← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقوله: ﴿إياك﴾: ((مفعول به مقدَّم، وعامله: ﴿نعبد﴾؛ وقُدِّم على عامله لإفادة الحصر؛ فمعناه: لا نعبد إلا إياك)) (١). والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه تعالى ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة، والباطنة، والاستعانة: طلب العون، وهي الاعتماد على اللَّه تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار مع اليقين في تحصيل ذلك (٢). فينبغي للعبد حينما يقرأ هذه الآية أن يستحضر أنه يخص ربَّه بالعبادة والاستعانة في كل أموره وأحواله فلا غنى للعبد عن ربه تعالى طرفة عين. ثم شرع في سؤال أجلِّ المطالب، وأشرف المواهب، وهو سؤال اللَّه تعالى الهداية؛ فإن هذا الطلب أنفع الدعاء، وأعظمه، وأحكمه، وحاجة الناس إليه أعظم من حاجتهم إلى سائر الأدعية، ولهذا أُمر به كل مسلم أن يدعو به في كل ركعة من الصلاة، سبع عشرة مرة فرضاً، ولم يكن لأي دعاء آخر مثله. وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الهداية هي الدلالة

стр. 107

والإرشاد (١)، وهي نوعان: ١ - هداية دلالة وإرشاد وعلم ، وهذه الدلالة التي يملكها الرسل، والعلماء والدعاة. ٢ - هداية دلالة توفيق وعمل ، التي لا يملكها إلا ربّ العزة والجلال، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) (٣). فالعبد حينما يدعو بهذا الدعاء العظيم ينبغي له أن يستحضر هذا المطلب العظيم، وما دلّ عليه من معانٍ جليلة، فيقول: أي يا ربنا دلّنا وأرشدنا، ووفقنا إلى التمسك بصراطك المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، الموصل إلى دارك جنات النعيم، فإن من ثبت عليه في الدنيا، ثبت ((قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط)) (٤). وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: فيه توسل إلى اللَّه تعالى بنعمه، وإحسانه إلى من أنعم اللَّه عليه، وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية، وهذا من التوسلات الجليلة (٥)، التي يحسن بالداعي

стр. 108

الاعتناء بها حال دعائه، أي أن الداعي يقول: ((قد أنعمت بالهداية على من هديت، وكان ذلك نعمة منك، فاجعل لي نصيباً من هذه النعمة، واجعلني واحداً من هؤلاء المنعم عليهم، فهو توسّل إلى اللَّه بإحسانه ... ولما كان سؤال اللَّه الهداية إلى الصراط المستقيم، أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب: علّم اللَّه عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده، والثناء عليه، وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء)) (١). وقوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقد فسّر ﷺ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، قال: ((هم اليهود))، و ﴿الضَّالِّينَ﴾، قال: ((النصارى))، ((فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضُلاَّل)) (٣). ويدخل في المغضوب عليهم: ((كل من علم بالحق ولم يعمل

стр. 109

به)) (١). وكذلك يدخل في الضالين: ((كل من عمل بغير الحق جاهلاً به)) (٢). فقد جاء في الحديث القدسي أن اللَّه تعالى يقول: (( ... فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣)،قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) (٤). ((ويستحب كذلك [التأمين] لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفرداً أو إماماً أو مأموماً، وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((إذَا أمَّنَ الإمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٥)) (٦). ومعنى ((آمين)): قال الجوهري: ((معنى آمين: كذلك فليكن، وقال الترمذي: معناه: لا تُخَيِّبْ رجَاءَنا. وقال الأكثرون: معناه:

стр. 110

اللَّهُمَّ استَجِبْ لَنَا)) (١). فاحرص يا عبد اللَّه أن تؤمِّن في دعائك حينما تقرأ هذه السورة العظيمة؛ فإن ((التأمين طلب الإجابة من الرب سبحانه، واستنجازها فهو تأكيد لما تقدم من الدعاء وتكرير له)) (٢). وأختم بكلام نفيس لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في أهمية تدبر وتأمل ما جاء في هذه السورة الجليلة ((فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف للَّه تعالى، وهو أولها إلى قوله: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصف للعبد دعاء يدعو به لنفسه، وتأمل أن الذي علّمه هذا هو اللَّه تعالى، وأمره أن يدعو به، ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه من فضله وكرمه، ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه، وأخلص، وحضور قلب تبيّن له ما أضاع أكثر الناس)) (٣). ويقول ﵀ فيما ينبغي للمعلم أن يعلمه: ((ومن أعظم ما تنبهه عليه: التضرع عند اللَّه، والنصيحة، وإحضار القلب في دعاء الفاتحة إذا صلَّى)) (٤). وإذا أردت يا عبد اللَّه أن تقتطف من ثمار هذه السورة الكريمة، فاستحضر كل كلمة تقرؤها، وما دلّت عليه من معنى، وكذلك فاجعل الحديث القدسي السابق الذكر مرآة أمام

стр. 111

عينك، واستحضر كلام الرب بكل يقين إذا ما قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال لك الرّبُّ : ((حمدني عبدي))، وهكذا، فإنه سوف يفتح عليك باباً عظيماً من لذة القلب، وبرد اليقين، وانشراح الصدر، والسكينة، والطمأنينة، والتوفيق إلى الإحسان، المؤذن للإجابة والقبول. تضمنت هذه الدعوات المباركات جملاً عديدة من الفوائد، منها: ١ - افتقار كل العباد إلى طلب الهداية من اللَّه ﷻ ، حتى الأنبياء والرسل. ٢ - ((بلاغة القرآن))؛ حيث حذف حرف الجر من ((اهدنا))، والفائدة من ذلك: لأجل أن تتضمن طلب الهداية التي هي هداية العلم، وهداية التوفيق)) (١). ٣ - ((إسناد النعمة إلى اللَّه تعالى وحده في هداية الذين أنعم اللَّه عليهم؛ لأنها فضل محض من اللَّه ﵎) (٢). ٤ - إن سؤال اللَّه ﵎ الهداية هو أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب، الذي لم يُعطَ أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه. ٥ - أنه كلما أكثر الداعي من أنواع التوسل إلى اللَّه تعالى كان أرجى له في قبول دعائه.

стр. 112

٦ - جمعت في هذه السورة العظيمة جملاً من أنواع التوسل: أ _ توسّلٌ إلى اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا: (اللَّه، الرب، الرحمن، الرحيم، مالك يوم الدين والهداية إلى الصراط المستقيم). ب _ وتوسلٌ بالعمل الصالح: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. جـ- توسل إليه تعالى بنعمه وإحسانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ وهذه الوسيلة الجليلة لا يكاد يرد معها الدعاء. ٧ - عَلَّم اللَّه تعالى في هذه السورة الكريمة كيفية دعائه وذلك أن يقدم الداعي: أ-حمده. ب _ والثناء عليه وتمجيده. جـ- ذكر أسماء حسنى تناسب المطلوب. د- توحيده وإخلاص العبودية له. هـ- التأمين بعد الدعاء. فاجتمع جُلّ شروط الدعاء، وآدابه، ومستحباته بهذه السورة على إيجازها، فحق لها أن تُسمَّى ((أمَّ القرآن)). ٨ - تضمنت هذه السورة الجليلة أنواعاً من أسماء اللَّه تعالى وصفاته: فمن الأسماء الحسنى: اسم الجلالة ((اللَّه))، و ((الرحمن))،

стр. 113

و ((الرحيم))، وأسماء مضافة: ((ربّ العالمين))، ((مالك يوم الدين))، ومن الصفات: ((الهداية))، و ((الغضب))، حيث جاء التعبير عن المغضوب عليهم باسم المفعول الدّالّ على أنّ الغضب عليهم حاصل من اللَّه تعالى ومن أوليائه، وهذا من بلاغة القرآن)) (١). وغضبه تعالى من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وحكمته. ٢ - ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). ٣ - ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). هذه أولى الدعوات التي ذكرها المؤلف حفظه اللَّه تعالى من دعوات إبراهيم ﵇ إمام الحنفاء، وقدوة الموحدين، وخليل الرحمن، الذي وصفه ربنا بأنه الجامع لخصال الخير كلّها: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤). فهذه الدعوة المباركة جمعت عدة مطالب عظيمة لا غنى عنها للعبد في أمور دينه ودنياه. أولها: سؤال اللَّه تعالى القبول في الأعمال، والأقوال، فقال وابنه

стр. 114

إسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). وقوله: ((و (يرفع): فعل مضارع، والمضارع للحاضر، أو للمستقبل، ورفع البيت ماضٍ؛ لكنه يعبَّر بالمضارع عن الماضي على حكاية الحال، كأن إبراهيم يرفع الآن، يعني: ذكِّرهم بهذه الحال التي كأنها الآن مشاهدة أمامهم)) (٢). ففيه تنبيه للعبد أن يستحضر هذه المعاني وكأنها أمامه، من جليل الأعمال من رفع القواعد، وكذلك دعاؤهما، حتى يتأسى العبد بهذه المقاصد والمطالب الجليلة من إخلاص العمل للَّه تعالى، وما يحمل الدعاء في طياته من جميل المعاني من الخوف، والرجاء، والرغبة، والرهبة. ﴿رَبَّنَا﴾: ((ربّ)) منادى حذفت منه (يا) النداء، وأصله: يا ربنا، حذفت ((يا)) النداء للبداءة بالمدعو المنادى، وهو اللَّه جلّ شأنه، أي كلّ واحد يقول بلسانه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (٣). فقد جاء في صحيح البخاري (( ... ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي، فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا، قَالَ: أَطِعْ رَبَّكَ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ، قَالَ: إِذَنْ أَفْعَلَ، أَوْ كَمَا

стр. 115

قَالَ، قَالَ: فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). انظر يا عبد اللَّه، وتأمّل في شأنهما: يقومان بأجلّ الأعمال وأرفعها بإذنٍ من ربهما تعالى، وهما يسألان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، فتأمّل كيف كان حالهما من الخوف والرجاء ألاّ يتقبل عملهما، فإذا كان هذا حال إمام الحنفاء، وقدوة الموحدين، فكيف بحالنا وتقصيرنا؟. فعن وهيب بن الورد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك؟)) (٢). وهذا كما حكى اللَّه تعالى عن حال المؤمنينَ الخُلَّص في قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ (٣)، أي يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٤)، أي: خائفة ألاّ يتقبل منهم، كما جاء في الحديث أن عائشة ﵂ سألت رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية: ((أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ

стр. 116

يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (١)، والتعرض لوصف الربوبية في دعائهم؛ لأن إجابة الدعاء من شأن الربوبية وخصائصها لما فيها من معاني التربية والإصلاح والتدبير، وقولهما: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾: ((القبول: أخذ الشيء والرضا به، فتقبّل اللَّه سبحانه للعمل أن يتلقّاه بالرضى فيرضى عن فاعله، وإذا رضي اللَّه تعالى عن فاعله، فلا بدّ أن يثيبه الثواب الذي وعده إيّاه)) (٢): وقولهما: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ تعليل لطلب القبول، ومزيد استدعاء للإجابة. والسميع والعليم اسمان للَّه تعالى من أسمائه الحسنى يدلاّن على صفة السمع والعلم، أي: أنت السميع لأقوالنا التي من جملتها دعاؤنا العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإذعان لك، والطاعة في القول والعمل، ولا يخفى عليك شيء في قلوبنا. ((وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاص دعائهما به تعالى، وانقطاع رجائهما عمّا سواه بالكلية)) (٣). ((ولمّا كان العبد مهما كان، لابدّ أن يعتريه التقصير ويحتاج إلى التوبة قالا: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾، قالاه هضماً لأنفسهما، وتعليماً للذرّية

стр. 117

بعدهما أن يلازموا هذا الطلب، والمقصد الجليل)) (١). وقولهما: ﴿إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: هذه الجملة كسابقتها تعليل لطلب القبول، ومزيد استدعاء للإجابة. التواب: أي أنك كثير التوبة على عبادك، فهو يقبل التوبة من عبده كلما تكررت التوبة منه إلى ما لانهاية. الرحيم: أي ذو الرحمة الشاملة للمؤمنين يوم القيامة، وهذا الاسم: يخصّ به المؤمنين يوم القيامة، أما الرحمن فهي رحمته ﵎ الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم. الفوائد: تضمنت هاتان الآيتان الكثير من الفوائد الجليلة منها: ١ - أهمية القبول حيث إن مدار الأعمال الصالحة عليه، وذلك يقوم على الإخلاص للَّه تعالى، والاتباع لما جاء به الشرع المطهر. ٢ - دلّت الآية: أنّ على العبد ملازمة سؤال اللَّه قبول أعماله بعد أدائه لها، ومنها الدعاء، فقد كان هذا من هدي المصطفى ﷺ : فإنه كان يستغفر ثلاثاً بعد الصلاة، وكان يقول بعد صلاة الصبح: ((اللهمَّ إنّي أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً مُتقبّلاً)) (٢)، وكان يقول

стр. 118

- ﷺ : ((ربّ تقبّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي)) (١)، وكان ﷺ يستعيذ من عمل لا يُرفع: ((اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عمل لا يُرفع)) (٢)، وغير ذلك. ٣ - ينبغي للعبد أن يكون في حال عبادته لربه ودعائه، خائفاً راجياً، كجناحي الطائر، فلا يغلّب الخوف، فيقع في القنوط، ولا يغلب الرجاء، فيقع في الغرور، والأمن من مكر اللَّه تعالى. ٤ - التوسّل إلى اللَّه تعالى بأسمائه وصفاته ما يناسب المطلوب والسؤال؛ فإن (السميع) مناسب في سماع دعائهما، و (العليم) مناسب للعلم بنياتهما، وصدق تضرعهما، وكذلك (التواب الرحيم) .. ٥ - ملازمة التواضع والإخبات للَّه تعالى في حال القيام بطاعته ولو بأجلّ العبادات والمقامات. ٦ - أن الدعاء ملجأ ومقصد كل الأنبياء والمرسلين، وأن العبد لا غنى له عنه في كل أحواله الشرعية والدنيوية. ٧ - طرد الإعجاب بالنفس، وعدم الإدلال على اللَّه تعالى بما قام من العمل، فإنّ ذلك مفسد للعمل.

стр. 119

٨ - أهمية سؤال اللَّه ﵎ الثبات على الإسلام، ((وهو يشمل على الاستسلام للَّه تعالى ظاهراً أو باطناً (١). ٩ - ((أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء، لأنّ الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. ١٠ - ((شدة افتقار الإنسان إلى ربه تعالى؛ حيث كرر كلمة ((ربنا))، وأنه بحاجة إلى ربُوبيَّتِهِ اللَّه تعالى الخاصة التي تقتضي عناية خاصة)) (٢). ٤ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٣). بيّن اللَّه جلّ في علاه في كتابه (الذكر الحكيم) دعوات لأهل الهمم القليلة، وأصحاب الحظوظ الدنيوية يسألون حظ الدنيا فقط: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٤). ثم ثنّى ـ بأصحاب الهمم العالية الذين يسألون خيري الدنيا

стр. 120

والآخرة، وذكر سبحانه هذه الدعوة في سياق الثناء والتبجيل في كتابه الكريم تعليماً لنا في التأسي والعمل بالتنزيل بملازمتها مع فهم معانيها ومضامينها، وما حوته من جوامع الكلم الطيب، مع قلّة المباني، وعظيم المعاني. فقدموا توسلهم بأجمل الأسامي والصفات: (ربنا): نداء فيه إقرار بالربوبية العامة للَّه تعالى المستلزمة لتوحيده في الألوهية، فجمعوا بين أنواع التوحيد التزاماً وتضمناً، وهم يستحضرون كذلك ربوبيته الخاصة لخيار خلقه الذين رباهم بلطفه، وأصلح لهم دينهم ودنياهم، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهذا متضمن لافتقارهم إلى ربهم، وأنهم لا يقدرون على تربية نفوسهم من كل وجه، فليس لهم غير ربهم يتولاهم، ويصلح أمورهم)) (١). لهذا ينبغي للداعي أن يستحضر هذه المعاني الجميلة من ربوبيته تعالى العامة لكل الخلق، وربوبيته الخاصة، فإن ذلك يوجب للعبد الخشوع والخضوع، وتذوق حلاوة المناجاة، والدعاء التي لا يعادلها أي شيء من المحبوبات. ﴿آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: سؤال من خير الدنيا كله بأوجز لفظ وعبارة، فجمعت هذه الدعوة كل خير يتمناه العبد، ((فإنّ الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودارٍ رحبةٍ، وزوجةٍ

стр. 121

حسنةٍ، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيءٍ، وثناء جميل، إلى غير ذلك)) (١). ﴿وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: أما ((الحسنة في الآخرة فلا شك أنها الجنة؛ لأن من لم ينلها يومئذٍ فقد حُرم جميع الحسنات)) (٢)، فهي أعلى حسنة، ويدخل في حسنات الآخرة كذلك: ((الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب)) (٣)، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: ((وهذا يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام)) (٤)، وتتضمن هذه الوقاية أيضاً ((ألاّ يدخل النار بمعاصيه، ثم تخرجه الشفاعة)) (٥)، ثم بين ـ علو درجتهم، وبعد منزلتهم في الفضل، كما دلّ على ذلك اسم الإشارة (أولئك) ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٦). ولما كان هذا الدعاء المبارك الجامع لكل معاني الدعاء من أمر الدنيا والآخرة، كان أكثر أدعيته ﷺ كما أخبر بذلك أنس ﵁ أنه قال:

стр. 122

كان أكثر دعاء النبي ﷺ (١). واقتدى بذلك أنس ﵁، فكان لا يدعه في أي دعاء يدعو به (٢)، وقد طلب منه بعض أصحابه أن يدعو لهم، فدعا لهم بهذه الدعوة المباركة، ثم قال: ((إذا آتاكم اللَّه ذلك فقد آتاكم الخير كله)) (٣). تضمنت هذه الدعوة جملاً من الفوائد، منها: ١ - يحسن بالداعي أن يجمع في دعائه خيري الدنيا والآخرة. ٢ - ينبغي لكل داعٍ أن يكون جُلَّ دعائه ونصيبه الأكبر في أمورالآخرة، فجاء في هذا الدعاء سؤال أمرين عظيمين من أمور الآخرة: وأمرٍ واحدٍ من أمور الدنيا ﴿وَفِي الآخِرَةْ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ٣ - أهمية التوسل بصفاته تعالى الفعلية (قنا)؛ لقول اللَّه، وتأسيّاً برسولنا ﷺ . ٤ - ينبغي للداعي أن يكون من أصحاب الهمم العالية. ٥ - ((أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة.

стр. 123

٦ - أن كل إنسان محتاج إلى حسنات الدنيا والآخرة)). ٧ - من حُسن الدعاء أن يجمع في مطالبه بين الرغبة: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، والرهبة: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. حتى يكون العبد بين الخوف والرجاء. ٨ - أهمية الأدعية في كتاب اللَّه تعالى، فهي كافية وشافية من جميع المطالب التي يتمناها العبد في دينه، ودنياه، وآخرته. فعلى العبد ملازمة هذه الدعوة اتباعاً. ٥ - ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١). ٦ - ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). هاتان الآيتان الكريمتان اللتان هما آخر آيات سورة البقرة قد جاءت الأخبار في فضلهما في عدة أحاديث عن الصادق المصدوق حيث قال ﷺ : ((مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ)) (٣).

стр. 124

وجاء عنه ﷺ : ((أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ بَيْتِ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلي)) (١)، وما جاء كذلك: ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ ﵇ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ إِلا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بنورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلا أُعْطِيتَهُ)) (٢). فقد حوت هذه الآيات الكثير من المعاني الجليلة، والمقاصد العظيمة، والدلالات الواسعة، ففي صدرها أخبر ربنا ﷻ أن رسول اللَّه ﷺ ومن معه من المؤمنين قد أقروا بأصول الإيمان العظيمة، بالإيمان باللَّه ، والاستسلام الكامل له ﵎ ظاهراً وباطناً، وأنهم قد جمعوا بين كمال الإيمان، وشمول الإسلام، وفي الإخبار عنهم جميعاً مع النبي ﷺ في سياق واحد فضيلة ظاهرة، وشرفٌ عظيمٌ للمؤمنين، وفيه بيان ((بأن رسول اللَّه ﷺ مشارك للأمّة في الخطاب الشرعيّ له، وقيامه التامّ به، وأنه فاق؛ بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه)) (٣). ﴿وَقَالُوْا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: أي سمعنا قولك، وفهمنا ما جاءنا من الحق،

стр. 125

وتيقنّا بصحته، وأطعنا بامتثال أوامرك، واجتنبنا نواهيك. ((وهذا إقرار منهم بركني الإيمان اللّذَين لا يقوم إلا بهما، وهما: السمع: المتضمّن للقبول والتسليم، والطاعة المتضمنّة لكمال الانقياد وامتثال الأمر)) (١). ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: ((قدموا السمع والطاعة على المغفرة؛ لأن تقدم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول))، وفي (٢) طلبهم المغفرة لأنهم علموا أنهم لا بد وأن يقع منهم التقصير والنقصان بطبيعتهم البشرية، فإن ذلك من لوازمهم التي لا تنفك عنهم، ثم أقرّوا للَّه تعالى: الرجوع، والمآب في جميع الأمور الدنيوية والأخروية إليه، ومن أعظمها يوم القيامة. ولا يخفى في هذه الدعوات جميل الأدب، وحسن الاختيار، وجميل الثناء والطلب، الموجب القبول والرضى عند بارئهم ﵎. ولما كمل من ذلك الأدب الجليل المعبر عن كمال الخضوع والتعظيم، شرعوا في أنواع المطالب والسؤال. فقالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: يا ربنا لا تؤاخذنا إن تركنا فرضاً على جهة النسيان، أو فعلنا الحرام كذلك. ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: أي الصواب في العمل، جهلاً منّا بوجهه الشرعي.

стр. 126

وقد جاء الخبر عن النبي ﷺ أن اللَّه ﵎ قال: (نعم) (١). وفي لفظ قال : ((قد فعلت)) (٢). وقد جاء ما يشير إلى ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: ((إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي اَلْخَطَأَ , وَالنِّسْيَانَ , وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) (٣). ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾: أي لا تكلّفنا من الأعمال الشاقّة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والأعباء الشديدة التي كانت عليهم. ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: وتكرير لفظ الربوبية في الآيات لإبراز مزيد من الضّراعة الموصل إلى كمال العبادة المؤذن إلى القبول والإجابة. أي: لا تحمّلنا من التكليف والمصائب والبلاء ما لا نقدر عليه. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي: ((اصفح عنّا فيما بيننا وبينك من تقصيرنا، وزللنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تُظهِر على مساوينا، وأعمالنا القبيحة. ﴿وَارْحَمْنَآ﴾: ((فيما يُستقبل فلا توقعنا بتوفيقك إلى ذنب آخر؛ ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: - أن يعفو اللَّه عنه فيما بينه وبينه .

стр. 127

- وأن يستره عن عباده، فلا يفضحه به بينهم . - وأن يعصمه، فلا يوقعه في نظيره . وقد تقدم أن اللَّه تعالى: قد قال: (قد فعلت))) (١). وفي تقديم العفو والمغفرة على طلب الرحمة كما تقدم: أن التخلية سابقة على التحلية، ولم يأتِ في هذه الجمل الثلاث قوله: (ربنا): ((لأنها فروع لهذه الدعوات الثلاث، ونتائج لها ﴿أَنتَ مَوْلاَنَا﴾ أي: أنت مالكنا، وسيّدنا، وناصرنا. ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: ((حيث أتى بـ (الفاء) إيذاناً بالسببية؛ لأن اللَّه لما كان مولاهم ومالكهم، ومدبر أمورهم، تسبّب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم)) (٢). أي: يا ربنا انصرنا على الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيّك، وعبدوا غيرك، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، كما في دعاء النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ)) (٣).

стр. 128

وهذا يدل على عنايتهم الكبرى بدينهم، وأنه شغلهم الشاغل مرضات اللَّه تعالى في كل الأحوال والأوقات؛ فإن همَّ الدين والآخرة هو الهمّ المرغوب فيه حيث يحوي خيري الدنيا والآخرة، قال النبي ﷺ : ((مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ)) (١). تضمنت هذه الدعوات الجليلات من عظيم الفوائد والمنافع: ١ - أن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب المستلزم لأعمال الأركان . ٢ - أن الإيمان الكامل هو الإيمان بكل ما جاء عن اللَّه تعالى ، وبكل ما جاء عن رسول اللَّه ﷺ ، مع الانقياد والتسليم. ٣ - ((إثبات علوّ اللَّه - لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّه﴾، والنزول يكون من أعلى إلى الأسفل. ٤ - أن من صفات المؤمن السمع والطاعة . ٥ - أن كل الخلق محتاج إلى مغفرة اللَّه ﵎ ، وحتى الأنبياء والرسل. ٦ - أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول ﷺ كان أشد اتباعاً له)) (٢). ٧ - عِظم وسَعَة رحمة اللَّه لهذه الأمة في إسقاط كثير من التكاليف

стр. 129

الشّاقّة، دلّ عليه قول اللَّه : ((قد فعلت))، فينبغي ملازمة حمده وشكره آناء الليل وأطراف النهار بما تفضّل علينا بهذا الدين العظيم، فله المنَّة، والحمد، والثناء. ٨ - من عظيم رحمة اللَّه تعالى علينا كذلك أنه علّمنا هذا الدعاء الذي ندعوه ، ثم يستجيب لنا تفضّلاً منه ونعمة. ٩ - أهمية سؤال اللَّه تعالى: (العفو، والمغفرة، والرحمة) ؛ لما فيها من كل خير يتمنّاه العبد، ومن كلّ شرٍّ يخافه في الدنيا والآخرة. ١٠ - إثبات ولاية اللَّه الخاصّة للمؤمنين التي تقتضي النصرة والعناية والتأييد ، وهذه غير ولاية اللَّه العامّة لكل الخلق. ١١ - أن العبد محتاج إلى سؤال اللَّه تعالى النصرة على الكافرين في كل زمان . ١٢ - أهمّيّة الدعاء للعبد المسلم في حياته ومهمّاته ، وذلك أنه تعالى ضمنّه في آيات لها فضل عظيم كما جاء بالأخبار عنها قرآن يتلى إلى يوم الدين. ١٣ - أهمية الإلحاح في الدعاء، وأنه من أهم الأسباب في قبول الدعاء ؛ حيث ورد التوسل بربوبيّته تعالى أربع مرات. ١٤ - الدعاء الأكمل هو الجامع لأكثر من توسّل ؛ حيث جمعوا التوسل بأسمائه تعالى وصفاته، وكذلك بأعمالهم الصالحة ((سمعنا وأطعنا)). ١٥ - يُستحبّ البسط في الدعاء لما فيه من كمال العبودية المقتضي لكثرة الثواب، وإجابة الدعاء. ١٦ - أنَّ ذكر بعض الخصال التي يقوم بها العبد إلى اللَّه تعالى حال الدعاء، ليس من باب التزكية، وإنما من باب التوسل إليه تعالى بعمله الصالح

стр. 130

المتضمّن للتذلّل والخشوع له جل وعلا. ١٧ - أن أعظم التوسل إلى اللَّه تعالى على الإطلاق التوسل إليه بربوبيته تعالى ، التي تحصل بها المحبوبات، وتندفع بها المكروهات؛ ولهذا كانت أغلبية أدعية القرآن مصدرة بالتوسل به (١). ٧ - ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢). المفردات: لا تزغ: الزيغ: الميل عن الاستقامة والانحراف عن الحق، ومنه زاغت الشمس أي مالت وانحرفت (٣). الوهاب: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى: من صيغ المبالغة مبالغة على وزن فعّال، والهبة هي: ((العطية الخالية عن الأعواض والأغراض)) (٤). الشرح: ما زلنا نقتطف من جميل أدعية المؤمنين في كتاب ربنا الحكيم، ذكرها اللَّه تعالى ثناءً على أهلها، وتأسياً لنا في ملازمة الدعاء بها، والعمل في مضامينها، وذكر لنا دعوات أخرى في غاية الأهمية من هذا المعين المبارك لأناس قرن اللَّه شهادتهم

стр. 131

بشهادته، وأثنى عليهم في مواضع كثيرة من الذكر الحكيم، قال اللَّه تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١). فهم ورثة الأنبياء، ونعم الميراث العظيم، هم العلماء، وصفهم تعالى بكمال الوصف الثابت، وبالأساس الراسخ. قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، فهم أصحاب العقول السليمة، والمفاهيم المستقيمة. فبعد أن عطر بالوصف والثناء عليهم بخلوص الإيمان واليقين في قلوبهم، فأثمر لهم من عظيم المعارف والهمم، آمنوا بالكتاب كله: محكمه، ومتشابهه؛ لأنه جاء من ربهم الحكيم الخبير، ذكر لنا فواح هذا العطر النافع والناصح؛ لنتأمل من هذا الروض الجميل في أهم مقاصد الدين، حتى نستن بهم عملاً وقولاً. فقالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ صدروا دعاءهم بربوبيته تعالى التي هي أفضل وأعلى الغايات، وهو استقامة القلوب على ما يحبه اللَّه تعالى ويرضاه، والثبات على ذلك: فقالوا: يا ربنا، ويا مدبر أمورنا، لا تُمِل قلوبنا بعد الهدى الذي أنعمت به

стр. 132

علينا، توسلوا بسابق إحسانه وإنعامه بعد التوسل بربوبيته دلالة على أهمية مطلبهم لربهم، وأنهم في تضرع كبير لهذا المطلب المهم، لا كالذين أزاغ اللَّه قلوبهم من اتباع المتشابه في القرآن ابتغاء الفتنة، فهم ضلوا وأضلوا، والعياذ باللَّه، أما العلماء فقد اهتدوا وهدوا. فتضمّن هذا المطلب الجليل سؤال اللَّه تعالى الثبات على الدين القويم، والصراط المستقيم الذي عليه النجاة في يوم الدين، ولا يكون ذلك إلا بالتوفيق من اللَّه تعالى رب العالمين. لهذا كان أكثر دعاء نبي الرحمة ﷺ : ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) (١)، وجاء عنه ﷺ : ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) (٢). ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾: ومن جميل تضرعهم وتوسلهم سألوا اللَّه تعالى بلفظ الهبة إشارة إلى أن ذلك منه تعالى تفضل محض دون شائبة وجوب عليه (٣). وسألوا ربهم ﴿رَحْمَةً﴾ بالتنوين والتنكير دلالة على التفخيم

стр. 133

والتعظيم (١)، أي رحمة عظيمة واسعة شاملة التي تقتضي حصول نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب، وحصول الطاعة في الجوارح والأركان. فالرحمة من آثارها التوفيق، والدوام على الهدى في الدنيا، والنعيم الأبدي في الآخرة؛ ولهذا كثرة الأدعية في كتاب اللَّه لهذا المطلب الجليل. ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: جُعلت الرحمة من عنده؛ لأن تيسير الأسباب، وتكوين الهيئات منه جل وعلا تفضلاً وتكرماً، وفيها معاني التعظيم والإجلال للَّه تعالى، وهذا من حسن دعائهم، وأدبهم مع ربهم التي ملأت قلوبهم حباً وتعظيماً له ﷻ . ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ﴾ عللوا طلبهم، وأكَّدوه بخصوصية الهبة المطلقة الكاملة للَّه تعالى، التي لايعدّها عادٌّ، ولا يحدّها حادّ، إيماناً منهم بكمال صفاته تعالى، ومن جملتها هباته تعالى؛ لأن هبات الناس بالنسبة لما أفاض اللَّه تعالى من الخيرات شيء لا يُعبأ به. لذلك قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ((حيث استحضروا عند طلب الرحمة أحوج ما يكونون إليه، وهو يوم تكون الرحمة سبباً للفوز الأبدي، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءهم على سبيل الإيجاز، كأنهم قالوا: وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصة يوم

стр. 134

تجمع الناس)) (١). ((توسَّلوا إلى ربهم بالإيمان ومنة اللَّه تعالى به، من الوسائل المطلوبة، فيكون هذا من تمام دعائهم)) (٢). وفيه إقرار منهم بكمال صفاته الفعلية؛ لذلك قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾. تضمنت هذه الدعوات المباركات كثيراً من المنافع والفوائد: ١ - أن العلم باللَّه تعالى هو أشرف العلوم على الإطلاق . ٢ - ((أن الرسوخ في العلم هو قدر زائد على مجرد العلم ، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالماً محققاً)) (٣). ٣ - أن سؤال اللَّه تعالى الثبات على الإيمان هو أعظم مقاصد الشارع المطلوبة. ٤ - ينبغي للعبد أن يستحضر دوماً نعم اللَّه تعالى عليه ، وخاصة نعمة الدين. ٥ - كما أن التوسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه وصفاته ، كذلك يتوسل إليه بصفاته المنفية عنه تعالى ﴿إنَّ اللَّه لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ﴾. وهذا النفي يتضمّن صفات الكمال، ومنها كمال صدقه وقدرته جلَّ وعَلا.

стр. 135

٦ - ((أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى بنعمه ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ . ٧ - ((إنّ الإنسان لا يملك قلبه ؛ لأنه بين إصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبه كيف يشاء، فيسأل اللَّه ألاَّ يزغه)). ٨ - ((أن التخلية تكون قبل التحلية ، يعني يُفرغ المكان من الشوائب والأذى، ثم يطهر، دلَّ عليه قوله: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا) ثم قال: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾. ٩ - أن العطاء يكون على قدر المعطي ؛ لقوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)، هذا من باب التوسل بحال المدعو، ومن باب التوسل بصفات اللَّه )) (١). ١٠ - أن كل الخلق لا غنى لهم عن دعاء ربهم في جلب المنافع ، ودفع المضار. فبعد هذا الوصف الجميل لهم، يجدر بالعبد السالك إلى طريق اللَّه المستقيم أن يحرص على هذه الكلمات اليافعات، والدعوات المباركات، ويستحضر هذه المعاني، والمطالب العالية. ٨ - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢). هذه الدعوة المباركة من دعوات أهل العلم والإيمان، سطّرها لنا

стр. 136

ربنا في كتابه دعواتٍ تُتلى إلى يوم القيامة، دلالة جلية على أهميتها. فبعد أن ذكر اللَّه حُبَّ الناس الشهوات من النساء والبنين وغيرها من ملذات الدنيا، وإيثار بعضهم لهذه الدار على الآخرة، أعقب بذكر الدار الحقيقية التي لا يفنى نعيمها ولا ينفد، التي أعدها لأصحاب النفوس الزكيَّة، الذي كان من جليل أعمالهم وأقوالهم: ﴿يقولون ربنا إننا آمنا﴾: جاء بصيغة المضارع (يقولون) الذي يدلّ على الاستمرارية والتجدد في سؤالهم، وتضرّعهم بهذه الدعوات. ﴿ربّنا إننا آمنا﴾: توسّلوا إلى اللَّه تعالى بربوبيته التي من مقتضاها الإجابة والعناية، وذلك أن ربوبية اللَّه ﵎ ربوبيتان: عامة: لجميع الخلائق بالرزق، والتدبير والإصلاح، وخاصة: لأوليائه التي تقتضي الحفظ، والعناية، والإجابة، وإصلاح أحوالهم وشؤونهم في دينهم ودنياهم، فهم توسّلوا بهذه الربوبية العليّة التي من مقتضاها إجابة دعائهم. ﴿إنَّنا آمنَّا﴾: أكدوا إيمانهم بـ ((إنَّ)) المؤكدة، دلالة على قوة إيمانهم، وصفاء توحيدهم من كل أدران الشرك والشك، أي آمنّا بك وبكتابك وبرسولك، وبكل ما جاء منك، قدموا توسلهم بإيمانهم باللَّه قبل سؤالهم؛ لأنه من أعظم الوسائل التي يحبها اللَّه ، أن يتوسّل العبد إلى ربّه تعالى بما منَّ عليه من الإيمان، والأعمال الصالحة، إلى تكميل نعم اللَّه تعالى عليه، بحصول الثواب

стр. 137

الكامل، واندفاع العقاب)) (١). وقوله: ﴿فاغفر لنا﴾: ((الفاء هنا للسببية، أي بسبب إيماننا فاغفر لنا؛ لأن الإيمان لا شك أنه وسيلة للمغفرة، وكلما قوي الإيمان قويت أسباب المغفرة، والمغفرة: مأخوذة من الغفر، وهو الستر والوقاية. ومنه (المِغْفَر) الذي يلبسه المقاتل في رأسه ليستر الرأس، ويقيه السهام، فمغفرة الذنوب: سترها في الناس، والعفو عن عقوبتها)) (٢). وقوله: ((ذنوبنا)): المراد كل الذنوب من الصغائر والكبائر. وقوله: ﴿وقنا عذاب النار﴾: أي اجعل بيننا وبين النار وقاية تجنبنا هذا الشر الأليم. تضمنت هذه الدعوة: التوفيق إلى الأعمال، والأقوال، والأخلاق التي تقي عذاب النار، والفوز بدار القرار. الفوائد: ١ - ((من صفات المؤمنين إعلانهم الإيمان باللَّه ﵎ . ٢ - أنّ من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس ، وأنّهم مقصرون لطلبهم المغفرة من اللَّه تعالى.

стр. 138

٣ - جواز التوسل بالإيمان ﴿ربّنا إنّنا آمّنّا﴾)) (١). ٤ - أهمية البسط في الدعاء ، فإنّ ((سؤال المغفرة يغني عن سؤال الوقاية من النار، إلا أنه في باب الدعاء ينبغي البسط لأربعة أسباب: أ- السبب الأول: أن يستحضرالإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه . ب- أنّ الدعاء مخاطبة للَّه -، وكلّما تبسّط الإنسان مع اللَّه في المخاطبة كان ذلك أشوق، وأحبّ إليه مما لودعا على سبيل الاختصار. جـ- أنه كلما ازداد دعاء ازداد قربة إلى اللَّه -. د- أنه كلما ازدا د دعاء كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربه -)) (٢). ٥ - أهمية التوسل بالعمل الصالح في الدعاء ، وأنّ من أعظم أنواعه على الإطلاق التوسل بإيمان العبد بربه تعالى. ٦ - ينبغي للداعي أن يحرص في أدعيته على سؤال المغفرة ، والوقاية من النار، فمن تحصَّل بهذين المطلوبين فاز في الدنيا والآخرة. ٧ - أنه كلما أكثر العبد في التوسل كان أرجى في قبول دعوته ، فقد توسلوا بوسيلتين: أ- بأسمائه تعالى الحسنى ﴿رَبَّنَا﴾ . ب- بالعمل الصالح ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾ .

стр. 139

٩ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (١). هذه إحدى دعوات زكريا ﵇ التي قصّها اللَّه تعالى في كتابه. لما رأى زكريا ﵇ أنّ اللَّه يرزق مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذٍ في الولد، وكان شيخاً كبيراً قد وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيباً، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعقيماً، لكنه لكمال إيمانه، وحسن ظنه بربه بكمال قدرته تعالى، ونفوذ مشيئته وحكمته، أقبل على الدعاء من غير تأخير، كما أفاد قوله تعالى: ﴿هنالك﴾. سأل ربه، وناداه نداء خفياً، كما في قوله تعالى في سورة مريم: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٢)، فقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ (٣): جاء الطلب بلفظ الهبة؛ لأنّ الهبة إحسان محض، ليس في مقابله شيء، وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد؛ لكبر سنّه، ولا للوالدة؛ لكونها عاقراً لا تلد، فكأنه قال: أعطني من غير وسط معتاد)) (٤)؛ لأنه لم ينظر ﵇ إلى الأسباب والمسببات بظروفها العادية؛ بل نظر إلى خالقها، وموجدها، ومكونها، وهذا هو الإيمان الصادق الخالص للَّه

стр. 140

تعالى، وعلى حسن ظن العبد بربه ينال من كراماته، وسحب فضائله التي لا تحدّ ولا تعدّ. وقوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾: أي من عندك، إضافة العندية إلى اللَّه تعالى ليكون أبلغ وأعظم؛ لأنّ هديّة الكريم عظيمة وجليلة تليق بمقام العظيم الكريم. ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾: في تقييد الذرية بالطيّبة إشارة مهمّة أنّ العبد لا يسأل اللَّه تعالى الذرية فقط، فلابدّ أن يقيّدها بالصلاح والطيب التي يُرجى منها الخير في الدنيا والآخرة، فالذُّرِّيَّة الطيّبة، هي الطيّبة ((في أقوالها، وأفعالها، وكذلك في أجسامها، فهي تتناول الطيب الحسّيّ، والطيِّب المعنوي)) (١). قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٢): تعليل للسؤال: أي إني ما التجأت إليك، وسألتك إلا لأنك مجيب الدعاء، غير مخيّب للرجاء، وختم الدعاء بأحسن ختام من التوسل بأسمائه تعالى الحسنى، وصفاته العُلا التي تناسب الدعاء، فجاءته البشارة العاجلة عقيب السؤال، كما أفاد ذلك حرف التعقيب (الفاء) في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).

стр. 141

الفوائد: تضمّنت هذه الدعوة المباركة فوائد، وحِكَماً، منها (١): ١ - ((إنّ جميع الخلق مفتقرون إلى اللَّه -، حتى الأنبياء لايستغنون عن دعاء اللَّه تعالى في كل أحوالهم، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾)) (٢). ٢ - إن من أعظم التوسل إلى اللَّه بالدعاء هو ((اسم (الربّ) ؛ لقوله: (ربّه)، ولم يقل (اللَّه)؛ ولهذا أكثر الأدعية مصدرة بـ (الربّ)؛ لأنّ إجابة الداعي من مقتضى الربوبية؛ فلهذا يتوسل الداعي دائماً باسم (الرب)، قال النبي ﷺ : ((يمدّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ)) (٣). (٤). ٣ - إنه لاينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية ؛ لأنّ الذريّة قد يكونون نكداً وفتنة، وإنّما يسأل الذريّة الطيّبة)) (٥). ٤ - إنّ حُسن الظنّ من حسن العبادة ، وأنه تعالى يجازي عبده، ويعطيه على قدر حسن الظنّ به، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ

стр. 142

دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، حيث أقبل على الدعاء مباشرة لحسن ظنّه بربه تعالى، كما جاء في الحديث القدسي عن ربّ العزّة والجلال: ((أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)) (١). ٥ - إنّ من تمنى أمراً عظيماً، أو رأى شيئاً جليلاً يتمناه ، أن يقبل على الدعاء في لحظته، ولايؤخره، دل عليه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ ففي ((تقديم الظرف للإيذان بأنه أقبل على الدعاء من غير تأخير)) (٢). ٦ - ((إنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ، ومنها الدعاء؛ دعاء اللَّه تعالى، وهومن أكبرالأسباب)) (٣). ٧ - فيه دلالة على أن الدعاء يردّ القضاء ، وذلك أن من الأسباب العادية، أن العقيم والعجوز لاتلد، فلمّا دعا اللَّه تعالى أن يرزقه الولد، جاءت البشرى مباشرة، كما أفاد قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ (٤) عقب دعائه مباشرة، دلّ على ذلك بـ ((الفاء السببية))، والتي تفيد التعقيب والترتيب بدون مهلة. ٨ - ((إثبات سمع اللَّه ، وكرم اللَّه تعالى ، وقدرته، وجه ذلك:

стр. 143

أنه يسمع الدعاء، ويجيب من دعاه، وقادرعلى الإجابة)) (١). ٩ - أهمية التوسل بأسماء اللَّه المضافة (إنك سميع الدعاء)، وأنها من أعظم الوسائل إلى إجابة الدعاء، حيث اختاره ﷺ دون غيره من الأسماء. ١٠ - إنه كما يُتوسل إليه تعالى بأسمائه ، كذلك يُتوسل إليه جل وعلا بأفعاله، فقوله: ﴿هَبْ لِي﴾، توسّل بصفة الهبة، وهي صفة فعلية، وهي مشتقة من اسمه (الوهّاب). ١١ - أن في ذكر هذه القصة العجيبة ، وما تضمنته من دعوة جليلة ((حتى لا ييأس أحد من فضل اللَّه تعالى ورحمته، ولايقنط من فضله تعالى وتقدّس)) (٢). ١٢ - يستحب الإسرار بالدعاء ، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٣). ١٣ - استحباب الخضوع في الدعاء، وإظهار الذُّلِّ، والمسكنة ، والضعف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٤). ١٤ - أنّ من أحبّ الوسائل إلى اللَّه تعالى التوسل إليه بضعف الداعي ، وعجزه، وفقره إلى اللَّه تعالى؛ لأنه يدلّ على التبري من

стр. 144

الحول والقوة، وتعلّق القلب بحول اللَّه، وقوته؛ لقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١). ١٥ - أنَّ الشكوى إلى اللَّه تعالى لاتنافي الصبر ، وإ نما هي من كمال العبودية للَّه تعالى. ١٦ - يُستحبّ التوسّل إلى اللَّه تعالى بنعمه ، وعوائده الجميلة السابقة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، ((أي لم أشقَ يا ربّ بدعائك؛ لأنك لم تخيّب دعائي؛ بل كنت تجيب دعوتي، وتقضي حاجتي، فهوتوسّل إليه بما سلف من إجابته وإحسانه طالباً أن يجازيه على عادته التي عوّده من قضاء حوائجه، وإجابته إلى ما سأله)) (٢). لهذا يستحسن للداعي أن يستحضر نعم اللَّه تعالى عليه، وأنوع إحسانه بين يدي دعائه. ١٧ - ينبغي للداعي أن يكون جُلُّ دعائه في مطالب الدين ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ (٣)، أي: ((وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي، ألاّ يقوموا بدينك حق القيام، ولا يدعوا عبادك إليك)) (٤). ١٨ - أنّ فعل الخيرات والمسارعة إليها من أعظم أسباب

стр. 145

الإجابة، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بسبب ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (١)، علّل جلّ وعلا بإجابته لدعائه، ووهبه إياه يحيى، وإصلاح له زوجه بـ ((إن)) التي هي من حروف التعليل، وكذلك التأكيد (٢)،أي استجبنا لهم بسبب مسارعتهم إلى القربات والطاعات، ((ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلاّ انتهزوا الفرصة فيها)) (٣). ١٩ - أنّ دعاء اللَّه ﵎ في حالتي الرغبة والرهبة من أسباب إجابة الدعاء، دلّ عليه في الآية السابقة: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. ٢٠ - أنّ الخشوع من أسباب إجابة الدعاء ، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤) بالجملة الاسمية التي تدلّ على الدوام والثبوت، ((والخشوع هو: التذلّل، والتضرّع، والخوف اللازم للقلب الذي لايفارقه)) (٥). ١٠ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا
следующие страницы →