← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين)) (١). أما إذا نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام؛ فإنه يتم؛ لأن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم خرج إلى منى يوم الخميس، فقد قدم لصبح رابعة، فأقام اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمَّ (٢)، قال ابن عباس ﵄: ((قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة يلبُّون بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه الهدي)) (٣). قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: ((إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي ﷺ لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال غدًا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي ﷺ أقام بمكة بضعة عشر يومًا، يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. واللَّه أعلم)) (٤).

стр. 142

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول عن إقامة النبي ﷺ عام الفتح بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة (١): ((وقد أقام ﷺ في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعاً عليها؛ لهذه الأغراض، فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، ومن المعلوم أن المهاجر لا يقيم في بلده أكثر من ثلاثة أيام، ولكنه أقام لهذه المصالح، فإذا أقام المسافر إقامة لم يُجمعها قصر)) (٢). وسمعته يقول عن إقامة النبي ﷺ في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٣): ((وإقامته ﷺ

стр. 143

عشرين يومًا في تبوك ينظر فيما يتعلق بحرب الروم، هل يتقدم أم يرجع، ثم أذن اللَّه له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة، ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع إقامة؛ فإنه في سفر، وله أحكام السفر، وهذا هو الصواب، أما إذا أجمع إقامة فاختلف العلماء في مقدارها هل تقدر بعشرين يومًا، أو بتسعة عشر يومًا، أو بثلاثة أيام، أو أربعة أيام على أقوال: وأحسن ما قيل في ذلك: أربعة أيام؛ لأنها إقامة النبي ﷺ في حجة الوداع، فإذا أجمع الإقامة أكثر من أربعة أيام أتمَّ، وإن كانت أربعة فأقلّ قصر؛ لأنها إقامة معزوم عليها، وعليه الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول الشافعي وأحمد ومالك، تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط، كما قال الجمهور: أربعة أيام؛ لأن ما زاد عنها غير مجمع عليه، وما نقص من هذا مجمع عليه: أي داخل في المجمع عليه)) (١). وبهذا يخرج المسلم من الخلاف ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، واللَّه أعلم (٢). ٦ - قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج ؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: ((صليت مع النبي ﷺ بمنى ركعتين، وأبي بكر، وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها أربعًا)) (٣).

стр. 144

وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ((صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللَّه بن مسعود ﵁ فاسترجع، قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان)) (١). وعن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس ﵁ قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمت بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا))، وفي لفظ مسلم: ((كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا)). وفي لفظ لمسلم: ((خرجنا من المدينة إلى الحج ... )) (٢). وحديث أنس هذا لا يعارض حديث ابن عباس: ((أقام رسول اللَّه ﷺ تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا)) (٣)؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وقد قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة، ولا شك أنه ﷺ خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها في حجة الوداع عشرة أيام بلياليها كما قال أنس ﵁ (٤). وعن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: ((صليت خلف رسول اللَّه ﷺ

стр. 145

بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين في حجة الوداع)) (١). فهذه سنة رسول اللَّه ﷺ ، فينبغي العمل بها واتباعها (٢). ٧ - جواز التطوع على المركوب في السفر: يصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة، وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ [برأسه] إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)) (٣)؛ ولحديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به)). وفي

стр. 146

لفظ: ((ولم يكن رسول اللَّه ﷺ يصنع ذلك في المكتوبة)). وفي لفظ: ((أنه رأى النبي ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به)) (١)؛ولحديث جابر ﵁ قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة)) (٢).وفي لفظ: ((كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة)).وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس ﵁ (٣). ويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس ﵁ ((أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه)) (٤)، فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملاً بالأحاديث الصحيحة كما رجحه شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ (٥). وذكر الإمام النووي ﵀ ((أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ... )) (٦). وأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور (٧)؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا

стр. 147

تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، وقد رجح الإمام ابن جرير ﵀ أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الطبري ﵀ أنه احتج للجمهور: أن اللَّه جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر ولم يجد ماءً أنه يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة (٣). ٨ - السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر ؛ لحديث حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ (٤) حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول اللَّه ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، ثم

стр. 148

صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). أما سنة الفجر، والوتر فلا تُترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر أن النبي ﷺ ((لم يكن يدعهما أبدًا)) (٢)؛ ولحديث أبي قتادة ﵁ في نوم النبي ﷺ وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: ((ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول اللَّه ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم)) (٣). وأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((كان يوتر على البعير)) (٤). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان تعاهده ﷺ ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا ... ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما)) (٥). وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى،

стр. 149

والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (١). قال الإمام النووي ﵀: ((وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ... )) (٢). ٩ - صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة ويتمُّ المقيم بعد سلام المسافر ؛ للآثار في ذلك (٣)،والإجماع، قال ابن قدامة ﵀: ((أجمع أهل العلم على أن

стр. 150

المقيم إذا ائتمّ بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة)) (١). وعن عمر ﵁ أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: ((يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ)) (٢). فظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعًا، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبًا لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (٣). وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم بهم فصلاتهم تامة صحيحة وخالف الأفضل (٤). ١٠ - صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة ، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة ﵀ قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا

стр. 151

وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: ((تلك سنة أبي القاسم ﷺ )) (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٢). وذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا (٣). وقال: ((قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام)) (٤). ومما يدل على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله ﷺ : ((إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا .. )) (٥) (٦). ١١ - نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة بين الصلاتين المجموعتين: اختلف العلماء هل يشترط للقصر والجمع نية؟ قال شيخ الإسلام ابن

стр. 152

تيمية ﵀: ((الجمهور لا يشترطون النية: كمالك، وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني تشترط: كقول الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد: كالخرقي وغيره، والأول أظهر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه)) (١). وقال ﵀: ((والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي ﷺ ، فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنية القصر ... وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى، فعلم أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى)) (٢)، وقال ﵀: ((والنبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر)) (٣). وقال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: (( ... والراجح أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة الأولى، بل يجوز الجمع بعد الفراغ من الأولى إذا وجد شرطه: من خوف، أو مطر، أو مرض)) (٤).

стр. 153

فظهر أن الصحيح من قولي أهل العلم أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة في القصر والجمع (١). أما الموالاة بين الصلاتين المجموعتين فقد اشترطها بعضهم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والعلامة السعدي، عدم اشتراط الموالاة (٢). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: ((الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عُرفًا؛ لما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٣). أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع؛ لأن الثانية تفعل في وقتها؛ ولكن الأفضل هو الموالاة بينهما تأسيًا بالنبي ﷺ في ذلك، واللَّه ولي التوفيق)) (٤) واللَّه أعلم (٥).

стр. 154

١٢ - رخص السفر: من قواعد الشريعة: ((المشقة تجلب التيسير)) (١)، ولما كان السفر قطعة من العذاب؛ لقوله ﷺ : ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله)) (٢)، رتّب الشارع ما رتّب من الرخص، حتى ولو فُرِض خلوُّه من المشاق؛ لأن الأحكام تعلَّق بعللها العامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد، فالحكم الفرد يُلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا معنى قول الفقهاء ﵏: ((النادر لا حكم له))، يعني لا ينقض القاعدة ولا يخالف حكمه حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره، فأعظم رخص السفر وأكثرها حاجة الأمور الآتية: الأمر الأول: القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر ؛ ولهذا أضيف السفر إلى القصر لاختصاصه به، فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين. الأمر الثاني: الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما، والجمع أوسع من القصر؛ ولهذا له أسباب أُخر غير السفر:

стр. 155

كالمرض، والاستحاضة، والمطر، والوحل، والريح الشديدة الباردة، ونحوها من الحاجات، والقصر أفضل من الإتمام، بل يكره الإتمام لغير سبب، وأما الجمع في السفر فالأفضل تركه إلا عند الحاجة إليه، أو إدراك الجماعة، فإذا اقترن به مصلحة جاز. الأمر الثالث: الفطر في رمضان من رخص السفر . الأمر الرابع: الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره . الأمر الخامس: الصلاة النافلة للماشي إلى جهة سيره . الأمر السادس: المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، ونحوها ، ثلاثة أيام بلياليها؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: ((جعل رسول اللَّه ﷺ ، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم)) (١)، وتقدم التفصيل في ذلك. وأما التيمم فليس سببه السفر، وإن كان الغالب أن الحاجة إليه في السفر أكثر منه في الحضر، وكذلك أكل الميتة للمضطر عام في السفر والحضر، ولكن في الغالب وجود الضرورة في السفر. الأمر السابع: ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك ، مع أنه يكره تركها في الحضر، أما راتبة الفجر وصلاة الوتر، والصلوات المطلقة فتصلى حضرًا وسفرًا. الأمر الثامن: من رخص السفر ما ثبت عن النبي ﷺ - أنه قال: ((إذا مرض

стр. 156

العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا)) (١). فالأعمال التي يعملها في حضره: من الأعمال القاصرة على نفسه، والمتعدية يجري له أجرها إذا سافر، وكذلك إذا مرض، فيا لها من نعمة ما أجلها وأعظمها. وأما صلاة الخوف فليس سببه السفر، ولكنه فيه أكثر (٢). الحادي والثلاثون: معرفة أحكام الجمع وأنواعه ودرجاته في سفر الحج وغيره: ١ - الجمع بعرفة ؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ((إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة)) (٣)، ((وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما)) (٤). وعن جابر ﵁ في حديثه في حجة الوداع، وفيه: أن النبي ﷺ أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا)) (٥). ومما يدل على أنه ﷺ صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين حديث أنس ﵁ قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة)). وفي لفظ لمسلم: ((خرجنا من المدينة إلى الحج .. )) (٦). ٢ - الجمع بمزدلفة ؛ لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ حينما أفاض من عرفة: ((أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم

стр. 157

يسبح بينهما (١) شيئًا)) (٢)؛ ولحديث أسامة بن زيد ﵁، وفيه: ((أن النبي ﷺ لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصلِّ بينهما شيئًا)) (٣)؛ ولحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ((جمع رسول اللَّه ﷺ بين المغرب والعشاء بِجَمْعٍ، ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين)) (٤). ٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير (٥)، ويجمع بين المغرب والعشاء)) (٦)، وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير (٧))) (٨)، وعن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يجمع بين

стр. 158

صلاة المغرب والعشاء في السفر)) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((أورد فيه ثلاثة أحاديث (٢): حديث ابن عمر وهو مقيد بما إذا جد السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيد بما إذا كان سائرًا، وحديث أنس وهو مطلق، واستعمل المصنف الترجمة مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق؛ لأن القيد فرد من أفراده، وكأنه رأى جواز الجمع بالسفر: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيره مُجدًّا أم لا)) (٣) وعلى ذلك كثير من الصحابة ﵃ (٤)، وهو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة (٥)، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا

стр. 159

ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (١) أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب)) (٢)، وفي رواية للحاكم في الأربعين: ((صلى الظهر والعصر، ثم ركب)) (٣)؛ ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: ((كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل)) (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول:

стр. 160

((هذا يدل على أن الجمع يراعى فيه الرحيل قبل الوقت وبعد الوقت، فإن كان الرحيل قبل الوقت جمع جمع تأخير، وإن كان بعد الوقت جمع جمع تقديم، هذا هو الأفضل، وكيفما جمع جاز؛ لأن الوقتين صارا وقتًا واحدًا، فلو صلى أول الوقت، أو آخره، فلا بأس، ففي حالة السفر والمرض يكون وقت الظهر والعصر وقتًا واحدًا، والمغرب والعشاء وقتًا واحدًا، ولكن الأفضل ما تقدم)) (١). ومما يدل على مشروعية جمع التقديم حديث معاذ ﵁ قال: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا)) (٢). وقد فصل هذا الإجمال رواية الترمذي وأبي داود عن معاذ ﵁: ((أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب)) (٣). ٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث (٤): الدرجة الأولى: إذا كان المسافر سائرًا في وقت الصلاة الأولى فإنه ينزل في

стр. 161

وقت الثانية فيصلي جمع تأخير في وقت الثانية (١)، فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس، وابن عمر، كما تقدم، وهو نظير جمع مزدلفة. الدرجة الثانية: إذا كان المسافر نازلاً في وقت الصلاة الأولى ويكون سائرًا في وقت الصلاة الثانية؛ فإنه يصلي جمع تقديم في وقت الأولى، وهذا نظير الجمع بعرفة، وهذا الذي ثبت من حديث أنس ﵁ في رواية الحاكم ومستخرج مسلم لأبي نعيم، وثبت من حديث معاذ ﵁ في سنن الترمذي وأبي داود كما تقدّم. الدرجة الثالثة: إذا كان المسافر نازلاً في وقت الصلاتين جميعًا نزولاً مستمرًا، فالغالب من سنة النبي ﷺ أنه لا يجمع بينهما وإنما يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة كما فعل ﷺ في منى وفي أكثر أسفاره، ولكن قد يجمع أحيانًا أثناء نزوله نزولاً مستمرًا كما جاء عن معاذ ﵁ أنهم خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، ((فكان رسول اللَّه ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا)) (٢)، قال

стр. 162

شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ظاهره أنَّه كان نازلاً في خيمة في السفر، وأنه أخّر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا، فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر فلا يقال: دخل وخرج بل نزل وركب ... وهذا دليل على أنه ﷺ كان يجمع أحيانًا في السفر وأحيانًا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره ... وهذا يبيّن أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر، بل يفعل للحاجة، سواء كان في السفر أو الحضر؛ فإنه قد جمع أيضًا في الحضر؛ لئلا يحرج أمته، فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء كان ذلك سيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشقَّ النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى: مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر، ووقت العشاء، فينزل وقت الظهر وهو تعبان، سهران، جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك؛ ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح له الجمع. وأما النازل أيامًا في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان يقصر؛ لأنه مسافر فلا يجمع)) (١). واستُدِلَّ على أن المسافر يجمع بين الصلاتين عند الحاجة في نزوله في

стр. 163

السفر بحديث أبي جحيفة ﵁:أنه أتى النبي ﷺ وهو نازل بمكة بالأبطح في حجة الوداع في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج النبي ﷺ بالهاجرة عليه حلة حمراء، فتوضأ وأذن بلال، ثم رُكِزَت له عنزة فتقدم فصلى بهم بالبطحاء الظهر ركعتين، والعصر ركعتين ... )) (١)،قال النووي ﵀: ((فيه دليل على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائرًا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية)) (٢)،واللَّه تعالى أعلم (٣).

стр. 164

المبحث العاشر: مواقيت الحج والعمرة أولاً: مفهوم المواقيت: جمع ميقات وهو ما حُدِّد ووُقِّت للعبادة: من زمان ومكان. والتوقيت: التحديد، وهو أن يجعل للشيء وقتٌ يختصُّ به، وهو بيان مقدار المدة، ثم اتُّسع فيه فأُطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات: والمراد بالميقات هاهنا: الوقت والمكان اللذان يحرِمُ منهما الحاج أو المعتمر، وينشئ النية. وهو في الاصطلاح موضع العبادة وزمانها: والمقصود في هذا المبحث ما حدد الشارع للإحرام من المكان والزمان (١). ثانياً: المواقيت نوعان: المواقيت الزمانية، والمكانية: النوع الأول: المواقيت الزمانية: فالميقات الزماني بالنسبة للحاج من أول شهر شوال إلى العاشر من ذي الحجة، فيكون الميقات الزماني للحج: شوال (٢)، وذو القعدة (٣)، والعشر الأول من ذي الحجة (٤). قال تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا

стр. 165

جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ (١). وقال ابن عمر ﵄: ((أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)) (٢). وقال ابن عباس ﵄: ((من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج)) (٣). فالإحرام بالحج يبدأ في أول ليلة من شوال، وينتهي بطلوع الفجر من ليلة النحر (٤)، فقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وقد قيل: وذو الحجة مع الإجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر (٥)، فإن قيل: كيف يكون النحر يوم الحج الأكبر والحج يفوت بطلوع فجر يوم النحر (٦)، فالجواب: أن الذي فاته وقت الوقوف لا

стр. 166

الحج (١)؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجَّ، بهذا، وقال: ((هذا يوم الحج الأكبر)) (٢). فَعُلِم بهذا أن يوم النحر من أشهر الحج وهو يوم الحج الأكبر (٣)، وأن أشهر الحج: شهران وبعض الثالث (٤) (٥)، وأما ميقات العمرة الزماني

стр. 167

فهو العام كله، يحرم بها المعتمر متى شاء لا يختص بوقتٍ، ولا يختصُّ إحرامها بوقت، فيعتمر متى شاء: في شعبان، أو رمضان، أو شوال، أو

стр. 168

غير ذلك من الشهور (١). النوع الثاني: المواقيت المكانية: وهي خمسة بتوقيت النبي ﷺ على النحو الآتي: ١ - ذو الحليفة (٢): والمسافة بينها وبين المسجد النبوي ١٣ كيلو، ومنها إلى مكة ٤٢٠ كيلو، وهي ميقات أهل المدينة ومن أتى على طريقهم. ٢ - الجحفة: وهي ميقات أهل الشام، وهي الآن خراب (٣)، وسميت الجحفة؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام، وقد كانت قرية كبيرة اسمها مهيعة (٤). والناس يحرمون اليوم من رابغ؛ لأنها قبل الجحفة بيسير، تقع عنها غرباً ببعد ٢٢ ميلاً، ويحاذي الجحفة من خط الهجرة الخط السريع من المدينة باتجاه مكة وبين هذه المحاذاة ومكة ٢٠٨ كيلو. وتبعد رابغ عن مكة ١٨٦ كيلو ويحرم منها أهل شمال المملكة العربية السعودية، وساحل المملكة الشمالي إلى العقبة، ويحرم منها بلدان إفريقيا الشمالية والغربية، وأهل لبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين، ومن مرَّ عليها من غيرهم.

стр. 169

٣ - قرن المنازل (١): ويسمَّى الآن: السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة ٧٨ كيلو، ويحرم منه أهل نجد، وحجاج الشرق كله: من أهل الخليج، والعراق، وإيران، ومن مرَّ عليه من غيرهم. ووادي محرم الواقع في طريق الهدى غرب الطائف يبعد عن مكة ٧٥ كيلو، ويحرم منه حجاج أهل الطائف. ومن مرَّ على طريقهم من غيرهم، وليس ميقاتاً مستقلاً، وإنما هو الطريق الأعلى لقرن المنازل. ٤ - يلملم: وفيه بئر تسمى السعدية، ويلملم وادٍ عظيم، ينحدر من جبال السروات إلى تهامة، ثم يصب في البحر الأحمر، ويبعد مكان الإحرام منه عن مكة المكرمة ١٢٠ كيلو. عن ابن عباس ﵄ قال: ((وقَّت رسول اللَّه ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنَّ فمهلَّه (٢) من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها)). وفي لفظ للبخاري وغيره: (( ... ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ (٣) حتى أهل مكة من مكة)) (٤).

стр. 170

٥ - ذات عرق: يقع عن مكة شرقاً بمسافة قدرها ١٠٠ كيلو، وهذا الميقات مهجور الآن؛ لعدم وجود الطرق عليها، واليوم حجاج المشرق الذين يأتون عن طريق البر يحرمون من السيل أو من ذي الحليفة (١)، فعن عائشة ﵂: ((أن رسول اللَّه ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق)). هذا لفظ أبي داود، وأما لفظ النسائي فذكر المواقيت الخمسة، قالت عائشة ﵂: ((وقت رسول اللَّه ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل نجد قرناً، ولأهل اليمن يلملم)) (٢). وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه ﵁ يُسأل عن المهلّ فقال: سمعته [أحسبه رفع إلى النبي ﷺ ] فقال: ((مُهلُّ أهل المدينة من ذي الحُليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومُهلَّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهلَّ أهل نجدٍ من قرنٍ، ومُهلُّ أهل اليمن من يلملم)) (٣). وعن الحارث بن عمرو السهمي ﵁ أنه قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو بمنى، أو بعرفات، وقد أطاف به الناس، قال: فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجههُ قالوا: هذا وجهٌ مباركٌ، قال: ووقَّت ذات عرقٍ لأهل العراق (٤).

стр. 171

وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ((لما فُتِحَ هذان المِصْرَان (١) أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه ﷺ حدَّ لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا (٢)، وإنَّا إن أردنا قرناً شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها (٣) من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق)) (٤). ولم يبلغ عمر بن الخطاب ﵁ حديث عائشة، ولا حديث جابر، ولا حديث الحارث بن عمرو السهمي في تحديد النبي ﷺ ذات عرق لأهل العراق، فحدد ﵁ لأهل العراق ذات عرق، وهذا من اجتهاداته الكثيرة التي وافق فيها السنة (٥). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((جاء أهل البصرة إلى عمر ﵁ فوقَّت لهم ذات عرق وهو لم يبلغه الحديث، وهو موفّقٌ ﵁، له اجتهادات كثيرة وافق فيها السنة)) (٦).

стр. 172

وأما تحديد موقع ذات عرق فقد حددته هيئة كبار العلماء بقرارهم الآتي (١):

стр. 173

والواجب على مَن مر على هذه المواقيت أن يحرم منها ويحرم عليه أن يتجاوزها بدون إحرام إذا كان قاصداً مكة يريد حجاً أو عمرة، سواء كان مروره عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، والمشروع لمن توجه إلى

стр. 174

مكة عن طريق الجو بقصد الحج أو العمرة: أن يتأهَّب لذلك بالغسل ونحوه قبل الركوب في الطائرة، فإذا دنا من الميقات لبس إزاره ورداءه، ثم لبَّى بما يريد من حج أو عمرة، وإن لبس إزاره ورداءه قبل الركوب أو قبل الدنو من الميقات فلا بأس، ولكن لا ينوي الدخول في الإحرام ولا يلبِّي إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه؛ لأن النبي ﷺ لم يحرم إلا من الميقات. وأما من كان مسكنه دون هذه المواقيت كسكان: جدة، وبحرة، والشرائع، وغيرها فمسكنه هو ميقاته فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة، أما أهل مكة فيحرمون بالحج وحده من مكة (١). ومن أراد الإحرام بعمرة أو حج فتجاوز الميقات غير محرم، فإنه يرجع ويحرم من الميقات، فإن لم يرجع فعليه دم يجزئ في الأضحية؛ لقول ابن عباس ﵄: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) (٢). أما من توجه إلى مكة ولم يرد حجاً ولا عمرة، وإنما أراد التجارة، أو القيام بعمل من الأعمال له أو لغيره، أو زيارة لأقربائه أو غيرهم ونحو ذلك، فالصواب أنه ليس عليه إحرام إلا أن يرغب في ذلك؛ لقول النبي ﷺ حينما وقَّت المواقيت: (( ... هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة ... )) (٣). فمفهومه أن من مر على المواقيت ولم يرد حجاً ولا عمرةً فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضاً أن النبي ﷺ ، لما دخل مكة

стр. 175

عام الفتح لم يدخلها محرماً بل دخلها وعلى رأسه المغفر (١)؛ لكونه لم يرد حينئذٍ حجاً ولا عمرةً وإنما أراد فتحها وإزالة ما فيها من الشرك (٢). وعن جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام)) (٣)، ولعله ﷺ كان عند أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، أو العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، واللَّه أعلم (٤). ثالثاً: مسائل في المواقيت: ١ - وُقتت المواقيت تعظيماً لبيت اللَّه الحرام ، فبيت اللَّه الحرام لما كان معظَّما مشرَّفاً، جعل اللَّه له حصناً، وهو مكة، وحمى، وهو الحرم، وللحرم حرمٌ وهو المواقيت، حتى لا يجوز لمن خارج هذه المواقيت أن يتجاوزها إلا بإحرام إذا أراد الحج أو العمرة، تعظيماً لبيت اللَّه الحرام (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (( ... المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم، فكل من مرَّ من جوانب الحرم لزمه تعظيم حرمته، وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض ... وأيضاً فإن هذه

стр. 176

المواقيت حدود النسك فليس لأحد أن يتعدى حدود اللَّه)) (١). ٢ - المواقيت الخمسة المذكورة مواقيت أيضاً لكل من مرَّ عليها من غير أهلها، وهو يريد النسك حجاً أو عمرة، كما في حديث ابن عباس ﵄ (( ... فهن لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة)) (٢). ٣ - من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات فميقاته من موضع سكنه ، لحديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((فمن كان دونهنَّ فمهله من أهله)). وفي لفظ: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)). وفي لفظ: ((فمن كان دونهن فمن أهله)) (٣). ٤ - أهل مكة يحرمون بالحج من مكة ؛ لحديث ابن عباس ﵄ وفيه: (( ... حتى أهل مكة يهلُّون منها)). وفي لفظ: (( ... حتى أهل مكة من مكة)) (٤). وهذا بالنسبة إلى الإهلال بالحج لا خلاف فيه بين أهل العلم، إلا ما ذكره بعضهم من أن المكي يجوز له أن يحرم من أي موضع من الحرم ولو خارجاً عن مكة، وهذا القول ظاهر السقوط لمخالفته للنص الصريح عن النبي ﷺ (٥). ٥ - إحرام المكي بالعمرة يكون من الحلِّ خارج الحرم من أي مكان

стр. 177

كان، من التنعيم، أو عرفات، أو الجعرانة، أو الشميسي موضع صلح الحديبية، أو غير ذلك من الأمكنة خارج الحرم؛ فإن جماهير أهل العلم على أن المكي لا يحرم بالعمرة من مكة، بل يخرج إلى الحلِّ ويُحرم منه، وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وحكى غير واحدٍ عليه الإجماع (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيماً بها، أو غير مقيم؛ لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتاً له، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج، وإن أراد العمرة فمن الحلِّ، لا نعلم في هذا خلافاً)) (٢)؛ ولذلك أمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة ﵂ من التنعيم (٣)، وهو أدنى الحل إلى مكة؛ وإنما لزم الإحرام من الحلِّ؛ لقصة عائشة، وليجمع المحرم بالعمرة في النسك بين الحلِّ والحرم؛ فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم، والعمرة بخلاف ذلك (٤). وهذا هو الصواب. والصواب أن أهل مكة الذين هم أهلها المقيمون بها لهم أن يتمتَّعوا، ويقرنوا، وليس عليهم هدي. قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((أقرب أقوال أهل العلم عندي

стр. 178

للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتَّعوا ويقرنوا، وليس عليهم هدي)) (١). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه بها وعليه دمٌ، لتركه الإحرام من الميقات)) (٢). ٦ - من سلك إلى الحرم طريقاً لا ميقات فيها ، فميقاته المكان المحاذي لأقرب المواقيت إليه، كما يدلُّ عليه توقيت عمر ﵁، ذات عرق لأهل العراق، لمحاذاتها قرن المنازل، فقال ﵁: ((فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق)) (٣). قال الشنقيطي ﵀: ((وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم)) (٤). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بُعدٍ، بحيث يتيقَّن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك، فإن أحرم ثم علم أنه قد جاوز ما يُحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم)) (٥). وسواء كانت هذه المحاذاة: عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، فهي

стр. 179

في الحكم واحد، واللَّه تعالى علم. ٧ - جمهور أهل العلم على أنَّ من جاوز ميقات من المواقيت المذكورة غير محرم وهو يريد الحج أو العمرة أن عليه دماً؛ لخبر ابن عباس ﵄ أنه قال: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) (١). قال الشنقيطي ﵀: ((وأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن جاوز الميقات ثم رجع إلى الميقات وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يبتدئ إحرامه إلا من الميقات، وأنه إن جاوز الميقات غير محرم، وأحرم في حال مجاوزته الميقات ثم رجع إلى الميقات محرماً أن عليه دماً؛ لإحرامه بعد الميقات، ولو رجع إلى الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزاً للميقات، واللَّه تعالى أعلم)) (٢). وهكذا يرجِّح شيخنا ابن باز ﵀: أن من تجاوز الميقات ناوياً للحج أو العمرة فيلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي مرَّ عليه، ما لم يحرم، وإلا وجب عليه الدم (٣). ٨ - من مرَّ على واحدٍ من هذه المواقيت وهو لا يريد حجاً ولا عمرة ، إنما يريد قضاء حاجة أخرى، فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقال بعضهم لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك، وقال بعضهم: إذا كان دخوله لغرض

стр. 180

غير النسك فلا مانع من دخوله غير محرم (١). والصواب ما دل عليه مفهوم حديث ابن عباس ﵄، وفيه أن النبي ﷺ قال لما حدَّد المواقيت: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة)) (٢). فمفهومه: أن من مرَّ على المواقيت ولم يرد حجاً ولا عمرة فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضاً أن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح لم يدخلها محرماً، بل دخلها وعلى رأسه المغفر (٣)، وعليه أيضاً عمامة سوداء بغير إحرام (٤). وقد ذكر العلامة الشنقيطي ﵀ أقوال أهل العلم في ذلك مع أدلة كل فريق ثم قال: ((أظهر القولين عندي دليلاً: أن من أراد دخول مكة حرسها اللَّه لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب عليه الإحرام، ولو أحرم كان خيراً؛ لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر)) (٥). ٩ - حكم الإحرام قبل الميقات، سواء كان ذلك من بلده ، أو من دويرة أهله، أو من بيت المقدس: قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرماً تَثْبُتُ في حقه أحكام الإحرام)) (٦).
следующие страницы →