← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من كان معه الهدي، قالت: فكان الهدي مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وذوي اليسار ... )) (١). وفي لفظ للبخاري قالت: ((فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحلَّ فحلَّ من لم يكن ساق الهدي)) (٢). قال سماحة شيخنا ابن باز ﵀ على قول عائشة ﵂: ((فلما قدمت مكة قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه اجعلوها عمرة فأحلّ الناس إلا من كان معه الهدي)) (٣). قال ﵀: ((وهذا هو الصواب الموافق لرواية غيرها من الصحابة، وأما قولها: ((فأما من أهل بحجٍّ أو جمع الحج والعمرة فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر)) (٤). فهذا إما نسيان منها ﵂ للواقع، أو غلط من بعض الرواة أُدرج في الحديث. واللَّه أعلم)) (٥). قال ابن قدامة ﵀: ((أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء)) (٦)؛لقول عائشة ﵂: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحج .. )) (٧). أما من وصل الميقات في أشهر الحج وهو لا يريد حجاً وإنما يريد العمرة فلا يقال له متمتع وإنما هو معتمر، وكذا من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فهو معتمر فقط (٨). ثانياً: أفضل الأنساك الثلاثة: أفضل الأنساك: التمتع، ثم القران لمن ساق الهدي، ثم الإفراد. والتمتع: هو أن يحرم بعمرة من الميقات، في أشهر الحج، ويفرغ منها ويحرم بالحج في عامه. والتمتع أفضل الأنساك ؛ لأن النبي ﷺ أمر جميع أصحابه الذين لم

стр. 212

يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم ويجعلوا إحرامهم عمرة، كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة، بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسَّف ﷺ على سوقه للهدي الذي كان سبباً لعدم تحلُّله بالعمرة مع أصحابه، فلو لم يكن التمتع أفضل الأنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله بقوله (١) ﷺ : (( ... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة)). وفي لفظ: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)). وفي لفظ للبخاري: أن النبي ﷺ قال لأصحابه الذين لم يسوقوا الهدي: ((أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلِّوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة)). فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؛ فقال: ((افعلوا ما آمركم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل منِّي حرام حتى يبلغ الهدي محلِّه)) ففعلوا (٢). وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: ((والصواب أن التمتع أفضل، فالمتمتع أفضل من القارن الذي ساق الهدي)) (٣) (٤).

стр. 213

المبحث الرابع عشر: التلبية: مفهومها، وألفاظها، وحكمها، ووقتها، وفوائدها: أولاً: مفهومها: التلبية: من لبَّى بمعنى: أجاب، فلفظة ((لبيك)) مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، والتكرير: أي إجابة لك بعد إجابة، ولزوماً لطاعتك، وقال الأنباري: ثنُّوا لبيك، كما ثنُّوا حنانيك: أي تحنّناً بعد تحنُّن، وأصل لبيك: لببتك. وقال القاضي عياض: ((اختلفوا في معنى لبيك، واشتقاقها: فقيل: معناها: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها. وقيل: معناها: محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبَّة، إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حبٌّ لباب، إذا كان خالص محضاً ومن ذلك لب الطعام ولبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجل بالمكان، وألبَّ به إذا أقام فيه، قال ابن الأنباري: وبهذا قال الخليل. قال القاضي: قيل هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾. وقال إبراهيم الحربي في معنى لبيك: أي قرباً منك وطاعة، والإلباب القرب، وقال أبو نصر: معناه: أنا ملب بين يديك: أي خاضع)) (١).

стр. 214

ثانياً: ألفاظ التلبية: ثبت عن النبي ﷺ ألفاظ في التلبية على النحو الآتي: ١ - حديث ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ فقال: ((لبَّيك اللَّهم لبَّيْك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (١). وفي لفظ للبخاري، ومسلم، قال ابن عمر: لا يزيد على هؤلاء الكلمات (٢)، وكان ابن عمر يزيد فيها: ((لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)) (٣). ولفظ أبي داود، وابن ماجه: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٤). وكان عبد اللَّه بن عمر ﵄ يقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يُهلُّ بإهلال رسول اللَّه ﷺ من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل (٥).

стр. 215

٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبي: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد، والنعمة لك)) (١). ٣ - حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ - ولفظه كلفظ حديث عائشة، قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك)) (٢). ٤ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ - في صفة حجة النبي ﷺ وفيه قال: فأهلَّ بالتوحيد: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٣). ٥ - حديث أبي هريرة ﵁ - قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبيك إله الحق لبيك)) (٤). ٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ : ((ويلكم قدقد)) (٥). فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. تعالى اللَّه عما يقولون علواً كبيراً.

стр. 216

ثالثاً: حكم الزيادة على تلبية النبي ﷺ -: أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر عند مسلم عند الإحرام بالحج أو العمرة، ولكن اختلفوا في الزيادة على تلبية النبي ﷺ بألفاظ فيها تعظيم اللَّه، ودعاؤه، ونحو ذلك، فكرِه بعضهم الزيادة على تلبية النبي ﷺ ، وحكاه ابن عبد البر عن مالك، قال: وهو أحد قولي الشافعي، وقال جماعة آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة عن ابن عمر، وأبيه، وزيادات الصحابة الثابتة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة (١). قال الشنقيطي ﵀: ((الذي يظهر في هذه المسألة: أن الأفضل هو الاقتصار على لفظ تلبيته ﷺ الثابتة في الصحيحين وغيرهما؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). وهو ﷺ يقول: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (٣)، وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها)) (٤). للأحاديث الآتية: ١ - ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر أنه كان يزيد في تلبية النبي ﷺ الكلمات المذكورة في الحديث سابقاً؛ ولزيادة أمير المؤمنين كما تقدم. ٢ - ما ثبت في حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ -، فقد ذكر تلبية النبي ﷺ ثم قال: وأهل الناس بهذا الذي يهلُّون به، فلم يردّ رسول

стр. 217

اللَّه ﷺ شيئاً منه، ولزم رسول اللَّه ﷺ تلبيته (١). ٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ -، فعن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك ﵁ وهما غاديان من منى إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: ((كان يُهلُّ منَّا المهلُّ فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه)). وفي لفظ لمسلم: (( ... ولا يعيب أحدنا على صاحبه)) (٢). ٤ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ((غدونا مع رسول اللَّه ﷺ من منى إلى عرفات فمنَّا الملبِّي ومنَّا المكبِّر)) (٣). وهذه الأحاديث تدل على أن بعض أصحاب النبي ﷺ يزيدون على لفظ تلبيته ﷺ وهو يقرهم على ذلك ولا ينكر عليهم ولزم تلبيته ﷺ ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي ﷺ لو كان فيها محذور لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه ﵄ (٤). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((المقصود أنه لا بأس أن يزيد في التلبية، كما فعل أنس، وعمر، وابن عمر ﵃، وأقرهم ﷺ ، ولكن الأفضل تلبيته ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ لازمها)) (٥).

стр. 218

واختار ابن حجر وغيره أنه إن زاد على تلبية النبي ﷺ مما ثبت عن الصحابة أو مما أنشأ هو من قبل نفسه مما يليق؛ فإن الأفضل أن يقوله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، ويفرد ما ثبت عن النبي ﷺ (١) (٢). رابعاً: حكم التلبية: اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في حكم التلبية، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن في حكم التلبية مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة: المذهب الأول: أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي، وأحمد. المذهب الثاني: واجبة ويجب بتركها دم ، حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصاً يدل عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة. المذهب الثالث: واجبة ، لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج،

стр. 219

كالتوجه على الطريق، وهو قول بعض المالكية، وبعض الحنفية، لكن زاد من قال بذلك من الحنفية القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر قال أصحاب الرأي: إن كَبَّر، أو هلَّل، أو سبَّح، ينوي بذلك الإحرام فهو محرم. المذهب الرابع: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة (١). والصواب من أقوال أهل العلم: هو ما ذهب إليه الإمام أحمد، والإمام الشافعي في المذهب الأول من هذه المذاهب المذكورة. وهو أن التلبية سنة، قال شيخنا ابن باز ﵀ في حكم التلبية: ((سنة مؤكدة)) (٢). خامساً: أول وقت التلبية: الصواب أن أول وقت التلبية، هو أول الوقت الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير؛ لصحة الأحاديث الواردة بأنه ﷺ أهلَّ حين استوت به راحلته قائمة، واستوى عليها؛ للأحاديث الآتية: ١ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ((ما أهل رسول اللَّه ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره)). وفي لفظ للبخاري: ((أهل رسول اللَّه ﷺ حين استوت به راحلته قائمة)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: ((كان ابن عمر ﵄ إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائماً ثم يلبي)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: أن ابن عمر: ((إذا

стр. 220

استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل)) (١). ٢ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄: ((أن إهلال رسول اللَّه ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته)) (٢). ٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ - قال: ((صلَّى النبي ﷺ بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ)) (٣). وفي لفظ: ((صلى رسول اللَّه ﷺ ونحن معه بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء (٤) حمد اللَّه، وسبح، وكبر، ثم أهلَّ بحج وعمرة ... )) (٥). ٤ - حديث ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج)) (٦). ٥ - حديث جابر ﵁ في حديثه عن صفة حجة الوداع ، وفيه:

стр. 221

(( ... فصلى رسول اللَّه ﷺ ، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه: من راكب، وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد ... )) (١). ٦ - حديث ابن عمر ﵄ قال: ((بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول اللَّه ﷺ فيها، ما أهل رسول اللَّه ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره)) (٢). قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((ومراد ابن عمر: أن النبي ﷺ أهلَّ محرماً حين استوت به راحلته قائمة، من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل إلى البيداء، ووجه الجمع أنه ﷺ ابتداء إهلاله حين استوت به راحلته قائمة، فسمعه قوم، ثم لما استوت به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى، فحدَّث كل واحد منهم بما سمع، وقال بعضهم: أحرم في مصلاة (٣)، فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر حتى

стр. 222

استوت به راحلته، وجَزْمُ ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدلّ على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة، ومراد ابن عمر بالإنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلبِّ قبل وصوله البيداء، وهذا الجمع ذكره ابن حجر عن أبي داود، والحاكم (١) وقال ابن حجر في الفتح (٢): فائدة: البيداء فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره)) (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأكثر نصوص أحمد تدلُّ على أن زمن الإحرام هو زمن التلبية)) (٤). وقال ﵀ بعد أن ساق أحاديث الإحرام بعد الاستواء على الراحلة قائمة: ((فهذه نصوص صحيحة: أنه إنما أهل حين استوت به

стр. 223

راحلته، واستوى عليها، ورواتها مثل: ابن عمر، وأنس، وابن عباس في رواية صحيحة)) (١). وقال ﵀: ((فمن زعم أنه أحرم ولم يلبِّ ثم لبَّى حين استوت به ناقته فهو مخالف لجميع الأحاديث، ولعامة نصوص أحمد)) (٢). فظهر مما تقدم: أن أول وقت التلبية هو وقت انعقاد الإحرام عند الاستواء على المركوب (٣). وهذا هو السنة، وإلا فالصواب أن الإحرام ينعقد بمجحرد النية (٤). قال شيخنا ابن باز ﵀: ((فلو لم يلبِّ فلا شيء عليه؛ لأن التلبية سنة مؤكدة)) (٥). وقال: ((والواجب أن ينوي بقلبه نسكاً من حج أو عمرة، أو كليهما)) (٦). سادساً: فضائل التلبية: التلبية لها فضائل عديدةعظيمة، ومنها الفضائل الآتية: ١ - التلبية توحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة ؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ في صفة حج النبي ﷺ حجةالوداع، وفيه: أن النبي

стр. 224

- ﷺ كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر: (( ... ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (١). ٢ - الملبِّي بحجٍّ أو عمرة يُبشَّر بالجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((ما أهلَّ مُهِلٌّ (٢)، ولا كبَّر مكبِّر إلا بُشِّر)) قيل: يا رسول اللَّه بالجنة؟ قال: ((نعم)) (٣). ٣ - التلبية من أفضل الأعمال ؛ لحديث أبي بكر الصديق ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العجُّ والثَّجُّ)) (٤)، ولفظ الترمذي: أن رسول اللَّه ﷺ سُئل: أيُّ الحجِّ أفضل؟ قال: ((العجُّ والثجُّ)) (٥). ٤ - الملبِّي في الحج أو العمرة يلبِّي معه الشجر والحجر ؛ لعظم شأن التلبية؛ لحديث سهل ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((ما من مسلمٍ يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله: من حَجَرٍ، أو شجر، أو مَدَرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا)) (٦).

стр. 225

٥ - التلبية من شعار الحجِّ ؛ لحديث زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعار الحج)) (١). سابعاً: رفع الصوت بالتلبية سنة للرجال: جاء في رفع الصوت بالتلبية أحاديث منها، الآحاديث الآتية: ١ - حديث خلاّد بن السائب بن خلاّد عن أبيه ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال بالتلبية)) (٢). ٢ - حديث زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((جاءني جبريل فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج)) (٣). ٣ - حديث أنس ﵁ - قال: ((صلَّى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعاً)) (٤).

стр. 226

قال البخاري ﵀ في ترجمة هذا الحديث: ((باب رفع الصوت بالإهلال)) ونقل ابن حجر: أن الإهلال هنا: رفع الصوت بالتَّلبية، وقوله: ((يصرخون بهما جميعاً)) أي: بالحج والعمرة (١). ٤ - حديث أبي بكر الصديق ﵁ -، وفيه: أن رسول اللَّه ﷺ سُئل: أي الحج أفضل؟ قال: ((العجُّ والثج)) (٢). والعجّ: هو رفع الصوت بالتلبية. ثامناً: خفض الصوت بالتلبية للنساء: السنة للمرأة أن تخفض صوتها بالتلبية، ولا ينبغي لها رفع الصوت بالتلبية، كما عليه جماهير أهل العلم (٣). قال الإمام ابن عبد البر ﵀: ((وأجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمع نفسها، فخرجت من جملة ظاهر الحديث، وخُصَّت بذلك، وبقي الحديث في الرجال)) (٤). والمقصود بالحديث المشار إليه: الأمر برفع الصوت في التلبية. قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((وقال الرافعي في شرحه الكبير: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع بحيث يجهد ويقطع صوته، والنساء تقتصرن على سماع أنفسهن)) (٥).

стр. 227

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأما المرأة فيستحب لها أن تسمع رفيقتها. قال أحمد في رواية حرب: تجهر المرأة بالتلبية ما تُسمع زميلتها؛ لما روى سليمان بن يسار ((أن السنة عندهم أن المرأة لا ترفع الصوت بالإهلال)) (١). وعن عطاء أنه كان يقول: ((يرفع الرجال أصواتهم بالتلبية، فأما المرأة فإنها تسمع نفسها ولا ترفع صوتها)) (٢) (٣). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((تسر بها لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تُصفِّق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة وإن لم يكن عورة يخشى منه الفتنة؛ ولهذا نقول: المرأة تلبِّي سراً بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن)) (٤). تاسعاً: سبب التلبية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وسبب التلبية ومعناها على ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله (٥):

стр. 228

﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١). قال: لما بنى إبراهيم البيت أوحى اللَّه إليه: أن أذن في الناس بالحج، قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتاً وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء: من حجرٍ، وشجرٍ، وأكمةٍ، أو تراب، أو شيء: لبيك اللَّهم لبيك)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقال ابن عبد البر قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج. انتهى، وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، بأسانيدهم في تفاسيرهم عن: ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عنه قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال ربِّ وما يبلغ صوتي، قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون)) (٣). عاشراً: فوائد التلبية: اشتملت التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة منها الفوائد الآتية:

стр. 229

الفائدة الأولى: أن قولك: لبيك يتضمن إجابة داعٍ دعاك ، ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه. الفائدة الثانية: أن التلبية تتضمن المحبة ، ولا يقال: لبيك إلا لمن تحبه وتعظِّمه؛ ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم: امرأة لبة: أي محبة لولدها؛ ولهذا جاء في أحاديث كثيرة أن عدداً من أصحاب النبي ﷺ إذا ناداهم النبي ﷺ قال أحدهم لبيك يا رسول اللَّه، ومنها أنه ﷺ قال: ((يا معاذ بن جبل)) قال: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك ... )) (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((يا أبا هريرة؟)) فقلت: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك)) (٢). وفي حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: ((يا أبا ذر؟)) قال: قلت: لبيك وسعديك يا رسول اللَّه)) (٣). الفائدة الثالثة: أنها تتضمن دوام العبودية ؛ ولهذا قيل: هي من الإقامة: أي أنا مقيم على طاعتك. الفائدة الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والتذلُّل لله وحده: أي خضوعاً بعد خضوع، من قولهم: أنا ملب بين يديك: أي خاضع ذليل. الفائدة الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص ؛ ولهذا قيل: إنها من اللبِّ،

стр. 230

وهو الخالص. الفائدة السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى ، إذ يستحيل أن يقول المسلم لبيك لمن لا يسمع دعاه. الفائدة السابعة: أنها تتضمن التقرب من اللَّه ؛ لهذا قيل: إنها من الإلباب، وهو التقرب. الفائدة الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعاراً للانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة سبعاً؛ للانتقال من ركن إلى ركن؛ ولهذا كانت السنة أن يلبِّي حتى يشرع في الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها (١)، فالتلبية شعار الحج، والتنقل في أعمال المناسك، فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: ((لبيك اللَّهم لبيك)) كما أن المصلِّي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: ((اللَّه أكبر)) فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلِّي قاطعاً لتكبيره. الفائدة التاسعة: أنها شعار التوحيد: ملة إبراهيم، الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها، والمقصود منها؛ ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها. الفائدة العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة ، وباب الإسلام الذي

стр. 231

يدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص، والشهادة لله بأنه لا شريك له. الفائدة الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى اللَّه، وأول ما يُدعى إلى الجنة أهله، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها. الفائدة الثانية عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها ؛ ولهذا عرَّفها باللام المفيدة للاستغراق: أي النعم كلها لك، وأنت موليها والمنعم بها. الفائدة الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده ، فلا ملك على الحقيقة لغيره. الفائدة الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإنَّ المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك. الفائدة الخامسة عشرة: في ((إنَّ)) وجهان: فتحها وكسرها: فالفتح يتضمن معنى التعليل، فمن فتحها فالمعنى: لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. والكسر تكون به جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على اللَّه، فمن قال: ((إنَّ)) فقد عمَّ، ومن قال: ((أنَّ)) بالفتح فقد خصَّ. الفائدة السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك ، والنعمة، والحمد لله ، وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العليَّة، فاجتماع الملك والحمد، من أعظم الكمال، والملك وحده كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال،

стр. 232

فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك: من العظمة، والكمال، والجلال، ما هو أولى به، وهو أهل له، وكان في ذكر العبد له ومعرفته له من انجذاب قلبه إلى اللَّه وإقباله عليه، والتوجّه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولُبِّها، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. الفائدة السابعة عشرة: أن النبي ﷺ قال: (( ... وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) (١). وقد اشتملت التلبية على هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها، وقوله ﷺ : ((وهو على كل شيء قدير)) تدخل تحت قوله ﷺ في التلبية: ((لا شريك لك)) وكذلك تحت قوله ﷺ : ((إن الحمد والنعمة لك))، وكذلك تدخل تحت إثبات الملك له تعالى، فالملك كله له، والحمد كله له، وليس له شريك بوجه من الوجوه، فهو الذي على كل شيء قدير. الفائدة الثامنة عشرة: أن كلمات التلبية متضمنة للردِّ على كلِّ مبطل في صفات اللَّه وتوحيده ؛ فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد؛ فهو سبحانه محمود لذاته، وصفاته، ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده، وكلمات التلبية

стр. 233

كذلك مبطلة لقول مجوس الأمة: القدرية الذين أخرجوا عن ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة، والجن، والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة، ولا جعلوه خالقاً لها ... فمن علم معنى هذه الكلمات في التلبية، وشهدها، وأيقن بها، باين (١) جميع الطوائف المعطلة. الفائدة التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر وهو قوله ﷺ : ((إن الحمد والنعمة لك والملك)) ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك، لطيفة بديعة، وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين؛ فإنه لو قال: إن الحمد والنعمة والملك لك، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد على مفرد، فلما تمت الجملة الأولى بقوله: ((لك)) ثم عطف الملك كان تقديره: والملك لك، فيكون مساوياً لقوله: ((له الملك وله الحمد)) ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الحمد في الثناء. الفائدة العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر ، كان فيه إشعار في اقترانهما وتلازمهمها، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرينان. الفائدة الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة بأنه لا شريك له ، لطيفة، وهي أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله: ((لبيك)) ثم أعادها عقب قوله: ((إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)) وذلك يتضمن أنه لا شريك له في: الحمد، والنعمة، والملك، والأول يتضمن أنه لا شريك له في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ

стр. 234

لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١). فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته، وأولي العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط، وهو: العدل، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط)) (٢). ولا شك أن الاهتمام بمعرفة معنى التلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها التلبية تعين العبد المسلم على القيام بعبادة الحج والعمرة والتقرب إلى اللَّه بقول هذه الكلمات على أحسن وجه وأكمله. الحادي عشر: مواطن التلبية: التلبية مشروعة من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال من الإحرام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: ((وتشرع التلبية من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع في الطواف)) (٣). قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم أنه يستحب الإكثار من التلبية في دوام الإحرام، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر: من ركوب، أو نزول، أو اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير

стр. 235

الأحوال، وعلى هذا أكثر أهل العلم)) (١). الثاني عشر: التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده: اختلف العلماء - رحمهم اللَّه تعالى - في استحباب التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده على قولين: القول الأول: لا يلبي في طواف القدوم والسعي بعده ، وبه قال: مالك وأصحابه، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي، وقال ابن عيينة: ما رأيت أحداً يُقتدى به يُلبِّي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وذكر أبو الخطاب أنه لا يلبِّي، وعللوا ذلك؛ لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى، وقد روى الإمام مالك في الموطأ: أن عبد اللَّه بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم، حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يُلبِّي (٢). القول الثاني: لا بأس بالتلبية في طواف القدوم ، وبه قال ابن عباس، وربيعة بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، وابن أبي ليلى، وداود، وأحمد، وقد روي عن عبد اللَّه بن عمر خلاف قوله في القول الأول، فقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى (٣)، وهو قول للشافعي، قال ابن قدامة مُرجِّحاً هذا القول: ((ولنا، أنه زمنُ التلبية فلم يكره له، كما لو لم يكن حول البيت، ويمكن الجمع بين التلبية والذكر المشروع في الطواف، ويكره له رفع الصوت في التلبية؛

стр. 236

لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم)) (١). الثالث عشر: التلبية في مواضع النسك: سبق الخلاف في التلبية في طواف القدوم والسعي، وأما غير ذلك فقال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم أنه لا خلاف بين من يُعتد به من أهل العلم أن المحرم يلبِّي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات؛ لأنها مواضع نسك، واختلفوا في التَّلبية فيما سوى ذلك من المساجد، وأظهر القولين عندي أنه يُلبِّي في كل مسجد، إلا أنه لا يرفع صوته رفعاً يشوش على المصلين، والعلم عند اللَّه تعالى)) (٢) (٣). الرابع عشر: قطع التلبية إذا شرع المعتمر في الطواف وإذا رمى الحاج جمرة العقبة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وتشرع التلبية من حين

стр. 237

الإحرام إلى الشروع في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع في الطواف، قال أحمد: الحاج يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية يقطع عند أول حصاة، وقال في رواية الجماعة في المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الركن. وهذا هو المذهب)) (١). وأما قطع التلبية في الحج إذا رمى جمرةالعقبة ؛ فلحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄: أن أسامة ﵁ كان رِدْفَ رسول اللَّه ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: ((لم يزل النبي ﷺ يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة)) (٢). وفي لفظ عن ابن عباس ﵄: ((أن رسول اللَّه ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل: أنه لم يزل يُلبي حتى رمى الجمرة)) (٣). وفي لفظ عن ابن عباس ﵄ عن الفضل: ((أن رسول اللَّه ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة)) (٤) (٥).

стр. 238

وأما قطع التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف ؛ فلما رُوي في حديث ابن عباس ﵄ (١)، ولما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٢).

стр. 239

قال الترمذي ﵀ في آخر حديث ابن عباس: ((حديث ابن عباس حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر (١).

стр. 240

المبحث الخامس عشر: محظورات الإحرام الحظر: المنع والحجر، وحظر الشيء: أي منعه (١). ومحظورات الإحرام: هي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام وهي: المحظور الأول: حلق الرأس، ويُلحق به سائر شعر البدن ، بلا عذر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢). وهذا نص على حلق الرأس، ويقاس عليه سائر شعر البدن. وأيضاً قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٣). وقد فُسِّر قضاء التفث بقضاء ما عليهم من مناسكهم: من رمي الجمار، وحلق الشعر، ووضع الإحرام، والأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وذبح الذبيحة، ولبس الثياب، وما هم عليه في الحج، وأمر الحج كله، والعلم عند اللَّه تعالى (٤). قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((وعلى هذا التفسير فالآية تدل على: أن الأظفار كالشعر بالنسبة للمحرم، ولاسيما أنها معطوفة بثم على نحر الهدايا؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾، والمراد بذكر اسمه على ما

стр. 241

رزقهم من بهيمة الأنعام: التسمية عند نحر الهدايا، والضحايا، ثم رتب على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فدل على أن الحلق، وقص الأظفار ونحو ذلك ينبغي أن يكون بعد النحر، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بين النبي ﷺ أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه)) (١). المحظور الثاني: تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين بلا عذر ؛ لأنه إزالة جزء من بدنه تحصل به الرفاهية. فأشبه إزالة الشعر، إلا إذا انكسر ظفره وتأذَّى به فلا بأس أن يزيل المؤذي منه فقط ولا شيء عليه. قال ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وأجمعوا على أن له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسراً منه)) (٢) (٣). المحظور الثالث: تعمُّد تغطية الرأس للرجل ، وكذلك الوجه على الصحيح للرجل بملاصق كالعمامة والغترة، والطاقية، وشبهها، أما غير المتصل الملاصق كالخيمة والشمسية، وسقف السيارة فلا بأس؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قام رجل فقال: يا رسول اللَّه ما تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي ﷺ : ((لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم،

стр. 242

ولا البرانس (١) [ولا الخفاف] إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا [من الثياب] شيئاً مسَّه زعفران أو ورسٌ] (٢) ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القُفَّازين)) (٣). أما جواز الاستظلال؛ فلحديث أم الحصين قالت: ((حججت مع رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرةالعقبة، وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلالٌ وأُسامة، أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول اللَّه ﷺ من الشمس قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: ((إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع (٤) [حسبتها قالت] أسودُ يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا)) وفي لفظ قالت: ((حججت مع رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذٌ بخطام ناقة رسول اللَّه ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة)) (٥).

стр. 243

ولحديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ وفيه: ((أنه ﷺ نزل في القبة التي ضُربت له بنمرة حتى زاغت الشمس)) (١). وأما تغطية الوجه؛ فلحديث ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (٢)، أو قال فأوقصته، قال النبي ﷺ : ((اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً)). وفي لفظ للبخاري: ((ولا تمسوه طيباً)) (٣)، بدلاً من: ((ولا تحنِّطوه)). وفي لفظ للبخاري: ((ولا تغطوا رأسه)) (٤) بدلاً من: ((ولا تخمروا رأسه)). وفي لفظ للبخاري ومسلم: ((وكفِّنوه في ثوبيه)) (٥). بدلاً من: ((وكفنوه في ثوبين)). وفي لفظ لمسلم: ((وألبسوه ثوبيه)) (٦). وفي رواية لمسلم: أن رجلاً أوقصته راحلته وهو محرم، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُخمِّروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً)) (٧). وفي لفظ لمسلم: ((وقصت رجلاً راحلته، وهو

стр. 244

مع رسول اللَّه ﷺ ، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ أن يغسِّلوه بماء وسدرٍ، وأن يكشفوا وجهه، ورأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)) (١) (٢). والمرأة لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين؛ لقوله ﷺ : ((لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين)) (٣). ولكن إذا احتاجت إلى ستر وجهها؛ لمرور الرجال الأجانب قريباً منها، فإنها تسدل الثوب أو الخمار من فوق رأسها على وجهها، قالت عائشة ﵂: ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه)) (٤). وعن فاطمة بنت المنذر رحمها اللَّه قالت: ((كنَّا نُخمِّر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر)) (٥).

стр. 245

وعن معاذة عن عائشة ﵂، قالت: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، إلا ثوباً مسَّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تَلَثَّم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت)) (١). المحظور الرابع: لبس الرجل للمخيط عمدً في جميع بدنه ، أو في بعضه مما هو مفصّل على الجسم كالقميص، والعمامة، والسراويل، والبرانس - وهو كل ثوب رأسه منه - والقفازين، والخفين، والجوربين، وكل ثوب مسه وَرْسٌ أو زعفران؛ لحديث ابن عمر ﵄ وفيه: ((لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من الكعبين)) (٢). ثم نسخ قطع الخفين على الصحيح لمن لم يجد النعلين، فعن جابر عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم)). ولفظ مسلم: ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)) (٣).

стр. 246

قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((وأما ما ورد في حديث ابن عمر ﵄ من الأمر بقطع الخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين فهو منسوخ؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك في المدينة، لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب، ثم لما خطب الناس بعرفات أَذِنَ في لبس الخفين عند فقد النعلين، ولم يأمر بقطعهما، وقد حضر هذه الخطبة من لم يسمع جوابه في المدينة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، كما قد عُلِمَ في علمي أصول الحديث والفقه)) (١)، وسمعته أيضاً يقول: ((والصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بقطع ذلك في عرفات، فالنسخ أقرب)) (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وإذا لم يجد نعلين، ولا ما يقوم مقامهما، فله أن يلبس الخف ولا يقطعه، وكذلك إذا لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه، هذا أصح قولي العلماء؛ لأن النبي ﷺ رخص في البدل في عرفات)) (٣). قال ابن تيمية ﵀ فيما يجوز للمحرم لبسه: ((يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالجبة، والقميص،

стр. 247

ونحو ذلك ويتغطَّى به باتفاق الأئمة)) (١)، ولو خاط شقوق الإزار أو الرداء ورقعه فلا بأس به؛ فإن الذي يُمنع منه المحرم هو اللباس المصنوع على قدر الأعضاء وما فصِّل عليها (٢). المحظور الخامس: تعمد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن، أو المأكول، أو المشروب، كأن يشرب قهوة فيها زعفران، إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه؛ لحديث يعلى بن أمية ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمِّخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاءه يعلى وعلى رسول اللَّه ﷺ ثوب قد أُظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول اللَّه ﷺ مُحمّر الوجه، وهو يغطُّ، ثم سرِّي عنه، فقال: ((أين السائل عن العمرة؟)) فأُتي برجلٍ فقال: ((اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك)). وفي لفظ: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، وعليه أثر الخلوق، أو قال: صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ وفي الحديث قال: ((أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك (٣)، واتق الصفرة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)) (٤).

стр. 248

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: ((وفيه من الفوائد: أن الإنسان إذا نسي فلبس جبة أو عمامة أو ثوباً جاهل أو ناسٍ وهو محرم فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره بفدية لجهله، وهكذا لو تضمَّخ بطيب بعد الإحرام وهو جاهل فلا شيء عليه، والناسي من باب أولى (١). وقال في المحرم الذي وقصته ناقته: ((ولا تحنطوه)) وفي رواية: ((ولا تمسوه بطيب)) (٢)؛ ولقوله ﷺ : ((لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)) (٣). أما الطيب الذي تطيب به قبل الإحرام في رأسه ولحيته فلا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب لاستدامته كما تقدم. المحظور السادس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٤). وقوله سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٥). وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦).

стр. 249

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ (١)؛ ولحديث الصَّعب بن جثامة الليثي ﵁: أنه أهدى لرسول اللَّه ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودَّان (٢) فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: ((إنا لم نردُّه إلا أنا حرمٌ)). وفي لفظ للبخاري: ((أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: قال الصعب: فلما عرف ما في وجهي ردَّهُ هديتي، قال: ((ليس بنا ردٌّ عليك ولكنا حرم)). وفي رواية لمسلم: ((أهديت له من لحم حمارِ وحشٍ)) (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: أهدى الصعب بن جثَّامة إلى النبي ﷺ حما روحش وهو محرم فرده عليه، وقال: ((لولا أنا محرمون لقبلناه منك)). وفي لفظ: ((أهدى الصعب بن جثَّامة رجل حمار وحشٍ)). وفي لفظ: ((عجز حمار وحشٍ يقطر دماً)). وفي لفظ: ((أهدي للنبي ﷺ شقُّ حمارٍ وحشٍ فردَّه)) (٤). وعن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرم، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه - وكانوا محرمين -: ((أمنكم

стр. 250

أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها)) (١). وفي لفظ: فقال للقوم: ((كلوا)) ومنهم محرمون (٢). وفي لفظ للبخاري: أن النبي ﷺ قال: ((معكم منه شيء؟)) فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها حتى نفَّدها وهو محرم)) (٣)، وفي لفظ للبخاري، قال معنا رجلها، فأخذها النبي ﷺ فأكلها (٤). وفي لفظ للبخاري: ((إنما هي طعمة أطعمكموها اللَّه)) (٥). وفي لفظ لمسلم: ((هو حلال فكلوه)) (٦). وفي لفظ لمسلم: ((هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟)). وفي لفظ للنسائي: ((هل أشرتم، أو أعنتم؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا)) (٧). وذكر الإمام النووي ﵀ روايات مسلم لحديث الصعب ثم قال: ((وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدى بعض لحم صيد لا كله، واتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المحرم، وقال الشافعي: يحرم عليه تملك الصيد، والهبة، ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد: فَمَنْ صاده، أو صِيد له، فهو
следующие страницы →