قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((وأما ما ورد في حديث ابن عمر ﵄ من الأمر بقطع الخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين فهو منسوخ؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك في المدينة، لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب، ثم لما خطب الناس بعرفات أَذِنَ في لبس الخفين عند فقد النعلين، ولم يأمر بقطعهما، وقد حضر هذه الخطبة من لم يسمع جوابه في المدينة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، كما قد عُلِمَ في علمي أصول الحديث والفقه)) (١)، وسمعته أيضاً يقول: ((والصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بقطع ذلك في عرفات، فالنسخ أقرب)) (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وإذا لم يجد نعلين، ولا ما يقوم مقامهما، فله أن يلبس الخف ولا يقطعه، وكذلك إذا لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه، هذا أصح قولي العلماء؛ لأن النبي ﷺ رخص في البدل في عرفات)) (٣).
قال ابن تيمية ﵀ فيما يجوز للمحرم لبسه: ((يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالجبة، والقميص،
стр. 247
ونحو ذلك ويتغطَّى به باتفاق الأئمة)) (١)، ولو خاط شقوق الإزار أو الرداء ورقعه فلا بأس به؛ فإن الذي يُمنع منه المحرم هو اللباس المصنوع على قدر الأعضاء وما فصِّل عليها (٢).
المحظور الخامس: تعمد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن، أو المأكول، أو المشروب، كأن يشرب قهوة فيها زعفران، إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه؛ لحديث يعلى بن أمية ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمِّخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاءه يعلى وعلى رسول اللَّه ﷺ ثوب قد أُظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول اللَّه ﷺ مُحمّر الوجه، وهو يغطُّ، ثم سرِّي عنه، فقال: ((أين السائل عن العمرة؟)) فأُتي برجلٍ فقال: ((اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك)). وفي لفظ: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، وعليه أثر الخلوق، أو قال: صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ وفي الحديث قال: ((أين السائل عن العمرة؟
اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك (٣)، واتق الصفرة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)) (٤).
стр. 248
وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: ((وفيه من الفوائد: أن الإنسان إذا نسي فلبس جبة أو عمامة أو ثوباً جاهل أو ناسٍ وهو محرم فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره بفدية لجهله، وهكذا لو تضمَّخ بطيب بعد الإحرام وهو جاهل فلا شيء عليه، والناسي من باب أولى (١).
وقال في المحرم الذي وقصته ناقته: ((ولا تحنطوه)) وفي رواية: ((ولا تمسوه بطيب)) (٢)؛ ولقوله ﷺ : ((لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)) (٣).
أما الطيب الذي تطيب به قبل الإحرام في رأسه ولحيته فلا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب لاستدامته كما تقدم.
المحظور السادس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده ؛ لقوله
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٤). وقوله سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٥).
وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦).
стр. 249
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ (١)؛ ولحديث الصَّعب بن جثامة الليثي ﵁: أنه أهدى لرسول اللَّه ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودَّان (٢) فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: ((إنا لم نردُّه إلا أنا حرمٌ)). وفي لفظ للبخاري: ((أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: قال الصعب: فلما عرف ما في وجهي ردَّهُ هديتي، قال: ((ليس بنا ردٌّ عليك ولكنا حرم)). وفي رواية لمسلم: ((أهديت له من لحم حمارِ وحشٍ)) (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: أهدى الصعب بن جثَّامة إلى النبي ﷺ حما روحش وهو محرم فرده عليه، وقال: ((لولا أنا محرمون لقبلناه منك)).
وفي لفظ: ((أهدى الصعب بن جثَّامة رجل حمار وحشٍ)). وفي لفظ: ((عجز حمار وحشٍ يقطر دماً)). وفي لفظ: ((أهدي للنبي ﷺ شقُّ حمارٍ وحشٍ فردَّه)) (٤).
وعن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرم، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه - وكانوا محرمين -: ((أمنكم
стр. 250
أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها)) (١). وفي لفظ: فقال للقوم: ((كلوا)) ومنهم محرمون (٢). وفي لفظ للبخاري: أن النبي ﷺ قال: ((معكم منه شيء؟)) فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها حتى نفَّدها وهو محرم)) (٣)، وفي لفظ للبخاري، قال معنا رجلها، فأخذها النبي ﷺ فأكلها (٤). وفي لفظ للبخاري: ((إنما هي طعمة أطعمكموها اللَّه)) (٥). وفي لفظ لمسلم: ((هو حلال فكلوه)) (٦). وفي لفظ لمسلم: ((هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟)). وفي لفظ للنسائي:
((هل أشرتم، أو أعنتم؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا)) (٧).
وذكر الإمام النووي ﵀ روايات مسلم لحديث الصعب ثم قال: ((وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدى بعض لحم صيد لا كله، واتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المحرم، وقال الشافعي: يحرم عليه تملك الصيد، والهبة، ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد: فَمَنْ صاده، أو صِيد له، فهو
стр. 251
حرام، سواء صيد له بإذنه أو بغير إذنه، فمن صاده حلال لنفسه، ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم، أو باعه لم يحرم عليه، هذا مذهبنا وبه قال مالك، وأحمد، وداود.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه.
وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلاً: سواء صاده أوصاده غيره له، أو لم يقصده فيحرم مطلقاً، حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر، وابن عباس ﵃،لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١). قالوا: المراد بالصيد المصيد؛ ولظاهر حديث الصعب بن جثامة؛ فإن النبي ﷺ ردَّه، وعلل ردَّه بأنه محرم، ولم يقل: لأنك صدته لنا، واحتج الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا؛ فإن النبي ﷺ قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال قال
للمحرمين: ((هو حلال فكلوه)) وفي الرواية الأخرى قال: ((فهل معكم منه شيء؟)) قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول اللَّه ﷺ فأكلها، وفي سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم)) (٢). هكذا الرواية: يصاد
стр. 252
بالألف، وهي جائزة على لغة .... قال أصحابنا: يجب الجمع بين هذه الأحاديث وحديث جابر صريح في الفرق وهو ظاهر في الدلالة للشافعي، وموافقيه، وردٌّ لما قاله أهل المذهبين الآخرين، ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده، وحديث الصعب أنه قصدهم باصطياده، وتحمل الآية الكريمة على الاصطياد، وعلى لحم ما صيد للمحرم؛ للأحاديث المذكورة، المبينة للمراد من الآية.
وأما قولهم في حديث الصعب أنه ﷺ علل بأنَّه محرم فلا يمنع كونه
стр. 253
صيد له؛ لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له، بشرط أنه محرم، فبين الشرط الذي يحرم به)) (١).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقرر: أن صيد البر يحرم على المحرم بأمور: أن يصيده المحرم، أن يكون أمر بصيده، أو أشار به، أو أعان على صيده، أن يكون صيد من أجله (٢)، وقرر أن هذه الأحاديث كلها مدارها على أمرين:
أحدهما: أن يصاد الصيد من أجل المحرم - أي يصيده الحلال من أجل المحرم - أو يساعد المحرم على ذلك، فهذا لا يأكل منه المحرم.
الثاني: إذا صاد الحلال الصيد ولم يقصد به المحرم ، ولم يساعده المحرم: لا بعمل، ولا بإشارة، فهذا يأكل منه المحرم، أما حديث
الصعب بن جثامة، وردّ النبي ﷺ عليه الحمار الوحشي [فـ] حمل على أمرين:
إما أنه أهداه حياً، وإما أنه صاده من أجله، والمحرم لا يأكل ما صيد من أجله، وأما الصيد الحي فلا يقبله المحرم إذا أُهدي إليه، ولا يشتريه، وبهذا يجتمع شمل الأخبار؛ ولهذا أكل الصحابة من الصيد، وحديث جابر ﵁ نص في الباب ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم)) وهو حديث جيد كما قال الشافعي ﵀ (٣). واللَّه تعالى أعلم (٤).
стр. 254
المحظور السابع: عقد النكاح، فلا يتزوج المحرم ، ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة، ولا يخطب، ولا يتقدم إليه أحد يخطب بنته أو أخته أو
غير ذلك؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((لا يَنْكِحُ المحرِمُ، ولا يُنْكِح، ولا يخطب [ولا يُخطب عليه])) (١)(٢).
وعقد النكاح ليس فيه فدية ولكن يفسد النكاح (٣)، وهو مذهب جماهير العلماء، والموافق للنصوص الصحيحة (٤).
стр. 255
المحظور الثامن: الوطء الذي يوجب الغسل ؛ لقول اللَّه تعالى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١). والرفث هو الجماع، فمن حصل له الجماع متعمداً قبل التحلل الأول فسد نسكه، ويجب عليه إتمامه، وعليه بدنة،
ويقضي الحج بعد ذلك، وأما من حصل له الجماع بعد التحلل الأول فإنه لا يبطل حجه، وعليه ذبح شاة، ويأتي التفصيل في ذلك في الفدية (٢).
المحظور التاسع: المباشرة فيما دون الفرج بوطء في غيره ، ولو بتقبيل، أو لمس، أو نظر بشهوة (٣)، لقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ ويدخل في الرفث: المباشرة فيما دون الفرج، كما يدخل فيه الفحش: من القول والفعل، والفسوق: جميع المعاصي، والجدال الممنوع ما كان بالباطل، وهو الجدال الذي يترتب عليه عداوة وبغضاء، وأما الجدال بالتي هي أحسن لإظهار الحق فهو مأمور به، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَجَادِلهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ
стр. 256
أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١).
قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:
أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته .
الثاني: الكلام بذلك ، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا، ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها،
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ (٢). فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته ... والأظهر في معنى الفسوق في الآية: أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة اللَّه تعالى، والفسوق في اللغة الخروج ... والأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة، والمراء: أي لا تخاصم صاحبك، وتماره حتى تغضبه، وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال أي: لم يبق فيه مراء ولا خصومة؛ لأن اللَّه أوضح أحكامه على لسان رسوله ﷺ )) (٣).
стр. 257
المبحث السادس عشر: محظورات الحرمين: مكة والمدينة
أولاً: تحريم صيد الحرم المكي، وشجره، ونباته، وحشيشه إلا الإذخر:
والأصل في تحريم صيد الحرم: النص والإجماع.
أما النص ؛ فلأحاديث كثيرة منها، الأحاديث الآتية:
١ - حديث ابن عباس ﵄ ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة: (( ... إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، لا يُعضد (١) شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط [لقطته] إلا من عرَّفها ولا يُختلى خلاها)) (٢). فقال العباس: يا رسول اللَّه! إلا الإذخر (٣)؛ فإنه [لا بد منه] لقينهم، ولبيوتهم (٤)، [وفي لفظ للبخاري: فإنه لصاغتنا ولقبورنا] [وفي لفظٍ: ولسُقفِ بيوتنا] [فسكت ثم قال] ((إلا الإذخر)) [قال عكرمة: هل
تدري ما ((ينفر صيدها؟)) هو أن تنحِّيه من الظل وتنزل مكانه))] (٥).
стр. 258
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ - قال: لما فتح اللَّه على رسوله مكة قام في الناس فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: ((إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أُحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفّر صيدها، ولا يختلى شوكها (١)، ولاتحلُّ ساقطتها إلا لمنشدٍ (٢)، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُفدَى وإما أن يُقتَل)) فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول اللَّه! فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إلا الإذخر)) فقام أبو شاه: رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((اكتبوا لأبي شاة)) قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله له: اكتبوا لي يا رسول اللَّه؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول اللَّه ﷺ (٣).
وأما الإجماع: فقال الإمام ابن قدامة: ((وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم)) (٤).
وشجر الحرم المكي ونباته طرفان ووسط:
طرف لا يجوز قطعه إجماعاً وهو ما أنبته اللَّه في الحرم من غير تسبب الآدميين إلا الإذخر.
стр. 259
وطرف يجوز قطعه إجماعاً وهو ما زرعه الآدميون من الزروع والبقول والرياحين، ونحوها.
وطرف اختلف فيه وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه (١).
ثانياً: تحريم صيد الحرم المدني النبوي، وشجره على المحرم والحلال إلا علف الدواب؛ للأحاديث الآتية:
١ - حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁ -: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها (٢) بمثل ما دعاه به إبراهيم لأهل مكة)) (٣).
٢ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة: ما بين لابتيها (٤) لا يقطع
عضاهها (٥)، ولا يصاد صيدها)) (٦).
٣ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ - قال: قال النبي ﷺ : ((المدينة حرام
стр. 260
ما بين عَيْرٍ إلى ثورٍ)) (١).
وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((عير جبل جهة الجنوب جهة الميقات، وثور جَبَلٌ ليس بالكبير من جهة الشمال تحت أحد أحمر، وحرم المدينة بين عير إلى ثور، بريد في بريد، وحرمها مثل حرم مكة، إلا أنه جاء استثناء ما يحتاجه أهل المدينة من أخشاب الآبار، والمزارع، والمحال)) (٢).
فظهر أن حرم المدينة ما بين الحرة الشرقية والحرة الغربية، وما بين جبل عير جنوب المدينة وجبل ثور شمال المدينة خلف أحد من جهة الشمال على الصحيح من أقوال أهل العلم.
وقد حقق الحافظ ابن حجر ﵀: أن جبل ثور جبل صغير يميل لونه إلى الحمرة خلف أحد من جهة الشمال (٣).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((حرم النبي ﷺ المدينة، وهي بريد في بريد ١٢ ميلاً، حرمها من عير إلى ثور: جبلان معروفان، وثور
جبل صغير تحت أحد، وأباح العلف في المدينة والإذخر في مكة، ومن وُجِدَ يصيد أو يقطع يُسلب ما معه من سلاح ومتاع، وثياب؛ ولهذا أخذ سعد ﵁ السلب أراد بذلك امتثالاً لأمر النبي ﷺ . والسلب خاص
стр. 261
بالمدينة، أما مكة ففي صيدها الجزاء)) (١).
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((حرم المدينة مسافة بريد في بريد، فهو مربع ما بين عير إلى ثور)) (٢). واللَّه تعالى أعلم (٣).
٤ - حديث علي ﵁ - عن النبي ﷺ قال: (( ... لا يختلى خلاها (٤) ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها (٥) ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره)) (٦)(٧).
стр. 262
المبحث السابع عشر: فدية المحظورات
أولاً: فاعل محظورات الإحرام له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة فهذا آثم وعليه الفدية.
الحالة الثانية: أن يفعل المحظور لحاجته إلى ذلك مثل: أن يحتاج إلى لبس القميص؛ لدفع برد يخاف منه الضرر، فله فعل المحظور وعليه فديته؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁.
الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور وهو معذور: إما جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً، أو نائماً فلا إثم عليه. أما الفدية فمحل خلاف بين أهل العلم والأقرب إن شاءاللَّه تعالى أنه لا شيء عليه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
وفي حديث ابن عباس ﵄: ((نعم)) بدلاً من: ((قد فعلت)) (١).
ولقول النبي ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: ((إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إن اللَّه تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها، ما لم تعمل أو تتكلم، أو استكرهوا عليه)) (٤).
وقال اللَّه تعالى في خصوص الصيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٥). فقيد وجوب الجزاء بكون القاتل، متعمداً، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره
وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمِّداً فلا جزاء عليه ولا إثم، لكن متى زال العذر: فعلم الجاهل، وذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه، فإنه يجب التخلي عن المحظور فوراً، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو
стр. 265
آثم وعليه الفدية (١).
ثانياً: أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية:
محظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ما لا فدية فيه: وهو عقد النكاح .
القسم الثاني: ما فديته مُغلَّظة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول .
القسم الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد .
القسم الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات (٢).
ثالثاً: مقدار الفدية في محظورات الإحرام على النحو الآتي:
١ - الفدية في إزالة الشعر، والظفر (٣)، وتغطية الرجل رأسه، ولبسه
стр. 266
المخيط، ولبس القفازين، وانتقاب المرأة، واستعمال الطيب، الفدية في كل واحد من هذه المحظورات: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم، وإما صيام ثلاثة أيام، يختار ما شاء من هذه الأمور الثلاثة، فإن اختار الشاة فرق جميع اللحم على الفقراء، ولا يأكل منه شيئاً، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١).
وعن كعب بن عُجرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: ((لعلك آذاك هوامُّك؟)) قال: نعم يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة)) وفي رواية
للبخاري عن عبد اللَّه بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عُجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، والقمل يتناثر على وجهي فقال: ((ما كنت أرى الوجع بلغ
стр. 267
بك ما أرى، أو ما كنت أرى الجَهْدَ بلغ بك ما أرى؟ تجد شاة؟)) فقلت: لا، قال: ((فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)). وفي لفظ للبخاري: ((أيؤذيك هوامُّ رأسك)) قلت: نعم، قال: ((فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)). وفي لفظ للبخاري: (( ... أما تجد شاة؟)) قلت: لا، قال: ((صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام)). وفي رواية للبخاري: ((فدعا الحلاق فحلقه ثم أمرني بالفداء)) (١).
وهذا نص في الحلق، أما بقية هذه المحظورات فقاسها أهل العلم على حلق الرأس فجعلوا فيها هذه الفدية؛ لأن ذلك يحرم في حال الإحرام فأشبه حلق الرأس، واللَّه أعلم (٢).
٢ - الوطء الذي يوجب الغسل: فمن جامع في الفرج (٣) قبل التحلل
الأول فسد حجه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا بالجماع (٤). ويجب عليه أن يتمه، ويقضيه بعد
стр. 268
ذلك؛ لأن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عباس ﵃ أفتوا بذلك (١)، وغيرهم من الصحابة ﵃ جميعاً (٢).
وعليه بدنة يفرق لحمها على الفقراء بمكة حرسها اللَّه تعالى (٣)(٤).
فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلاً أتى عبد اللَّه بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبد اللَّه بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك فسله، قال شعيب فلم يعرفه الرجل فذهبت معه، فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما
يصنعون، فإذا أدركت قابلاً فحج واهدِ، فرجع إلى عبد اللَّه بن عمرو وأنا معه، فأخبره فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله، قال شعيب فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد اللَّه بن عمرو، وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟
стр. 269
فقال: قَوْلي مثل ما قالا)) (١). واللَّه تعالى أعلم (٢)(٣).
قال الإمام النووي ﵀: ((إذا وطئ القارن فسد حجُّه وعمرته، ولزمه المضي في فاسدهما، وتلزمه بدنة للوطء، وشاة بسبب القران، فإذا قضى لزمته شاة أخرى، سواء قضى قارناً أو مفرداً؛ لأنه توجَّه عليه القضاء قارناً، فإذا قضى مفرداً لا يسقط عنه دم القران، قال العبدري:
стр. 270
وبهذا كلِّه قال مالك وأحمد)) (١).
أما من حصل له الجماع بعد التحلل الأول؛ فإنه لا يبطل حجه وعليه ذبح شاة يفرق لحمها على مساكين الحرم، والمرأة مثل الرجل في الفدية إذا كانت مطاوعة (٢).
وقيل عليه مع ذلك - إذا كان الباقي من أعمال التحلل الثاني هو طواف الإفاضة - أن يخرج إلى أدنى الحل خارج الحرم ويحرم منه ويطوف طواف الإفاضة ويسعى بعده وهو محرم (٣) والأصل في ذلك ما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي)) (٤)(٥)، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦).
стр. 271
٣ - جزاء الصيد: إن كان للصيد مثل خُيِّر (١) بين ثلاثة أشياء:
стр. 272
"
إما ذبح المثل وتوزيع جميع لحمه على فقراء مكة ، لقول اللَّه تعالى:
﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١).
" وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرَّق على
المساكين لكل مسكين نصف صاع؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (٢).
" وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً ؛ لقوله تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣).
" فإن لم يكن للصيد مثل خُيِّر بين شيئين:
стр. 273
" إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول ويخرج ما يقابلها طعاماً ويفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع.
وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً (١)، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾ (٢)(٣).
стр. 274
ومن الصيد الذي له مثل من النعم: الضبع؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الضَّبُع؟ قال: ((هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم)) (١).
وقضى عمر بن الخطاب ﵁ ((في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة)) (٢). والجفرة من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفُطِمَت وفُصلت عن أمها ورعت (٣).
وقضى ابن عباس ﵄ في حمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة (٤)، وقال الإمام مالك: ((لم أزل أسمع أن في النعامة إذا قتلها
المحرم بدنة)) (٥) وغير ذلك مما له مثل (٦).
стр. 275
٤ - المباشرة بشهوة فيما دون الفرج: كالقبلة بشهوة، والمفاخذة،
والمس بشهوة ونحو ذلك سواء أنزل أو لم ينزل. من وقع منه ذلك فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام، وحجه صحيح لكن
عليه أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه، وقال بعض العلماء المحققين: ويجبر ذلك بذبح رأس من الغنم يجزئ في الأضحية يُوزِّعه على فقراء
الحرم المكي (١)،وإن أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صام ثلاثة أيام أجزأه ذلك إن شاءاللَّه تعالى، ولكن الأحوط أن يذبح شاة كما
стр. 276
تقدم. واللَّه أعلم (١)(٢).
رابعاً: من كرر محظوراً من جنس واحد ولم يفدِ فدى مرة بخلاف صيد:
فإذا قلم أظفاره مرتين أو أكثر، أو حلق رأسه مرتين أو أكثر، أو لَبِس مخيطاً مرتين أو أكثر، أو باشر مرتين أو أكثر، وهو من جنس واحد فإن عليه فدية واحدة إذا لم يفدِ، قياساً على تعدد الأحداث من جنس واحد فيكفيه
وضوء واحد، أما إذا فدى عن الأولى فإنه يفدي عن الثاني؛ لأن الأول انتهى وبرئت ذمته منه بفديته، فيكون الثاني تجديداً بخلاف الصيد، فإن الفدية تتعدد بتعدده ولو برمية واحدة (٣). والعلم عند اللَّه تعالى.
خامساً: من فعل محظوراً من أجناس فدى لكل مرة رفض إحرامه أو لا .
فإذا لبس القميص، وتطيب، وحلق، وقلم أظفاره، وغَطَّى رأسه،
стр. 277
فهذه خمسة أجناس فعليه خمس فدى، سواء فعل المحظور بعد أن رفض الإحرام ونوى الخروج أم لا؛ لأن بعض العلماء يرى أنه إذا رفض إحرامه ارتفض وحل، والصواب أنه يبقى على إحرامه ولو رفضه؛ لأنه لا يمكن الخروج من النسك إلا بواحد من ثلاثة أمور هي: إتمام النسك، التحلل إن اشترط، الحصر بشروطه (١).
واختار شيخنا ابن باز ﵀: أن من فعل محظوراً من أجناس وهو يعلم الحكم الشرعي، وأنه لا يجوز له ذلك بعد الدخول في الإحرام؛ فإن عليه الفدية لكل محظور كفارة مستقلة: وهي إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف الصاع، من قوت البلد، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام: عن لبس المخيط، ومثل ذلك عن تغطية الرأس، ومثل ذلك عن الطيب، ومثل ذلك عن قلم الأظفار، ومثل ذلك عن حلق الشعر، أما إذا كان
جاهلاً فليس عليه شيء (٢). والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 278
المبحث الثامن عشر: الإحصار عن البيت الحرام
أولاً: مفهوم الإحصار لغة واصطلاحاً:
الإحصار لغة: قال ابن فارس ﵀: ((الحاء والصاد والراء، وهو الجمع والحبس، والمنع)) (١).
والحصر: كالضرب والنصر: التضييق والحبس عن السفر وغيره (٢)(٣).
стр. 279
والإحصار شرعاً: المنع من المضي إلى بيت اللَّه الحرام (١).
وقيل: المنع عن إتمام الحج والعمرة، أوهما، لا الواجبات (٢).
ثانياً: من أحرم بحج أو عمرة ثم مُنِعَ من الوصول إلى البيت بحصر عدوّ، أو بمرضٍ، أو ضياع نفقة، أو كسر، أو حادث، ولم يستطع أن يذهب من طريق آخر، فعليه أن يبقى على إحرامه إذا كان يرجو زوال هذا الحابس أو المانع قريباً، كأن يكون المانع سيلاً، أو عدوّاً يمكن التفاوض معه في الدخول وأداء الطواف والسعي، وبقية المناسك ولا يعجل في التحلل؛ لأن النبي ﷺ في غزوة الحديبية لم يعجل، بل مكث هو وأصحابه للمفاوضات مع أهل مكة مدة يوم الحديبية لعلهم يسمحون لهم بالدخول؛ لأداء العمرة بدون قتال، فلمَّا لم يتيسر ذلك وصمَّموا على المنع إلا بالحرب، وفرغ رسول اللَّه من قضية الكتاب قال لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا ... )) قال الراوي: ((فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه، ودعا
حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلقوا
стр. 280
بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمًّا ... )) (١).
وكان تأخر الصحابة ﵃ عن النحر والحلق رغبة في أداء العمرة، وغيظاً على الكفار، ويرجون أن ينزل اللَّه الوحي على رسوله ﷺ فيغيِّر ما صمَّم عليه من المعاهدة، وليس ذلك بمعصية منهم ﵃، فلما رأوا رسول اللَّه ﷺ نحر ثم حلق أيقنوا أنه لا عمرة، ولا قتال، فنحروا ثم حلقوا.
وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحلّ قبل ذبحه، ثم يحلق، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن لزمه شراؤه إن أمكنه، وله نحره في موضع حصره (٢).
وبيَّن شيخنا ابن باز ﵀: أن المحصر يذبح هديه في المكان الذي أُحْصِرَ فيه، ولو خارج الحرم، ويُعطى للفقراء (٣).
وكذلك إذا كان المانع من إكمال الحج أو العمرة: مرض، أو حادث، أو ضياع نفقة، فإنه إذا أمكنه الصبر لعله يزول المانع، أو أثر الحادث، ثم يكمل صبر، وإن لم يتمكن من ذلك فهو محصر على الصحيح، يذبح، ثم
يحلق، أو يقصر، ويتحلل (٤)، كما قال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهُ
стр. 281
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١).
وعن عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: قال
رسول اللَّه ﷺ : ((من كُسِرَ أو عَرِجَ فقد حلَّ وعليه الحجّ من قابل)).
قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صدق.
وعن الحجاج بن عمرو عن النبي ﷺ قال: ((من كُسِرَ أو عَرِجَ، أو
стр. 282
مرض ... )) (١).
لكن إذا كان المحصر قد قال عند إحرامه: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) (٢). حل من إحرامه ولم يكن عليه هدي، ولا قضاء (٣).
وهل يجب على المحصر إذا حلَّ من إحرامه، ولم يكن قد اشترط القضاء أم لا يجب عليه؟ الراجح أنه لا يجب عليه القضاء، إلا إذا كانت حجة الإسلام أو عمرته، فيؤدي الفرض بعد ذلك (٤)(٥).
стр. 283
المبحث التاسع عشر: ما يباح للمحرم
١ - يجوز للمحرم وغير المحرم أن يقتل الفواسق المؤذية في الحلِّ والحرم ، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ((خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور)) (١).
وفي لفظٍ لمسلم: ((خمسٌ فواسقٌ يقتلن في الحلِّ والحرم: الحيَّة، والغراب الأبقع (٢)، والفأرة، والكلب العقور، والحديَّا)) (٣)(٤).
وعن الأسود عن عبد اللَّه ﵁ قال: بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ في غارٍ بمنى إذ نزل عليه ﴿وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا﴾ وإنه ليتلوها، وإني لأتلقَّاها من فيه، وإن فاه لرطبٌ بها إذ وثبت علينا حيَّةٌ فقال النبي ﷺ : ((اقتلوها)) فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ : ((وُقيت شرَّكم كما وقيتم شرها)) (٥). قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السَّبُع إذا بدأ المحرم فقتله، لا شيء عليه (٦).
стр. 284
وقال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والفهد، والذئب، فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم، أو في أموالهم، مثل سباع البهائم كلّها المحرّمُ أكلها، وجوارح الطير: كالبازي، والصقر، والعقاب، والشاهين، ونحوها والحشرات المؤذية، والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث، والذباب، وقد نص الخبر من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيهٌ على البازي المؤذي ونحوه، وعلى الفارة تنبيهٌ على الحشرات المؤذية، وعلى العقرب تنبيهٌ على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيهٌ على السباع المؤذية التي هي أعلا منه ... وهذا إذا اعتدت عليه هذه الأشياء، أما إذا لم تعتدِ عليه فلا يتعرض لها (١).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ عند تقريره على حديث عائشة
﵂ في قتل الفواسق يقول: ((قتل هذه الأشياء لعلَّة أذاها فيقتلها المحرم في الحل والحرم، وكذلك الحلال، وليست هذه الخمسة للحصر فيدخل فيها الوزغ، والحية، وكل ما يؤذي من الفواسق)) (٢).
٢ - إذا لم يجد المحرم إزاراً جاز له لبس السراويل ، وإذا لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين (٣).
والصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين، ولا يفتق السراويل
стр. 285
إذا لم يجد الإزار؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك في عرفات (١).
٣ - لا حرج على المحرم في لبس الخفاف التي ساقها أسفل من الكعبين ؛ لكونها من جنس النعلين.
٤ - لا حرج على المحرم أن يغتسل للتبرد، ويغسل رأسه ويحكّه برفق وسهولة إذا احتاج إلى ذلك؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، أنه استتر بثوب وهو يغتسل بين قرني البير، فوضع يده على الثوب فطأطأه حتى بدا رأسه، ثم قال لإنسان يصبّ عليه: اصبب، فصبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، وقال: ((هكذا رأيته ﷺ يفعل)) (٢).
وقال ابن عباس ﵄: يدخل المحرم الحمام، ولم يرَ ابن عمر وعائشة بالحكِّ بأساً (٣).
٥ - للمحرم أن يغسل ثيابه ، التي أحرم فيها من وسخ ونحوه، ويجوز له إبدالها بغيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لبسه.
٦ - لا بأس بوضع النظارة الشمسية أو الطبيَّة على العينين.
٧ - لا بأس بربط الساعة على المعصم أو لبسها .
٨ - لا بأس بالحجامة إذا احتاج إليها المحرم؛ لأن النبي ﷺ ((احتجم