أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) الآيات.
وقوله: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (٢). وقال الرسول ﵊: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)) (٣).
* رابعاً: التعامل مع غير العاقل: من ذلك في الحديث: ((دخلت النار امرأة في هرة، لا هي أطعمتها ولا سقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)) (٤). أو كما قال ﵊، وكما جاء في قصة الرجل الذي سقى الكلب فشكر الله له، فأدخله الجنة (٥). وفي حديث أبي رقية: ((وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة .. )) (٦).
درس: يوم ٢٢/ ٦/١٤٢٢هـ
* من الأدلة على مكانة الخلق في الإسلام: تعليل الرسالة بإصلاح الأخلاق، حيث ذكر رسول الله ﵊ أن أساس بعثته إنما هي لتقويم الأخلاق.
стр. 142
* إن الواجب من الأخلاق أفضل من سائر التطوعات مثل: الصدق فهو أفضل من قيام الليل؛ لأن الصدق واجب، وقيام الليل سنة.
* إن نافلة الأخلاق أفضل من نافلة العبادة: أن ما كان من الأخلاق مستحبّاً أفضل من العبادات المستحبة، مثل أن تمشي في حاجة أخيك أفضل من الصلاة المستحبة ((ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق)) (١).
* والأخلاق مع التقوى ميزان يقوم به العباد؛ لقوله ﵊ حينما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق)) (٢). أو كما قال ﵊.
* آثار الأخلاق:
للأخلاق الفاضلة آثار خيِّرة عاجلة وآجلة، فمن الآجلة:
١ - سبب في دخول الجنة.
٢ - سبب القرب من الرسول ﵊.
٣ - سبب لتقوية الصلة بالله .
ومن آثار الأخلاق العاجلة:
стр. 143
١ - سبب لمحبة الناس لصاحب الخلق.
٢ - سبب لطمأنينة القلب وانشراح الصدر، كما قال ﵊: ((الصدق طمأنينة والكذب ريبة)) (١).
وذكر ابن القيم أن الإحسان إلى الخلق من أسباب انشراح الصدر.
٣ - سبب للبركة في العمر والمال؛ لحديث: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) (٢). وحديث: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتم وكذب محقت بركة بيعهما)) (٣).
* آثار الأخلاق في المجتمع:
* حصول الألفة والمودة وتقوية أواصر الأخوة بينهم.
* تيسر أمور أفراد المجتمع ومصالحه.
* إذا سادت الأخلاق الفاضلة يثق بعضهم ببعض. (أي المجتمع).
* آثار الأخلاق على غير المسلمين:
من أعظم ما تجلب به القلوب للدخول في هذا الدين، والنفس مجبولة على حب من أحسن إليها، ومن هذه الأخلاق:
стр. 144
١ - الكرم.
٢ - البذل، وغيره من الأخلاق الحسنة.
* معيار الأخلاق:
المعيار: هو الميزان والمقياس، ولا تستقيم أحوال الناس إلا بالموازين؛ ولذلك امتن الله على عباده بأن أنزل الميزان. فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ﴾ (١).
الموازين على قسمين: موازين حسّيّة - موازين معنوية.
الموازين الحسية: توزن بها الأشياء المادية.
ومن صفات الموازين: أنها واحدة لا تتفاوت، الثبات على اختلاف البيئات، هناك موازين معنوية، والناس بأمسِّ الحاجة إليها؛ لأن من خلالها يحكم على الأقوال والأفعال بأنها خطأ أو صواب، حق أو باطل، حسنة أو قبيحة.
العبادة: هل لها ميزان أو ليس لها ميزان؟ نعم لها ميزان: وهو الإخلاص، والمتابعة.
والمتابعة هي الميزان الظاهري الذي نستطيع أن نحكم على العبادة من خلاله.
* في الأخلاق هناك ميزان نستطيع أن نحكم به على الخلق.
стр. 145
* إذا كانت هناك معايير أمكن تقارب الحكم.
* معيار الأخلاق في الفكر الوضعي: ثلاثة معايير.
١ - العقل: وقال به أصحاب الاتجاه في الغرب، وأخذ به في البيئة الإسلامية المعتزلة، والفلاسفة.
* يشترط في المعيار الصحيح أن يكون ثابتاً لا يتغير باختلاف الأزمان أو البيئات أو الأشخاص مثل الميزان الحسي.
نوافق على أن العقل يدرك أصول الأخلاق: كالعدل، والصدق، والإحسان إلى الغير، وقبح الظلم، ولكنه لا يدرك تفاصيل الفضيلة الخلقية.
الرد على الفلاسفة:
العقل يتفاوت بين الناس تفاوتاً كبيراً. إن العقل تعرض له أمور تمنعه من تمام الإدراك، ومنها: الهوى، والشهوة، ومنها: الخطأ، والنسيان، وهي من لوازم البشر، والله رفع المؤاخذة عن الإنسان في حال الخطأ والنسيان.
٢ - المنفعة: يقولون: ننظر إلى الأثر المترتب على الخلق، فإن كان الأثر حسناً فالخلق حسن، وإن كان سيئاً فالخلق سيئ، وهذا الاتجاه هو السائد في الغرب، وبالذات في أمريكا ويسمى المذهب العملي (البرجماتي).
стр. 146
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات.
[انتهت الفوائد التي اقتطفها الابن البار عبد الرحمن رحمه الله تعالى، وقد كان مجتهداً مجدّاً في التقاط أطايب الفوائد من أساتذته، وفي خلال أيام معدودة في بداية دراسته في كلية الشريعة التقط هذه الفوائد، وكان قصده الاستمرار في هذا المنهج، إلا أن الله توفاه في بداية هذا العمل المبارك، ولم يستمر في ذلك إلا ثلاثة أشهر من ١٣/ ٦/١٤٢٢هـإلى ١٦/ ٩/١٤٢٢هـ، فأسأل الله بوجهه الكريم أن يتقبل منه هذا العمل، ويجعله في موازين حسناته أضعافاً مضاعفة كثيرة، وأن يعوِّضه خيراً مما فاته من هذا العلم النافع، وأن يسكنه الفردوس الأعلى، وأن يجعل هذا الحادث الذي أصابه شهادة له ولشقيقه عبد الرحيم، شهادة ينالان بها أعلى منازل الشهداء، وأن يجمعني بهما في ذاك المكان العالي مع حبيبنا ونبينا وإمامنا وأسوتنا محمد بن عبد الله ﵊، ومع والدينا وذرياتنا، وأزواجنا، وأحبابنا في الله تعالى جميعاً؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو: ذو الجود، والفضل، والإحسان، والامتنان، ويؤتي فضله من يشاء وهو ذو الفضل العظيم، لا يُسأل عما
стр. 147
يفعل ﵎، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله على قدره وقضائه، واختياره، والحمد له على كل حال.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر قبل صلاة العصر من يوم السبت الموافق
٢١/ ١٢/١٤٢٣هـ
стр. 148
الرسالة الثانية
الجنة والنار
من الكتاب والسنة المطهرة
إعداد
عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله تعالى
(١٤٠٣ - ١٤٢٢هـ)
تحقيق
د. سعد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 149
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فهذه رسالة في ((الجنة والنار من الكتاب والسنة))، كتبها الابن: الشاب، البار، الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله تعالى، وهي رسالة نافعة جداً بيَّن فيها رحمه الله تعالى: مفهوم الجنة والنار، وإثبات وجود الجنة والنار، وأنهما موجودتان الآن، ومكان الجنة، ومكان النار، وأسماء الجنة، وأسماء النار، ونعيم الجنة النفسي، ونعيمها الحسّي، وذكر من هذا النعيم: إحلال رضوان الله على أهل الجنة، فلا يسخط عليهم أبداً، وذكر عدد أنهار الجنة وصفاتها، والحور العين وصفاتهن، ومساكن أهل الجنة: من الخيام، والغرف، والقصور، وصفاتها، وطعام أهل الجنة، وشرابهم، وصفات أهل الجنة، [جعله من أهلها].
وذكر ﵀: عذاب أهل النار النفسي، وعذابهم الحسي، ثم ذكر
стр. 150
الطريق الموصل إلى الجنة، وأسباب دخولها، وأن دخول الجنة برحمة الله تعالى، وذكر الطرق الموصلة إلى النار، وبين أسباب دخولها [أعاذه الله منها]، ثم ختم ذلك: بكيف نقي أنفسنا وأهلينا من النار، ثم الخاتمة، والتوصيات، وإثبات المراجع والمصادر.
ولا شك أن أعظم المطالب: الفوز بالجنة والنجاة من النار، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).
وعندما رأيت هذا الترتيب الجميل، والاختصار المفيد؛ ولأهمية الموضوع أحببت أن أعتني بإخراج هذه الرسالة التي أسأل الله بوجهه الكريم أن ينفع بها الابن عبد الرحمن، وأن يجعلها له من العمل الذي لا ينقطع، وأن يبلّغه منازل الشهداء؛ فإنه ـ الكريم، الرؤوف الرحيم، ذو الفضل والجود والإحسان والامتنان.
وأصل هذه الرسالة بحث أعدّه الابن عبد الرحمن ﵀ في الصف الثالث الثانوي الفصل الثاني في أوائل عام ١٤٢٢هـ في ثانوية أبي عمرو البصري لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض، أشرف عليه الأستاذ محمد السليم حفظه الله تعالى وجزاه خيراً.
وعندما توفي الابن عبد الرحمن ﵀، ذهبت إلى المدرسة، وطلبت
стр. 151
هذا البحث، فدفعه إليّ وكيل المدرسة محمد العوشن، جزاه الله خيراً، وفرحت بذلك فرحاً عظيماً، وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن ينفع به كاتبه، وأن يكون من عمله الصالح الذي لا ينقطع.
وعملي في هذه الرسالة على النحو الآتي:
١ - قمت بمطابقة الرسالة على أصلها المخطوط بخط الابن عبد الرحمن رحمه الله تعالى.
٢ - خرَّجت جميع الأحاديث، وقابلتها على مصادرها الأصلية من كتب السنة.
٣ - إذا أضفت كلمة أو جملة جعلتها بين معقوفين هكذا [ ... ].
٤ - إذا أضفت شيئاً من الفوائد جعلتها في الحاشية؛ لرغبتي في بقاء الرسالة على أصلها، لعلّ الله أن ينفع بها كاتبها كما حذفت قائمة المصادر والمراجع التي ذكر الابن عبد الرحمن ﵀؛ رغبة في الاختصار، ومن أراد الرجوع إليها فهي مكتوبة في الحواشي.
أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر في يوم الخميس الموافق ٢٦/ ١٠/١٤٢٢هـ
стр. 152
مقدمة المؤلف رحمه الله تعالى
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فهذا بحث عن الجنة والنار، جمعته من عدة مراجع، وكتبت ما كان منها مهمّاً، وقد قمت فيه بتعريفٍ، ووصفٍ، و [بيان] طريق الوصول، لكل: من الجنة والنار.
وأهمية هذا الموضوع تكمن في أن الإنسان له مصير سواء الجنة أم النار، ولا بد من توضيح العاقبة، ووصفها، نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار.
وسبب اختياري لهذا الموضوع: الحث على الأعمال الموصلة للجنة، والترهيب من الأعمال الموصلة للنار.
وقد قسمت هذا الموضوع إلى الطريقة البحثية الآتية:
الباب الأول: الجنة والنار (تعريف وبيان).
الفصل الأول: تعريف الجنة والنار وذكر أسمائهما.
المبحث الأول: تعريف الجنة وذكر أسمائها.
المبحث الثاني: تعريف النار وذكر أسمائها.
الفصل الثاني: هل الجنة والنار موجودتان الآن؟
стр. 153
المبحث الأول: إثبات وجود الجنة.
المبحث الثاني: إثبات وجود النار.
الباب الثاني: نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار.
الفصل الأول: نعيم أهل الجنة.
المبحث الأول: النعيم النفسي.
المبحث الثاني: النعيم الحسي.
الفصل الثاني: عذاب أهل النار.
المبحث الأول: العذاب النفسي.
المبحث الثاني: العذاب الحسي.
الباب الثالث: الطريق إلى الجنة، والنجاة من النار.
الفصل الأول: الطريق إلى الجنة، وأسباب دخولها.
المبحث الأول: أسبابٌ موصلةٌ إلى الجنة.
المبحث الثاني: الدخول إلى الجنة برحمة الله لا بالعمل.
الفصل الثاني: الطريق إلى النار، والنجاة منها.
المبحث الأول: الأسباب الموصلة إلى النار.
المبحث الثاني: كيف نقي أنفسنا وأهلينا من النار؟
стр. 154
ولله الحمد لم تواجهني صعوبات تذكر، بل كان البحث ممتعاً ومفيداً. وأتقدم بالشكر الجزيل بعد شكر الله إلى الأستاذ الفاضل وفقه الله الأستاذ/ محمد السليم، أسعده الله في الدنيا والآخرة على ما قام به من جهود موفقة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.
الباحث
عبد الرحمن بن سعيد القحطاني
[حرر في أوائل عام ١٤٢٢هـ]
стр. 155
الباب الأول
الجنة والنار: (تعريف وبيان)
الفصل الأول: تعريف الجنة والنار، وذكر أسمائهما.
المبحث الأول: تعريف الجنة، وذكر أسمائها.
المبحث الثاني: تعريف النار، وذكر أسمائها.
الفصل الثاني: هل الجنة والنار موجودتان؟ وأين مكانهما؟
المبحث الأول: إثبات وجود الجنة والنار.
المبحث الثاني: إثبات مكان الجنة والنار.
стр. 156
الفصل الأول
تعريف الجنة والنار، وذكر أسمائهما
المبحث الأول: تعريف الجنة، وذكر أسمائها:
الجنة لغة: البستان، ومنه الجنان، والعرب تسمي النخيل: جنّة (١).
وفي مختار القاموس: الجنَّة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها: جنان (٢).
والجنة في الاصطلاح: هو الاسم العام المتناول لتلك الدار [التي أعدها الله لمن أطاعه]، وما اشتملت عليه من أنواع النعيم، واللذة، والبهجة والسرور، وقرة العين (٣).
أما أسماء الجنة، فيقول ابن القيم ﵀: في أسماء الجنة ومعانيها واشتقاقاتها: ((ولها عدة أسماء، باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه، [وتختلف باعتبار الصفات، فهي متباينة من هذا الوجه]، وهكذا أسماء الرب ـ، وأسماء كتابه، وأسماء
стр. 157
رسله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النار)) (١).
ومن أسماء الجنة:
١ - الجنة: [قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (٢).
٢ - دار السلام: قال سبحانه: ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤). [فهي دار سلام من كل بليَّة وآفة] (٥).
٣ - دار الخلد: قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (٦)(٧).
٤ - دار المقامة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (٨).
٥ - جنة المأوى، قال الله تعالى: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأوَى﴾ (٩).
стр. 158
٦ - جنات عدن، قال : ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (١)(٢).
٧ - الفردوس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (٣)(٤).
٨ - جنات النعيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٥)(٦).
٩ - المقام الأمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ (٧)(٨).
стр. 159
١٠ - مقعد صدق، قال الله : ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (١)(٢).
المبحث الثاني: تعريف النار وذكر أسمائها:
النار لغة: [تقال للهب الذي يبدو للحاسة، وللحرارة المجردة، وللحرارة المحرقة، ولنار جهنم المذكورة في قوله تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا الله الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (٣)، جمعها: أنوار ونيران، وأنيار (٤).
والنار في الاصطلاح: هي التي أعدها الله سبحانه لمن عصاه، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ (٦).
- ومن أسماء النار نعوذ بالله منها:
[١ - النار، قال الله تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا الله الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾] (٧).
٢ - جهنم، قال الله : ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا، لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ (٨).
стр. 160
٣ - الجحيم، قال الله سبحانه: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ (١).
٤ - السعير، قال الله سبحانه: ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٢).
٥ - سقر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ* لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ (٣).
٦ - الحُطمة، قال الله سبحانه: ﴿كَلا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ (٤).
٧ - الهاوية، قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ*فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ*نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (٥)(٦).
стр. 161
الفصل الثاني
هل الجنة والنار موجودتان؟ وأين مكانهما ؟
المبحث الأول: إثبات وجود الجنة والنار:
من ذلك حديث أنس ﵁ عن الرسول ﷺ [في قصة الإسراء]: ((ثم انطلق بي جبريل حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ (١) اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)) (٢). [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَمّا خلق الله الجنة والنار أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فجاء فنظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها ... ثم قال: اذهب إلى النار فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضاً .. ] (٣).
стр. 162
وقال الإمام الطحاوي ﵀: ((والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً، ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكلٌّ يعمل لما قد فرغ له، وصائرٌ لما خُلق له، والخير والشر مقدران على العباد)) (١).
ومن الأحاديث الدالة على وجود الجنة الآن:
[حديث] كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما نسمة المؤمن طائرٌ يعْلُقُ في شجر الجنة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه)) (٢)(٣).
стр. 163
المبحث الثاني: مكان الجنة والنار:
[١ - مكان الجنة]
يقول الله سبحانه: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ (١).
قال ابن عباس ﵄: الجنة. وقيل: عليون: في السماء السابعة تحت العرش (٢).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: ((والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع، عَظُم واتسع، ولهذا قال الله ـ معظّماً أمره، ومُفخِّماً شأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ (٣).
وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤). ﴿رِزْقُكُمْ﴾: يعني المطر، ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ يعني الجنة)) (٥)(٦).
стр. 164
[١] مكان النار:
يقول الله : ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ (١). وقد ذكر [الإمام] ابن كثير، و [الإمام] البغوي، و [الإمام] ابن رجب، آثاراً تبيّن وتذكر أن سجين تحت الأرض السابعة، أي تحت سبع أراضين. [كما أن الجنة فوق السماء السابعة] (٢).
اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار (٣).
стр. 165
الباب الثاني
نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار
الفصل الأول: نعيم أهل الجنة.
المبحث الأول: النعيم النفسي.
المبحث الثاني: النعيم الحسي.
الفصل الثاني: عذاب أهل النار.
المبحث الأول: العذاب النفسي.
المبحث الثاني: العذاب الحسي.
стр. 166
الفصل الأول
نعيم أهل الجنة
المبحث الأول: النعيم النفسي:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟! فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربِّ، وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟! فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) (١)(٢).
стр. 167
المبحث الثاني: النعيم الحسي لأهل الجنة:
[١ - أنهار الجنة]
يقول الله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (١).
تفسير الآية:
﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: أي صفتها.
﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [أي غير متغير ولا مُنتن].
﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾: لذيذة للشاربين لم تدنسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي.
﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾: أي مَن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟؟ (٢)(٣).
стр. 168
[٢، ٣] الحور العين، ومساكن أهل الجنة:
يقول الله سبحانه: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (١).
ويقول الله سبحانه: ﴿وَحُورٌ عِينٌ*كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ*جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
ويقول سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٣).
ويقول رسول الله ﷺ : ((في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن)) (٤).
стр. 169
ويقول الله سبحانه في وصف مساكن وغرف الجنة: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله الْمِيعَادَ﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: ((أخبر عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة، وهي القصور الشاهقة، ﴿مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾، طباق فوق طباق، مبنيات محكمات، مزخرفات، عاليات)) (٢).
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والناس نيام)) (٣).
وفي حديث أبي هريرة ﵁: [أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن بناء الجنة؟
стр. 170
فقال] ﵊: ((لَبِنةٌ من فضة، ولَبِنةٌ من ذهب، ومِلاطها (١) المسك الأذفرُ، وحصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتُربَتُها الزعفران، من يدخلها: ينعم ولا يبأس، ويخلدُ ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم)) (٢).
ويقول ابن القيم ﵀ في نونيته [في صفة عرائس الجنة وحسنهن]:
يا من يطوف الكعبة الحصن التي ... حُفَّت بذاك الحجر والأركان
ويظل يسعى دائماً حول الصفا ... ومحسر مسعاه لا العلمان
ويروم قربان الوصال على منى ... والخيف يحجره عن القربان
إلى أن قال ﵀:
من قاصرات الطرف لا تبغي سوى ... محبوبها من سائر الشبان
وقصرت عليه طرفها من حسنه ... والطرف في ذا الوجه للنسوان
إلى أن قال ﵀:
هذا وليس القاصرات كمن غدت ... مقصورة فهما إذاً صنفان
يا مطلق الطرف المعذب في الألى ... جردن عن حسن وعن إحسان
إلى أن قال ﵀:
فاسمع صفات عرائس الجنات ثم ...
стр. 171
اختر لنفسك يا أخا العرفان
حور حسان قد كملن خلائقاً ... ومحاسناً من أجمل النسوان (١)
يقول الشارح ﵀: قال الله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٢) الحور: جمع حوراء وهي: المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء، شديدة سواد العين، التي يحار الطرف فيها من رقَّة الجلد، ومن صفاء اللون، [قاله: مجاهد، والصحيح أن الحور مأخوذ من الحور في العين، وهو شدة بياضها مع قوة سوادها، فهو يتضمّن الأمرين))] (٣)(٤).
كما قال : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ*وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ*كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ (٢).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخّطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يُلهَمون التسبيح والتحميد كما يُلهَمون النَّفَس)) (٣)(٤).
стр. 174
الفصل الثاني
عذاب أهل النار
المبحث الأول: العذاب النفسي:
يقول الله : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)(٢).
стр. 175
[و] من أعظم عذاب أهل النار حجابهم عن ربهم ، قال سبحانه: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ*ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ*ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١).
المبحث الثاني: العذاب الحسي لأهل النار:
من أعظم عذابهم، العذاب المتواصل للكفار والمنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ*لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٢). وقال : ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ (٣).
[و] قال : ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٤).
قال الشيخ السعدي ﵀: ((وسقوا فيها ماءً حميماً)) أي حارّاً جدّاً (٥).
стр. 176
و من عذاب أهل النار: الجحيم، والزقوم:
يقول : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ*طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ*كَغَلْيِ الْحَمِيمِ*خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ*ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ*ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (١).
قال السعدي ﵀: ((لَمَّا ذكر يوم القيامة، وأنه يفصِلُ بين عباده فيه، ذكر افتراقهم إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهم الآثمون بفعل الكفر والمعاصي، وأن طعامهم ﴿شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾، شرّ الأشجار، وأفظعها، وأن طعامها ﴿كَالْمُهْلِ﴾، أي كالصديد المنتن، خبيث الريح والطعم، شديد الحرارة، يغلي في بطونهم. ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾: ويُقال للمعذَّب: ﴿ذُقْ﴾ هذا العذاب الأليم، والعقاب الوخيم، ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ أي بزعمك أنك عزيزٌ ستمتنع من عذاب الله، وأنك الكريم على الله، لا يصيبك بعذاب، فاليوم تبيّن لك أنك أنت الذليل المهان الخسيس (٢)(٣).
стр. 177
الباب الثالث
الطريق إلى الجنة، والنجاة من النار
الفصل الأول: الطريق إلى الجنة، وأسباب دخولها.
المبحث الأول: الأسباب الموصلة إلى الجنة.
المبحث الثاني: الدخول إلى الجنة برحمة الله لا بالعمل.
الفصل الثاني: النجاة إلى النار، وأسباب دخولها.
المبحث الأول: الأسباب الموصلة إلى النار.
المبحث الثاني: كيف نقي أنفسنا من عذاب الله.
стр. 178
الفصل الأول
الطريق إلى الجنة، وأسباب دخولها
المبحث الأول: أسباب دخول الجنة:
١ - الطريق إلى الجنة: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، قال الله سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
٢ - طلب العلم النافع ((علم الكتاب والسنة)).
٣ - الإيمان والعمل الصالح. ومن الأعمال الصالحة:
أ - القيام باركان الإسلام [وأركان الإيمان] على الوجه الأكمل.
ب - حسن الخلق، وصلة الأرحام، والصدقة على الفقراء والمساكين، وإكرام الضيف، إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة.
ومن الأسباب الموصلة للجنة:
- برّ الوالدين.
- ذكر الله تعالى.
- الرحمة.
- إفشاء السلام.
стр. 179
رحمة الضعفاء والمساكين، ومساعدة الناس في الدَّين (١).
المبحث الثاني: دخول الجنة برحمة الله لا بالعمل
[عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قاربوا وسدِّدوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله)) قالوا: يا رسول الله، ولا أنت؟ قال: ((ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل)) (٢).
وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: ((سدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا؛ فإنه لا يُدخِل أحداً الجنة عملُهُ)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)) وفي لفظ: ((واعلموا أن أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ)) (٣).
стр. 180
قال الإمام النووي ﵀: ((وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصحّ أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث، ويصحّ أنه دخل بالأعمال بسببها، وهي من الرحمة، والله أعلم] (٣).