀: ((هو ما يخترف من النخل حين يدرك ثمره)).
وقال أبو بكر بن الأنباري ﵀: ((يشبه رسول الله ﷺ ما يحرزه عائد المريض من الثواب، بما يحرزه المخترف من الثمر)).
وقيل: إن المراد بذلك الطريق؛ فيكون معناه: إنه في طريق تؤديه إلى الجنة.
قوله: ((غمرته)) أي: علته وغطته وسترته.
قوله: ((غدوة)) أي: أول النهار.
قوله: ((صلى عليه)) أي: دعا له بالمغفرة والخير.
قوله: ((حتى يمسي)) أي: لا يزالون يدعون له بالمغفرة والخير، حتى يأتي وقت المساء.
قوله: ((حتى يصبح)) أي: لا يزالون يدعون له بالمغفرة والخير، حتى يأتي وقت الصباح.
٥١ - دُعَاءُ المَرِيْضِ الذِي يَئِسَ مِنْ حَيَاتِهِ
قوله: ((يئس)) أي: انقطع أمله في الحياة.
١٥٠ - (١) ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وارْحَمْنِي، وأَلْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأعْلَى)) (١).
стр. 237
- صحابية الحديث هي عائشة ﵂.
قوله: ((الرفيق الأعلى)) المراد به ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١).
وقيل: الرفيق الأعلى: الجنة، وقيل: الله .
١٥١ - (٢) ((جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ عِندَ مَوْتِهِ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، ويَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِنَّ للمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) (٢).
- صحابية الحديث هي عائشة ﵂.
قوله: ((عند موته)) أي: قرب ساعة موته.
قوله: ((يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه)) دفعاً لحرارة الموت، أو دفعاً للغشيان وكربه.
قوله: ((إن للموت سكرات)) أي: شدائد.
١٥٢ - (٣) لَا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ واللهُ أكْبَرُ، لَا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ لَهُ المُلْكُ
стр. 238
وَلَهُ الحَمْدُ، لَا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵄.
والحديث بتمامه؛ هو قوله ﷺ : ((من قال: لا إله إلا الله والله أكبر، صدَّقه ربه؛ فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: يقول لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي)). وكان يقول: ((من قالها في مرضه، ثم مات لم تَطْعَمْهُ النار)).
قوله: ((صدقه ربه)) أي: وقال الرب بياناً لتصديقه؛ أي: قرره بأن قال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر.
قوله: ((من قالها)) أي: هذه الكلمات من دون الجوابات؛ أي: كما جاءت بنص المصنف حفظه الله تعالى.
قوله: ((ثم مات)) أي: من ذلك المرض.
قوله: ((لم تطعمه النار)) أي: لم تأكله وتحرقه.
стр. 239
٥٢ - تَلْقِينُ المُحْتَضِرِ
١٥٣ - ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، دَخَلَ الجَنَّة)) (١).
- صحابي الحديث هو معاذ بن جبل ﵁.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمراد بقوله: لا إله إلا الله، في هذا الحديث وغيره، كلمتا الشهادة)).
قال الكرماني ﵀: ((قوله: لا إله إلا الله؛ أي: هذه الكلمة، والمراد هي وضميمتها محمد رسول الله)).
٥٣ - دُعَاءُ مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ
١٥٤ - ((إنَّا للهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيْبَتي، وأخْلِفْ لِي خَيْراً مِنْهَا)) (٢).
- صحابية الحديث هي أم سلمة ﵂.
جاء في الحديث قوله: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ... ، إلا أجَرَهُ الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها)).
стр. 240
قالت أم سلمة ﵂: فلما توفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله لي خيراً منه؛ رسول الله ﷺ .
قوله: ((وأخلف لي)) أي: عوض لي ((خيراً منه))؛ أي: من تلك المصيبة؛ والمصيبة عام، سواء كانت في النفوس أو في الأموال.
قوله: ((فلما توفي أبو سلمة)) وهو: عبد الله بن عبد الأسد، وكانت أم سلمة تحته، فلما توفي زوجها عبد الله، قالت كما سمعت من رسول الله ﷺ : ((اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها))؛ فأخلف الله لها خيراً منه، وهو رسول الله ﷺ .
٥٤ - الدُّعَاءُ عِنْدَ إغْمَاضِ المَيِّتِ
١٥٥ - ((اللَّهمَّ اغْفِرْ لِفُلانٍ (باسْمِهِ)، وارْفَعْ دَرَجَتهُ فِي المَهْدِيِّيْنَ، واخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِريْنَ، واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ)) (١).
- صحابية الحديث هي أم سلمة ﵂.
وجاء في بدايته؛ قول أم سلمة ﵂: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر))، فضج ناس من أهله، فقال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛
стр. 241
فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)) ثم قال: ((اللهم اغفر لأبي سلمة ... )).
قوله: ((وقد شُق بصره)) أي: شَخَصَ، وقال ابن السكيت: ((يقال: شق بصر الميت، ولا يُقال: شقّ الميت بصره؛ وهو الذي حضره الموت، وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد إليه طرفه)).
قوله: ((فأغمضه)) أي: أغمض رسول الله ﷺ بصره، ولعل الحكمة أن لا يقبح منظره إذا ترك إغماضه.
قوله: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) أي: إذا خرج الروح من الجسد، يتبعه البصر ناظراً أين يذهب.
قوله: ((تبعه)) أي: تبع الروح البصر، الروح يذكر ويؤنث، والأصل التذكير فلذلك جاء في الحديث بالتذكير، وذكر بعض العلماء أن قوله: ((إذا قبض تبعه البصر)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن الروح إذا قبض تبعه البصر في الذهاب؛ فلهذا أغمضه؛ لأن فائدة الانفتاح ذهب بذهاب البصر عند ذهاب الروح، والوجه الآخر: أن روح الإنسان إذا قبضها الملائكة نظر إليها الذي حضره الموت نظراً شزراً، لا يرتد إليه طرف، حتى تضمحل بقية القوة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح الإنسان، التي يقع بها الإدراك والتمييز، دون الحيواني التي به الحس والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه أن يكشف عنده الغطاء ساعة ئذٍ، حتى يبصر ما لم يكن يبصر.
стр. 242
قوله: ((فضج ناس)) أي: صاحوا بصوت شديد؛ والضجة: الصيحة.
قوله: ((فقال: لا تَدْعُوا على أنفسكم)) إشارة إلى نهيه ﷺ إياهم عن الضجة؛ كأنهم قالوا: يا ويلاه علينا، ويا مصيبتاه علينا، فنهاهم عن ذلك، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير.
قوله: ((فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)) إشارة إلى أن كل داع يؤمن في دعائه الملائكة لا يرد.
قوله: ((في الغابرين)) أي: الباقين.
قوله: ((وافسح)) أي: وسع قبره.
ينبغي أن يقال بعد إغماض الميت: ((اللهم اغفر لفلان - ويسميه باسمه - وارفع درجته ... )) إلى آخر ما قال ﷺ لأبي سلمة ﵁ كما ذكر المصنف.
٥٥ - الدُّعَاءُ للمَيِّتِ فِي الصَّلاةِ عَلَيْهِ
١٥٦ - (١) ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وارْحَمْهُ، وعَافِهِ، واعْفُ عَنْهُ، وأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغْسِلهُ بالمَاءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ، ونَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وأهْلاً خَيْراً مِنْ أهْلِهِ، وزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ
стр. 243
القَبْرِ [وَعَذَابِ النَّارِ])) (١).
- صحابي الحديث هو عوف بن مالك ﵁.
قوله: ((عافه)) من المعافاة؛ أي: خلِّصه من المكاره.
قوله: ((وأكرم نزله)) النُّزل هو ما يعد للنازل من الزاد؛ أي: أحسن نصيبه من الجنة.
قوله: ((ووسِّع مدخله)) أي: قبره.
قوله: ((واغسله بالماء والثلج والبرد)) قال الخطابي ﵀: ((ذكر
الثلج والبرد تأكيداً، أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال)).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: ((عبر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوب الذي تتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية؛ يكون في غاية النقاء.
والمراد طهره من المعاصي والذنوب، بأنواع الرحمة التي بمنزلة الماء في إزالة الوسخ)).
قوله: ((كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس)) ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به.
قوله: ((وأبدله داراً)) في الجنة ((خيراً من داره)) التي كانت له في الدنيا.
قوله: ((وأهلاً خيراً من أهله)) والأهل هنا تشمل أقاربه وخدمه.
стр. 244
قوله: ((وزوجاً خيراً من زوجه)) هذا من عطف الخاص على العام؛ فإن الأهل عام تشمل الزوج وغيرها؛ ولكن خص ذكرها لما جبل عليه الرجال من شهوة تجاهها.
وفيه إطلاق الزوج على المرأة؛ قيل: هو أفصح من الزوجة فيها.
قال بعض العلماء: ((هذا اللفظ من الدعاء خاص بالرجال، ولا يقال في الصلاة على المرأة أبدلها زوجاً خيراً من زوجها؛ لجواز أن تكون لزوجها في الجنة؛ فإن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها، والرجل يقبل ذلك؛ أي: من اشتراك النساء فيه)).
١٥٧ - (٢) ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا، ومَيِّتِنَا، وشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وصَغِيْرِنَا، وكَبيرِنَا، وذَكَرِنَا، وأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فأَحْيِهِ عَلَى الإسْلامِ، ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوفَّهُ عَلَى الإيْمانِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((وصغيرنا وكبيرنا)) قال ابن حجر المكي ﵀: ((الدعاء في حق الصغير لرفع الدرجات)).
стр. 245
قوله: ((شاهدنا)) أي: حاضرنا.
قال الطيبي ﵀: ((المقصود من القرائن الأربع أي: قوله: لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، الشمول والاستيعاب، فلا يحمل على التخصيص نظراً إلى مفردات التركيب؛ كأنه قال: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كُلهم)).
قوله: ((فأحيه على الإسلام))، وقوله: ((فتوفه على الإيمان))؛ وفي رواية أخرى عكس ذلك؛ أي: أحيه على الإيمان، وتوفه على الإسلام؛ قال ملا علي القاري ﵀: ((الانقياد والتسليم لأن الموت مقدمة:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
وقيل في الرواية الأولى: لأن الإسلام هو التمسك بالأركان الظاهرية، وهذا لا يتأتى إلا في حالة الحياة، وأما الإيمان فهو التصديق الباطني وهو المطلوب الذي عليه الوفاة.
والظاهر من لفظ الحديث أن الإسلام والإيمان معناهما واحد؛ وهو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح والأركان؛ فدعا ﷺ أن نحيى ونموت عليه.
١٥٨ - (٣) ((اللَّهُمَّ إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وأَنْتَ أهْلُ الوَفَاءِ والحَقِّ، فاغْفِرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ
стр. 246
الرَّحِيمُ)) (١).
- صحابي الحديث هو واثلة بن الأسقع ﵁.
قوله: ((في ذمتك)) أي: في أمانتك وعهدك وحفظك.
قوله: ((وحبل جوارك)) قيل: كان من عادة العرب أن يخيف بعضهم بعضاً، وكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد كل قبيلة، فيأمن به مادام في حدودها، حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثل ذلك؛ فهذا حبل الجوار؛ أي: العهد والأمان مادام مجاوراً أرضه، أو هو من الإجارة والأمانة والنصرة.
١٥٩ - (٤) ((اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وابْنُ أمَتِكَ، احْتَاج إِلَى رَحْمَتِكَ، وأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، إِنْ كَانَ مُحْسِناً فَزِدْ فِي حَسَنَاتِهِ، وإنْ كَانَ مُسِيئاً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ)) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
والمعنى: أنه اعترف بأنه عبدٌ لله تعالى، مملوك هو وأمه، مفتقر إلى رحمته، طالب رحمته، وأن لا يعذبه، ويتجاوز عن سيئاته، ويزيده في حسناته.
стр. 247
٥٦ - الدُّعَاءُ للفَرَطِ فِي الصَّلاةِ عَلَيْهِ
الفرط هو السابق المتقدم؛ والمراد هنا مَن مات وهو طفل صغير.
١٦٠ - (١) ((اللَّهُمَّ أعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)) (١).
هذا أثر من قول أبي هريرة ﵁.
قال سعيد بن المسيب: صليت وراء أبي هريرة ﵁ على صبيٍّ ليست له خطيئة قط، فسمعته يقول: ...
وَإنْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطَاً وَذُخْراً لِوَالِدَيْهِ، وشَفِيعاً مُجَاباً، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِيْنَهُمَا، وأعْظِمْ بهِ أُجُورَهُمَا، وألْحِقْهُ بِصَالِحِ المُؤْمِنينَ، واجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الجَحِيمِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأسْلاَفِنَا، وَأَفْرَاطِنَا، وَمَنْ سَبَقَنا بالإيْمَانِ)). فَحَسَنٌ (٢).
قال ابن قدامة ﵀ بعد ذكره هذا الدعاء: ((ونحو ذلك، وبأي
стр. 248
شيء دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأه، وليس فيه شيء موقت)).
قوله: ((اجعله فرطاً وذخراً لوالديه)) أي: أجراً متقدماً ومحتفظاً به عندك لوالديه.
قوله: ((شفيعاً مجاباً)) أي: مقبولاً في التوسط عندك، ومجاباً فيما توسط به.
قوله: ((لأسلافنا)) أي: مَن تقدمونا بالموت من آبائنا وذوي قرابتنا ...
١٦١ - (٢) ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطَاً، وَسَلَفاً، وَأَجْراً)) (١).
هذا أثر عن الحسن البصري ﵀.
كان الحسن ﵀ يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب، ويقول: ...
٥٧ - دُعَاءُ التَّعْزِيَةِ
العزاء هو الصبر، والتعزية هي التصبير والحمل على الصبر بذكر ما يسلي المصاب، ويخفف حزنه ويهون عليه.
١٦٢ - ((إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّىً ... فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)) (٢).
стр. 249
- صحابي الحديث هو أسامة بن زيد ﵁.
والحديث هو قوله ﵁: كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبياً لها - أو ابناً لها - في الموت، فقال للرسول: ((ارجع إليها، فأخبرها ... ))، فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها، قال: فقام النبي ﷺ ، وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وانطلقت معهم، فَرُفِعَ إليه الصبي، ونفسه تَقَعْقَع كأنها في شنة، ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)).
قوله: ((فأرسلت إليه إحدى بناته)) هي زينب كما وقع في بعض الروايات.
قوله: ((إن لله ما أخذ وله ما أعطى))؛ قدم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخراً في الواقع، لما يقتضيه المقام؛ والمعنى أن الذي أراد الله تعالى أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له.
قوله: ((وكل شيء عنده بأجل مسمى)) أي: من الأخذ والإعطاء، أو ما هو أعم من ذلك.
و ((بأجل مسمى)) أي: معلوم.
قوله: ((ولتحتسب)) أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من عملها الصالح.
قوله: ((إنها قد أقسمت لتأتينها))؛ والظاهر أنه امتنع أولاً مبالغة في
стр. 250
إظهار التسليم، ولكنها ألحت وأقسمت عليه أن يحضر ليدفع عنها ما هي فيه من الألم.
قوله: ((ونفسه تَقَعْقَع)) القعقعة حكاية صوت الشيء اليابس إذا حُرِّك.
قوله: ((كأنها في شنة)) والشن القربة الخلقة اليابسة؛ فشبه البدن بالجلد اليابس الخلق، وحركة الروح فيه بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها.
وَإنْ قَالَ: ((أعْظَمَ اللهُ أجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتكَ))؛ فَحَسَنٌ (١).
قال النووي ﵀ في ((الأذكار)) قبل ذكره هذا الدعاء: ((وأما لفظة التعزية فلا حجر فيه، فبأي لفظ عزاه حصلت، واستحب أصحابنا - أي: الشافعية - أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: ... )).
والأحسن أن يعزي بما ورد عن النبي ﷺ ، وقد سبق ذكره.
٥٨ - الدُّعَاءُ عِندَ إدْخَالِ المَيِّتِ القَبْرَ
١٦٣ - ((بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ الله)) (٢).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عمر ﵄.