٣ - مسّ المصحف ؛ لحديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام، وابن عمر ﵃: ((لا يمسّ القرآن إلا طاهر)) (١).
٤ - قراءة القرآن الكريم؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يُقْرِئُنا القرآن على كل حال
ما لم يكن جنباً)) (٢). وبلفظ: ((كان يخرج من الخلاء فيقرئنا
القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه - أو قال - يحجزه عن القرآن شيء سوى الجنابة))؛ ولحديثه ﵁ أنه توضأ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ
стр. 107
شيئاً من القرآن، ثم قال: ((هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية)) (١).
٥ - المكث في المسجد ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ ترفعه: ((وجهوا هذه البيوت عن
المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) (٣). أما مرور الجنب واجتيازه المسجد فلا حرج فيه؛ لنص الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، وكذلك مرور الحائض والنفساء إذا تحفظت ولم تخش تلويث
стр. 108
المسجد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((ناوليني الخُمْرَة (١) من المسجد))، فقلت: إني حائض، فقال: ((تناوليها فإن الحيضة ليست في يدك)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: ((يا عائشة ناوليني الثوب)) فقالت: إني حائض، فقال: ((حيضتك
ليست في يدك)) (٣)؛ ولحديث ميمونة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن، ثم تقوم إحدانا بِخُمرته فتضعها في المسجد وهي حائض)) (٤). قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: ((والصحابة كانوا يمرون في المسجد؛ لعلمهم ﵃
стр. 109
بهذا الاستثناء، أما قوله ﷺ : ((فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) (١)، فهذا في حقِّ مَنْ يجلس في المسجد، وأما ما رواه زيد بن أسلم أن بعض أصحاب النَّبي ﷺ ، كانوا إذا توضؤوا جلسوا في المسجد (٢)، فهذا احتج به من قال
بالجواز كأحمد وإسحاق رحمهما الله وجماعة. والقول الثاني إنه لا يجلس في المسجد ولو توضأ لعموم الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، والوضوء لا يخرجه من كونه جنباً؛ ولعموم الحديث: ((إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). وهذا أظهر وأقوى، وفعل من جلس من الصحابة يحمل على أنه خفي عليه الدليل الدال على أنه يمنع الجنب من الجلوس في المسجد، والأصل الأخذ بالدليل: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ وزيد بن أسلم وإن روى له مسلم، ففي القلب منه شيء إذا
стр. 110
تفرد بالحديث)) (١).
ج - شروط الغسل:
شروط الغسل ثمانية: النية (٢)، والإسلام، والعقل،
والتمييز، والماء الطهور المباح، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، وانقطاع موجب الغسل (٣).
د - صفة الغُسل الكامل وكيفيته:
صفة الغسل الكامل المشتمل على الفروض، والواجبات والمستحبات كالآتي:
١ - ينوي الغُسل الكامل لرفع الحدث الأكبر والأصغر بقلبه؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النَّبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٤).
стр. 111
٢ - يسمي الله فيقول: ((بسم الله))؛لحديث أبي هريرة ﵁ (١).
٣ - يبدأ فيغسل كفيه ثلاثاً، لحديث عائشة وميمونة
﵄ (٢).
٤ - يغسل فرجه بشماله، ويزيل ما به من أذىً؛ لحديث عائشة وميمونة ﵄ (٣).
٥ - يضرب بشماله الأرض ويمسحها بالتراب الطاهر ويدلكها دلكاً جيداً، ويغسلها؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (٤) أو يدلكها بالحائط ويغسلها؛ لحديث ميمونة ﵂ (٥)، أو يغسلها بالماء والصابون.
стр. 112
٦ - يتوضأ وضوءاً كاملاً كما يتوضأ للصلاة (١)؛
لحديث عائشة ﵂ (٢)، وإن شاء توضأ وضوءه للصلاة وأخر رجليه إلى نهاية الغسل؛ لحديث ميمونة ﵂ (٣).
٧ - يدخل أصابعه في الماء، ثم يخلل شعره حتى يروي بشرته، ثم يصب على رأسه ثلاث حفنات بيديه؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (٤) يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم الوسط؛ لحديث عائشة ﵂ (٥). وليس
стр. 113
على المرأة نقض شعر رأسها لغسل الجنابة؛ لحديث أم
سلمة ﵂ (١). ويستحب أن تنقضه لغسل الحيض؛ لحديث عائشة ﵂ (٢).
٨ - يفيض الماء على سائر جسده؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (٣)، يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر؛ لحديث عائشة ﵂: ((أن النَّبي ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله)) (٤). ويعتني بغسل
стр. 114
الإبطين ومطاوي الأعضاء وأصول الفخذين؛ لحديث
عائشة ﵂ (١)، ويدلك بدنه إذا لم يصل الطهور إلى محله بدونه (٢).
٩ - يتحول فينتقل من مكانه فيغسل قدميه؛ لحديث ميمونة ﵂ (٣) والأفضل أن لا ينشِّف أعضاءه في الغسل؛ لحديث ميمونة ﵂ (٤)، وينبغي له أن لا يسرف في استعمال الماء، فلا إفراط ولا تفريط (٥)، وما تقدم هو
стр. 115
الغسل الكامل (١).
هـ - الأغسال المستحبة:
١ - غسل يوم الجمعة ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ ، قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (٢). وحديثه ﵁ يرفعه: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً إن وجد)) (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((حقٌّ لله على كل
стр. 116
مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده)) (١). وحديثه ﵁ يرفعه إلى النَّبي ﷺ : ((من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النَّبي ﷺ أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِسَ من أحسن ثيابه، ومس من طيبٍ إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط رقاب الناس (٣)، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة ما بينه وبين
الجمعة قبلها [وزيادة ثلاثة أيام])) (٤).
стр. 117
وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: ((من غسل يوم الجمعة، واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها)) (١).
وعن سمرة ﵁ يرفعه: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين
стр. 118
الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا)) (١).
وقد اختلف أهل العلم هل غسل الجمعة واجب أم مستحب؟ ورجح سماحة العلامة ابن باز أن غسلَ الجمعة سنة مؤكدة، وينبغي للمسلم أن يحافظ عليه خروجاً من خلاف من قال بالوجوب، وأقوال العلماء في غسلِ الجمعة ثلاثة: منهم من قال بالوجوب مطلقاً وهذا قول قوي، ومنهم من قال: بأنه سنة مؤكدة مطلقاً، ومنهم من فصَّل فقال: غسل يوم الجمعة واجب على أصحاب الأعمال الشاقة؛ لما يحصل لهم من بعض التعب والعرق، ومستحب في حق غيرهم، وهذا قول ضعيف، والصواب أن غسل الجمعة سنة مؤكدة، أما قوله ﷺ : ((غسل الجمعة
واجب على كل محتلم))، فمعناه عند أكثر أهل العلم متأكد كما تقول العرب: ((العدة دين وحق عليَّ واجب)). ويدل على هذا المعنى اكتفاؤه ﷺ بالأمر بالوضوء في بعض
стр. 119
الأحاديث .. وهكذا الطيب والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير إلى الجمعة، كله من السنن المرغَّب فيها، وليس شيء منها واجباً (١).
٢ - غسل الإحرام ؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النَّبي ﷺ ((تجرَّد لإهلاله واغتسل)) (٢).
٣ - الاغتسال عند دخول مكة ؛ لأن ابن عمر ﵁ كان
لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ويَذْكُرُ ذلك عن النَّبي ﷺ (٣).
стр. 120
٤ - الاغتسال لكل جماع ؛ لحديث أبي رافع ((أن النَّبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه))، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلاً واحداً؟ قال: ((هذا أزكى وأطيب)) (١).
٥ - الاغتسال من غسل الميت ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((من غسَّل الميت فليغتسل)) (٢)؛ ولحديث عائشة رضي
الله عنها قالت: ((كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت)) (٣). ويدل على عدم الوجوب أن أسماء بنت عميس
стр. 121
- امرأة أبي بكر - غسلت أبا بكر ﵁ حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة وهذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ من غسل؟ فقالوا: ((لا)) (١). وبيّن العلامة ابن باز ﵀ أن هذا يدل على أن الغسل من غسل الميت معلوم عند الصحابة؛ ولكنه سنة (٢).
٦ - الاغتسال من دفن المشرك ؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتى النَّبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات، فقال: ((اذهب فواره))، قال: إنه مات مشركاً. قال: ((اذهب فواره)) فلما واريته رجعت إليه، فقال لي:
стр. 122
((اغتسل)) (١).
٧ - الاغتسال للمستحاضة لكل صلاة (٢)، أو عند الجمع بين الصلاتين؛ لحديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة ﵂ استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل
لكل صلاة)) (٣). وفي حديث حمنة بنت جحش ﵂ أن النَّبي ﷺ قال لها: ((سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم)). ثم قال في آخر الحديث: ((وإن قويت على أن تؤخري الظهر
стр. 123
وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك)). قال ﷺ : ((وهذا أعجب الأمرين إليَّ)) (١).
والواجب على المستحاضة هو الغسل عندما تخرج من عادة الحيض، أما بعد ذلك فيستحب لها الغسل كما
تقدم، ويجب عليها أن تتوضأ في وقت كل صلاة، أما الغسل فمندوب كما تقدم (٢). وهذا ما يفتي به شيخنا
стр. 124
العلامة ابن باز رحمه الله تعالى.
٨ - الاغتسال من الإغماء ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ثقل النَّبي ﷺ فقال: ((أصلَّى الناس))؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) (١) قالت: ففعلنا فاغتسل، فذهب لينوء (٢) فأُغمي عليه، ثم أفاق،
فقال ﷺ : ((أصلَّى الناس))؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) فقعد فاغتسل ... (٣). فعل ذلك ثلاث مرات وهو مثقل بالمرض، فدل ذلك على استحبابه (٤).
٩ - الاغتسال من الحجامة ؛ لحديث عائشة ﵂
стр. 125
قالت: ((كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت)) (١).
١٠ - غسل الكافر إذا أسلم عند من يقول باستحبابه، ومنهم من قال بالوجوب؛ لحديث قيس بن عاصم ﵁، قال: أتيت النَّبي ﷺ أريد الإسلام، فأمرني أن
أغتسل بماء وسدر (٢). ورجح سماحة العلامة ابن باز أن غسله سنة (٣).
١١ - غسل العيدين ؛ قال العلماء لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النَّبي ﷺ (٤). قال العلامة الألباني: وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين: ما روى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان قال: سأل رجل عليّاً عن الغسل؟ قال: ((اغتسل كل يوم إن شئت)).
стр. 126
فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: ((يوم الجمعة، ويوم عرفة (١)، ويوم النحر، ويوم الفطر)) (٢). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى،
والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (٣)، وثبت أن عبد الله بن عمر ﵄: ((كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يَغدُوَ إلى المصلى)) (٤).
١٢ - غسل يوم عرفة (٥).
стр. 127
المبحث الثامن: التيمم
التيمم في اللغة: القصد، وفي الشرع: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطَّيِّب لمسح الوجه واليدين به بنية رفع الحدث لمن فقد الماء أو عجز عن استعماله (١).
١ - حكمه:
مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب؛ فلقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وأما السنة؛ فلأحاديث كثيرة، منها حديث عمران بن حصين ﵁ قال: كنا في سفر مع النَّبي ﷺ فصلى بالناس، فلما
стр. 128
[انصرف] من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال: ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم))؟ قال: يا نبي الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: ((عليك بالصعيد فإنّه يكفيك)) (١). وأما الإجماع: فأجمع أهل العلم على مشروعية التيمم في الجملة (٢).
والمسلمون لهم طهارتان: طهارة بالماء، وطهارة بالتيمم لمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله، فمن وجد الماء وقدر على استعماله وجب عليه أن يتطهر به، ومن تعذر عليه استعماله أو لم يجده قام مقامه التيمم وهو رافع
стр. 129
إلى وجود الماء على الصحيح، فيجب لما تجب له الطهارة بالماء، ويستحب لما تستحب له الطهارة بالماء، والصواب أنَّ المسلم إذا عجز عن الماء أو لم يجده تيمم في أي وقت شاء، وأجزأه حتى يجد الماء، أو يأتي بناقض من نواقض الوضوء، أو موجب من موجبات الغسل، ويجزئ التيمم الواحد عن جميع الأحداث الكبرى والصغرى إذا نواها (١).
٢ - من يجوز له التيمم ؟ يجوز التيمم ويشرع لمن حصل له ناقض من نواقض الوضوء، أو موجب من موجبات الغسل في الحضر أو السفر إذا وُجد سبب من الأسباب الآتية:
أ- إذا لم يجد الماء ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً
стр. 130
فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)؛ ولحديث عمران بن حصين ﵁: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك)) (٢).
ب- إذا لم يجد من الماء ما يكفيه في وضوئه أو غسله فإنه يتوضأ بما وجد، أو يغتسل إذا كان عليه جنابة ثم يتيمم للأعضاء التي لم يصل إليها الماء؛ لقوله تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)؛ ولقوله ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٤).
ج- إذا كان الماء شديد البرودة ، ويحصل له ضرر باستعماله، بشرط أن يعجز عن تسخينه؛ لحديث
عمروبن العاص ﵁ قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك،
стр. 131
فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب))؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا)) (٢).
د- إذا كان به جراحة أو مرض إذا استعمل الماء زاد المرض أو تأخر الشفاء ؛ لحديث جابر بن عبد الله، وابن عباس ﵁، أن رجلاً أصابه جرح في عهد رسول الله ﷺ ثم احتلم، فسأل أصحابه هل له رخصة في التيمم؟ فقالوا
له: لا، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العِيّ
стр. 132
السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ... )) (١).
هـ- إذا حال بينه وبين الماء عدو ، أو حريق، أو لصوص، وخاف على نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو كان مريضاً لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء فهو كالعادم (٢).
وإذا خاف العطش والهلاك حبس الماء وتيمم، قال
ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان معه ماء وخشي العطش أنه يبقي ماءه
стр. 133
للشرب ويتيمم (١).
والخلاصة: أن التيمم يشرع إذا تعذر استعمال الماء: إما لعدمه وإما لحصول الضرر باستعماله (٢).
٣ - كيفية التيمم وصفته:
١ - ينوي؛ لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) (٣). ومحلها القلب فلا يتلفظ بها.
٢ - يسمي الله فيقول: ((بسم الله)) (٤).
٣ - يضرب بكفيه الصعيد الطيِّب من الأرض
ضربة واحدة، ثم يمسح جميع وجهه بكفيه، ثم يمسح جميع الكفين بعضهما ببعض يمسح بالشمال على اليمين، وظاهر كفيه وباطنهما: من أطراف الأصابع إلى مفصل
стр. 134
الكف من الذراع، والمفصل الذي يلي الكف داخل في المسح (١)؛ لحديث عمار ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرَّغ الدابة ثم أتيت النَّبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: ((إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا))، ثم ضرب بكفيه الأرض [ضربة واحدة] ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٢). وفي لفظ لمسلم: ((وضرب بيده إلى الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه)) (٣)، وفي لفظ: ((إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا: ثم ضرب بيديه إلى
الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه)) (٤). فإذا كان الغبار كثيراً في الكفين نفخ فيهما أو نفضهما (٥).
стр. 135
٤ - نواقض التيمم ومبطلاته:
١ - ينقض التيمم ويبطله ما يبطل الوضوء ؛ لأن التيمم بالصعيد الطيِّب قام مقام الماء فينقض الطهارة بالتيمم ما ينقض الطهارة بالماء، فإذا تيمم عن الحدث الأصغر ثم بال أو حصل له ناقض من نواقض الوضوء بطل تيممه؛ لأن البدل له حكم المبدل. وكذا التيمم عن الحدث الأكبر يبطل بموجبات الغسل (١).
٢ - وينقض التيمم وجود الماء ، فإذا تيمم لعدم الماء بطل بوجوده؛ لحديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
((إن الصعيد الطيِّب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير)) (٢).
стр. 136
أما إذا تيمم لمرض يمنعه من استعمال الماء لم يبطل التيمم بوجود الماء، ولكن يبطل بالقدرة على استعمال الماء (١).
٥ - فاقد الطهورين: الماء والتراب:
إذا لم يجد المسلم الماء ولا التراب، ولم يستطع الحصول على ذلك، أو وجدهما ولكن عجز عن الوضوء والتيمم؛ فإنه يصلي على حسب حاله كالمربوط الذي لا يستطيع الوضوء ولا التيمم؛ لحديث عائشة ﵂ أنها
استعارت من أسماء قلادة فهلكت (٢)، فأرسل رسول الله ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا إلى رسول الله ﷺ ، شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاكِ الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة (٣). فيجب على المسلم
стр. 137
أن يتطهر بالماء فإن عجز عن استعماله لمرض أو غيره تيمم بتراب طاهر، فإن عجز عن ذلك سقطت الطهارة، وصلى على حسب حاله (١). قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). وقال ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم)) (٤).
٦ - من تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت:
إذا فقد المسلم الماء ثم تيمم وصلى ثم وجد الماء أو قدر على استعماله بعد الفراغ من الصلاة؛ فإنه لا يعيد الصلاة، ولو كان الوقت باقياً، وهكذا لو فقد الماء والتراب أو عجز عن ذلك ثم وجده بعد أن صلى؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر،
стр. 138
فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعدِ الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: ((أصبت السنة وأجزأتك صلاتك)). وقال للذي توضأ وأعاد: ((لك الأجر مرتين)) (١). فدل ذلك على أن الذي لم يعد الوضوء
والصلاة أصاب السنة؛ لأنه فعل ما قدر عليه، أما الآخر فاجتهد وأعاد فله أجر صلاته الأولى والأجر الثاني على اجتهاده في إعادة الصلاة، لكن المقصود هو إصابة السنة (٢).
стр. 139
المبحث التاسع: الحيض والنفاس والاستحاضة والسلس
المطلب الأول: الحيض
١ - تعريفه: الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وهو مصدر: حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً ومحيضاً وتحيّضاً، فهي حائض وحائضة من حوائض وحُيّض؛ إذا سال دمها (١).
وشرعاً: دم طبيعة وجبلّة يخرج من قعر الرحم، يعتاد أنثى إذا بلغت في أوقات معلومة (٢).
٢ - حكمته: خلق الله دم الحيض وكتبه على بنات آدم لحكمة غذاء الولد وتربيته، فالولد يخلقه الله من ماء الرجل والمرأة، ثم يغذِّيه في الرحم بدم الحيض عن طريق السر؛ ولهذا لا تحيض الحامل في الغالب، فإذا وضعت،
стр. 140
خرج ما فضل عن غذاء الولد من ذلك الدم، ثم يقلبه الله تعالى بحكمته لبناً يتغذَّى به الطفل عن طريق الثدي؛ ولهذا لا تحيض المرضع في الغالب، فإذا خلت المرأة من حملٍ ورضاعٍ بقي ذلك الدم في محله ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقل، ويطول ويقصر، على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع، والله أعلم (١).
٣ - لون دم الحيض يأتي على ألوان أربعة كالآتي:
أ - السواد؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبيش ﵂ أنها كانت تستحاض فقال لها رسول الله ﷺ : ((إذا كان دم الحيض فإنه أسودُ يُعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق)) (٢).
стр. 141
ب- الحمرة؛ لأنها أصل لون الدم (١).
ج- الصفرة: وهي الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار (٢).
د- الكدرة: وهي التوسط بين البياض والسواد كالماء الوسخ، ولونه ينحو نحو السواد (٣)؛لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة ﵂، قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدِّرَجة (٤) فيها الكُرسف (٥) فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تَعْجَلْنَ حتى ترين القصة البيضاء (٦) تريد بذلك الطهر
стр. 142
من الحيضة (١).
والصفرة والكدرة لا تكون حيضاً إلا في أيام الحيض أما بعد انقضاء أيام العادة فلا تعد حيضاً ولو تكرر ذلك؛ لحديث أمِّ عطية ﵂ قالت: ((كنا لا نعد الكُدرة والصفرة [بعد الطهر] شيئاً)) (٢). فدل ذلك بمنطوقه على أن الصفرة والكدرة بعد الطهر لا تعد شيئاً وإنما هي مثل البول تنقض الوضوء، ودل بمفهومه على أن الصفرة والكدرة قبل الطهر تعد حيضاً بشرط أن تكون في أيام عادة الحيض، ورجح ذلك العلامة شيخنا ابن باز رحمه
الله تعالى.
стр. 143
٤ - زمن الحيض ومدته ، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في السن الذي يأتي الحيض فيه المرأة، وفي الحيض ومقدار زمنه (١) على النحو الآتي:
أ- السن الذي تحيض فيه الصغيرة:
ليس فيه تحديد من السنة الصحيحة للسن الذي تحيض فيه المرأة؛ لكن في الغالب أنه يكون ما بين اثنتي عشرة سنة إلى خمسين سنة وربما حاضت المرأة قبل ذلك أو بعده بحسب حالتها وجوِّها وبيئتها. وقد اختلف العلماء في تحديد السن الذي يأتي فيه الحيض بحيث لا تحيض الأنثى قبله ولا بعده، وأن ما يأتيها قبله أو بعده فهو دم فساد لا حيض. قال الدارمي بعد أن ذكر الاختلافات: ((كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع
ذلك إلى الوجود (٢)، فأي قدر وجد في أي حال وسن
стр. 144
وجب جعله حيضاً)) (١)، إذا صلح أن يكون حيضاً، فمتى رأت المرأة الدم المعروف عند النساء أنه حيض فهو حيض (٢).
ب- مدة الحيض ومقدار زمنه، لقد اختلف العلماء في أقل مدة الحيض وأكثره، وفي أقل مدة الطهر بين الحيضتين وأكثره (٣)، فقالت طائفة: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام، وقيل: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً (٤). ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله تعالى أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين ولا لأكثره، قال: والعلماء منهم من
стр. 145
يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد، ومنهم من يحد أكثره دون أقله، والقول الثالث أصح: أنه لا حدّ لأقله ولا لأكثره. ثم قرر أن كل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض، وإن قُدّر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض، وإن قُدّر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض، وأما إذا استمر الدم بها دائماً، فهذا قد عُلم أنه ليس بحيض (١).
٥ - أحكام الحيض:
أ - ما يمنع الحيض:
يمنع الحيض ثمانية أشياء على الصحيح:
١ - الصلاة: فالحيض يمنع الصلاة وجوباً وفعلاً؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: أنها كانت