← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المواقيت حدود النسك فليس لأحد أن يتعدى حدود اللَّه)) (١). ٢ - المواقيت الخمسة المذكورة مواقيت أيضاً لكل من مرَّ عليها من غير أهلها، وهو يريد النسك حجاً أو عمرة، كما في حديث ابن عباس ﵄ (( ... فهن لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة)) (٢). ٣ - من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات فميقاته من موضع سكنه ، لحديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((فمن كان دونهنَّ فمهله من أهله)). وفي لفظ: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)). وفي لفظ: ((فمن كان دونهن فمن أهله)) (٣). ٤ - أهل مكة يحرمون بالحج من مكة ؛ لحديث ابن عباس ﵄ وفيه: (( ... حتى أهل مكة يهلُّون منها)). وفي لفظ: (( ... حتى أهل مكة من مكة)) (٤). وهذا بالنسبة إلى الإهلال بالحج لا خلاف فيه بين أهل العلم، إلا ما ذكره بعضهم من أن المكي يجوز له أن يحرم من أي موضع من الحرم ولو خارجاً عن مكة، وهذا القول ظاهر السقوط لمخالفته للنص الصريح عن النبي ﷺ (٥). ٥ - إحرام المكي بالعمرة يكون من الحلِّ خارج الحرم من أي مكان

стр. 177

كان، من التنعيم، أو عرفات، أو الجعرانة، أو الشميسي موضع صلح الحديبية، أو غير ذلك من الأمكنة خارج الحرم؛ فإن جماهير أهل العلم على أن المكي لا يحرم بالعمرة من مكة، بل يخرج إلى الحلِّ ويُحرم منه، وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وحكى غير واحدٍ عليه الإجماع (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيماً بها، أو غير مقيم؛ لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتاً له، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج، وإن أراد العمرة فمن الحلِّ، لا نعلم في هذا خلافاً)) (٢)؛ ولذلك أمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة ﵂ من التنعيم (٣)، وهو أدنى الحل إلى مكة؛ وإنما لزم الإحرام من الحلِّ؛ لقصة عائشة، وليجمع المحرم بالعمرة في النسك بين الحلِّ والحرم؛ فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم، والعمرة بخلاف ذلك (٤). وهذا هو الصواب. والصواب أن أهل مكة الذين هم أهلها المقيمون بها لهم أن يتمتَّعوا، ويقرنوا، وليس عليهم هدي. قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((أقرب أقوال أهل العلم عندي

стр. 178

للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتَّعوا ويقرنوا، وليس عليهم هدي)) (١). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه بها وعليه دمٌ، لتركه الإحرام من الميقات)) (٢). ٦ - من سلك إلى الحرم طريقاً لا ميقات فيها ، فميقاته المكان المحاذي لأقرب المواقيت إليه، كما يدلُّ عليه توقيت عمر ﵁، ذات عرق لأهل العراق، لمحاذاتها قرن المنازل، فقال ﵁: ((فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق)) (٣). قال الشنقيطي ﵀: ((وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم)) (٤). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بُعدٍ، بحيث يتيقَّن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك، فإن أحرم ثم علم أنه قد جاوز ما يُحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم)) (٥). وسواء كانت هذه المحاذاة: عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، فهي

стр. 179

في الحكم واحد، واللَّه تعالى علم. ٧ - جمهور أهل العلم على أنَّ من جاوز ميقات من المواقيت المذكورة غير محرم وهو يريد الحج أو العمرة أن عليه دماً؛ لخبر ابن عباس ﵄ أنه قال: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) (١). قال الشنقيطي ﵀: ((وأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن جاوز الميقات ثم رجع إلى الميقات وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يبتدئ إحرامه إلا من الميقات، وأنه إن جاوز الميقات غير محرم، وأحرم في حال مجاوزته الميقات ثم رجع إلى الميقات محرماً أن عليه دماً؛ لإحرامه بعد الميقات، ولو رجع إلى الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزاً للميقات، واللَّه تعالى أعلم)) (٢). وهكذا يرجِّح شيخنا ابن باز ﵀: أن من تجاوز الميقات ناوياً للحج أو العمرة فيلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي مرَّ عليه، ما لم يحرم، وإلا وجب عليه الدم (٣). ٨ - من مرَّ على واحدٍ من هذه المواقيت وهو لا يريد حجاً ولا عمرة ، إنما يريد قضاء حاجة أخرى، فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقال بعضهم لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك، وقال بعضهم: إذا كان دخوله لغرض

стр. 180

غير النسك فلا مانع من دخوله غير محرم (١). والصواب ما دل عليه مفهوم حديث ابن عباس ﵄، وفيه أن النبي ﷺ قال لما حدَّد المواقيت: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة)) (٢). فمفهومه: أن من مرَّ على المواقيت ولم يرد حجاً ولا عمرة فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضاً أن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح لم يدخلها محرماً، بل دخلها وعلى رأسه المغفر (٣)، وعليه أيضاً عمامة سوداء بغير إحرام (٤). وقد ذكر العلامة الشنقيطي ﵀ أقوال أهل العلم في ذلك مع أدلة كل فريق ثم قال: ((أظهر القولين عندي دليلاً: أن من أراد دخول مكة حرسها اللَّه لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب عليه الإحرام، ولو أحرم كان خيراً؛ لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر)) (٥). ٩ - حكم الإحرام قبل الميقات، سواء كان ذلك من بلده ، أو من دويرة أهله، أو من بيت المقدس: قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرماً تَثْبُتُ في حقه أحكام الإحرام)) (٦).

стр. 181

وقال الإمام ابن المنذر ﵀: ((أجمعوا على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولكن الأفضل الإحرام من الميقات ويمكن قبله)) (٢). وقال الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى: ((وكره عثمان ﵁ أن يحرم من خُراسان أو كَرمان)) (٣). وذكر الشنقيطي ﵀ اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأمرين: وهما الإحرام من الميقات، أو الإحرام من بلده إن كان أبعد من الميقات، وذكر أدلة كل فريق ثم قال: ((أظهر القولين عندي دليلاً: هو الاقتداء بالنبي ﷺ ، والإحرام من الميقات، فلو كان الإحرام قبله فيه فضلٌ لفَعَلَهُ النبي ﷺ ، والخير كله في اتباعه ﷺ )) (٤). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((السنة أن يحرم من الميقات، والإحرام قبل الميقات فيه حرجٌ ومخالفة للسنة، أما بالطائرة فقد يحتاج إلى الاحتياط)) (٥). ١٠ - من تجاوز هذه المواقيت بلا نِيَّة الحج أو العمرة ، ثم طرأ له

стр. 182

العزم على الحج والعمرة؛ فإنه يحرم من حيث أراد النسك (١). ١١ - تحديد بعض هذه المواقيت من معجزات نبوة النبي ﷺ - التي تدل على أن اللَّه تعالى أرسله للناس جميعاً؛ فإنه حددها قبل إسلام أهلها، إشعاراً منه بأنهم سيسلمون ويحجون، ويحرمون منها، وقد كان ذلك ولله الحمد والمنة (٢). ١٢ - من جاء من أهل الشام ومصر عن طريق المدينة ، فالصواب أنه يحرم من ذي الحليفة لدخوله في عموم قول النبي ﷺ : ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))، قال الشنقيطي ﵀: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن أهل الشام ومصر مثلاً إذا قدموا المدينة فميقاتهم من ذي الحليفة، وليس لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى ميقاتهم الأصلي، الذي هو الجحفة، أو ما حاذاها؛ لظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) (٣) (٤). ١٣ - من لم يحاذِ ميقاتاً من المواقيت الخمسة في طريقه: فإنه يُحرم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان، نحو ثمانين كيلاً، قال شيخنا ابن باز رحمه

стр. 183

اللَّه: (( ... والذي لم يكن الميقات في طريقه، فإنه يتحرَّى محاذاة أوَّل ميقاتٍ يمرُّ به ثم يحرم، والذي لا يتسنَّى له لا هذا ولا هذا، فإنه يُحرم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان، وهما يوم وليلة، ومقدار ذلك ثمانون كيلا ً تقريباً)) (١). وأهل السودان على حسب طريقهم، فإن كان طريقهم يمرُّ بميقات الجحفة لزمهم الإحرام إذا حاذوها، وإن كان طريقهم لا يحاذي ميقاتاً قبل جدة فإنهم يحرمون منها إذا كانوا ممن أراد الحجَّ أو العمرة (٢).

стр. 184

المبحث الحادي عشر: الإحرام أولاً: مفهوم الأحرام لغة وشرعاً: الإحرام لغة: مصدر أحرم الرجل يحرم إحراماً: إذا أهل بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما، وشروطهما، من خلع المخيط، واجتناب الأشياء التي منعه الشرع منها: كالطيب، والنكاح، والصيد، ونحو ذلك. والأصل فيه المنع، وكأن المحرم مُنِعَ من هذه الأشياء، وأحرم الرجل: إذا دخل في الأشهر الحرم، وإذا دخل الحرم (١). والإحرام شرعاً: هو نية الدخول في النسك من حجٍّ أو عمرة. ثانياً: أعمال مريد العمرة أو الحج عند الميقات: إذا وصل مريد العمرة أو الحج إلى الميقات شرع له أن يعمل الآتي: ١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه ، ويحلق شعر عانته؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب)) (٢). وعن أنس ﵁ قال: ((وقَّت لنا رسول اللَّه ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، أن لا نترك أكثر من أربعين يوماً)) (٣).

стр. 185

وأما اللحية فيجب توفيرها ويحرم حلقها وتقصيرها ، وأخذ شيء منها (١)؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأحفوا الشَّوارب)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللِّحى، خالفوا المجوس)) (٣). ومن حديث ابن عمر يرفعه: ((أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)) (٤). وقد جاء الوعيد فيمن لم يأخذ من شاربه، ففي حديث زيد بن أرقم ﵁: ((من لم يأخذ من شاربه فليس منَّا)) (٥) (٦).

стр. 186

٢ - أن يتجرد من ثيابه ويستحب له أن يغتسل ؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁، أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (١). والغسل سنة عند الإحرام للرجال والنساء حتى النفساء والحائض؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس لما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم، وذلك: أنها أرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي)) (٢). وأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج، وتفعل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت. فعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع، فأهللتُ بعمرةٍ، ولم أكن سُقْتُ الهدي، فقال النبي ﷺ : ((من كان معه هدي فليُهلل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحلّ منهما جميعاً)) قالت: فحضت، فلما دخلت ليلة عرفة، قلت: يا رسول اللَّه إني كنت أهللت بعمرة، فكيف أصنع بحجتي؟ قال: ((انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلِّي بالحج)) (٣). ٣ - يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء الطيب بعد الإحرام؛ لحديث عائشة رضي اللَّه

стр. 187

عنها قالت: ((كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص [الطيب] في رأسه ولحيته بعد ذلك)). هذا لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري ومسلم: ((كأني أنظر إلى وبيص (١) الطيب في مفارق رسول اللَّه ﷺ وهو محرم)) (٢). وقالت عائشة ﵂: ((كنت أطيب رسول اللَّه ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) (٣). ولكن لا يُطيِّب شيئاً من ثياب الإحرام (٤). ٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين، ويحرم في نعلين؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين)) (٥). أما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من الثياب المباحة لها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم. قالت عائشة ﵂: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرْقع، ولا تَتَلثَّم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت)) (٦).

стр. 188

ويجوز لها أن تلبس الخفين والجوربين؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أنه كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة ﵂ حدثتها ((أن رسول اللَّه ﷺ قد كان رخَّص للنساء في الخفين فترك ذلك)) (١). ٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة - غير الحائض والنفساء - إن كان في وقت فريضة، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء (٢) (٣).

стр. 189

٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة؛ لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١). فإن كان يريد العمرة قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة.

стр. 190

وإن كان يريد الحج مفرداً قال: لبيك حجًّا، أو اللَّهم لبيك حجًّا؛ لحديث جابر ﵁ قال: قدمنا مع رسول اللَّه ﷺ ، ونحن نقول: لبيك اللَّهم لبيك بالحج (١). وإن كان يريد الجمع بين الحج والعمرة (قارناً) قال: لبيك عمرة وحجًّا، أو اللَّهم لبيك حجًّا وعمرةً؛ لحديث أنس ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ أهلَّ بهما جميعاً: ((لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا)). وفي لفظ: ((لبيك عمرة وحجًّا)). وفي لفظ: ((لبيك بعمرة وحج)) (٢)؛ ولحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة)) (٣). وإن كان حاجًّا أو معتمراً عن غيره - وكيلاً - نوى ذلك بقلبه ثم قال: لبيك عن فلان، وإن كان حاجًّا أو معتمراً عن أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو بنت فلان، أو فلانة. والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة، أو غيرهما (٤)، اقتداء بالنبي ﷺ ؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ((ما أهل رسول اللَّه ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره))،

стр. 191

وهذا لفظ لمسلم، وفي لفظ للبخاري أن ابن عمر ﵄ قال: ((أهلَّ النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة)) (١). وللبخاري أيضاً: ((كان ابن عمر ﵄ إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدهنٍ ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الحُليفة فيصلِّ، ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: ((كان ابن عمر ﵄ إذا صلى الغداة بذي الحُليفة أمر براحلته، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائماً ثم يلبِّي ... )) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال، وهو معلق صحيح)) (٣). وسمعته يقول: ((الأظهر أنه يتهيأ من المصلَّى، ويهلُّ إذا ركب على راحلته، وأما إهلاله وهو على البيداء فهو تكرار)) (٤) (٥).

стр. 192

وعن ابن عباس ﵄ قال: ((صلَّى رسول اللَّه ﷺ الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدَّم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج)) (١). وعن ابن عباس ﵄ عند البخاري وفيه: (( ... فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه وقلَّد بدنته، وذلك لخمسٍ بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة ... )) (٢). وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄: ((أن إهلال رسول اللَّه ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته)). رواه أنس وابن عباس ﵃ (٣). وعن أنس ﵁ قال: ((صلى النبي ﷺ بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل)) (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فهذه نصوص صحيحة أنه ﷺ إنما أهل حين استوت به راحلته واستوى عليها، ورواتها مثل: ابن عمر، وجابر، وأنس، وابن عباس في روايات صحيحة)) (٥).

стр. 193

وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول على قول البخاري: ((رواه أنس وابن عباس)) قال: (( ... وكذا جابر وابن عمر، كلهم ذكروا بأنه ﷺ أهل بعدما ركب، فقد صلَّى ثم ركب على راحلته ولبّى حين استوت به، أما حديث أنه أوجب بعد صلاته، ثم أوجب عندما ركب، ثم عند الاستواء على البيداء فهو ضعيف)) (١). ويلبي بتلبية النبي ﷺ : ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٢). ثالثاً: مسائل في الإحرام: ١ - إذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يعوقه عن إتمام نسكه شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرمه بالنسك: (( ... فإن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني))؛ لأن النبي ﷺ أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت أن تحرم وهي مريضة أن تشترط، فمتى اشترط المحرم ذلك عند إحرامه ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه فإن له التحلل ولا شيء عليه. فعن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول اللَّه ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: ((لعلك أردت الحج؟)) قالت: واللَّه لا أجدني إلا وجعة (٣)، فقال لها: ((حجِّي واشترطي (٤)، قولي: اللَّهم محلِّي حيث حبستني)) (٥). وكانت تحت المقداد بن الأسود (٦). وعن ابن عباس ﵄: أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂، أتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال: ((أهلي بالحج واشترطي أن محلِّي حيث

стр. 194

حبستني)) (١)، ولفظ أبي داود: ((قولي لبيك اللَّهم لبيك، ومحلِّي من الأرض حيث حبستني)) (٢). وفي لفظ للنسائي: ((قولي: لبيك اللَّهم لبيك ومحلِّي من الأرض حيث حبستني؛ فإن لك على ربك ما استثنيت)) (٣). وعن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ((احرمي وقولي: إن محلِّي حيث تحبسني، فإن حُبِسْتِ، أو مرضت فقد أحللتِ من ذلك شَرْطَكِ على ربِّك )) (٤). وما دلت عليه هذه الأحاديث ورواياتها الصحيحة هو الصواب

стр. 195

من أقوال العلماء (١).

стр. 196

٢ - إذا كان مع من يريد الحج أو العمرة أطفال أو صبيان ، وأراد أن يحرموا بحج أو عمرة رغبة في الثواب له ولهم، فإن كان الصبي مميزاً أحرم بإذن وليه، وفعل عند الإحرام ما يفعله الكبير مما تقدم ذكره. وإن كان الصبي أو الجارية دون التمييز نوى عنهما وليهما الإحرام ولبَّى عنهما. ويمنعهما مما يمنع منه الكبير من محظورات الإحرام، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف. وكذلك يؤمر المميز والجارية المميزة بالطهارة قبل الشروع في الطواف (١)؛لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لقي ركباً بالروحاء فقال: ((من القوم؟)) قالوا المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: ((رسول اللَّه)) فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: ((نعم ولك أجر)) (٢)؛ ولحديث السائب بن يزيد ﵁ قال: ((حُجَّ بي مع رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن سبع سنين)) (٣). ٣ - العبرة بالإحرام: فلو أحرم بالعمرة في رمضان، ولم يؤدِّها إلا في شوَّال، ثم حجَّ من عامه لم يكن متمتعاً بالعمرة إلى الحج؛ لأن إحرامه بالعمرة كان في غير أشهر الحج (٤).

стр. 197

المبحث الثاني عشر: صفة حج النبي ﷺ بإيجاز عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه. قال: دَخَلْنَا على جَابِرِ بن عبد اللَّه، فَسَأَلَ عن الْقَوْمِ (١) حتى انْتَهَى إلي. فقلت: أنا محمد بن عَلِيِّ بن حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بيده إلى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الأعلى (٢)، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بين ثَدْيَيَّ وأنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ. فقال: مَرْحَبًا بِكَ. يا بن أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَسَأَلْتُهُ وهو أَعْمَى. وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. فَقَامَ في نِسَاجَةٍ (٣) مُلْتَحِفًا بها. كُلَّمَا وَضَعَهَا على مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إليه من صِغَرِهَا. وَرِدَاؤُهُ إلى جَنْبِهِ، على الْمِشْجَبِ (٤). فَصَلَّى بِنَا. فقلت: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رسول اللَّه ﷺ فقال بيده (٥). فَعَقَدَ تِسْعًا. فقال إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لم يَحُجَّ. ثُمَّ أَذَّنَ في الناس (٦) في الْعَاشِرَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ حَاجٌّ. فَقَدِمَ المدِينَة بَشَرٌ كَثِيرٌ. كلهم يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ . وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا معه، حتى أَتَيْنَا

стр. 198

ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بن أبي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إلى رسول اللَّه ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ قال: ((اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي (١) بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي)) فَصَلَّى رسول اللَّه ﷺ في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ (٢) حتى إذا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ على الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي (٣) بين يَدَيْهِ. من رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلك، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلك، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلك، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ بين أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وما عَمِلَ بِهِ من شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ (٤) ((لَبَّيْكَ اللَّهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيْكَ، إِنَّ الحمْدَ وَالنِّعْمَةَ لك وَالملْكَ، لَا شَرِيكَ لك)). وَأَهَلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّونَ بِهِ، فلم يَرُدَّ رسول اللَّه ﷺ عليهم شَيئاً منه. وَلَزِمَ رسول اللَّه ﷺ تَلْبِيَتَهُ قال جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إلا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حتى إذا أَتَيْنَا الْبَيْتَ معه اسْتَلَمَ الرُّكْنَ (٥) فَرَمَلَ ثَلَاثًا (٦) وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبراهيم (٧) ﵇ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا من مَقَامِ إبراهيم

стр. 199

مُصَلًّى﴾ (١) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أبي يقول - ولا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلا عن النبي ﷺ : كان يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هو اللَّه أَحَدٌ، وَقُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ من الْبَابِ (٢) إلى الصَّفَا. فلما دَنَا من الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ من شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) ((أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)) فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه حتى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّه، وَكَبَّرَهُ، وقال: ((لَا إِلَهَ إلا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، له الملكُ وَلَهُ الحمْدُ وهو على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إلا اللَّه وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) ثُمَّ دَعَا بين ذلك قال مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ إلى الْمَرْوَةِ حتى إذا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ (٤) في بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حتى إذا صَعِدَتَا (٥) مَشَى، حتى أتى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ على الْمَرْوَةِ كما فَعَلَ على الصَّفَا، حتى إذا كان آخِرُ طَوَافِهِ على الْمَرْوَةِ فقال: ((لو أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لم أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كان مِنْكُمْ ليس معه هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً)). فَقَامَ سُرَاقَةُ بن مَالِكِ بن جُعْشُمٍ فقال: يا رَسُولَ اللَّه أَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رسول اللَّه ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الْأُخْرَى وقال: ((دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ)) مَرَّتَيْنِ ((لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ)) وَقَدِمَ عَلِيٌّ من الْيَمَنِ

стр. 200

بِبُدْنِ (١) النَّبي ﷺ ،فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذلك عليها، فقالت: إِنَّ أبي أَمَرَنِي بهذا، قال: فَكَانَ عَلِيٌّ يقول بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلى رسول اللَّه ﷺ مُحَرِّشًا (٢) على فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عنه فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلك عليها، فقال: ((صَدَقَتْ صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتَ حين فَرَضْتَ الْحَجَّ؟)) قال قلت: اللَّهم إني أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قال: ((فإن مَعِيَ الْهَدْيَ فلا تَحِلُّ)) قال: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ من الْيَمَنِ وَالَّذِي أتى بِهِ النبي ﷺ مِائَةً قال: فَحَلَّ الناس كلهم وَقَصَّرُوا، إلا النبي ﷺ وَمَنْ كان معه هَدْيٌ، فلما كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رسول اللَّه ﷺ فَصَلَّى بها الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضْرَبُ له بِنَمِرَةَ (٣) فَسَارَ رسول اللَّه ﷺ ولا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (٤). كما كانت قُرَيْشٌ

стр. 201

تَصْنَعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ (١) رسول اللَّه ﷺ حتى أتى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بها حتى إذا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ (٢) له، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي (٣). فَخَطَبَ الناس وقال: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا (٤) في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا، ألا كُلُّ شَيْءٍ من أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ من دِمَائِنَا دَمُ بن رَبِيعَةَ بن الحارِثِ كان مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بن عبد المطَّلِبِ، فإنه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّه في النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّه وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه (٥)، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ (٦) فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك

стр. 202

فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ (١)، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وقد تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّه (٢). وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)) قالوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قد بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فقال بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى الناس (٣) ((اللَّهم اشْهَدْ اللَّهم اشْهَدْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ولم يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شيئاً، ثُمَّ رَكِبَ رسول اللَّه ﷺ حتى أتى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ (٤)، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بين يَدَيْهِ (٥)، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حتى غَابَ الْقُرْصُ (٦)، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ

стр. 203

رسول اللَّه ﷺ وقد شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ (١) الزِّمَامَ. حتى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ (٢). وَيَقُولُ بيده اليمنى (٣): ((أَيُّهَا الناس السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ)) (٤) كُلَّمَا أتى حَبْلًا من الْحِبَالِ (٥) أَرْخَى لها (٦) قَلِيلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتى الْمُزْدَلِفَةَ (٧)، فَصَلَّى بها الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ولم يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شيئاً (٨)، ثُمَّ اضْطَجَعَ رسول اللَّه ﷺ حتى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حين تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حتى أتى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتى أَسْفَرَ جِدًّا (٩) فَدَفَعَ قبل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بن عَبَّاسٍ وكان رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ

стр. 204

أَبْيَضَ وَسِيمًا (١) فلما دَفَعَ رسول اللَّه ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ (٢) فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ رسول اللَّه ﷺ يَدَهُ على وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ. فَحَوَّلَ رسول اللَّه ﷺ يَدَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ على وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ حتى أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ (٣) فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى (٤)، حتى أتى الْجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كل حَصَاةٍ منها مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ (٥)، رَمَى من بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيده، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ ما غَبَرَ (٦)، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ من كل بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا من لَحْمِهَا

стр. 205

وَشَرِبَا من مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رسول اللَّه ﷺ فَأَفَاضَ إلى الْبَيْتِ (١)، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عبد الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقال: ((انْزِعُوا (٢) بَنِي عبد الْمُطَّلِبِ! فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ الناس (٣) على سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ)) فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ منه. وَكَانَتْ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أبو سَيَّارَةَ (٤) على حِمَارٍ عُرِىٍ، فلما أَجَازَ رسول اللَّه ﷺ من الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لم تَشُكَّ قُرَيْشٌ (٥) أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عليه وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ فَأَجَازَ ولم يَعْرِضْ له حتى أتى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ (٦).

стр. 206

المبحث الثالث عشر: صفة الأنساك الثلاثة أولاً: مفهوم وصفة الأنساك الثلاثة: من وصل إلى الميقات في أشهر الحج، وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وهو يريد الحج من عامه، فإنه مُخيَّر بين ثلاثة أنساك، وهي على النحو الآتي: ١ - العمرة وحدها: وهو ما يسمى بالتمتع (١) وهو أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات في أشهر الحج قائلاً عند نية الدخول في الإحرام: (لبيك عمرة). ويستمر في التلبية فإذا وصل مكة وبدأ الطواف قطعها، فإذا طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر حلَّ له كل شيء حُرِمَ عليه للإحرام. فإذا كان اليوم الثامن - التروية - من ذي الحجة أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أعماله (٢). والتمتع أفضل الأنساك لمن لم يكن معه هديٌ ؛ لأن النبي ﷺ قال بعد أن سعى بين الصفا والمروة: (( ... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل

стр. 207

وليجعلها عمرة ... )) (١)، وفي لفظ للبخاري: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)). ٢ - الجمع بين العمرة والحج: وهو ما يُسمى بـ ((القران)) (٢) وهو أن

стр. 208

يحرم بالعمرة والحج جميعاً في أشهر الحج من الميقات قائلاً عند نية الدخول في النسك: ((لبيك عمرةً وحجّاً)) لحديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ أهلَّ بهما جميعاً: ((لبيك عمرة وحجاً، لبيك عمرة وحجاً)). وفي لفظ: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لبيك عمرة وحجّاً))، وفي لفظ: ((لبيك بعمرة وحجٍّ)) (١). أو يحرم بالعمرة من الميقات ثم في أثناء الطريق يدخل الحج عليها ويلبي بالحج قبل أن يشرع في الطواف، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج، وإن شاء أخَّر سعي الحج بعد طواف الإفاضة، ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل إحرامه بل يبقى على إحرامه حتى يحل منه بعد التحلل يوم العيد. ٣ - الحج وحده: وهو ما يسمى بـ ((الإفراد)) (٢) وهو أن يحرم بالحج

стр. 209

وحده من الميقات في أشهر الحج قائلاً عند نية الدخول في الإحرام: ((لبيك حجاً))؛ لحديث جابر ﵁ قال: ((قدمنا مع رسول اللَّه ﷺ ونحن نقول: لبيك اللَّهم لبيك بالحج، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ ، فجعلناها عمرة)) (١). وعمل المفرد كعمل القارن سواء بسواء إلا أن القارن عليه هدي - كالمتمتع - شكراً لله أن يسر له في سفرةٍ واحدةٍ: عمرةً وحجاً. أما المفرد فليس عليه هدي. والأفضل للقارن وكذا المفرد إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة فيقصر أو يحلق ويكون بهذا متمتعاً كما فعل أصحاب النبي ﷺ بأمره في حجة الوداع (٢). ويدل على مشروعية هذه الأنساك الثلاثة حديث عائشة ﵂، قالت: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع: فمنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهل بحجٍّ وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ ... )) (٣). وفي لفظ لمسلم، قالت: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: ((من أراد منكم أن يهلّ بحجٍّ وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهلَّ بحجٍّ فليهل، ومن أراد أن يهلَّ بعمرة فليُهل)) (٤).

стр. 210

وفي لفظٍ للبخاري ومسلم: ((من كان معه هدي فليهل بالحجِّ مع العمرة، ثم لا يحلَّ حتى يحلَّ منهما جميعاً ... )) (١). وفي رواية لمسلم أن عائشة ﵂ قالت: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمثت (٢)، فدخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ وأنا أبكي، فقال: ((ما يبكيك؟)) فقلت: واللَّه لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ((ما لك لعلّكِ نفست؟ (٣))) قلت نعم، قال: ((هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)). قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: ((اجعلوها عمرة))، فأحلّ الناس إلا

стр. 211

من كان معه الهدي، قالت: فكان الهدي مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وذوي اليسار ... )) (١). وفي لفظ للبخاري قالت: ((فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحلَّ فحلَّ من لم يكن ساق الهدي)) (٢). قال سماحة شيخنا ابن باز ﵀ على قول عائشة ﵂: ((فلما قدمت مكة قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه اجعلوها عمرة فأحلّ الناس إلا من كان معه الهدي)) (٣). قال ﵀: ((وهذا هو الصواب الموافق لرواية غيرها من الصحابة، وأما قولها: ((فأما من أهل بحجٍّ أو جمع الحج والعمرة فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر)) (٤). فهذا إما نسيان منها ﵂ للواقع، أو غلط من بعض الرواة أُدرج في الحديث. واللَّه أعلم)) (٥). قال ابن قدامة ﵀: ((أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء)) (٦)؛لقول عائشة ﵂: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحج .. )) (٧). أما من وصل الميقات في أشهر الحج وهو لا يريد حجاً وإنما يريد العمرة فلا يقال له متمتع وإنما هو معتمر، وكذا من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فهو معتمر فقط (٨). ثانياً: أفضل الأنساك الثلاثة: أفضل الأنساك: التمتع، ثم القران لمن ساق الهدي، ثم الإفراد. والتمتع: هو أن يحرم بعمرة من الميقات، في أشهر الحج، ويفرغ منها ويحرم بالحج في عامه. والتمتع أفضل الأنساك ؛ لأن النبي ﷺ أمر جميع أصحابه الذين لم

стр. 212

يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم ويجعلوا إحرامهم عمرة، كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة، بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسَّف ﷺ على سوقه للهدي الذي كان سبباً لعدم تحلُّله بالعمرة مع أصحابه، فلو لم يكن التمتع أفضل الأنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله بقوله (١) ﷺ : (( ... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة)). وفي لفظ: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)). وفي لفظ للبخاري: أن النبي ﷺ قال لأصحابه الذين لم يسوقوا الهدي: ((أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلِّوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة)). فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؛ فقال: ((افعلوا ما آمركم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل منِّي حرام حتى يبلغ الهدي محلِّه)) ففعلوا (٢). وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: ((والصواب أن التمتع أفضل، فالمتمتع أفضل من القارن الذي ساق الهدي)) (٣) (٤).

стр. 213

المبحث الرابع عشر: التلبية: مفهومها، وألفاظها، وحكمها، ووقتها، وفوائدها: أولاً: مفهومها: التلبية: من لبَّى بمعنى: أجاب، فلفظة ((لبيك)) مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، والتكرير: أي إجابة لك بعد إجابة، ولزوماً لطاعتك، وقال الأنباري: ثنُّوا لبيك، كما ثنُّوا حنانيك: أي تحنّناً بعد تحنُّن، وأصل لبيك: لببتك. وقال القاضي عياض: ((اختلفوا في معنى لبيك، واشتقاقها: فقيل: معناها: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها. وقيل: معناها: محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبَّة، إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حبٌّ لباب، إذا كان خالص محضاً ومن ذلك لب الطعام ولبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجل بالمكان، وألبَّ به إذا أقام فيه، قال ابن الأنباري: وبهذا قال الخليل. قال القاضي: قيل هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾. وقال إبراهيم الحربي في معنى لبيك: أي قرباً منك وطاعة، والإلباب القرب، وقال أبو نصر: معناه: أنا ملب بين يديك: أي خاضع)) (١).

стр. 214

ثانياً: ألفاظ التلبية: ثبت عن النبي ﷺ ألفاظ في التلبية على النحو الآتي: ١ - حديث ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ فقال: ((لبَّيك اللَّهم لبَّيْك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (١). وفي لفظ للبخاري، ومسلم، قال ابن عمر: لا يزيد على هؤلاء الكلمات (٢)، وكان ابن عمر يزيد فيها: ((لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)) (٣). ولفظ أبي داود، وابن ماجه: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٤). وكان عبد اللَّه بن عمر ﵄ يقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يُهلُّ بإهلال رسول اللَّه ﷺ من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل (٥).

стр. 215

٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبي: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد، والنعمة لك)) (١). ٣ - حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ - ولفظه كلفظ حديث عائشة، قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك)) (٢). ٤ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ - في صفة حجة النبي ﷺ وفيه قال: فأهلَّ بالتوحيد: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٣). ٥ - حديث أبي هريرة ﵁ - قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبيك إله الحق لبيك)) (٤). ٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ : ((ويلكم قدقد)) (٥). فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. تعالى اللَّه عما يقولون علواً كبيراً.
следующие страницы →