← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: رأس الأصبع، وإذا كان وقت الحج قريباً، وكانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي ﷺ لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصِّر ويحلَّ، ولم يأمرهم بالحلق، ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة. فإذا فعل المحرم ما ذُكِرَ فقد تمت عمرته وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام،، إلا أن يكون قارناً أو مفرداً قد ساق الهدي من الحلِّ؛ فإنه يبقى على إحرامه حتى يحلّ من الحجِّ والعمرةِ جميعاً بعد التحلل الأول يوم النحر. فإذا لم يكن مع القارن أو المفرد هدي فالأفضل في حقه أن يجعلها عمرة، ويفعل ما يفعله المتمتع، ويكون بهذا متمتعاً عليه ما على المتمتع. وإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة قبل أن تطوف بالبيت ولم تطهر حتى يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه، وتعتبر بذلك قارنة بين الحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل، فإذا طهرت طافت بالبيت وبين الصفا والمروة طوافاً واحداً، وسعيا واحداً، وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعاً.

стр. 527

خامساً: أعمال الحج اليوم الثامن ٣٢ - ١ - إذا كان يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة استحب للذين أحلوا بعد العمرة ، وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج ضُحىً من مساكنهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، أما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول. ٣٣ - ٢ - يستحب الاغتسال، والتنظف، والتطيب ، وأن يفعل ما فعل عند إحرامه من الميقات. ٣٤ - ٣ - ينوي الحج بقلبه ويلبي قائلاً: ((لبيك حجاً)) ، وإن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)). وإذا كان حاجاً عن غيره نوى بقلبه ثم قال: لبيك حجاً عن فلانٍ، أو عن فلانة، أو عن أم فلان إن كانت أنثى، ثم يستمر في التلبية: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك)). وإن زاد: ((لبيك إله الحق لبيك))؛فحسن لثبوت ذلك عن النبي ﷺ . ٣٥ - ٤ - يستحب التوجه إلى منى قبل الزوال والإكثار من التلبية . ٣٦ - ٥ - يُصلِّي بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصراً بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران. ٣٧ - ٦ - يستحب للحاج أن يبيت بمنى ليلة عرفة؛ لفعله ﷺ -، فإذا صلَّى الفجر مكث حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت سار من منى إلى

стр. 528

عرفات ملبياً. سادساً: صفة الوقوف بعرفة ٣٨ - ١ - إذا وصل الحاج إلى عرفة استحب له أن ينزل بنمرة إلى الزوال إن تيسر له ذلك؛ لفعله ﷺ ، وإن لم يتيسر النزول بها فلا حرج عليه أن ينزل بعرفة. ٣٩ - ٢ - إذا زالت الشمس سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة يُبيِّنُ فيها ما يُشرع للحاج في هذا اليوم وما بعده ، ويأمرهم فيها بتقوى اللَّه وتوحيده، والإخلاص له في كل الأعمال، ويُحذِّرهم من محارمه تعالى، ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ ، والحكم بهما والتحاكم إليهما في كل الأمور، اقتداءً بالنبي ﷺ في ذلك كلِّه، وبعد الخطبة يصلون الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين، لفعله ﷺ . ٤٠ - ٣ - من لم يُصلِّ مع الإمام صلَّى مع جماعة أخرى إذا زالت الشمس جمعاً وقصراً في وقت الأولى كما تقدم. ٤١ - ٤ - ثم ينزل إلى الموقف بعرفة إن لم يكن بها ، وعليه أن يتأكد من حدودها ثم يكون داخلها، والأفضل أن يجعل جبل الرحمة بينه وبين القبلة إن تيسر له ذلك، فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة، وإن لم يستقبل الجبل؛ لأن النبي ﷺ قال: ((وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة)). ٤٢ - ٥ - يستحب في هذا الموقف العظيم أن يجتهد الحاج في ذكر اللَّه

стр. 529

تعالى، ودعائه، والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء اقتداءً بنبيه ﷺ ، فإنه وقف بعد الزوال رافعاً يديه مجتهداً في الدعاء، قال أسامة ﵁: ((كنت رديف النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى))، ((ولم يزل واقفاً يدعو حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً))، وقد حث أمته على الدعاء ورغب فيه، فينبغي للحاج أن لا يفوِّت هذه الفرصة العظيمة، ومن الأفضل أن يكون مفطراً اقتداءً بالنبي ﷺ . ٤٣ - ٦ - فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها انصرف الحجاج إلى مزدلفة بسكينةٍ، ووقار، وأكثروا من التلبية، وأسرعوا في المتسع؛ لفعل النبي ﷺ ، وقوله. ٤٤ - ٧ - ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر من يوم النحر . ٤٥ - ٨ - إذا طلع الفجر من يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة ، فقد فاته الحج، فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه فقال: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، ولكن الأفضل له أن يتحلَّل بعمرة، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلَّل بعمرة، فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وإذا كان معه هدي ذبحه، ويحج عاماً قابلاً ويهدي. سابعاً: صفة المبيت بمزدلفة ٤٦ - ١ - إذا وصل الحاج مزدلفة صلى بها المغرب ثلاث ركعات ،

стр. 530

والعشاء ركعتين، جمعاً بأذانٍ واحدٍ وإقامتين من حين وصوله؛ لفعل النبي ﷺ ؛ سواء وصل الحاج إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء. ٤٧ - ٢ - يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة، ويحرص أن ينام مبكراً؛ ليكون نشيطاً لأداء مناسك الحج يوم النحر. ٤٨ - ٣ - يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل ومغيب القمر. ٤٩ - ٤ - إذا تبيَّن الفجر الثاني صلَّى الفجر مبكراً، ثم يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة ، ويدعو اللَّه، ويكبِّرُه، ويهلِّلُه، ويوحِّده، ويكثر من الدعاء ويرفع يديه، ويستحب له أن يستمر على ذلك حتى يسفر جداً، وحيثما وقف من مزدلفة أجزأه ذلك. ٥٠ - ٥ - إذا أسفر جداً دفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس ، والسنة أن يلتقط هذا اليوم سبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر أن يُلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر الحرام إلى منى، أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث. ٥١ - ٦ - يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى فإذا وصل إلى محسِّر استحب له الإسراع قليلاً إن استطاع ذلك بدون أذىً لأحدٍ؛ لفعله ﷺ . ثامناً: أعمال الحج يوم النحر إذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يرتب هذه الأعمال الأربعة:

стр. 531

٥٢ - ١ - يقطع التلبية عند جمرة العقبة، ويستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره ، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة. ٥٣ - ٢ - إذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة نحر هديه أو ذبحه ، وهو شاة، أو سُبُعُ بدنة، أو سُبُعُ بقرة، وهو واجب على المتمتع والقارن، ويستحب أن يقول عند ذبحه أو نحره: ((بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّهم منك ولك [اللَّهم تقبل مني]، ويسن ذبح الغنم والبقر على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة، ونحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، ويستحب أن يأكل من هديه، ويهدي ويتصدق؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، ويمتد وقت الذبح على الصحيح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، ويجوز له أن يذبح في منى، وهو الأفضل أو في مكة. ٥٤ - ٣ - إذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصره ، والحلق أفضل للرجل؛ لأن النبي ﷺ دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات، وللمقصرين مرة واحدة، أما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل، وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ويُسمَّى هذا التحلل الأول. فإذا تحلل التحلل الأول: استحب له أن يتطيب؛ لحديث عائشة رضي

стр. 532

اللَّه عنها، ويستحب له أن يتنظف ويلبس أحسن ثيابه. ٥٥ - ٤ - يتوجه الحاج بعد الأعمال السابقة إلى مكة؛ ليطوف بالبيت . ويُسمَّى هذا الطواف: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج وهو المراد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ويكون طوافه كالطواف الذي ذُكِرَ سابقاً تماماً، لكن ليس فيه رمل ولا اضطباع. ثم يُصلِّي ركعتين خلف المقام، ويستحب أن يشرب من زمزم؛ لفعله ﷺ . ثم بعد الطواف وصلاة ركعتين يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً؛ لأن سعيه الأول لعمرته وهذا سعي الحج. أما القارن والمفرد فليس عليه إلا سعي واحد؛ فإن كان قد سعاه بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة، وإلا سعى بعد طواف الإفاضة. والأعمال التي يحصل بها التحلل الثاني ثلاثة: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن كان عليه سعي، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل شيءٍ حرم عليه بالإحرام حتى النساء. والأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة المتقدمة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر أو الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت والسعي بعده لمن كان عليه سعي. فإن قدم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج وأجزأه ذلك.

стр. 533

تاسعاً: أعمال الحج أيام التشريق ٥٦ - ١ - يرجع الحاج بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي إلى منى ، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة والرعاة، ونحوهم فلا يجب عليهم. ٥٧ - ٢ - يرمي الجمرات الثلاث في اليومين بعد زوال الشمس وهذا الرمي واجب من واجبات الحج، ولا يجوز الرمي قبل الزوال، ويجب الترتيب في رمي الجمار على النحو الآتي: أ - يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف ، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده بالرمي مع كل حصاة، ويكبر على إثر كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجزِ، ثم يتقدم حتى يسهل في مكان لا يصيبه الحصى فيه ولا يؤذي الناس، فيستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلاً. ب - يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة ، ثم يأخذ ذات الشمال ويتقدم حتى يسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً يدعو ويرفع يديه. ج - ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة ، ثم ينصرف ولا يقف عندها ولا يدعو. ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في الأول تماماً، ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق.

стр. 534

٥٨ - ٣ - إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله ، وهو مخير في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر، وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة، والأفضل أن يقدم صيام الأيام الثلاثة عن يوم عرفة، ليكون يوم عرفة مفطراً؛ لأن النبي ﷺ وقف يوم عرفة مفطراً. ٥٩ - ٤ - من عجز عن الرمي كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل ونحوهم ، جاز أن يوكل من يرمي عنه. أما الأقوياء: من الرجال، والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي، ويجوز للوكيل أن يرمي عن نفسه ثم عن من وكَّله كل جمرة من الجمار الثلاث في موقف واحد، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات عن نفسه ثم بسبعٍ عن من وكَّله، وهكذا الثانية والثالثة. وهكذا الصبي يجوز أن يرمي عنه وليه على التفصيل السابق. ٦٠ - ٥ - الأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن تُرْمَى قبل الغروب ، وكذلك جمرة العقبة من رماها قبل غروب يوم النحر فقد رماها في وقت لها، وإن كان أفضل أن تُرمى ضحى لغير الضعفة. أما الرمي ليلاً فقد أجازه بعض أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ وقَّت ابتداء الرمي بعد الزوال في أيام التشريق، ولم يوقِّت انتهاءه، وكذلك جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر للأقوياء، فالأحوط أن يرمي قبل الغروب حتى يخرج من الخلاف؛ ولكن لو اضطر إلى ذلك ودعت الحاجة إليه فلا بأس أن يرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل.

стр. 535

٦١ - ٦ - من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى ، فإنه يلزمه التأخر ويبيت في منى ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، ولكن تأخر بسبب زحام السيارات فلا يلزمه التأخر. ٦٢ - ٧ - بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال ، إن شاء الحاج تعجَّل وطاف طواف الوداع، ثم ذهب إلى بلاده، وإن شاء تأخَّر فبات بمنى ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار بعد الزوال في اليوم الثالث عشر وهذا الأفضل. عاشراً: طواف الوداع ٦٣ - إذا أراد الحاج الخروج من مكة فلا يخرج حتى يطوف طواف الوداع ، إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض، فالحائض ليس عليها وداع وكذلك النفساء. فيطوف سبعة أشواط بالبيت ثم يُصلِّي ركعتين خلف مقام إبراهيم ﵊، ثم يخرج من المسجد الحرام ويقول دعاء الخروج من المسجد كما تقدم ثم يذهب إلى بلاده.

стр. 536

المبحث السابع والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة العمرة أولاً: أعمال المعتمر عند الميقات إذا وصل المعتمر إلى الميقات شرع له أن يعمل الآتي: ١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه، ويحلق عانته . ٢ - أن يتجرد من ثيابه، ويُستحبّ له أن يغتسل؛ لفعل النبي ﷺ -. ٣ - يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته ، ولا يضره بقاء الطيب بعد الإحرام؛ لحديث عائشة ﵂. ٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار ، ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين، ويحرم في نعلين. أما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من الثياب المباحة لها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم، إلا أنها لا تلبس البرقع، والنقاب، ولا القفازين. ٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة - غير الحائض والنفساء - إن كان في وقت فريضة، فإن لم يكن وقت فريضة صلَّى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء. ٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في نسك العمرة ويقول: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة، وإن كان معتمراً عن غيره - وكيلاً - نوى ذلك بقلبه، ثم قال: لبيك عن فلان، وإن كانت أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو بنت فلان، أو فلانة، والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة، أو غيرهما اقتداءً بالنبي ﷺ . ٧ - وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يعوقه عن إتمام نسكه

стр. 537

شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرامه بالنسك: (( .. فإن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني))، فمتى اشترط المحرم ذلك عند إحرامه، ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه، فإن له التحلل ولا شيء عليه. ٨ - وإن كان مع من يريد العمرة أطفال أو صبيان ، وأراد أن يحرموا بالعمرة رغبةً في الثواب له ولهم، فإن كان الصبي مميزاً أحرم بإذن وليِّه، وفعل عند الإحرام ما يفعله الكبير مما تقدم ذكره، وإن كان الصبي أو الجارية دون التمييز نوى عنهما وليهما الإحرام، ولبَّى عنهما، ويمنعهما مما يمنع منه الكبير من محظورات الإحرام، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف. وكذلك يؤمر المميز والجارية المميزة بالطهارة قبل الشروع في الطواف. ٩ - يجتنب المحرم بالعمرة محظورات الإحرام التسعة التي تقدم ذكرها . ثانياً: صفة دخول مكة إذا وصل المعتمر إلى مكة استحب له ما يأتي: ١٠ - ١ - يستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف . ١١ - ٢ - يستحب له إن تيسر أن يغتسل ؛ لأن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم بمكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل ويَذْكُرُ ذلك عن النبي ﷺ . ١٢ - ٣ - يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها ؛ لحديث عائشة ﵂. ١٣ - ٤ - فإذا وصل إلى المسجد الحرام ، فالأفضل له أن يقدم رجله

стр. 538

اليمنى ويقول: ((أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)) [بسم اللَّه والصلاة] [والسلام على رسول اللَّه]، اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك))، وإذا خرج من المسجد قال: ((بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، اللَّهم إني أسألك من فضلك))، [اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم]، وهذا الذكر يُقال عند الدخول لسائر المساجد، وكذلك دعاء الخروج، وليس خاصاً بالمسجد الحرام، ومن لم يفعل هذه السنن الأربع فلا حرج عليه بحمد اللَّه تعالى. ١٤ - ٥ - من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد ، فلا بد له من الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر. ١٥ - ٦ - تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف ، أما من لم يرد الطواف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين. ١٦ - ٧ - الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض . ثالثاً: صفة الطواف بالبيت فإذا وصل المعتمر إلى الكعبة عمل كالآتي: ١٧ - ١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف ، ثم يقصد الحجر الأسود ويستقبله، ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك، ويقول عند استلامه: ((اللَّه أكبر))، ولو قال: ((بسم اللَّه واللَّه أكبر)) فحسن. ١٨ - ٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره . ١٩ - ٣ - يرمل الرجل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه . والرمل: هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطَى، وهو الخَبَبُ،

стр. 539

ويمشي في الأربعة الباقية، يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به. ٢٠ - ٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره ، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر. ٢١ - ٥ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه ، وإن قال إذا مسحه: ((بسم اللَّه واللَّه أكبر)) فحسن، ولا يُقبِّله؛ فإن شق عليه مَسْحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشِيرُ إليه، ولا يكبِّر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه. ٢٢ - ٦ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ٢٣ - ٧ - كُلَّمَا مَرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبله ، وقال: ((اللَّه أكبر))، فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه مرة واحدة بيده اليمنى، وكبِّر مرة واحدة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئاً من القرآن، ولا يؤذي الطائفين، وليس في الطواف أدعية محددة، ومن خصص لكل شوط من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له، ولا يطوف من داخل الحِجْر؛ لأنه من البيت، فلا بد أن يكون الطواف من ورائه. ٢٤ - ٨ - فإذا كَمَّل سبعة أشواط، وفرغ منها سوَّى رداءه ، فوضعه على كتفيه، وتقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ثم يُصلِّي ركعتين خلف المقام إن تيسّر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه، وإن لم يتيسَّر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس ولا يُصلِّي في طريقهم، ويستحب

стр. 540

له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ٢٥ - ٩ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها، ويصب على رأسه؛ لفعله ﷺ -. ٢٦ - ١٠ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر . رابعاً: صفة السعي بين الصفا والمروة ٢٧ - ١ - ثم يخرج إلى المسعى ويتجه إلى الصفا ، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾، أبدأ بما بدأ اللَّه به. ٢٨ - ٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت ، فيستقبل القبلة فيوحِّد اللَّه ويكبِّره [ويحمده]، ويقول: ((اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر))، [لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت]، وهو على كل شيء قدير، لا إلا اللَّه وحده [لا شريك له]، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده))، ويرفع يديه بما تيسر من الدعاء، ويكرِّر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات، يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة. ٢٩ - ٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة ، فيمشي حتى يَصِلَ إلى العلم الأخضر الأول، فيسعى الرجل سعياً شديداً إن تيسر له الركض، ولا يؤذي أحداً، فإذا وصل إلى العلم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويدعو، ويرفع يديه في دعائه، ويقول ويفعل كما قال وفعل على الصفا. ٣٠ - ٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا ، فإذا وصل العلم الأول سعى بينه وبين الثاني سعياً شديداً، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن

стр. 541

يصل إلى الصفا، فإذا وصل قال وفعل كما قال وفعل أول مرة، وهكذا على المروة حتى يكمل سبعة أشواط: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكرٍ ودعاءٍ، ويكثر من ذلك، وإن دعا في السعي في بطن الوادي بين الميلين الأخضرين بقوله: ((رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم))، فلا بأس؛ لثبوت ذلك عن ابن عمر وعبد اللَّه بن مسعود ﵃. ويستحب أن يكون متطهراً من الأحداث والأخباث، ولو سعى على غير طهارةٍ أجزأه ذلك، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في السعي، وإنما هي مستحبة. ٣١ - ٥ - فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئاً بالصفا ، خاتماً بالمروة حلق رأسه إن كان رجلاً، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: رأس الأصبع، وإذا كان وقت الحج قريباً، أو كانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي ﷺ لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصر ويحل، ولم يأمرهم بالحلق، ولا بد في التقصير من تعميم الرأس، ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة. فإذا فعل المُحْرِمُ ما ذُكِرَ فقد تمت عمرته، وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام.

стр. 542

خامساً: مسائل في العمرة: المسألة الأولى: من كرر العمرة في أشهر الحج لا يلزمه إلا هدي واحد ، قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم: أن من اعتمر في أشهر الحج، وأحلَّ من عمرته، وهو يريد التمتُّع، ثم كرَّر العمرة في أشهر الحج: لا يلزمه إلا هدي تمتعٍ واحدٍ، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك، والعلم عند اللَّه تعالى)) (١). المسألة الثانية: من أحرم بعمرة في أشهر الحج فله أن يدخل عليها الحج فيكون قارناً ، قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم: أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، فيكون قارناً، وعليه دم القران، ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وإن افتتح الطواف: ففي جواز إدخاله عليها حينئذٍ، خلاف بين أهل العلم ... ))، ((فجوّزه مالك، ومنعه عطاء، والشافعي، وأبو ثور)) (٢). واختلفوا أيضاً في إدخال العمرة على الحج، فيكون قارناً، وعليه دم القران، وقد نُقِلَ عن الشافعية والمالكية جوازه، قال النووي في شرح المهذب: ((واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال أصحابنا: يجوز، ويصير قارناً وعليه دم القران، وهو قول قديم للشافعي، ومنعه الشافعي في مصر، ونُقِل منعه عن أكثر من لقيه)) (٣).

стр. 543

قلت: يحتاج جواز إدخال العمرة على الحج، فيكون قارناً إلى دليل صحيح صريح، ولكن المشروع إذا طاف بالبيت وسعى: أن يتحلَّل ويجعلها عمرة، فيكون متمتعاً إذا حجّ من عامة. المسألة الثالثة: إذا ساق المعتمر الهدي، وهو يريد الحج من عامه: قال العلامة الشنقيطي ﵀ (١): ((إذا فرغ المتمتع من عمرته، وكان لم يسق هدياً، فإنَّ له التحلل التامّ، فله مسّ الطيب، والاستمتاع بالنساء، وكل شيء حرم عليه بإحرامه، فإن كان ساق الهدي ففيه للعلماء قولان: أحدهما: أن له التحلل أيضاً ؛ لأن اللَّه يقول في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢)، ولا يمنعه سوق الهدي من ذلك؛ لأنه متمتع. والقول الثاني: أنه لا يجوز له الإحلال حتى يبلغ الهدي محلَّه يوم النحر ، واستدلَّ من قال بهذا بحديث: حفصة ﵂ ... أنها قالت للنبي ﷺ : ((ما شأنُ النَّاس حَلُّوا بعمرةٍ، ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك؟ فقال: ((إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر)) (٣)، وكلا القولين قال به جماعة من الأئمة ﵃ ... )). ثم قال الشنقيطي ﵀: ((أظهر القولين عندي: أنَّ له أن يحلَّ من إحرامه، ولكنَّه يؤخِّر ذبح هدي تمتّعه، حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، كما قدمنا إيضاحه، والاحتجاج بحديث حفصة المذكور لا

стр. 544

ينهض كلّ النهوض؛ لأن النَّبي ﷺ كان قارناً، فحديثها ليس في محلّ النزاع؛ لأن النزاع فيمن أحرم بعمرة يريد التحلل منها، والإحرام بالحج بعد ذلك، هل يمنعه سوق الهدي من التحلل؟ وحديث حفصة في القران، والقران ليس محل نزاع، وقولها: ولم تحلل أنت من عمرتك؟ تعني: عمرته المقرونة مع الحج، لا عمرة مفردة بإحرام، دون الحج كما هو معلوم ... ومما يوضحه أنه ﷺ قال: ((لو أنِّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة)) (١)، فدل على أنه لم يجعلها عمرة مفردة الذي هو محل النزاع؛ لأن ظاهره أنها لو كانت مفردة لكان له الإحلال منها مطلقاً، ولا حجة في قوله ﷺ : ((لم أسق الهدي))؛ لأنه ساقه لقران لا لعمرة مفردة عن الحج ... وقول من قال: إن سوق الهدي في عمرته يمنعه من الإحلال منها، حتى ينحر يوم النحر له وجه قويٌّ من النظر؛ لدخوله في ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢). وهذا المعتمر المتمتع الذي ساق معه هدي التمتع إن حلَّ من عمرته حلق قبل أن يبلغ هديه محِلَّه، والعلم عند اللَّه تعالى)) (٣).

стр. 545

المسألة الرابعة: حكم تكرار العمرة: العبادات توقيفية، لا يجوز لأحد أن يتقرَّب لله تعالى بعمل لم يشرعه اللَّه ، ولا رسوله ﷺ ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) (١). فهل تكرار العمرة مشروع؟ وهل حدَّد النبي ﷺ زمناً بين العمرتين؟ والجواب ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ)) (٢). وعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : ((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِـ وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ)) (٣). قال شيخنا ابن باز ﵀: ((لا نعلم أقلَّ حدٍّ بين العمرة والعمرة، أما من كان من أهل مكة، فالأفضل له الاشتغال بالطواف، والصلاة، وسائر القربات، وعدم الخروج خارج الحرم؛ لأداء العمرة إن كان قد أدَّى عمرة الإسلام)) (٤). وقد أجاب شيخنا ﵀ من سأله عن تكرار العمرة في رمضان طلباً للأجر المرتب على ذلك، فقال: ((لا حرج في ذلك؛ [لأنّ] النبي ﷺ قال: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ

стр. 546

إِلاَّ الْجَنَّةُ)) متفق عليه (١): فإذا اعتمر ثلاث أو أربع مرات فلا حرج في ذلك، فقد اعتمرت عائشة ﵂ في عهد النبي ﷺ في حجة الوداع عمرتين، في أقلّ من عشرين يوماً)) (٢) (٣).

стр. 547

المسألة الخامسة: عدد عُمَر النبي ﷺ -: اعتمر النبي ﷺ أربع عمر، فعن قتادة، قال: ((سألت أنساً ﵁: كم اعتمر النبيُّ ﷺ ؟ قال: [اعتمر] أربع [عُمَرٍ]، كلُّهُنَّ في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجَّته] عمرةً [من] الحديبية في ذي القعدة، حيث صدَّه المشركون، وعمرة في العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنيمة [وفي رواية: غنائم حنين] [وعمرةً مع حجته] قلت: كم حج؟ قال: واحدة)) (١)، ولفظ مسلم: ((اعَتَمَرَ أربع عُمَرَ، كُلُّهن في ذي القعدة، إلا التي مع حَجَّته: عمرة من الْحُدَيبية، أو زَمنَ الحديبية في ذي القَعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القَعدة، وعمرة من جِعْرَانةَ، حيث قَسمَ غَنَائِمَ حُنينٍ في ذي القَعدة، وعمرة مع حَجَّته)) (٢).

стр. 548

المسألة السادسة: هل اعتمر النبي ﷺ في رجب ؟ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ((دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ ﵄ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ))،الحديث، وفيه: (( ... ثُمّ قَالَ لَهُ: كَمْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعٌ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ (١) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟، قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّه أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ شَاهِد، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذا كله يدل على أن عائشة ﵂، وأنساً، وجماعة لم يعلموا أنه ﷺ اعتمر في رجب؛ ولهذا حكمت عائشة بأن ابن عمر قد وَهِمَ [يعني نسي]، فابن عمر مثبت للعمرة في رجب، والقاعدة عند أهل العلم: أن المثبت مُقَدَّمٌ على النافي، وابن عمر مثبت، وهو حافظ وإمام ثقة، ويجوز عليه النسيان، ولكن النسيان عليه وعلى غيره، والأصل قبول خبر الثقة، فكون أنس، وعائشة، وغيرهما لم يحفظوا هذا لا يمنع مما قاله ابن عمر، وقد يُقال: إن مثل هذا لا يخفى على الصحابة، ولكن هذا يرد عليه أشياء كثيرة ... وكان السلف يعتمرون في رجب، كعمر، وغيره، ولعل السِّرَّ في ذلك ما ذكره ابن عمر، فتكون

стр. 549

عمرة رجب الخامسة بعد الأربع التي ذكرها أنس)) (١). وقال شيخنا ابن باز ﵀: ((المشهور عند أهل العلم أنه لم يعتمر [ ﷺ ] في شهر رجب، وإنما عُمَرُه ﷺ كلُّها في ذي القعدة، وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : ((اعتمر في رجب))، وذكرت عائشة ﵂: ((أنه قد وَهِم في ذلك))، وأن النبي ﷺ لم يعتمر في رجب، والقاعدة في الأصول: أن المثبت مُقدَّم على النافي، فلعلَّ عائشة، ومن قال بقولها لم يحفظوا ما حفظ ابن عمر، واللَّه وليُّ التوفيق)) (٢) (٣). المسألة السابعة: من لم يؤدِّ عمرة الإسلام مع حجِّ القران ، أو التمتع، ولم يعتمر قبل ذلك، وكان حاجاً وهو داخل مكة، فله أن يحرم بعد الحجِّ من التنعيم، أو الجعرانة، أو عرفات، أو من أي موضع من الحلِّ خارج حدود الحرم، ولا يلزمه الرجوع إلى الميقات (٤). المسألة الثامنة: الأقرب أنه لا يجب طواف الوداع على المعتمر ، ولكن

стр. 550

الأفضل، والأحوط أن يطوف للوداع (١). المسألة التاسعة: الحيض لا يكون به الإحصار في الحج ، أما العمرة، فيجوز للمرأة أن تشترط؛ لخوف تخلفها عن الرفقة؛ ولأن الحج وقته واسع (٢). المسألة العاشرة: من نسي الحلق أو التقصير في العمرة ، بعد أن طاف وسعى، ثم لبس قبل أن يحلق أو يقصر؛ فإنه ينزع ثيابه إذا ذكر، ويحلق أو يقصِّر، ثم يعيد لبس ثيابه، ولا شيء عليه، فإن قصَّر أو حلق وثيابه عليه جهلاً منه فلا شيء عليه؛ لجهله (٣).

стр. 551

المبحث الثامن والثلاثون: الهدايا أولاً: مفهوم الهدي: لغة ، واصطلاحاً: الهدي لغة: الهَدْيُ، والهَدِيُّ: واحد الهدي، والهديُّ: هدْيَةُ، وهَدِيَّةٌ، وجمع المخفف: أهداء، والهدي إنما هو: من الإبل، والبقر، والغنم، والهدي: ما أُهدي إلى مكة من النَّعَم، ويُقال: أهديتُ الهدي إلى الحرم: سقته (١). والهدي اصطلاحاً: هو ما ينقل للذبح من النعم إلى الحرم (٢). وقيل: هو ما يُهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم تقرُّباً لله تعالى (٣). والتعريف المختار: الهديُ هو: ما يُهدَى تقرباً لله إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام للنحر أو الذبح داخل الحرم. ثانياً: أنواع الهدايا: عشرة أنواع: النوع الأول: هدي المحصر ، يذبح في موضع الحصر على الصحيح. النوع الثاني: هدي التمتع والقران ، وهو هدي نسك لا يذبح إلا في الحرم. النوع الثالث: هدي جزاء الصيد . النوع الرابع: هدي فدية الأذى . النوع الخامس: ما وجب لترك واجب .

стр. 552

النوع السادس: هدي الإفساد وما في معناه [ أي إفساد الحج بالجماع ... ]. النوع السابع: هدي الفوات وما في معناه . النوع الثامن: الهدي المنذور في الذمة . النوع التاسع: الهدي المعيَّن واجباً . النوع العاشر: الهدي المعيَّن تطوعاً (١). ثالثاً: الهدي الواجب بالنذر: الهدي الواجب بالنذر، كأن يقول: نذرت لله إهداء هذا الهدي المُعيَّن، فالظاهر أنه يتعيَّن بالنَّذر، ولا يكون في ذمَّته، فإن عَطِبَ أو سُرِقَ لا يلزمه بدله؛ لأن حق الفقراء إنما يتعلق بعينه لا بذمة المُهدي، والظاهر أنه ليس له الأكل منه سواء عَطِبَ في الطريق أو بلغ مَحِلَّه، وإذا رآه صاحبه في حالة يغلب على ظنِّهِ أنه سيموت، فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرَّط فيه حتى مات كان عليه ضمانه؛ لأنه كالوديعة عنده، أما لو مات بغير تفريطه، أو ضلَّ، أو سُرِقَ فليس عليه بدله (٢)؛ لأنه لم يتعلق الحق بذمته، بل بعين الهدي. والأصل في الهدي الواجب بالنذر، قول اللَّه تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٣)،وهذا يدل على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الأمر يدل على الوجوب إلا لدليل صارف)) (٤) (٥).

стр. 553

رابعاً: الهدي الواجب بغير النذر ، وهو نوعان (١): النوع الأول (*): الهدي المنصوص عليه في القرآن ، وهو أربعة دماء: الدم الأول: دم الإحصار المنصوص عليه في قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)، وقد تقدم الكلام فيه في الإحصار. الدم الثاني: دم جزاء الصيد المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣)، وقد تقدم ذكره في فدية محظورات الإحرام. الدم الثالث: دم فدية الأذى ، المذكور في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)، وقد تقدم ذكره في فدية محظورات الإحرام. الدم الرابع: دم هدي التمتع والقران (٥)، وتتلخص أحكام هدي التمتع والقران في الأمور الآتية: * الأمر الأول: مفهوم القارن الذي يلزمه الهدي: هو من أحرم بالحج في أشْهُرِهِ والعمرة، أو أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة قبل الطواف بالبيت، ثم بقي على إحرامه حتى الحج، فعليه هدي شكر يجب عليه.

стр. 554

* الأمر الثاني: مفهوم المتمتع الذي يلزمه الهدي: هو من أحرم بالعمرة في أشهر الحج ، وفرغ منها وحج من عامه قبل أن يرجع إلى بلاده. * الأمر الثالث: شروط وجوب هدي المتمتع والقارن على النحو الآتي: الشرط الأول: أن يعتمر في أشهر الحج، فإن اعتمر في غيرها لم يلزمه دم ؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد (١). الشرط الثاني: أن يحج في نفس تلك السنة التي اعتمر في أشهر الحج فيها (٢). الشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده أو ما يماثله في المسافة (٣). والأحوط أن يُهدي حتى ولو رجع إلى بلاده أو سافر؛ لعدم صراحة الآية ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤) فإن منهم من قال: إن سافر بعد العمرة زال السبب فسقط الدم، ومنهم من قال: إن الإشارة راجعة إلى حكم التمتع، وهو لزوم الدم (٥). فالأحوط الهدي مطلقاً (٦).

стр. 555

الشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام ، فأما إن كان من حاضري المسجد الحرام، فلا دم عليه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١). * وأظهر الأقوال من أقوال أهل العلم في المراد بحاضري المسجد الحرام: أنهم أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأن المسجد الحرام قد يطلق كثيراً، ويراد به الحرم كله، ومن على مسافة دون مسافة القصر (٢). وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((اختلف أهل العلم في المعنى بـ ((حاضري المسجد الحرام))، والراجح: أنهم أهل الحرم)) (٣). * والظاهر أنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السنة فعليه الهدي لظاهر عموم الآية الكريمة، سواء نوى عند الإحرام، أو اعتمر وهو لا يريد الحج، ثم بدا له الحج من عامه، فتخصيصه بالنية تخصيص للقرآن بلا دليل (٤). * والظاهر أيضاً أنه يكون متمتعاً عليه الهدي: سواء كانت العمرة له، والحج عن آخر، أو الحج لشخص والعمرة لشخص آخر، أو الحج له والعمرة عن آخر، وهذا هو المشهور في المذاهب الأربعة، والأقرب للصواب (٥).

стр. 556

الشرط الخامس: أن يحلَّ من العمرة قبل إحرامه بالحج ، فإن أحرم بالحج قبل حلِّه منها صار قارناً كما وقع لعائشة ﵂ في حجة الوداع على التحقيق، وعليه الهدي للقران أيضاً؛ لأنه تمتع (١). واشترط بعضهم أن تكون العمرة قد أحرم بها من الميقات، والظاهر أنَّ من أحرم بالعمرة من دون ميقاته، وحج من عامه، وكانت العمرة في أشهر الحج أنَّ عليه دمين: دم مجاوزة الميقات، ودم المتعة (٢). * الأمر الرابع: أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع من الهدي ، والصوم عند العجز عن الهدي، وقد تقدم أن أجلاّء الصحابة يرون أن القران داخل في التمتع، وعلى هذا فهو داخل في عموم الآية، وكلا النسكين فيه تمتع لغة؛ لأن التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع أو النفع، وهو قد تمتع بنُسُكَيْنِ في سَفْرَةٍ واحدةٍ، فعليه هدي شكران. * الأمر الخامس: القارن كالمتمتع من حاضري المسجد الحرام ، فمن كان من حاضري المسجد الحرام، وحج قارناً فإنه لا هدي عليه؛ لدخوله في اسم المتمتع، وكذلك المتمتع من حاضري المسجد الحرام، إلا أن المتمتع من حاضري المسجد الحرام يحرم بالعمرة من الحلِّ، ثم يفرغ منها، ويحج من عامه، وليس عليه هدي للآية (٣) المذكورة (٤).

стр. 557

* والأظهر أن من كان من حاضري المسجد الحرام يُحرِم بالقران من مكة خلافاً لمن قال: يحرم من أدنى الحلِّ (١). وأقرب الأقوال للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر ، وقد تقدم أن الأحوط أن دم المتعة لا يسقطه السفر؛ لتصريح القرآن بوجوب الهدي على المتمتع، وعدم صراحة الآية بسقوطه بالسفر (٢). * الأمر السادس: ما يجزي في هدي التمتع والقران (٣): التحقيق أنه يجزئ فيه ما استيسر من الهدي، وأقله شاة تجزئ ضحية، وأعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، والتحقيق: أن سبع بدنة أو بقرة يكفي، فلو اشترك سبعة من المتمتعين في بدنة أو بقرة وذبحوها أجزأت للنصوص الصحيحة (٤). * الأمر السابع: أول وقت نحر الهدي: هو يوم النحر على الصحيح الذي لا شك فيه، فلا يجوز نحر الهدي أو ذبحه قبل يوم النحر؛ لأدلة واضحة، وأحاديث كثيرة صحيحة، صريحة، تدل على أن أول وقت النحر هو يوم النحر؛ للأدلة الكثيرة، ومنها على سبيل المثال الأدلة الآتية: الدليل الأول: لم ينحر النبي ﷺ هديه إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة ؛ فإنه كان قارناً ﷺ ، ونحر يوم النحر مائة: نحر منها بنفسه ثلاثاً وستين، وأكمل عليٌّ ﵁ الباقي سبعاً وثلاثين (٥)، وقد قال ﷺ : ((لتأخذوا

стр. 558

عني مناسككم)) (١)، فيجب على كل قارنٍ ومتمتِّعٍ أن يأخذ وقت النحر من نبيه ﷺ ، فيجب الاقتداء به ﷺ . الدليل الثاني: لم ينحر عن أحد من أزواجه ﷺ إلا بعد رمي جمرة العقبة ، وهذا لا شك فيه ولا ريب، وقد كانت أزواجه كلهن متمتعات إلا ما كان من عائشة ﵂، فإنها كانت قارنة. الدليل الثالث: لم ينحر كلُّ من كان معه من أصحابه إلا يوم النحر ، وقد كان معه جمٌّ غفير، قيل: بأنهم كانوا نحو مائة وثلاثين ألفاً، وقد كان أصحابه الذين قدموا معه بين قارنٍ ومتمتِّعٍ؛ فإنه ﷺ بعد أن طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أمر من لم يسق الهدي أن يحل ويجعلها عمرة، ولم يذكر أنه ﷺ أَذِنَ لواحدٍ منهم، ولا أمره بذبح الهدي قبل يوم النحر. الدليل الرابع: جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار ، وجميع الصحابة كلهم أجمعوا على هذا، فلم ينقل عن واحد منهم: أنه نحر هدي تمتعه أو قرانه قبل يوم النحر البتة، ولن يُصْلِحَ آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. الدليل الخامس: قول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢)، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله ﷺ . الدليل السادس: قول اللَّه : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ

стр. 559

عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وما فعله ﷺ فقد آتاناه؛ لأنه هو الُمشرِّع لنا، بأقواله، وأفعاله، وتقريراته. الدليل السابع: قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (٢)، ومن اتِّباعه التأسِّي به ﷺ في فعله، وصيغة الأمر في قوله: ((فَاتَّبِعُونِي)) للوجوب. الدليل الثامن: من أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها ، التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه: أنه ﷺ أمر أصحابه بفسخ حجّهم في عمرة، وأن يحلُّوا منها الحلّ كله، ثم يحرموا بالحج، وتأسَّف على أنه لم يفعل مثل فعلهم، وقال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)) (٣)، فالذي منعه من ذلك: أنه ساق الهدي، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإحلال من العمرة؛ لجعل الحج عمرة، وأحلّ منها، ونحر الهدي بعد الإحلال منها، ولكن المانع الذي منعه من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت، والحلق الذي لا يصح إحلاله دونه معلق على بلوغ الهدي مَحِلَّه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤). وقد بيَّن ﷺ بفعله الثابت عنه أن محِلَّه: منى يوم النحر، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر بذلك، ولكنه بيَّن أن من قدَّم الحلق على النحر: لا حرج عليه، ولا شيء عليه، ولا خلاف أنه كان يوم

стр. 560

النحر كما هو معروف، فبيّن بفعله ﷺ : أن بلوغه مَحِلَّه يوم النحر بمنى، بعد رمي جمرة العقبة، فمن أجاز ذبح هدي التمتع قبل ذلك، فقد خالف فعل النبي ﷺ المبيِّن لإجمال القرآن، وخالف ما عليه الصحابة من بعده ﷺ ، وخالف ما جرى عليه عمل المسلمين، ولا يثبت بنصٍّ صحيح عن صحابيٍّ واحدٍ أنه نحر هدي تمتُّعٍ أو قرانٍ قبل يوم النحر، فلا يجوز العدول عن هذا الذي فعله النبي ﷺ مبيِّناً به إجمال الآيات القرآنية، وأكده بقوله: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (١) (٢). قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((وبه تعلم أن ذبحه ﷺ هديه يوم النحر، وهو قارن، وذبحه عن أزواجه يوم النحر وهنَّ متمتعات، وعن عائشة وهي قارنة: فِعلٌ مبيّنٌ لنصٍّ واجبٍ، فهو واجب، ولا تجوز مخالفته في نوع الفعل، ولا في زمانه، ولا في مكانه، إلا فيما أخرجه دليل خاصٌّ، كغير المكان الذي ذبح فيه، من منى؛ لأنه بيَّن ﷺ أن منى كلها منحر، ولم يبيّن أن الزمن كله وقت نحر ... )) (٣). فإذا عرفت ذلك مما تقدم فاعلم: أن الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وفعل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وغيرهم من كافة الصحابة، وعلماء المسلمين، وهو أنه لا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر، وهذا هو الحق الذي لا شك فيه)) (٤) (٥).

стр. 561

وقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((من ذبح هديه قبل يوم النحر فإنه لا يجزئه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يذبحوا إلا في أيام النحر، وقد قدموا وهم متمتعون في اليوم الرابع من ذي الحجة، وبقيت الغنم التي

стр. 562

معهم، والإبل موقوفة حتى جاء يوم النحر، فلو كان ذَبْحُها جائزاً قبل ذلك لبادر النبي ﷺ وأصحابه إليه في الأيام الأربعة التي أقاموا قبل خروجهم إلى عرفات؛ لأن الناس بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت، فلما لم يذبح النبي ﷺ ولا أصحابه حتى جاء يوم النحر دلّ ذلك على عدم الإجزاء، وأن الذي ذبح قبل يوم النحر قد خالف السنة، وأتى بشرعٍ جديدٍ، فلا يجزئ، كمن صلَّى أو صام قبل الوقت، فلا يصح صوم رمضان قبل وقته، ولا الصلاة قبل وقتها، ونحو ذلك، فالحاصل: أن هذه عبادة أدَّاها قبل الوقت فلا تجزئ، فعليه أن يعيد هذا الذبح إن قدر، وإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فتكون عشرة أيام بدلاً من الذبح؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١) (٢). وقال العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: (( ... أصح الأقوال أن أيام الذبح أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده)) (٣) (٤). * الأمر الثامن: فقراء الحرم: هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا: من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلَّى بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسَّر لهم الأكل منها، بطريق

стр. 563

لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل، واللَّه تعالى أعلم (١). * الأمر التاسع: آخر وقت نحر الهدي غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق: الصواب من أقوال أهل العلم: أن الذبح والنحر: أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁، وهو مذهب إمام أهل البصرة: الحسن، وإمام أهل مكة: عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام: الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث: الشافعي (٢). قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((يجوز ذبح الهدي يوم النحر وفي الأيام الثلاثة بعده؛ لأن أيام التشريق كلها أيام أكل وشرب، وذبح، ولكن ذبحه يوم النحر أفضل إن تيسر ذلك، ولا حرج في ذبحه في منى، أو في مكة، والسنة في توزيعه [أعني هدي التمتع والقران] أن يأكل منه،

стр. 564

ويتصدق، ويهدي إلى من شاء من أصحابه وإخوانه)) (١) (٢).

стр. 565

* الأمر العاشر: الأفضل أن يكون ذبح الهدايا والضحايا نهاراً ؛ لفعل النبي ﷺ ؛ولمطابقة ذلك للفظ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، ولكن لو ذبح ليلاً فلا حرج؛ لعدم الدليل على المنع أو الكراهة (١). * الأمر الحادي عشر: العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيَّاً في بلده: هذا هو الظاهر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). فمن عجز عن الهدي صام كما جاء في هذه الآية الكريمة (٣) (٤).
следующие страницы →