إليها، منها:
أ- أن النبي ﷺ كان يحثّ على قيام رمضان، ورغَّب فيه، وقد صلّى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمِنَ من بعده ﷺ .
ب- أمر النبي ﷺ باتباع خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵁ (١).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن قول عمر ﵁: ((نعم البدعة هذه)): ((البدعة هنا يعني من حيث اللغة، والمعنى أنهم أحدثوها على غير مثال سابق بالمداومة عليها في رمضان كله، وهذا وجهُ قول عمر ﵁ وإلا فهي سنة فعلها ﷺ ليالي)) (٢).
٥ - الاجتهاد في قيام عشر شهر رمضان الأواخر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صام رمضان
стр. 107
إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدم من ذنبه)) (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر (٢)(٣).
وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (٤).
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: ((قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح. وكانوا
стр. 108
يسمونه السحور)) (١). وفي حديث أبي ذر ﵁: ((أن النبي ﷺ لما كانت ليلة سبع وعشرين جمع أهله ونساءه والناس فقام بهم)) (٢).
٦ - وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء مع سنتها الراتبة، ثم تصلى صلاة التراويح بعد ذلك (٣).
٧ - عدد صلاة التراويح ليس له تحديد لا يجوز غيره، وإنما قال النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتِرُ له ما قد صلّى)) (٤). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث، أو صلى ستاً وثلاثين وأوتر بثلاث، أو صلى إحدى وأربعين فلا حرج (٥)، ولكن الأفضل ما فعله رسول الله ﷺ وهو ثلاث
стр. 109
عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، لحديث ابن عباسرضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (٢)، فهذا هو الأفضل والأكمل في الثواب (٣)، ولو صلى بأكثر من ذلك فلا حرج لقوله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى منثى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (٤). والأمر واسع في ذلك، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، والله الموفق سبحانه (٥).
القسم الثالث: التطوع المطلق
التطوع المطلق مشروع في الليل كله والنهار إلا
стр. 110
أوقات النهي وهو نوعان:
النوع الأول: التهجد بالليل:
أولاً: مفهوم التهجد ، يقال: هجد الرجل إذا نام بالليل، وهجد إذا صلى بالليل. وأما المتهجِّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم (١).
ثانياً: صلاة التهجد سنة مؤكدة (٢)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله في صفة عباد الرحمن:
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣). وقال في صفة المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في أصحاب الإيمان الكامل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ
стр. 111
مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٢). وقال : ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (٣) ووصف الله أهل الإيمان الكامل الذين يقومون بالليل بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٤)؛ ولعظم شأن صلاة الليل قال الله لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ (٥). وقال سبحانه للنبي ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (٦)، وقال : ﴿إِنَّا
стр. 112
نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ (١).وقال : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود﴾ (٢). وقال :
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم﴾ (٣)، وحث عليها النبي ﷺ بقوله: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) (٤).
ثالثاً: فضل قيام الليل عظيم ؛ للأمور الآتية:
١ - عناية النبي ﷺ بقيام الليل حتى تفطرت قدماه ، فقد كان يجتهد في القيام اجتهاداً عظيماً، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحبُّ أن أكون
стр. 113
عبداً شكُوراً)) (١)، وعن المغيرة ﵁ قال: ((قام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٢).
وقد أحسن القائل من أصحاب النبي ﷺ
حين قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (٣)
٢ - من أعظم أسباب دخول الجنة ، فعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قَدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل: قدِم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول
стр. 114
الله ﷺ ثلاثاً، فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجْهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: ((يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) (١).
وقد أحسن القائل حين قال:
ألهتك لذةُ نومةٍ عن خير عيشٍٍ ... مع الخيرات في غرف الجنان
تعيش مخلداً لا موت فيها ... وتنعم في الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إنَّ خيراً ... من النوم التهجدُ بالقران (٢)
٣ - قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف
стр. 115
الجنة؛ لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام (١)، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام)) (٢).
٤ - المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته؛ لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣).
٥ - مدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن، فقال : ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٤).
стр. 116
٦ - شهد لهم بالإيمان الكامل فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (١).
٧ - نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٢).
٨ - قيام الليل مكفِّر للسيئات ومنهاة للآثام ، لحديث أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفِّر للسيئات، ومنهاة للآثام)) (٣).
стр. 117
٩ - قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه، وفيه: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل)) (١).
١٠ - شرف المؤمن قيام الليل ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحببْ من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به)) ثم قال: ((يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس)) (٢).
١١ - قيام الليل يُغْبَطُ عليه صاحبه ؛ لعظيم ثوابه، فهو
стр. 118
خير من الدنيا وما فيها؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها)) (٢).
١٢ - قراءة القرآن في قيام الليل غنيمة عظيمة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين (٣)(٤).
стр. 119
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عظام سمانٍ؟)) قلنا: نعم، قال: ((ثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)) (١).
وقد حدد النبي ﷺ أقصى مدة وأدنى زمن يُختم فيه القرآن لعبد الله بن عمرو ﵄ عندما سأله، فقال له: ((في أربعين يوماً))،ثم قال: ((في شهر))، ثم قال: ((في خمس عشرة)) ثم قال: ((في عشر))، ثم قال: ((في سبع)) (٢). قال: إني أقوى من ذلك، قال: ((لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)) (٣).
رابعاً: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الأخير ، وصلاة
стр. 120
الليل تجوز في أوله، وأوسطه، وآخره؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته)) (١). وهذا يدل على التيسير، فعلى حسب ما تيسر للمسلم يقوم، ولكن الأفضل أن يكون القيام في الثلث الآخر من الليل؛ لحديث عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)) (٢). ومما يزيد ذلك وضوحاً حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر
стр. 121
فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ [فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر])) (١).
وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن في الليل لساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة)) (٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له: ((أحبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثلثَه، وينام سُدسَه، ويصوم يوماً ويُفطر يوماً، ولا يفرُّ إذا لاقى)) (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت حينما سُئلت: أي العمل كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: الدائم، قلت: متى
стр. 122
كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ (١). وفي حديثها الآخر ﵂: ((إن كان رسول الله ﷺ ليوقظه الله من الليل فما يجيء السَّحر حتى يفرغ من حزبه)) (٢).
خامساً: عدد ركعات قيام الليل، ليس له عددٌ مخصوص ؛ لقول النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (٣).
ولكن الأفضل أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة؛ أو ثلاث عشرة ركعة، لفعل النبي ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلِّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة)) (٤)؛ ولحديثها الآخر: ((ما كان
стр. 123
رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (١).
سادساً: آداب قيام الليل:
١ - ينوي عند نومه قيام الليل وينوي بنومه التَّقوِّي على الطاعة ليحصل على الثواب على نومه ؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومُه صدقةً عليه)) (٢)؛ ولحديث أبي الدرداء ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: ((من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبتْهُ عيناه حتى أصبح، كُتبَ له ما نوى، وكان نومُهُ صدقةً عليه من ربه )) (٣).
стр. 124
٢ - يمسح النوم عن وجهه عند الاستيقاظ، ويذكر الله ، ويشوص فاه بالسواك ويقول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربِّ اغفر لي))؛لحديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب [له] (١)) (٢).
وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: (( ... استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ
стр. 125
العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ... )) (١)، وعن حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)) (٢)، ويقول أذكار الاستيقاظ من النوم الأخرى (٣)، ويتوضأ كما أمره الله تعالى.
٣ - يفتتح تهجّدَه بركعتين خفيفتين ؛ لفعل النبي ﷺ وقوله، لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) (٥).
٤ - يُستحبُّ أن يكون تهجدُه في بيته ؛ لأن النبي ﷺ كان يتهجَّد في بيته؛ ولحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ
стр. 126
قال: (( ... فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (١).
٥ - المداومة على قيام الليل وعدم قطعه ، يُستحب أن يكون للمسلم ركعات معلومة يداوم عليها، فإذا نشط طوَّلها وإذا لم ينشط خفَّفها، وإذا فاتته قضاها؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملّوا)) وكان يقول: ((أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: (( ... وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحبّ أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي
стр. 127
عشرة ركعة)) (١)، ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِبَ له كأنما قرأه من الليل)) (٢).
٦ - إذا غلبه النعاس ينبغي له أن يترك الصلاة وينام حتى يذهب عنه النوم ؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((إذا نعس أحدُكم في الصلاة فليرقدْ حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدَكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسبّ نفسه)) (٣)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع)) (٤).
٧ - يُستحب له أن يوقظ أهله ؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي من الليل فإذا أوتر قال لعائشة ﵂: ((قومي
стр. 128
فأوتري يا عائشة)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)) (٢). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) (٣).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة بنت النبي ﷺ ليلةً فقال: ((ألا تصليان؟)) فقلت: يا رسول
стр. 129
الله، إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئاً، ثم سمعته وهو مدبرٌ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (١).
قال ابن بطال ﵀: ((فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك)) (٢)، وقال الطبري ﵀: ((لولا ما علم النبي ﷺ من عِظَمِ فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنَتَه وابنَ عمه، في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدَّعة والسكون، امتثالاً لقول الله تعالى (٣):
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤). وقول علي ﵁: ((إنما أنفسنا بيد
стр. 130
الله)) اقتبس علي ﵁ ذلك من قوله تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، وقوله ((بعثنا)) المقصود: أيقظنا (٢)، وقوله: ((طرقه))، ذكر النووي ﵀ أن الطرق هو الإتيان في الليل، وأن ضرب النبي ﷺ لفخذه المختار في معناه: أنه من سرعة جوابه وعدم موافقته به على الاعتذار، ولهذا ضرب فخذه، والحديث فيه: الحث على صلاة الليل، وأمر الإنسان صاحبه بها، وتعهد الإمام والكبير رعيته، بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وأنه ينبغي للناصح إذا لم تقبل نصيحته أو اعتذر إليه بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يُعنِّف إلا لمصلحة (٣).
وعن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعاً، فقال: ((سبحان الله ماذا أنزل الله
стр. 131
من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفتن؟ أيقظوا صواحب الحُجرات - يريد أزواجه - لكي يصلين، رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)). وفي لفظ: ((ماذا أنزل الليلة؟)) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: (( ... فيه التحريض على صلاة الليل وعدم الإيجاب، يُؤخذ من ترك إلزامهن بذلك)) (٢). وفي الحديث استحباب ذكر الله عند الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لا سيما عند آية تَحدُثُ (٣)، قال ابن الأثير ﵀: ((رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) هذا كناية عما يقدمه الإنسان لنفسه من الأعمال الصالحة، يقول: ((رُبَّ غني في الدنيا لا يفعل خيراً، وهو فقير في الآخرة، ورُبَّ
стр. 132
مكتسٍ في الدنيا ذي ثروة ونعمة عارٍ في الآخرة شقيٌّ)) (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵁، أن أباه عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢).
٨ - يقرأ المتهجد جزءاً من القرآن أو أكثر ، أو أقل على حسب ما تيسر مع التدبر لما يقرأ، وهو مُخيَّر بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها فالجهر أفضل، وإن كان قريباً منه من يتهجد، أو من يتضرر برفع صوته، فالإسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا
стр. 133
ولا هذا، فليفعل ما شاء (١).
وقد دلت الأحاديث على هذا كله، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه)) (٢). وعن حذيفة ﵁ قال: ((صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تعوَّذ ... )) (٣)، وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر
стр. 134
بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)) ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة)) (١). وعن حذيفة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام)) (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً قرأ المفصَّل في ركعة فقال له: ((هذَّاً كهذِّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة)) (٣). وفي لفظ:
стр. 135
((كان النبي ﷺ يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة)) وقال: ((عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم: ﴿حم﴾، الدخان، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١). وفي لفظ لمسلم: ((عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تآليف عبد الله)) (٢). وفي لفظ لمسلم: (( ... هذّاً كهذِّ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن ... )) (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة)) (٤). وعن أبي ذر ﵁ قال: ((قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يرددها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ
стр. 136
وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
وهذا يدل على التنويع في القراءة في صلاة الليل على حسب ما يفتح الله به على عبده، وعلى حسب الأحوال وقوة الإيمان.
وأما الجهر بالقراءة والإسرار بها في قيام الليل، فعن عائشة ﵂ أنها سُئلت عن قراءة النبي ﷺ بالليل يجهر أم يسرّ؟ فقالت: ((كل ذلك قد كان يفعل، ربما جهر وربما أسرَّ)) (٢). وعن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((يا أبا بكر، مررت بك وإنك تصلي تخفضُ صوتك)) قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، قال: ((ارفع قليلاً)) وقال لعمر: ((مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك))
стр. 137
فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، قال: ((اخفض قليلاً)) (١).
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ من الليل، فقال: ((يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا)) وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يستمع قراءة رجل في المسجد فقال: (﵀ لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) (٢).
والقرآن إذا صلَّى به الحافظ له بالليل والنهار ذكره، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت)) (٣). وفي رواية
стр. 138
لمسلم: ((وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه)) (١).
٩ - جواز التطوع جماعة أحياناً في قيام الليل؛ لأن النبي ﷺ صلى جماعة، وصلى منفرداً، لكن كان أكثر تطوعه منفرداً، فصلى بحذيفة مرة (٢)، وابن عباس مرة (٣)، وبأنس وأمه واليتيم مرة (٤)، وبابن مسعود مرة (٥)، وبعوف بن مالك مرة (٦)، وصلى بأنس وأمه، وأم حرام خالة أنس مرة (٧)، وصلى بعتبان بن مالك وأبي بكر مرة (٨)، وأَمَّ أصحابه في بيت عثمان مرة (٩)، ولكن لا يتخذ ذلك سنة راتبة، وإنما إذا فعل ذلك أحياناً فلا بأس، إلا
стр. 139
صلاة التراويح فإن الجماعة فيها سنة دائمة (١).
١٠ - يختم تهجده بوتر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)). وفي لفظ لمسلم: ((من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً [قبل الصبح]،فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك)) (٢).
١١ - يحتسب النومة والقومة ؛ ليحصل على الأجر في جميع أحواله: في النوم واليقظة، وقد تذاكر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري ﵄ الأعمال الصالحة، فقال معاذ: يا عبد الله (٣) كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوّقُهُ تفوُّقاً (٤)، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي))، وفي رواية:
стр. 140
((فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائماً وقاعداً، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقاً، قال: أما أنا فأقوم وأنام، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي)) (١).
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: ((ومعناه أنه يطلب الثواب في الراحة كما يطلبه في التعب؛ لأن الراحة إذا قُصد بها الإعانة على العبادة حصَّلت الثواب)) (٢).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا فيه حسن سيرة الصحابة وغيرتهم، والمذاكرة فيما بينهم، وفيه الاحتساب حتى النومة والقومة، فالمسلم ينظّم وقته، وينظّم أموره: ساعة للقرآن، وساعة لأموره الأخرى، وساعة لأهله ... )) (٣).
١٢ - طول القيام مع كثرة الركوع والسجود هو
стр. 141
الأفضل في صلاة الليل ما لم يشق ذلك أو يسبب الملل؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((أفضل الصلاة طول القنوت (١)) (٢)؛ ولحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، أن رجلاً سأله عن عملٍ يدخل به الجنة، أو بأحب الأعمال إلى الله، فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك
стр. 142
فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة)) (١)؛ ولحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أوَغيرَ ذلك؟)) قلت: هو ذاك. قال: ((فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثر الدعاء)) (٣)؛ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمِنٌ أن يُستجاب لكم)) (٤).
واختلف العلماء ﵏؛ لهذه الأحاديث في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثر السجود
стр. 143
مع قصر القيام؟
فمنهم من قال: كثرة السجود والركوع أفضل من طول القيام، واختارها طائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لأحاديث فضل السجود آنفة الذكر.
ومنهم من قال: إنهما سواء.
ومنهم من قال: طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود؛ لحديث جابر المذكور آنفاً (١): ((أفضل الصلاة طول القنوت)) (٢)، قال الإمام النووي-﵀: ((المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت)) (٣).
وقال الإمام الطبري-﵀ في قول الله تعالى:
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٤) هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائماً في الصلاة ... وقال آخرون:
стр. 144
هو الطاعة، والقانت المطيع)) (١).
وقال ابن كثير ﵀: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون، وقال ابن مسعود ﵁ القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ )) (٢).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن تطويل الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً أولى من تكثيرها قياماً وركوعاً وسجوداً (٣).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز
﵀ يقول: ((قد تنازع أهل العلم في أيهما أفضل:
стр. 145
طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام، منهم من فضل هذا ومنهم من فضل هذا، وكانت صلاة الرسول ﷺ معتدلة إن أطال القيام أطال السجود والركوع، وإن قصر القيام قصر الركوع والسجود، وهذا أفضل ما يكون)). وذكر ﵀ أن الأفضل أن يصلي المسلم ما يستطيع، حتى لا يمل، فإذا ارتاحت نفسه للتطويل أطال، وإن ارتاحت نفسه للتقصير قصر إذا رأى أن التقصير أخشع له وأقرب إلى قلبه وراحة ضميره وتلذذه بهذه العبادة، وكلما كثرت السجدات كان أفضل، فإن استطاع المسلم ذلك فالأفضل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود يجمع بين الأمرين، وهي صلاة معتدلة إن أطال القيام أطال الركوع والسجود وإن قصر قصر (١).
وقد كان النبي ﷺ يتحمل كثيراً في العبادة، ويتلذذ بها، وربما يقوم في صلاة الليل حتى تتفطَّرَ قدماه، فتقول له