آخرها، وأحاديث النهي عن الإيتار بثلاث بحملها على أنها بتشهدين لمشابهة ذلك لصلاة المغرب (١).
ومما يدل على الإيتار بثلاث حديث القاسم عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة واحدة توتر لك ما صليت)). قال القاسم: ((ورأينا أناساً منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإنَّ كلاً لواسعٌ، وأرجو أن لا يكون بشيء منه بأس)) (٢).
عاشراً: ركعة واحدة؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر ركعة من آخر الليل)) (٣)؛ وعن أبي مجلزٍ قال: سألت ابن عباس عن الوتر؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ركعة من آخر الليل))، وسألت ابن عمر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 72
((ركعة من آخر الليل)) (١). وذكر الإمام النووي ﵀: أن هذا دليل على صحة الإيتار بركعة وعلى استحبابه آخر الليل (٢). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((لكن كلما زاد فهو أفضل فإذا اقتصر على واحدة فلا كراهة ... )) (٣).
ومما يدل على الإيتار بركعة واحدة، حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ وفيه: (( ... ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعلْ ... )) (٤).
٥ - القراءة في الوتر ، يقرأ في الوتر في الركعة الأولى: بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ
стр. 73
في الوتر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ في ركعة ركعة)) (١)، قال الترمذي ﵀: ((يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة)) (٢).
стр. 74
٦ - القنوت في الوتر (١)، يقنت في الوتر؛ لحديث الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولها في [قنوت] الوتر: ((اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت [ولا يعز من عاديت] (٢) [سبحانك] (٣) تباركت ربنا وتعاليت)) (٤).
стр. 75
ب- وقد ثبت عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) (١). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (٢).
٧ - مَوضِعُ دعاء القنوت قبل الركوع وبعده؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قنت قبل الركوع، وثبت أنه قنت بعد الركوع، فهذا مشروع وهذا مشروع، والأفضل
стр. 76
القنوت بعد الركوع؛ لأنه الأكثر في الأحاديث (١)، والقنوت في الوتر سنة (٢)، ومما يدل على موضع القنوت
стр. 77
ومحله المشروع حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال حينما سُئل عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: ((قبل الركوع ... ))، ثم قال: ((إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً يدعو على أحياء من بني سُليم)) (١). وحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد))، ثم يقول وهو قائم: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد ... )) (٢).
وحديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن
стр. 78
حمده من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعْلٍ وذكوان، وعُصية، ويؤمِّنُ مَنْ خَلفَه)) (١). وحديث أُبي بن كعب ﵁: ((أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع)) (٢). وحديث أنس ﵁ وقد سُئل عن القنوت في صلاة الصبح فقال: ((كنا نقنت قبل الركوع وبعده)) (٣).
٨ - رفع اليدين في دعاء القنوت وتأمين المأمومين ؛ لعموم حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن ربكم ﵎ حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا
стр. 79
رفع يديه أن يردَّهما صفراً)) (١)؛ ولأنه صح عن عمر بن الخطاب ﵁ فعن أبي رافع قال: ((صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ فقنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء)) (٢).
وعن أنس ﵁ في قصة القرَّاء الذين قُتِلوا ﵃ قال: ((لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم - يعني على الذين قتلوهم)) (٣). وذكر البيهقي ﵀ أن عدداً من الصحابة رفعوا أيديهم في القنوت (٤)، أما تأمين المأمومين على قنوت الإمام، ففي
стр. 80
حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ (( ... إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم على رعلٍ وذكوان، وعصية، ويؤمِّن مَن خلفه)) (١).
٩ - آخر صلاة الليل الوتر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) (٢). وفي رواية لمسلم: ((من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً [قبل الصبح]، فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك)) (٣).
١٠ - الدعاء بعد السلام من صلاة الوتر ؛ يقول بعد التسليم: ((سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح))؛ لحديث أُبيّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث
стр. 81
ركعات، كان يقرأ في الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ:
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه: ((سبحان الملك القدوس)) ثلاث مرات، يمد بها صوته في الأخيرة يقول: (([رب الملائكة والروح])) (١).
١١ - لا وتران في ليلة ولا يُنقض الوتر ؛ لحديث طلق بن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا وتران في ليلةٍ)) (٢)؛ ولأن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين بعدما يوتر (٣)، فإذا أوتر المسلم أول الليل ثم نام، ثم يسَّر الله له القيام
стр. 82
من آخر الليل، فإنه يصلي مثنى مثنى ولا ينقض وتره بل يكتفي بوتره السابق (١).
١٢ - إيقاظ الأهل لصلاة الوتر مشروع ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل وأنا معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت)). وفي لفظ لمسلم: ((كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة بين يديه، فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترت)). وفي لفظ آخر لمسلم: ((فإذا أوتر قال: ((قومي فأوتري يا عائشة)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((فيه أنه يستحب جعل الوتر آخر الليل سواء كان للإنسان تهجد
стр. 83
أم لا، إذا وثق بالاستيقاظ آخر الليل إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره، وأن الأمر بالنوم على وتر إنما هو في حق من لم يثق)) (١).
١٣ - قضاء الوتر لمن فاته ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان ... )) (٢).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)) (٣).
стр. 84
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصلِّ إذا أصبح أو ذكره)) (١). فالأفضل أن يقضي الوتر إذا نام عنه أو نسيه، من النهار بعد ارتفاع الشمس شفعاً على حسب عادته، فإن كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة صلى في النهار اثنتي عشرة ركعة، وإن كان يصلي تسع ركعات صلى عشر ركعات، وهكذا.
١٤ - دعاء القنوت في النوازل في الصلاة المفروضة ، قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قنت عند النازلة شهراً يدعو على
стр. 85
قوم، وثبت أنه قنت يدعو لقوم مستضعفين من أصحابه كانوا مأسورين عند أقوام يمنعونهم من الهجرة، فلما زال السبب ترك القنوت، ولم يداوم النبي ﷺ على القنوت في شيء من الصلوات المفروضة: لا الفجر، ولا غيرها، وكذلك خلفاؤه الراشدون كانوا يقنتون نحو هذا القنوت، فما كانوا يداومون عليه، ولكن إذا زال السبب تركوا القنوت، فالسنة القنوت عند النوازل ويُدعى فيها بما يناسب الحال من الدعاء لقوم أو عليهم، أو بما يناسب النازلة (١).
وثبت عن النبي ﷺ أنه قنت في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء؛ لكن القنوت في الفجر والمغرب آكد (٢)، فلما زال السبب ترك القنوت، لزوال سببه، حتى في الفجر، وهذا يؤكد أن دعاء القنوت في
стр. 86
الفجر على الدوام في غير النوازل بدعة (١).
ويدل على ما تقدم من مشروعية القنوت في النوازل الأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث أنس ﵁ قال: ((قنت النبي ﷺ شهراً يدعو على رعلٍ وذكوان)) (٢). وفي لفظ لمسلم: ((دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين
стр. 87
صباحاً ... )). وفي لفظ له: ((ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة، كانوا يُدعَوْن القرَّاء فمكث شهراً يدعو على قَتَلَتِهِم)) (١).
الحديث الثاني: حديث خفاف بن إيماء الغفاري ﵁ قال: ((ركع رسول الله ﷺ ثم رفع رأسه فقال: ((غِفارُ غفَرَ الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصيَةُ عَصَتِ الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان، والعن رِعلاً وذكوان))، ثم وقع ساجداً)) (٢).
الحديث الثالث: حديث البراء بن عازب ﵁ قال: ((قنت رسول الله ﷺ في الصبح والمغرب)) (٣).
الحديث الرابع: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ((كان
стр. 88
القنوت في المغرب والفجر)) (١).
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة ﵁ قال: ((والله لأقرِّبنَّ بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار)) (٢).
الحديث السادس: حديث ابن عباس ﵄ قال: ((قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبُر كل صلاة إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعلٍ وذكوان، وعصيّة، ويؤمِّن مَن خلفه)) (٣).
стр. 89
الحديث السابع: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاةٍ شهراً، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) يقول في قنوته: ((اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف))، قال أبو هريرة ﵁: ((ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم؟ قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟)) (١). وفي رواية للبخاري: ((كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يدعوَ على أحدٍ، أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الركوع ... )) (٢). وفي لفظ لمسلم: ((إن ذلك في صلاة الفجر)) (٣). وفي لفظ للبخاري: ((بينما النبي ﷺ يصلي العشاء)) (٤).
стр. 90
الخبر الثامن: خبر عمر موقوفاً، فعن عبد الرحمن بن أبزى، قال: صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الصبح، فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: ((اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِدُ، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين مُلحقٌ، اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع من يكفر)) (١). وفي رواية أخرى أنه قنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء (٢).
الحديث التاسع: حديث سعد بن طارق الأشجعي ﵁ قال: ((قلت لأبي: يا أبتِ إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب هاهنا بالكوفة نحواً من خمس سنين، أفكانوا يقنتون في
стр. 91
الفجر؟ قال: أي بُنيَّ محدثٌ)) (١). فالقنوت في الفجر لا يكون إلا في النوازل.
فظهر من جميع الأحاديث السابقة: أن القنوت في النوازل سُنَّة، وأنه يكون في الصلوات الخمس، ولكن في صلاة المغرب والفجر آكد، وأن الأفضل أن يكون القنوت بعد الرفع من الركوع، وأن الأفضل أن يرفع يديه ويجهر بالدعاء، ويؤمِّن مَن خلف الإمام، وأن القنوت في الفجر في غير النوازل بدعة (٢)؛ لحديث سعد بن طارق ﵁ وفيه: ((أي بني محدث)) (٣)، فسنة رسول الله ﷺ
стр. 92
وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
الأول: أن دعاء القنوت في النوازل مشروع عند السبب الذي يقتضيه، وليس بسنة دائمة في الصلاة.
الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاءً راتباً محدداً؛ بل يدعو في كل وقت ونازلة بما يناسب ذلك الوقت أو النازلة؛ لفعل النبي ﷺ وخلفائه ﵃ (١).
النوع الثالث: صلاة الضحى:
١ - صلاة الضحى سنة مؤكدة (٢)؛ لأن النبي ﷺ فعلها وأرشد إليها أصحابه، وأوصى بها، والوصية لرجل واحد وصية للأمة كلها إلا إذا دلَّ الدليل على اختصاصه بها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((أوصاني خليلي ﷺ بثلاث [لا أدعهن حتى أموت]: صيام ثلاثة أيام من كل شهر،
стр. 93
وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)) (١)؛ ولحديث أبي الدرداء ﵁ قال: ((أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشت، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر)) (٢).
وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذان الحديثان الصحيحان حجة قائمة للدلالة على شرعية سنة الضحى وأنها سنة مؤكدة؛ لأنه ﷺ إذا أوصى بشيء فوصيته للأمة وليست خاصة بذلك الشخص، وهكذا إذا أمر أو نهى، فالحكم عام، إلا أن يخصه بشيء فيقول: هذا لك خاصة، وكون النبي ﷺ ما فعلها دائماً لا ينافي سنيتها، فقد يفعل الشيء لبيان سنيته، وقد يتركه لبيان عدم وجوبه)) (٣).
وقد رجح النووي ﵀ أن سنة الضحى سنة مؤكدة بعد أن ذكر الأحاديث في ذلك، قال: ((هذه
стр. 94
الأحاديث كلها متفقة لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق، وحاصلها أن [سنة] الضحى سنة مؤكدة ... )) (١).
فالصواب أن المواظبة عليها سنة مؤكدة (٢)؛ لوصية
стр. 95
النبي ﷺ بها، ولبيانه لفضلها، وقد صلاها ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ حينما سُئلت كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: ((أربع ركعات ويزيد ما شاء الله)). وفي رواية: ((ما شاء)) (١).
٢ - فضل صلاة الضحى ثابت في الأحاديث الصحيحة؛ للأحاديث الآتية:
الأول: حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصبح على كل سُلامَى (٢) من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) (٣).
الثاني: حديث بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً فعليه أن
стр. 96
يتصدق عن كل مفصل بصدقة))، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: ((النخاعةُ في المسجد تدفنها، والشيء تنحِّيه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجزئُك)) (١).
ومما يدل على ذلك حديث عائشة ﵂ ترفعه: ((إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل ... )) (٢).
الثالث: حديث نعيم بن همار، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يقول الله : يا ابن آدم لا تُعجزْني (٣) من أربع ركعات في أول النهار أكْفِكَ آخره)) (٤).
الرابع: حديث أبي الدرداء وأبي ذر ﵄ عن
стр. 97
رسول الله ﷺ ، عن الله ﵎ أنه قال: ((ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره)) (١).
الخامس: حديث أنس ﵁ في فضل صلاة الضحى لمن جلس في المسجد بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلَّى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة، تامةٍ، تامةٍ، تامة)) (٢). وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ ((كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حَسَناً)) (٣).
٣ - وقت صلاة الضحى، من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبل وقوف الشمس في كبد السماء قبل الزوال،
стр. 98
والأفضل أن تُصلَّى بعد اشتداد الحر؛ لحديث زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((صلاة الأوَّابين حين تَرمَض الفصال)) (١).وفي لفظ: ((صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال)) (٢)، فمن صلاها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح فلا بأس، ومن صلاها بعد اشتداد الحر قبل وقت النهي فهو أفضل (٣).
٤ - عدد ركعات سنة الضحى لا حدّ له على الصحيح ؛ لأن النبي ﷺ ((أوصى بركعتي الضحى، وبيَّن فضلهما)) (٤)، وفي حديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله)) (٥).
стр. 99
وقد روي عن جابر وأنس ﵄ ((أن النبي ﷺ صلَّى الضحى ست ركعات)) (١)، وثبت عن أمِّ هانئ بنت أبي طالب ﵂ أن النبي ﷺ صلى في بيتها يوم فتح مكة ثمان ركعات بعدما ارتفع النهار، قالت: ((فما رأيته صلَّى صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود)) (٢).
وقد دل حديث عمرو بن عبسة ﵁ أن صلاة الضحى لا حد لأكثرها، وفيه: (( ... صلِّ صلاة الصبح ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة (٣) حتى يستقلّ الظل بالرمح،
стр. 100
ثم أقصر عن الصلاة فإنَّ حينئذٍ تسجر جهنم ... )) (١). وفي سنن أبي داود: (( ... ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيد رمح أو رمحين)) (٢)، وفي لفظ لأحمد: ((فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فصلِّ ... )) (٣).
القسم الثاني: ما تسن له الجماعة ومنه صلاة التراويح:
١ - مفهوم صلاة التراويح: سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات)) (٤).
والتراويح: هي قيام رمضان أول الليل (٥)، ويقال: الترويحة في شهر رمضان؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، بناءً على حديث عائشة ﵂ أنها سُئلت: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما
стр. 101
كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهنّ، ثم يصلي ثلاثاً ... )) (١). ودل قولها ﵂: ((يصلي أربعاً ... ثم يصلي أربعاً ... )) على أن هناك فصلاً بين الأربع الأولى والأربع الثانية، والثلاث الأخيرة، ويسلم في الأربع من كل ركعتين (٢)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة)). وفي لفظ: ((يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة)) (٣). وهذا يفسر الحديث الأول، وأنه ﷺ يسلم من كل ركعتين، وقد قال ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى)) (٤).
٢ - صلاة التراويح سنة مؤكدة ، سنَّها رسول الله ﷺ
стр. 102
بقوله، وفعله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغِّبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)) (١)، قال الإمام النووي ﵀: ((اتفق العلماء على استحبابها)) (٢)، ولا شك أن صلاة التراويح سنة مؤكدة أول من سنها بقوله وفعله رسول الله ﷺ (٣).
٣ - فضل صلاة التراويح ثبت من قول النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)) (٤). فإذا قام المسلم رمضان تصديقاً بأنه حق شرعه الله وتصديقاً بما قاله رسول الله ﷺ وما جاء به، واحتساباً للثواب يرجو الله مخلصاً له القيام ابتغاء مرضاته وغفرانه حصل له هذا
стр. 103
الثواب العظيم (١).
٤ - مشروعية الجماعة في صلاة التراويح وقيام رمضان وملازمة الإمام حتى ينصرف؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: ((إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له قيام ليلة))، وفي لفظ: ((كُتبَ له قيام ليلة))،فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال، قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر)) (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج
стр. 104
ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدَّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق (١) رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهَّد، فقال: ((أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ شأنكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها))، وذلك في رمضان)) (٢).
стр. 105
وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: ((إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل))، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرج معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: ((نعم البدعةُ هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله)) (١).
وهذه الأحاديث تدلّ على مشروعية صلاة التراويح وقيام رمضان جماعة بالمسجد، وأن من لازم الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة كاملة.
وأما قول عمر ﵁: ((نعم البدعة هذه)) فهذا يعني به في اللغة، فمراده ﵁ أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع
стр. 106
إليها، منها:
أ- أن النبي ﷺ كان يحثّ على قيام رمضان، ورغَّب فيه، وقد صلّى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمِنَ من بعده ﷺ .
ب- أمر النبي ﷺ باتباع خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵁ (١).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن قول عمر ﵁: ((نعم البدعة هذه)): ((البدعة هنا يعني من حيث اللغة، والمعنى أنهم أحدثوها على غير مثال سابق بالمداومة عليها في رمضان كله، وهذا وجهُ قول عمر ﵁ وإلا فهي سنة فعلها ﷺ ليالي)) (٢).
٥ - الاجتهاد في قيام عشر شهر رمضان الأواخر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صام رمضان
стр. 107
إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدم من ذنبه)) (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر (٢)(٣).
وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (٤).
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: ((قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح. وكانوا
стр. 108
يسمونه السحور)) (١). وفي حديث أبي ذر ﵁: ((أن النبي ﷺ لما كانت ليلة سبع وعشرين جمع أهله ونساءه والناس فقام بهم)) (٢).
٦ - وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء مع سنتها الراتبة، ثم تصلى صلاة التراويح بعد ذلك (٣).
٧ - عدد صلاة التراويح ليس له تحديد لا يجوز غيره، وإنما قال النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتِرُ له ما قد صلّى)) (٤). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث، أو صلى ستاً وثلاثين وأوتر بثلاث، أو صلى إحدى وأربعين فلا حرج (٥)، ولكن الأفضل ما فعله رسول الله ﷺ وهو ثلاث
стр. 109
عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، لحديث ابن عباسرضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (٢)، فهذا هو الأفضل والأكمل في الثواب (٣)، ولو صلى بأكثر من ذلك فلا حرج لقوله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى منثى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (٤). والأمر واسع في ذلك، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، والله الموفق سبحانه (٥).
القسم الثالث: التطوع المطلق
التطوع المطلق مشروع في الليل كله والنهار إلا
стр. 110
أوقات النهي وهو نوعان:
النوع الأول: التهجد بالليل:
أولاً: مفهوم التهجد ، يقال: هجد الرجل إذا نام بالليل، وهجد إذا صلى بالليل. وأما المتهجِّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم (١).
ثانياً: صلاة التهجد سنة مؤكدة (٢)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله في صفة عباد الرحمن:
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣). وقال في صفة المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في أصحاب الإيمان الكامل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ