- ﷺ أُتي بثُلُثي مدّ فجعل يدلك ذراعه)).
قال البخاري رحمه الله تعالى: ((بيّن النبي ﷺ أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضاً مرتين، وثلاثاً ولم يزد على
ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه وأن يجاوز فعل النبي ﷺ )) (١).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الجمع بين الروايات السابقة: ((وهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة)) (٢).
ولا شك أن هديه ﷺ يدل على الاقتصاد في الماء مع الإسباغ والكمال، فعن ابن عباس ﵄ قال: ((بت عند خالتي ميمونة ليلةً، فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شن معلَّق وضوءاً خفيفاً وقام يصلي ... )) (٣).
стр. 72
فينبغي الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: ((هكذا
الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم)) (١).
وعن عبد الله بن مُغَفَّل أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء)) (٢).
٧ - نواقص الوضوء:
١ - الخارج من السبيلين: كالبول، والغائط (٣)،
стр. 73
والريح (١)، والمذي (٢)، والودي، والمني (٣)، فهذه الخوارج
تنقض الطهارة إجماعاً كما قال ابن قدامة (٤)، ودم الاستحاضة ينقض الوضوء على الصحيح (٥) وهو قول عامة أهل العلم (٦).
٢ - خروج النجاسة من بقية البدن ، فإن كان بولاً أو غائطاً نقض الوضوء سواء كان قليلاً أو كثيراً، وإن كان
стр. 74
الخارج غير البول والغائط: كالدم الكثير، والقيء الكثير، والصديد الكثير، ونحو ذلك، فقيل ينقض إذا
كان كثيراً نجساً (١).
٣ - زوال العقل بنوم أو غيره . فأما النوم فينقض المستغرق منه على الصحيح؛ لحديث صفوان بن عسال ﵁ (٢) وأما غيره: كالجنون، والإغماء، والسكر، وما أشبهَهُ من الأدوية المزيلة للعقل فينقض الوضوء يسيره وكثيره (٣).
٤ - مس الفرج باليد قُبُلاً كان أو دُبُراً من غير حائل ؛ لحديث جابر، وبسرة بنت صفوان ﵄ أن رسول الله
стр. 75
- ﷺ قال: ((من مسّ ذكره فليتوضأ)) (١). ولحديث أم حبيبة
وأبي أيوب ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من مسّ فرجه فليتوضأ)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ)) (٣). وحلقة الدبر فرج؛ لأنه منفرج عن
стр. 76
الجوف ويخرج منه ما يخرج، فمن مس حلقة الدبر بدون حائل فله حكم من مس ذكره (١).
٥ - أكل لحم الإبل ؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ)). قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم فتوضأ من لحوم الإبل ... )) الحديث (٢).
٦ - الرِّدَّةُ عن الإسلام أعاذنا الله والمسلمين من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٤).
стр. 77
أما غسل الميت فالصحيح أنه لا ينقض الوضوء وهو قول أكثر أهل العلم، لكن لو أصابت يد الغاسل فرج الميت من غير حائل وجب عليه الوضوء، والواجب عليه ألا يمس فرج الميت إلا من وراء حائل.
وهكذا مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً سواء كان ذلك عن شهوة أو غير شهوة في أصح قولي العلماء ما لم يخرج منه شيء؛ لأن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، أما قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) فالمراد به الجماع في الأصح من قولي العلماء، وهو قول ابن عباس ﵄ وجماعة (٢).
٨ - الأمور التي يستحب لها الوضوء:
١ - عند ذكر الله تعالى ودعائه؛ لحديث أبي موسى أنه أخبر النبي ﷺ بخبر أبي عامر، وأنه قال له: أقرئ النبي ﷺ
стр. 78
منّي السلام، وقل له: استغفر لي. فلما أخبر النبي ﷺ دعا رسول الله ﷺ بماءٍ فتوضأ منه، ثم رفع يديه ثم قال: ((اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ... )) الحديث (١).
٢ - الوضوء عند النوم ، لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن)). الحديث (٢).
٣ - الوضوء عند كل حدث ؛ لحديث بريدة ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ يوماً فدعا بلالاً فقال: ((يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة؟ إنني دخلت الجنة البارحة فسمعت خشخشتك (٣) أمامي؟)) فقال بلال: ((ما أذّنت قط إلا صليت
стр. 79
ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت ... )) (١). الحديث.
٤ - الوضوء عند كل صلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوءٍ، ومع كل وضوءٍ بسواك)) (٢).
٥ - الوضوء من حمل الميت ؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: ((من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ)) (٣).
стр. 80
٦ - الوضوء من القيء ، لحديث معدان عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ ((قاء، فأفطر، فتوضأ)). الحديث (١).
٧ - الوضوء مما مست النار ؛ لقوله ﷺ : ((توضَّؤوا مما مست النار)) (٢). ثم ثبت من حديث ابن عباس، وعمرو بن أمية، وأبي رافع ﵃ أن النبي ﷺ أكل من لحم ما مست النار ثم ((قام فصلى ولم يتوضأ)) (٣)، فدل ذلك على استحباب الوضوء مما مست النار.
стр. 81
٨ - الوضوء للجنب إذا أراد الأكل ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة)) (١).
٩ - الوضوء لمعاودة الجماع ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ)) (٢).
أما الغُسل فقد كان ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد (٣).
١٠ - الوضوء للجنب إذا نام دون اغتسال ؛ لحديث عائشة عندما سُئلت: أكان رسول الله ﷺ يرقد وهو
стр. 82
جنب؟ قالت: ((نعم ويتوضأ)) (١). وعن ابن عمر أن عمر ﵄ استفتى النبي ﷺ فقال: هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: ((ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء)) (٢). قال العلامة ابن باز: وجاء عنه ﷺ أنه ربما اغتسل قبل أن ينام، فالأحوال ثلاثة:
إحداها أن ينام من غير وضوء ولا غسل وهذه مكروه، وهو خلاف السنة.
الحالة الثانية: يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، وهذا لا بأس به.
الحالة الثالثة: أن يتوضأ ويغتسل، وهذا هو
الأكمل (٣).
стр. 83
المبحث السادس: المسح على الخفين والعمائم والجبيرة
أ- حكم المسح على الخُفَّيْن:
مشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
الْكَعْبَين﴾ (١) على قراءة الجر، أما قراءة النصب فتحمل على غسل الرجلين المكشوفتين.
أما السُّنة فقد تواترت الأحاديث بذلك عن
النبي ﷺ (٢). قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ((ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ما رفعوا إلى النَّبي ﷺ وما وقفوا)) (٣).
وقال الحسن البصري ﵀: ((حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخُفَّيْن)) (٤). والأفضل في
стр. 84
حقِّ كل أحد بحسب قُدرتِهِ، فَلِلاَبس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خُفَّه إذا اكتملت الشروط، اقتداءً بالنَّبي ﷺ وأصحابه ﵃، وَلِمَن قدماه مكشوفتان الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه (١)؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النَّبي ﷺ أنه قال: ((إن الله يُحبُّ أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) (٢). وفي حديث ابن مسعود وعائشة ﵄: ((إن الله يُحبُّ أن تقبل رخصه كما يحب أن تؤتى
عزائمه)) (٣).
стр. 85
ب - شروط المسح على الخفين وما في معناهما:
١ - أن يلبسهما على طهارةٍ؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: كنت مع النَّبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خُفَّيْه فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)) فمسح عليهما (١).
٢ - أن يكون المسح في الحدث الأصغر؛ لحديث صفوان بن عسَّال ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كُنّا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم)) (٢) فلا يجوز المسح
في الجنابة ولا فيما يوجب الغسل (٣).
٣ - أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً وهو يوم
стр. 86
وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: ((جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم)) (١)؛ ولحديث صفوان ﵁ المتقدم؛ ولحديث أبي بكرة ﵁ عن النَّبي ﷺ ((أنَّه رَخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْه أن يمسح عليهما)) (٢). وهذه المدة على الصحيح تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث (٣)،
وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم، واثنتين
стр. 87
وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر (١).
٤ - أن يكون الخُفَّان أو الجوربان أو العمامة طاهرة (٢)؛ فإن كانت نجسة؛ فإنه لا يجوز المسح عليها، والطاهر ضد النجس والمتنجّس، والنجس: نجس العين كما لو كانت الخفاف من جلد حمار. والمتنجِّس كما لو كانت من جلد بعير لكن أصابتها نجاسة، إلا أن المتنجس إذا طهر جاز المسح عليه والصلاة فيه؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلِّي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم،
فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ((ما حملكم على إلقائكم نعالكم))؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً))، وقال: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر
стр. 88
فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه [بالأرض] وليصلِّ فيهما)) (١).
وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يصلَّى فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مسح عليه بالماء تلوث بالنجاسة؛ فلا يصح المسح عليه (٢).
٥ - أن يكون ساتراً لمحل الفرض، وأن يكون صفيقاً
لا يصف البشرة (٣)، ويُعفى عن الخروق اليسيرة، وقد رجح القول بهذا الشرط العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى (٤).
стр. 89
٦ - أن يكون مباحاً لا مغصوباً، ولا حريراً لرجل، ولا مسروقاً، فإن المحرَّم نوعان: محرّم لكسبه كالمغصوب والمسروق، ومحرّم لعينه: كالحرير للرجل، وكذا اتخاذ ما فيه صور لذوات الأرواح، فلا يجوز أن يمسح على هذين النوعين؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية؛ ولأن القول بالجواز مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرم، والمحرم يجب إنكاره (١).
٧ - أن لا ينزع بعد المسح قبل انقضاء المدة؛ فإن خلع خفيه أو ما في معناهما بعد المسح عليهما أعاد الوضوء مع غسل الرِّجلين (٢).
ورجح هذا القول العلامة عبد العزيز بن عبد الله
стр. 90
ابن باز، وقال: هو قول الجمهور، وهو الصواب (١).
وهناك بعض الشروط ذكرها بعض أهل العلم ليس عليها دليل، أو تدخل فيما سبق (٢).
جـ - مُبطلات المسح:
١ - إذا حدث ما يوجب الغسل كالجنابة بطل المسح
ولا بد من غسل (٣).
٢ - إذا خلع الخفين أو ما في معناهما بعد المسح عليهما بطل وضوؤه على القول الراجح كما تقدم (٤).
стр. 91
٣ - إذا انقضت المدة المعتبرة شرعاً بطل المسح (١). ورجح سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى أن انقضاء المدة يبطل المسح لمفهوم أحاديث التوقيت، فإذا انقضت المدة خلع الخفين وغسل الرجلين، وخلع العمامة ومسح الرأس (٢).
د - كيفية المسح على الخفين والجوربين والعمائم:
يمسح على ظاهر الخفين أو الجوربين؛ لحديث علي ﵁
قال: ((لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه)) (٣)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ : ((كان يمسح على الخفين)) وقال: ((على ظهر الخفين)) (٤)،
стр. 92
قال ابن قدامة ﵀: ((روى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة فذكر وضوء النَّبي ﷺ قال: ((ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين)) (١). قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا ((أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى))، وقال
أحمد: ((كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين)) (٢).
والمسح على الجوربين كالمسح على الخفين تماماً؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ((توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين)) (٣).
стр. 93
وذكر ابن قدامة أنه إذا مسح على الجوربين والنعلين جميعاً فإنه بعد المسح لا يخلع النعلين (١).
أما المسح على العمائم وخمار المرأة على الصحيح فهو على صفتين:
١ - المسح على العمامة المحنَّكة والخمار المحنَّك.
٢ - المسح على الناصية والتكميل على العمامة أو الخمار (٢).
ويشترط للعمامة والخمار ما يشترط للخفين على الصحيح، كما رجح ذلك سماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى (٣).
هـ - المسح على الجبائر:
الأحاديث التي وردت في الجبائر قال جماعة من أهل العلم: إنها ضعيفة (٤)، ولكن ذكر العلامة ابن باز ﵀
стр. 94
أن أحاديث الجبائر مع أحاديث المسح على الخفين تدل على شرعية المسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين للتيسير، فالمسح على الجبائر أولى بالشرعية؛ ولكونه ضرورياً لم يشرع فيه التوقيت (١)، ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من وجوه:
١ - لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف خلاف ذلك.
٢ - يجب استيعابها بالمسح إلا ما زاد على محل الفرض في الوضوء؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به بخلاف الخف فإنه يشق تعميمه بالمسح، فيجزئ فيه مسح بعضه كما وردت به السنة (٢).
٣ - يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فتقدّر بقدرها.
стр. 95
٤ - يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر بخلاف الخف؛ فإنه لا يمسح عليه إلا في الأصغر.
٥ - لا يشترط تقدم الطهارة على شدِّها على القول الراجح بخلاف الخفّ (١).
٦ - الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرِّجل (٢).
* كيفية المسح على الجبائر:
إذا وجد جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:
المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفاً ولا يضره الغسل، فيجب غسله.
المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل والمسح لا يضره، فيجب مسحه.
стр. 96
المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفاً ويضره الغَسلُ والمسح، فحينئذ يشد عليه جبيرة ويمسح عليها، فإن عجز فهنا يتيمم له.
المرتبة الرابعة: أن يكون مستوراً بجبس، أو لزقة، أو جبيرة، أو شبه ذلك ففي هذه الحال يمسح على الساتر،
ويغنيه عن الغَسل (١).
والصواب أنه إذا مسح على العضو يكفي ويغني عن التيمم، فلا يجمع بين المسح والتيمم إلا إذا كان هناك عضو آخر لم يمسح عليه (٢).
стр. 97
المبحث السابع: الغسل
أ - مُوجبات الغُسل:
١ - خروج المني دفقاً بلذة ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: ((إنما الماء من الماء)) (١)؛ ولحديث علي بن أبي طالب ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتَوَضَّأْ وُضوءَك للصَّلاة، فإذا فضخت (٢) الماء فاغتسل)) (٣)؛ ولحديث أمِّ سلمة أم المؤمنين وأنس، وعائشة أم المؤمنين ﵃ أن أم سُليم امرأة أبي طلحة ﵂ جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحقِّ، فهل على المرأة مِنْ غُسلٍ إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نعم إذا رأت الماء)) (٤). فعُلِمَ أن المني
إذا خرج من نائم وجب عليه الغسل مطلقاً سواء كان
стр. 98
دفقاً بلذَّةٍ أو بدون لذَّة؛ لأنَّ النَّائم قد لا يحسُّ به، فإذا احتلم الرجل أو المرأة ثم استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل، فإن استيقظ ولم ير الماء فلا غسل عليه، قال ابن المنذر: ((أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم)) (١).
والنائم إذا استيقظ من نومه فوجد بللاً فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يتيقن أنه مني ففي هذه الحالة يجب عليه أن يغتسل سواء ذكر احتلاماً أم لم يذكر؛ ولهذا عندما رأى عمر ﵁ في ثوبه احتلاماً وقد صلَّى بالمسلمين الفجر، اغتسل وغسل ثوبه وصلَّى (٢). فقد أعاد الصلاة من أحدث نومة نامها في ذلك الثوب.
الحالة الثانية: أن يتيقن أنَّه ليس بمني ففي هذه الحالة
стр. 99
لا يجب عليه الغسل لكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه؛ لأن حكمه حكم البول (١).
الحالة الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا (٢)، وهذه الحالة لا تخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يذكر أنه قد لاعب أهله أو فكر في الجماع، أو نظر إليهم بشهوةٍ؛ فإنه يجعله مذياً؛ لأنّه يخرج بعد التفكير في الجماع في الغالب بدون إحساس، وليس عليه غسل، وإنما يتوضأ وضوءه للصلاة بعد غسل ذكره وأنثييه، وما أصاب ثيابه.
الأمر الثاني: أن لا يسبقه تفكير في الجماع ولا ملاعبة لأهله، ففيه قولان للعلماء:
القول الأول: يجب أن يغتسل؛ لحديث عائشة رضي
الله عنها قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البللَ
стр. 100
ولا يذكر احتلاماً قال: ((يغتسل))، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: ((لا غسل عليه)) (١). فالأولى أن يغتسل لموافقة هذا الخبر، وإزالة الشكِّ، ويكون ذلك احتياطاً (٢).
القول الثاني: لا يجب عليه أن يغتسل؛ لأن الأصل الطهارة ولا تزول بالشك بل لا بد من اليقين (٣).
٢ - التقاءُ الختانين ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: ((إذا جلس بين شُعَبها الأربع ثم جهدها فقد
وجب الغسل)) (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂، قالت: قال
стр. 101
رسول الله ﷺ : ((إذا جلس بين شعبها الأربع ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل)) (١). ويدل على الموجب الأول والثاني قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ (٢).
٣ - إسلام الكافر سواء كان أصليّاً أو مرتدّاً ؛ لحديث قيس بن عاصم ﵁ قال: أتيت النَّبي ﷺ ، أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (٣)؛ لأنه طهَّر باطنه من نجس الشرك فمن الحكمة أن يطهر ظاهره بالغسل. وقال
بعض العلماء: لا يجب على الكافر الغسل إذا أسلم وإنما هو مستحب؛ لأنه لم يرد عن النَّبي ﷺ أمر عام مثل: من
стр. 102
أسلم فليغتسل، وقد أسلم كثير من الصحابة ولم ينقل أنه أمرهم بالغسل، ولو كان واجباً لكان مشهوراً لحاجة الناس إليه. ورُدّ على ذلك أن القول بالوجوب أقوى؛ لأنَّ أمْرَ النَّبي ﷺ لواحدٍ مِنَ الأمَّة أمْرٌ للأمَّة جميعاً. وقال آخرون: إن أتى في كُفْرِهِ بما يوجب الغسل وجب عليه الغسل، وإن لم يأت بموجب فلا يجب عليه الغسل (١).
قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: ((الغسل للإسلام سنة وليس بواجب؛ لأن النَّبي ﷺ لم يأمر الجمَّ الغفير بالغسل)) (٢). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وقد صحّ أمر النَّبي ﷺ به، وأصح الأقوال وجوبه على من أجنب
حال كفره ومن لم يجنب)) (٣).
٤ - موت المسلم غير شهيد المعركة؛ لحديث ابن
стр. 103
عباس ﵄ أن النَّبي ﷺ ، قال فيمن وقصته ناقته وهو محرم بعرفة: ((اغسلوه بماء وسدر وكَفِّنُوه في ثَوْبَيه)) (١)؛ ولحديث أم عطية ﵂ قالت: دخل علينا النَّبي ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)) (٢).
٥ - الحيض ، وانقطاع الحيض شرطٌ لصحة الغسل فلو اغتسلت قبل أن تطهر لم يصح؛ لأن من شرط صحة الاغتسال الطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ
تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ كانت
стр. 104
تستحاض، فسألت النَّبي ﷺ فقال: ((ذلك عرق وليست الحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)) (١).
٦ - النفاس ، وانقطاع دم النفاس شرط لصحة الاغتسال؛ فإن النفاس كالحيض سواء؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وإنما كان في مدة الحمل ينصرف إلى غذاء الولد مع السر، فحين خرج الولد خرج الدم لعدم مصرفه، وسمِّي نفاساً (٢)، ويكون دم النفاس الخارج مع الولادة أو بعدها، أو قبلها بيوم أو يومين أو ثلاثة ومعه
الطلق (٣)، ومما يدلُّ على أن دم النفاس هو دم الحيض قوله ﷺ لعائشة ﵂ لما حاضت: ((مالكِ أنفست))؟ (٤). وأجمع
стр. 105
العلماء على وجوب الغسل بالنِّفاس كالحيض (١).
ب - ما يُمنع منه الجنب:
يُمنع الجنب من خمسة أمور:
١ - الصلاة ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٢)؛ ولحديث أبي هريرة، وحديث علي، وحديث ابن عمر ﵃ (٣).
٢ - الطواف بالبيت الحرام؛ لقوله ﷺ : ((الطواف بالبيت صلاة .. )) (٤).
стр. 106
٣ - مسّ المصحف ؛ لحديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام، وابن عمر ﵃: ((لا يمسّ القرآن إلا طاهر)) (١).
٤ - قراءة القرآن الكريم؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يُقْرِئُنا القرآن على كل حال
ما لم يكن جنباً)) (٢). وبلفظ: ((كان يخرج من الخلاء فيقرئنا
القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه - أو قال - يحجزه عن القرآن شيء سوى الجنابة))؛ ولحديثه ﵁ أنه توضأ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ
стр. 107
شيئاً من القرآن، ثم قال: ((هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية)) (١).
٥ - المكث في المسجد ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ ترفعه: ((وجهوا هذه البيوت عن
المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) (٣). أما مرور الجنب واجتيازه المسجد فلا حرج فيه؛ لنص الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، وكذلك مرور الحائض والنفساء إذا تحفظت ولم تخش تلويث
стр. 108
المسجد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((ناوليني الخُمْرَة (١) من المسجد))، فقلت: إني حائض، فقال: ((تناوليها فإن الحيضة ليست في يدك)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: ((يا عائشة ناوليني الثوب)) فقالت: إني حائض، فقال: ((حيضتك
ليست في يدك)) (٣)؛ ولحديث ميمونة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن، ثم تقوم إحدانا بِخُمرته فتضعها في المسجد وهي حائض)) (٤). قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: ((والصحابة كانوا يمرون في المسجد؛ لعلمهم ﵃
стр. 109
بهذا الاستثناء، أما قوله ﷺ : ((فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) (١)، فهذا في حقِّ مَنْ يجلس في المسجد، وأما ما رواه زيد بن أسلم أن بعض أصحاب النَّبي ﷺ ، كانوا إذا توضؤوا جلسوا في المسجد (٢)، فهذا احتج به من قال
بالجواز كأحمد وإسحاق رحمهما الله وجماعة. والقول الثاني إنه لا يجلس في المسجد ولو توضأ لعموم الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، والوضوء لا يخرجه من كونه جنباً؛ ولعموم الحديث: ((إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). وهذا أظهر وأقوى، وفعل من جلس من الصحابة يحمل على أنه خفي عليه الدليل الدال على أنه يمنع الجنب من الجلوس في المسجد، والأصل الأخذ بالدليل: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ وزيد بن أسلم وإن روى له مسلم، ففي القلب منه شيء إذا
стр. 110
تفرد بالحديث)) (١).
ج - شروط الغسل:
شروط الغسل ثمانية: النية (٢)، والإسلام، والعقل،
والتمييز، والماء الطهور المباح، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، وانقطاع موجب الغسل (٣).
د - صفة الغُسل الكامل وكيفيته:
صفة الغسل الكامل المشتمل على الفروض، والواجبات والمستحبات كالآتي:
١ - ينوي الغُسل الكامل لرفع الحدث الأكبر والأصغر بقلبه؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النَّبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٤).