← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفوائد: تضمّنت هذه الدعوة المباركة فوائد، وحِكَماً، منها (١): ١ - ((إنّ جميع الخلق مفتقرون إلى اللَّه -، حتى الأنبياء لايستغنون عن دعاء اللَّه تعالى في كل أحوالهم، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾)) (٢). ٢ - إن من أعظم التوسل إلى اللَّه بالدعاء هو ((اسم (الربّ) ؛ لقوله: (ربّه)، ولم يقل (اللَّه)؛ ولهذا أكثر الأدعية مصدرة بـ (الربّ)؛ لأنّ إجابة الداعي من مقتضى الربوبية؛ فلهذا يتوسل الداعي دائماً باسم (الرب)، قال النبي ﷺ : ((يمدّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ)) (٣). (٤). ٣ - إنه لاينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية ؛ لأنّ الذريّة قد يكونون نكداً وفتنة، وإنّما يسأل الذريّة الطيّبة)) (٥). ٤ - إنّ حُسن الظنّ من حسن العبادة ، وأنه تعالى يجازي عبده، ويعطيه على قدر حسن الظنّ به، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ

стр. 142

دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، حيث أقبل على الدعاء مباشرة لحسن ظنّه بربه تعالى، كما جاء في الحديث القدسي عن ربّ العزّة والجلال: ((أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)) (١). ٥ - إنّ من تمنى أمراً عظيماً، أو رأى شيئاً جليلاً يتمناه ، أن يقبل على الدعاء في لحظته، ولايؤخره، دل عليه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ ففي ((تقديم الظرف للإيذان بأنه أقبل على الدعاء من غير تأخير)) (٢). ٦ - ((إنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ، ومنها الدعاء؛ دعاء اللَّه تعالى، وهومن أكبرالأسباب)) (٣). ٧ - فيه دلالة على أن الدعاء يردّ القضاء ، وذلك أن من الأسباب العادية، أن العقيم والعجوز لاتلد، فلمّا دعا اللَّه تعالى أن يرزقه الولد، جاءت البشرى مباشرة، كما أفاد قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ (٤) عقب دعائه مباشرة، دلّ على ذلك بـ ((الفاء السببية))، والتي تفيد التعقيب والترتيب بدون مهلة. ٨ - ((إثبات سمع اللَّه ، وكرم اللَّه تعالى ، وقدرته، وجه ذلك:

стр. 143

أنه يسمع الدعاء، ويجيب من دعاه، وقادرعلى الإجابة)) (١). ٩ - أهمية التوسل بأسماء اللَّه المضافة (إنك سميع الدعاء)، وأنها من أعظم الوسائل إلى إجابة الدعاء، حيث اختاره ﷺ دون غيره من الأسماء. ١٠ - إنه كما يُتوسل إليه تعالى بأسمائه ، كذلك يُتوسل إليه جل وعلا بأفعاله، فقوله: ﴿هَبْ لِي﴾، توسّل بصفة الهبة، وهي صفة فعلية، وهي مشتقة من اسمه (الوهّاب). ١١ - أن في ذكر هذه القصة العجيبة ، وما تضمنته من دعوة جليلة ((حتى لا ييأس أحد من فضل اللَّه تعالى ورحمته، ولايقنط من فضله تعالى وتقدّس)) (٢). ١٢ - يستحب الإسرار بالدعاء ، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٣). ١٣ - استحباب الخضوع في الدعاء، وإظهار الذُّلِّ، والمسكنة ، والضعف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٤). ١٤ - أنّ من أحبّ الوسائل إلى اللَّه تعالى التوسل إليه بضعف الداعي ، وعجزه، وفقره إلى اللَّه تعالى؛ لأنه يدلّ على التبري من

стр. 144

الحول والقوة، وتعلّق القلب بحول اللَّه، وقوته؛ لقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١). ١٥ - أنَّ الشكوى إلى اللَّه تعالى لاتنافي الصبر ، وإ نما هي من كمال العبودية للَّه تعالى. ١٦ - يُستحبّ التوسّل إلى اللَّه تعالى بنعمه ، وعوائده الجميلة السابقة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، ((أي لم أشقَ يا ربّ بدعائك؛ لأنك لم تخيّب دعائي؛ بل كنت تجيب دعوتي، وتقضي حاجتي، فهوتوسّل إليه بما سلف من إجابته وإحسانه طالباً أن يجازيه على عادته التي عوّده من قضاء حوائجه، وإجابته إلى ما سأله)) (٢). لهذا يستحسن للداعي أن يستحضر نعم اللَّه تعالى عليه، وأنوع إحسانه بين يدي دعائه. ١٧ - ينبغي للداعي أن يكون جُلُّ دعائه في مطالب الدين ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ (٣)، أي: ((وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي، ألاّ يقوموا بدينك حق القيام، ولا يدعوا عبادك إليك)) (٤). ١٨ - أنّ فعل الخيرات والمسارعة إليها من أعظم أسباب

стр. 145

الإجابة، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بسبب ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (١)، علّل جلّ وعلا بإجابته لدعائه، ووهبه إياه يحيى، وإصلاح له زوجه بـ ((إن)) التي هي من حروف التعليل، وكذلك التأكيد (٢)،أي استجبنا لهم بسبب مسارعتهم إلى القربات والطاعات، ((ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلاّ انتهزوا الفرصة فيها)) (٣). ١٩ - أنّ دعاء اللَّه ﵎ في حالتي الرغبة والرهبة من أسباب إجابة الدعاء، دلّ عليه في الآية السابقة: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. ٢٠ - أنّ الخشوع من أسباب إجابة الدعاء ، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤) بالجملة الاسمية التي تدلّ على الدوام والثبوت، ((والخشوع هو: التذلّل، والتضرّع، والخوف اللازم للقلب الذي لايفارقه)) (٥). ١٠ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا

стр. 146

مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). هذا الدعاء جاء ذكره في كتاب اللَّه العزيز تنويهاً بأهميّته، والحثّ على العناية به في كتابٍ يُتلى إلى يوم القيامة؛ لأنه جاء عن خلصاء أصحاب عيسى، وأصفيائه، وأنصاره، سمّاهم اللَّه ﵎ (الحواريون) من صفائهم، كالشيء الأبيض الخالص البياض، من شدة النقاء والصفاء. فقد أخلصوا سرائرهم، وعلانيتهم، ونياتهم، فصاروا في أعلى درجات النقاء في ظاهرهم وباطنهم. قولهم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ قدّموا توسّلهم بربوبيته تعالى؛ ((لأنّ الربوبية تدور على ثلاثة أشياء: الخلق، والملك، والتدبير، وإجابة الدعاء، داخل في هذه الثلاثة، فلذلك كان كثيراً ما يتوسّل به الداعون من الأنبياء والمرسلين، وغيرهم من المؤمنين، كما في الحديث الصحيح: (يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) (٢). أي: يا ربّنا صدَّقنا بكتابك الذي أنزلته (وهو الإنجيل)، وبكلّ ما أنزلته، وهذا الإيمان الكامل الذي يتضمّن الإيمان بكلّ ما أنزل اللَّه تعالى على أنبيائه من الكتب من قبلهم، ومن بعدهم، وفي تقديم

стр. 147

الإيمان باللَّه ((لأنّه هو أصل كلّ شيءٍ، ومقدّم على كل شيء، والإيمان باللَّه تعالى يتضمّن أموراً: الأول: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيّته، والإيمان بأسمائه، وصفاته جلّ وعلا)) (١). ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسولَ﴾: أي امتثلنا بما أتى به ظاهراً وباطناً، وهذا هو ثمرة الإيمان، والاتّباع، والإذعان، فجمعوا في دعائهم عدّة توسّلاتٍ عظيمة: توسّلاً بربوبيته، وبإيمانهم، وعملهم الصالح بين دعائهم، وطلبهم، استمطاراً لسحائب الإجابة منه . ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: هذه الغاية عندهم بعد تقديمهم الوسيلة: ((فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقروا لك بالتوحيد، وصدَّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم، فيما تكرمهم من كرامتك، وأحلّنا محلّهم ... )) (٢). ويدخل في ذلك دخولاً أوليّاً أمتنا أمة الحق والوسط، وهذا إخبار ربّ العالمين، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣)؛ لأنها هي آخر الأمم. قال شيخ المفسرين الطبري: ((يعرف خلقه - جل ثناؤه- بذلك سبيل الذين رضي أقوالهم وأفعالهم: ليحتذوا طريقهم، ويتبعوا

стр. 148

منهاجهم، فيصلوا إلى مثل الذي وصلوا إليه من درجات كرامتهم)) (١). تضمّن هذا الدعاء من الآداب والفوائد: ١ - ((إنّ الإيمان لا بد له من اتباع . ٢ - إنّه يجب أن يكون الإيمان شاملاً لكل ما أنزل اللَّه تعالى)) (٢). ٣ - ((إنّ إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام ، وما أشبه ذلك لا يعد من الرياء، لا سيما في الاتباع؛ لأن في ذلك فائدة، وهي تقوية المتبوع)) (٣). ٤ - أهمية التوسل إلى اللَّه ﵎ بأكثر من وسيلة ، فقد توسّل الأنبياء إلى اللَّه تعالى بوسيلتين عظيمتين: أ- الإيمان به . ب- واتباع الرسول ﷺ في قبول دعوتهم . ٥ - الحرص على صحبة الأخيار ؛ لأن في ذلك الصلاح في الدنيا، والفلاح في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤). ١١ - ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ

стр. 149

أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). المفردات: ((السّرف: تجاوز الحدّ في كل فعل يفعله الإنسان)) (٢). فالإسراف: ((مجاوزة الحدّ، ومجاوزة الحدّ هي إما في غلو، وإما في تقصير)) (٣). ما زلنا نقتطف من معين كتاب ربنا المبارك من جميل المباني، ودقائق المعاني، كلمات يستعذب بها الفؤاد، وتطيب الألسن، دعوات تتدفق منها الرحمات، والبركات، والخيرات. يُبيِّن لنا ربّنا من جميل الإشادة بالمؤمنين الصادقين الصابرين من أتباع الأنبياء والرسل، في الصبر، والثبات، والقوة، في مواضع المحن، وشديد البلاء، حثّاً لنا على الاقتداء بفعلهم ودعائهم، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٤)، فما أصابهم الوهن والجزع، ولا الضعف لصلابتهم في الدين، وقوة يقينهم، فما كان لهم من القول في هذه الشدة إلاّ التضرّع إليه بالدعاء: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ (٥)، أي

стр. 150

استر، وتجاوز عن صغار سيئاتنا، سألوا اللَّه تعالى المغفرة، وهم في أشدّ البلاء: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾، أي وكذلك كبائر ذنوبنا، وإنما أضافوا إلى أنفسهم بهذا السؤال مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب اللَّه هضماً لأنفسهم، واستقصاراً لهممهم (١)، وهذا من كمال العبودية للَّه ربّ العالمين. علموا أنّ الذنوب والإسراف فيها أعظم أسباب الخذلان والخسران، وأنّ التّخلّي عنها من أعظم أسباب النصر، فسألوا ربّهم المغفرة من كل الذنوب، وهذه هي صفات المتقين، فهم في رجاء وخوف، حتى وهم على أسنّة الشدائد والمصائب؛ لكون أكبر همّهم هو التّوجّه إلى اللَّه تعالى بأهمّ المطالب الدنيوية والأخروية، وهي: ١ - المغفرة للذنوب. ٢ - وتثبيت الأقدام في مواضع الزّلل. ٣ - والنّصر والظّفر على أعداء اللَّه تعالى. قوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: أي قوِّ قلوبنا على جهادهم؛ لتثبت أقدامنا فلا ننهزم، والأقدام إنما تثبت عند ثبوت قوّة القلب واليقين، والعبد محتاج إلى اللَّه أن يثبّت قدمه في ثلاث مواطن: ((أن يثبته في مواطن القتال إذ لو لم يثبته اللَّه لفرّ، وأن يثبته اللَّه عند الشبهات؛ إذ لو لم يثبته اللَّه لزاغ، وأن يثبته اللَّه عند الشهوات، إذ لو لم يثبته اللَّه

стр. 151

لهلك)) (١). ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي اجعل النصر لنا عليهم، فنكون الغالبين، وهم المخذولين، فإنّ النصر لا يستجلب إلاّ منك عزَّ شأنك. وفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة كما دلّ عليها لفظة (كأيّن) (٢) في الآيات السابقة إيذاناً بأنّهم لا ينظرون إلى كثرتهم، ولا يُعوِّلون عليها، بل يسندون ثباتهم إلى اللَّه تعالى، مع كمال يقينهم بأنّ النّصر من اللَّه جلّ في علاه (٣)، فلمّا جمعوا من عظيم الخصال في عصيب الحال، من الصبر، وترك الوهن، والضعف، والاستكانة، وطلب المغفرة والتوبة، وحسن الأدب في الخضوع بالدعاء، والاستنصار باللَّه تعالى وحده، أجابهم بحسن الثواب جزاءً وفاقاً، فقال عزّ من قائل: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، ثواب الدنيا: النّصر، والغنيمة، والتمكين في الأرض، وحسن ثواب الآخرة: هو النعيم الأبدي في روضات الجنّات، وتخصيص ثواب الآخرة بالحسن لتفضيله ومزيّته على كل ثواب ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين أحسنوا العمل،

стр. 152

والقول، والفعل، فنالوا أفضل المحابّ، ومحبته تعالى هي صفة فعليَّة من صفاته العليَّة التي تليق به . الفوائد: ١ - ((أنّ الإنسان مفتقر إلى اللَّه تعالى غاية الافتقار . ٢ - ينبغي للإنسان أن يدعو اللَّه تعالى بهذا الدعاء ، لا سيّما عند ملاقاة الكفار، حتى ينتصر عليهم. ٣ - أن الإنسان لا يخلو من الإسراف على نفسه: إمّا في غلو، وإمّا في تقصير)) (١)، فينبغي له الإكثار من هذا الدعاء؛ لأنه مناسب لحاله. ٤ - أنّ البسط في الدعاء أفضل من اختصاره ؛ فإنهم لو قالوا: (اغفر لنا) لكفى المعنى، ولكن بسطوا في الدعاء في قولهم: (اغفر لنا)، أي للصغائر: (إسرافنا) للكبائر؛ لأن الدعاء مقام عظيم في العبودية، فكلما أكثر العبد منه، وبالغ فيه، زادت عبوديته لربّه تعالى، وهذا منتهى العبادات والمقامات. ٥ - أنّ الذنوب سبب للخذلان والهوان ؛ ولهذا سألوا اللَّه تعالى إزالتها. ٦ - أنّ الدعاء من أعظم الأسباب لحصول المرغوب ، ودفع المكروه؛ لقوله: (فآتاهم)، فرتّب الثواب على الدعاء بـ (الفاء) التي تفيد التعقيب، والترتيب، والسبب.

стр. 153

٧ - ينبغي للعبد ألاّ يتّكل على الأسباب ذاتها ، بل على خالقها وموجدها،: ((فهم على كثرتهم لم ينظروا إلى كثرتهم، ولا يعوّلون عليها، بل يسندون ثباتهم ونصرهم إلى اللَّه تعالى)) (١). ١٢ - ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢). سبحانك: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وأصله من التنزيه والإبعاد عن السوء (٣). الأبرار: جمع بر، والبرّ هو: التوسّع في فعل الخير (٤). والخزي: الذلّ والهوان (٥).

стр. 154

هذه الدعوات الجليلة من أهل الإيمان، ينبغي للعبد أن يقف رويداً عندها بالتأمل والتدبر بما حوته من عظيم المنافع في مسائل الإيمان والمعاد. فقد جاء عن ابن عمر ﵄ أنّه قال لأُمِّنَا الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِيِ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي)، قُلْتُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّك، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: وَكَانَ جَالِسًا، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا)) (١). إنه موقف عظيم للنبي ﷺ ، ينبغي للعبد أن يتأمّل جيّداً في هذا الخلق العظيم العجيب في أقطار السموات والأرض، وما يسمو به ذلك من المعارف، والإيمان، والحبّ، والتعظيم، والذكر الكثير لله ربّ العالمين. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ

стр. 155

وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). أي: ((هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت، وبحار، وجبال، وقفار، وأشجار، ونبات، وزروع، وثمار. ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي تعاقبهما، وتعارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا، وتارة يقصر هذا، ثمّ يعتدلان. ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول التامّة الذكيّة التي تدرك الأشياء بحقائقها على جليّاتها)) (٢). ثم وصف أصحاب العقول السليمة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي: يذكرون اللَّه في كلّ أحوالهم، وأوقاتهم سرَّاً وعلانية. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يتأمّلون في عظيم خلقه، وبديع صنعه، فدلّ هذا على أنّ التفكّر في خلق السموات والأرض من صفات أولياء اللَّه تعالى؛ لأنهم إذا تفكّروا بها، وتدبروا في خلقها العجيب، أثمر لهم برد اليقين، وقوّة التسليم بأن اللَّه تعالى خلق هذه الأجرام بالحق الذي يسمو منه الحكم الباهرة، فقالوا:

стр. 156

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، أي: لم تخلقه عبثاً لكمال حكمتك، وسعة علمك. ﴿سُبْحَانَكَ﴾: من ((التسبيح، وهو التنزيه، والإبعاد عن السوء، والذي ينزه اللَّه تعالى عنه شيئان: (النقص)، (ومماثلة المخلوقات))) (١)، أي: ننزهك عن كل نقص وعيب، ومن ذلك أن تخلق شيئاً عبثاً لا حكمة فيه، فإن خلقك وفعلك كامل من كل الوجوه، لكمال حكمتك وحمدك وجلالك، وهذا يدلّ على حسن توسّلهم حال دعائهم. ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: قدّموا التنزيه المتضمّن لكل كمال قبل السؤال لشدّة رجائهم في الوقاية من هذا المهلك الرهيب، توسّلوا إليه تعالى أن يبعد عنهم أشدّ الشرّ وأعظمه، ثم بيّنوا علة سؤالهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي من أدخلته النار فقد أهنته، وأخزيته أمام الجميع في المحشر، وهذا الخزي العظيم الذي لا نصير لهم في هذا اليوم العظيم، ذكروا هذا الكلام في سياق الأخبار متضمناً لسؤالهم اللَّه تعالى الوقاية من النار. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: أي داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول محمد ﷺ ، وقيل: المنادي هو كتاب اللَّه تعالى، وكلاهما صحيح ومتعيّن: ((وهذا صريح في

стр. 157

الإيمان بالرسول والمرسل)) (١)؛ لأن ((عامّة ألفاظ القرآن تدلّ على معنيين فأكثر)) (٢). ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: في هذا إخبار منهم بمنَّة اللَّه عليهم بالإيمان، فقدَّموا هذا التوسّل ليكون وسيلة إلى الغاية العظيمة المرجوَّة عندهم من المغفرة والنجاة في الدار الآخرة. ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: أي بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، وهذا من حسن توسّلهم إلى اللَّه تعالى، حيث توسّلوا للَّه بأفضل أعمالهم، وهو إيمانهم به تعالى، والإيمان به يعني: الإيمان: ١ - بوجوده. ٢ - وربوبيته. ٣ - وألوهيته. ٤ - وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. ففي تكرير النداء إظهار لكمال التضرع والخضوع، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه الداعي من الضراعة والرغبة والرهبة في دعائه إلى مولاه ، فإن ذلك أرجى في الإجابة والقبول. ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: الذنوب طلبوا مغفرتها، والسيئات طلبوا

стр. 158

تكفيرها؛ لأن الذنوب هي: الكبائر، والسيئات هي الصغائر (١). ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: طلبوا المغفرة من صغائر الذنوب، بعد أن سألوا المغفرة لكبار ذنوبهم، يدلّ على بسطهم في دعائهم لهذا المطلب الجليل، وقد بيّنا أهمية البسط في الدعاء سابقاً. ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: طلبوا الوفاة مع الأبرار وجملتهم، فتضمن هذا الدعاء سؤال اللَّه التوفيق لفعل الخير، وترك الشرّ، الذي به يكون العبد من الأبرار. ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: وفي تكرير النداء بربوبية اللَّه تعالى إظهاراً لكثرة تضرعهم، وإلحاحهم المؤمّل منه الإجابة والقبول، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وعبوديتهم لربهم جلّ وعلا. سألوا اللَّه ﵎ أن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة الرسل من النصر والتمكين في الأرض، والفوز برضوان اللَّه تعالى، وجنانه في دار الآخرة، ثم أكّدوا ذلك متوسّلين أنّه لا يخلف الميعاد؛ لكمال صدقه في قوله ووعده، وكمال قدرته جلّ وعلا، كما قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (٢)، وقال عزّ من قائل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٣)، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا

стр. 159

وَعَدْلًا﴾ (١)؛ لأن إخلاف الوعد إما أن يكون لكذب الواعد، وإما أن يكون لعجز الواعد، وكلا الأمرين منتفيين عن اللَّه جلّ وعلا (٢). ثم بيّن من سننه القويمة التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، كما قال عزّ شأنه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (٣)، أنه يجيب من دعاه، ولاذ ببابه، وبجنابه العظيم. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآيات ... أكّد بالإجابة السريعة (كما دلّت الفاء)، والعظيمة بحصول مطلوبهم، كما دلّ على ذلك حرف (الفاء)، و (السين)، و (التاء) الذي يفيد المبالغة، والتأكيد (٤). ((وقوله: (ربهم)، ولم يقل اللَّه: (لأنهم كانوا يدعون بقولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، فالموقع هنا يقتضي الربوبية، وهي هنا ربوبية خاصة؛ لأن ربوبيته تعالى تنقسم إلى قسمين: عامّة وخاصّة، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ((ومقتضى الربوبية العامّة مطلق التصرف، ومقتضى الربوبية الخاصّة النصر، والتأييد، و [الحفظ])) (٥). وهذه الآيات البيّنات المشتملة على حسن الدعوات التي دعا بها

стр. 160

أُلو الألباب تحث العبد على الاجتهاد في الإكثار من الدعاء بها بتضرّعٍ وتذلّلٍ، ومما يدلّ على أهميتها ما ثبت عن النبي ﷺ : أنه كان يقرؤها إذا قام من الليل (١). تضمّنت هذه الدعوات الكثير من الفوائد المهمّة والجليلة: ١ - الحث على التأمّل في خلق السموات والأرض ؛ لأنّ اللَّه تعالى ذكر فيهما آيات. ٢ - إنّ التأمّل في خلق اللَّه تعالى يثمر حسن العبادة: من الذكر، والتضرّع، والدّعاء، وزيادة الإيمان. ٣ - ((فضيلة إدامة ذكر اللَّه على كل حال ، وأنه من لوازم العقل ومقتضياته. ٤ - انتفاء الباطل في خلق اللَّه تعالى نصّاً مطلقاً ، وإذا انتفى الباطل ثبت الحقّ في مقابله. ٥ - إثبات ما أثبته أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يُراد بها مجرد النفي، وإنما يُراد بها النفي مع إثبات كمال الضدّ.

стр. 161

٦ - تنزيه اللَّه جلّ وعلا عن كلّ عيبٍ ونقصٍ . ٧ - إنّ صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء من الوقاية من النار . ٨ - إثبات التوسّل في الدّعاء بصفات اللَّه تعالى ، من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني أننا نتوسل إلى اللَّه بتَنَزُّهِهِ عن النقص أن يقينا من النار)) (١). ٩ - إن الدّعاء كما يكون بصيغة الطلب ، يكون كذلك بصيغة الخبر المتضمّن للطلب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه﴾ أي: لا تخزنا فتدخلنا النار. ١٠ - إن سؤال اللَّه تعالى في مطالب الدِّين والدار الآخرة هي أفضل المطالب، وأعلى المراتب في الدعاء. ١١ - فضيلة البسط في الدعاء على الاختصار ؛ لأنه مقام عبودية، فكلما كثّره وطوّله العبد ازداد عبودية، وقربةً، وشوقاً إلى اللَّه تعالى؛ ولأنه يدلّ على الإلحاح الذي هو من موجبات الإجابة، فكل هذه الأسباب وغيرها تجعل الدعاء أكثر استجابة وقربة إلى اللَّه تعالى. ١٢ - يحسن بالداعي أن يذكر بعض منن وآلاء اللَّه تعالى عليه حال دعائه لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.

стр. 162

١٣ - ((إنّ ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه ، لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾. ١٤ - جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة ؛ لقوله ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفاً على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾)) (١). ١٥ - أهمية التوسل إلى اللَّه بأسمائه كما في تكرارهم في توسلهم لهذا الاسم الجليل ((الرب)). ١٦ - وكذلك التوسّل إليه تعالى بصفاته ، كما في قوله: (فَقِنَا)، وكذلك بصدق وعده: ﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، وهما صفتان فعليتان. ١٧ - من حسن الدعاء ذكر علّة السؤال ؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، وكقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: ما سألناك أن تعطينا إلا لأنك لا تخلف الميعاد. ١٨ - إن كثرة الثناء مع التوسّلات الجليلة بين يدي الدعاء من أعظم أسباب الإجابة ، وسرعة إعطاء المطلوب، كما يظهر في ثنائهم وتوسلاتهم، وما أفاد قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. ١٩ - مشروعية التوسّل إلى اللَّه بصفاته المنفية كما في: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، وقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾، فيتوسل بها كما

стр. 163

يتوسل بصفات الإثبات. ٢٠ - فيه ظهور كمال أسماء اللَّه تعالى وصفاته ... من سعة الكرم، والفضل، والعلم، والسمع، والإجابة، والقدرة، وكثرة المتعلقات، والآثار لهذه الأسماء والصفات في الخلق، وهذا من أعظم آثار وثمرات الأسماء والصفات في الخلق والكون. ١٣ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). لقد استوفينا شرحاً لمثيلتها من (سورة آل عمران) فارجع إليها (٢). ١٤ - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). هذه الدعوة المباركة من دعاء أبوينا ﵉، فهي الدعوات العظيمة المهمة لما حوته من عظيم المقاصد، والمدلولات الجليلة في كيفية التوبة والأوبة، من الذنوب والمعاصي، فذكرها ربنا ﷻ ؛لتكون لنا نبراساً وهدياً مستقيماً، نستهلّ به دعاءنا في حياتنا الدنيا. المفردات: (الربّ): هو المربّي، والمدبّر، والمُصلح، والسيّد،

стр. 164

والمالك، والمنعم (١). الظلم: ((وضع الشيء في غير محلّه المختصّ به، إمّا بنقصان أو زيادة، أو بعدول عن وقته، أو مكانه، والظلم يقال في مجاوزة الحدّ، ويستعمل في الذنب الكبير، وفي الذنب الصغير)) (٢)، ويطلق الظلم على الشرك؛ لأنه أعظم الظلم، وأقبحه، قال تعالى مبيِّناً لوصايا لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). المغفرة: هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، مأخوذة من (المغفر): الذي يستر به المقاتل رأسه، ويتقي به السهام وغيرها، فالمغفر جامع للستر والوقاية (٤). الشرح: ((هذا الخبر الذي أخبر اللَّه عن أبينا آدم من قيله الذي لقَّاه اللَّه تعالى إياه، فقال تائباً إليه من خطيئته تعريف منه جلّ وعلا ذكره جميع المخاطبين بكتابة كيفية التوبة إليه من الذنوب ... وأن خلاصهم مما هم عليه مقيمون من الضلالة، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته، فقالا لربهما: يا ربنا فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمعصيتك، وخلاف أمرك، وبطاعتنا عدوك فيما لم يكن لنا أن نطيعه

стр. 165

فيه به بعقوبتك إيَّانا عليه، (وَتَرْحَمْنَا): بتعطّفك علينا، وتركك أخذنا به: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: لنكوننّ من الهالكين (١)، استدلّ بالآية أن الصغائر يعاقب عليها مع اجتناب الكبائر إن لم تغفر (٢)، فغفر اللَّه لهما ذلك: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٣)، وهذه سنّة اللَّه تعالى التي لا تتغير في الصادقين المسرعين في توبتهم إليه بالعفو، والتجاوز، والصفح، وإن كان الذنب عظيماً. قال ابن كثير ﵀: ((وهذا اعتراف، ورجوع، وإنابة، وتذلل، وخضوع، واستكانة، وافتقار إليه تعالى، وهذا السرّ ما سرى في أحد من ذرّيته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه)) (٤). ((فمن أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم، والإقلاع، إذا صدرت منه الذنوب، اجتباه ربّه وهداه، ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب، لا يزال يزداد من المعاصي؛ فإنه لا يزداد من اللَّه تعالى إلاّ بُعداً)) (٥). وفي تقديم طلب المغفرة على الرحمة دلالة دقيقة على أن

стр. 166

الرحمة لا تنال إلا بالمغفرة، وهذا التعبير ظاهر في أغلب سياقات الدعاء في القرآن (١). الفوائد المستنبطة من الدعاء: ١ - إن تقديم الاعتراف بالخطأ، وظلم النفس قبل طلب المغفرة هو أرجى في قبول المغفرة والإجابة. ٢ - أهميّة التوسّل بربوبية اللَّه تعالى حال الدعاء ، كما في تصدير دعائهم بـ (ربّنا) الذي يدلّ على التربية، والعناية، والإصلاح، ومن ذلك إجابة دعائهم. ٣ - جمع هذا الدعاء المبارك ((أربعة أنواع من التوسّل: الأول: التوسّل بالربوبية (ربنا) . الثاني: التوسّل بحال العبد: (ظلمنا أنفسنا) . الثالث: تفويض الأمر إلى اللَّه جلّ وعلا: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾. الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة اللَّه ورحمته: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾)) (٢). ٤ - ((منّة اللَّه تعالى على آدم بقبول التوبة ، فيكون في ذلك منّتان:

стр. 167

الأولى: التوفيق للتوبة، والثانية: قبول التوبة)) (١)، وهذه منه عامّة لكل من يتوب إلى اللَّه تعالى، فينبغي للعبد أن يشكر ربه إن وفّقه للتوبة. ٥ - تضمّنت هذه الدعوة أخلص شروط التوبة النّصوح ، وهي: ترك الذنب، والندم عليه، والعزيمة مستقبلاً على عدم العودة إليه. ٦ - هذه الدعوة من أفضل الصيغ في طلب المغفرة ؛ لأن ربّنا علّمها أبا البشر، وجُعِلت قرآناً يُتلى إلى قيام الساعة. ٧ - من كمال الدعاء أن يجمع الداعي حال دعائه بين الرغبة والرهبة والتوبة: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ٨ - من حُسن الدعاء وأدبه أن يكون بصيغة التعريض المتضمّنة للطلب . ٩ - إنّ مطلب المغفرة، والرحمة من أهمّ المطالب . ١٠ - يُستحبّ للدّاعي أن يذكر سبب الدعوة التي يدعو بها: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ١١ - فيها بيان أن الذنب ينبغي أن يُستعظم، وإن كان صغيراً ؛ فإنه في حقّ العظيم عظيم. ١٢ - إنّ الدعاء ملجأ جميع الأنبياء والمرسلين ، وأنه لاغنى لأحد

стр. 168

عنه من الخلق أجمعين. ١٥ - ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). هذه دعوة أصحاب الأعراف، ((والأعراف: موضع بين الجنة والنار، يشرف على كل منهما، وليس هو موضع استقرار، وإنما هو موضع أُناسٍ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، يمكثون فيه مدة كما يشاء اللَّه، ثم يدخلون الجنة، وفي ذلك حِكَمٌ نبَّه اللَّه تعالى عليها ... )) (٢). وقد ذكر اللَّه دعوتهم في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: وإذا صُرفت أبصار أصحاب الأعراف حيال وجوه أصحاب النار، رأوا منظراً شنيعاً في تشويه اللَّه تعالى لهم، وهَوْلاً فظيعاً في ما هم فيه، فتضرّعوا إلى اللَّه ألاّ يصيبهم ما أصابهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: سألوا اللَّه تعالى أن يُعيذهم من سوء حال الظالمين في النار، وهذا يدلّ على شدّة العذاب المحيط بهم، والعياذ باللَّه تعالى: ((وفي وصفهم بـ (الظلم): دون ما هم عليه حينئذٍ من العذاب، وسوء الحال الذي هو الموجب للدعاء إشعارٌ بأنّ المحذور عندهم ليس نفي العذاب فقط؛ بل مع ما يوجبه، ويؤدي إليه من الظلم)) (٣) دلالة على سوء هذا الوصف المهين.

стр. 169

ولما كان اللَّه تعالى ((قد قضى أنّ أصحاب الأعراف سيدخلون الجنّة، جعل الطمع والرجاء في قلوبهم، والدعاء أن يجيرهم من النار، ولا يجعلهم مع القوم الظالمين في ألسنتهم، والدعاء مع الرجاء والطمع لا تتخلف عند الإجابة)) (١). فالمؤمن ينبغي له أن يلازم سؤال اللَّه تعالى ألاّ يجعله مع القوم الظالمين في الدنيا ولا في الآخرة، فينبغي له أن يفارقهم، ولا يجاورهم في الدنيا، حتى لا يحوطه من العذاب ما يحوطهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٢). وحتى لا يكون معهم في الآخرة لما هم فيه من سوء المكان من العذاب المهين، فالنجاة في الابتعاد عنهم، والتمسك بصراط اللَّه تعالى المستقيم. تضمّنت هذه الدعوة جُملاً من الفوائد: ١ - ينبغي للعبد أن يجتنب كلّ ما يُؤدّي - والعياذ للَّه - إلى سوء المآل والحال إلى جهنم وبئس المصير من الأقوال والأفعال والأخلاق. ٢ - ينبغي الإكثار من هذه الدعوة المهمّة ؛ لأنّها تضمّنت الاستعاذة من أسوأ الخصال التي تورد سوء المآل.

стр. 170

٣ - أهمّية الدعاء، فلا غِنى للخلائق عنه حتى في الدار الآخرة ، فما استجلب النعم، ودفعت النقم بمثله. ٤ - دلّت هذه الدعوة على المبالغة في سؤال اللَّه تعالى مجانبة الظالمين ، كما دلّ قوله: (مع)، ولم يقل (من) دلالة على شدّة المباعدة؛ فإن السؤال ألاّ يكون معهم آكد في توكيد اللفظ والمعنى، ألاّ يكون منهم من باب أولى. واللَّه تعالى أعلم. ١٦ - اللَّهُمَّ ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ* وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١). هذه الدعوة المباركة من دعوات موسى ﵇ تحمل في طيّاتها من كمال الآداب الجميلة، والمطالب الجليلة، التي يحسن بالداعي فهم معانيها ومضامينها، حتى يدعو ربّه الكريم بأجمل المباني، وأجلّ المعاني، وقدّم المؤلف حفظه اللَّه (اللَّهم)، ومعناها: يا اللَّه، حتى تتناسب في البدء بالدعاء أدباً وكمالاً، فبدأ ﵇ بالثناء على اللَّه ﵎ بدءاً بضمير الفصل (أنت) الذي يفيد: ((التوكيد، والحصر، وإزالة اللبس بين الصفة والخبر)) (٢)، فقال: أنت القائم

стр. 171

بأمورنا الدنيوية والأخروية، وأنت ناصرنا، وحافظنا، لا غيرك (١)، قدّم ذكر ولايته تعالى لهم على المغفرة؛ ليكون أدعى للإجابة، وتمهيداً لطلب المغفرة والرحمة، وهذا من حُسن أدبه في الدعاء لربه ، وكذلك في اختياره التوسّل إلى اللَّه تعالى باسم من أسمائه تعالى الحسنى، وهو (الوليّ): الذي له تعالى الولاية العامة على كل الخلائق: بالخلق، والتدبير، والرزق، والتصريف، وله الولاية الخاصّة لأوليائه: من الحفظ، والعناية، والرعاية، والنصرة على عدوّهم، وهذه الولاية التي سألها موسى ﵇. وفي تقديم طلب المغفرة قبل الرحمة، من باب التخلية قبل التحلية؛ لأن التخلية أهمّ من التحلية (٢). وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من الدعاء، وتخصيص المغفرة بالذكر؛ لأنها الأهم بحسب المقام (٣). أي أنّ كلّ ((غافر سواك، إنما يغفر لغرض، كحب الثناء، ودفع الضرر، أما أنت فإنك تغفر لا لطلب عوض، ولا غرض، بل لمحض الفضل والكرم)) (٤).

стр. 172

والغفر - كما تقدم مراراً- هو: ((الستر، وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قُرنت مع الغفر يُراد بها أن لا يُوقعه في مثله في المستقبل)) (١). ثم شرع سؤال خيري الدنيا والآخرة بأوجز لفظٍ، وأشمل معنى، فقال ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقوله: (اكتب): طلب ذلك بفعل الكتابة لإفادة معنى الثبات والتجدد، قال ابن عاشور ﵀: ((لمعنى العطاء المحقّق حصوله، المجدد مرة بعد مرة؛ لأن الذي يريد تحقيق عقد، وعدة، أو عطاء، وتعلقه بالتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفته، ولو كان العطاء أو التعاقد لمرة واحدة لم يحتج للكتابة، فالمعنى آتنا الحسنة تلو الحسنة في أزمان حياتنا، ويوم القيامة)) (٢). وقد تقدم سابقاً في تفسير معنى الحسنة في سورة البقرة، وهي كلمة جامعة لكل ما يتمنّاه العبد في دينه، ودنياه، وآخرته. ثم ختم دعاءه بقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: أي تبنا، وأنبنا إليك، في جميع أحوالنا: ((والجملة مستأنفة مسوق لتعليل الدعاء؛ فإن التوبة مما يوجب قبول الوعد المحتوم)) (٣). وهي من أهم مؤكدات قبول وإجابة الدعاء، فَحَسُنَ الختام بها.

стр. 173

الفوائد: ١ - ينبغي للداعي أن يختار في دعائه لربه ﵎ أنبل الألفاظ ، وأجمل المعاني والتعظيم مثل: أ- ضمير الفصل (أنت) . ب- توسّل باسم من أسمائه الحسنى (الولي) كما في قوله: (وليّنا). ج- ومن الأسماء المضافة (خير الغافرين) . د- التأكيد والعزم على التوبة، والأوبة: (إنا هدنا إليك) . ٢ - العناية بأجلّ المطالب والمقاصد في الدنيا والآخرة حال الدعاء ، وهي: طلب المغفرة، والرحمة: (فاغفر لنا وارحمنا). ١٧ - ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١). حسب: يستعمل في معنى الكفاية (حسبنا اللَّه) أي: كافينا (٢). هذا الدعاء المبارك الذي أمر نبي الرحمة ﷺ أن يقوله إذا تولى عنه المعرضون بما جاءهم من الحق والهدى والصراط المستقيم، ولم يقبلوا منه النصيحة، ولا الموعظة الحقة أن يستعين

стр. 174

باللَّه عليهم في الدعاء، والتوكل عليه، وقبل أن نشرح هذا الدعاء ينبغي أن نعلم أن الدعاء يُطلق على نوعين اثنين: ١ - دعاء مسألة وطلب. ٢ - دعاء العبادة، وهذا يدخل في كلّ ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير اللَّه، والثناء على الداعين يتناول هذين النوعين، وكلاهما متلازمان، فالداعي دعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة، وبالعكس، فالداعي دعاء العبادة هو مُتعبِّدٌ للَّه تعالى، طالبٌ وداعٍ دعاء بلسان مقاله، ولسان حاله ربه، قبول تلك العبادة، والإثابة عليها، والداعي دعاء المسألة، هو كذلك داعٍ للَّه تعالى بلسانه وحاله إن اللَّه يقبل دعاءه، ويثيبه عليه. ﴿حَسْبِي اللَّهُ﴾: أي كافيني ربي من جميع ما أهمّني. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾: لا معبود بحقٍّ إلاّ هو، تضمّنت هذه الكلمة العظيمة التي عليها الفلاح والنجاح: نفي وإثبات، (لا إله) نفي لكل الآلهة التي تُعبد من دون اللَّه ﵎: (إلاَّ هو) إثبات في تخصيص العبودية له جلّ وعلا بالحق، دون أحدٍ سواه. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾:التوكل: هو اعتماد القلب على اللَّه وحده، وسكونه، وعدم اضطرابه؛ أي: اعتمدت عليه، ووثقت به وحده في جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، وفي تقديم (عليه) للحصر والقصر:

стр. 175

أي لا أعتمد إلا عليه وحده عزَّ شأنه. والتوكل يقوم على ركنين: الركن الأول: اعتماد القلب على اللَّه تعالى . الركن الثاني: العمل بالأسباب . ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: أي هو مالك أعظم المخلوقات على الإطلاق المحيط بكل شيء الذي هو سقف المخلوقات، وعليه استوى كما يليق به جلّ وعلا، فدونه من المخلوقات داخلون في ربوبيته، وملكه من باب أولى. وهذا الدعاء، وإن كان من باب الإخبار، إلا أنه متضمّن للسؤال والطلب، كما بيّنا سابقاً، وكأنّ حال السائل يقول: اكفني يا ربي من كل شيء يهمّني، ويخيفني، فتضمّن هذا الدعاء كمال حُسن الظن، واليقين باللَّه، وتوحيده، والتوكّل عليه، والثناء له، في ملكوته لكل شيء، فهو المستحقّ أن يفزع، ويرجع إليه في كل الأمور. وقد جاء في فضل هذا الدعاء المبارك من حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((مَنْ قالَ فِي كُلّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبحُ، وَحِينَ يُمْسِي: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهمَّهُ مِنْ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ)) (١).

стр. 176

تضمّن هذا الدعاء فوائد كثيرة، منها: ١ - أهمية هذه الدعوة لما جاء في فضلها من السنة في الكفاية من كل ما يهمّ العبد في دينه ودنياه. ٢ - أنّ على العبد أن يستفرغ كل ما في وسعه من الأسباب الشرعية وغيرها في تحقيق مقصوده، ثم يتوكل عليه جلّ وعلا، وهذا من كمال التوحيد. ٣ - إنّ التوكّل سبب لكفاية اللَّه تعالى للعبد ، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١). ٤ - فضل كلمة التوحيد، فإنّ فيها النجاة في الدنيا والآخرة . ٥ - أهمية التوسّل إلى اللَّه تعالى بتوحيده، والتوكل عليه ، وربوبيته تعالى لأعظم مخلوقاته. ٦ - أن الدعاء كما يكون بصيغة الطلب، يكون كذلك بصيغة الخبر . ٧ - ينبغي للداعي أن يُحسن ظنّه بربه حال دعائه ، كما في قوله: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، وهذا من التوسّل، والعمل الصالح. ١٨ - ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا

стр. 177

بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). هذه الدعوة المباركة ضمن الدعوات الكثيرة التي ذكرت في كتاب ربنا لموسى ﵇ مع فرعون كما سبق لما فيها من مقصدٍ عظيمٍ، في شأنٍ مهمّ وخطيرٍ، في كيفية تعامل المؤمن مع الكافرين والظالمين، عند الفتن، والتسلّط عليهم، وأن ملجأهم الأول اللَّه جلّ وعلا في التوكل والإنابة إليه، والالتجاء إليه بالدعاء، والتضرّع، وهذه الدعوة لها شبه من دعوة نوح ﵇ وقومه، وقد شرحناها سابقاً. ((يخبر أنه لم يؤمن بموسى مع ما جاء به من الآيات البينات، والحجج القاطعات، والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون (٢) من الذرية، وهم الشباب على وجه التخوف منه، ومن ملّته أن يردّوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر)) (٣)، كما قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ (٤). ثم أمرهم ﵊ بإخلاص التوكل على اللَّه تعالى:

стр. 178

﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (١):أمرهم ﵇ بالتوكل؛ لأن اللَّه تعالى يكفي كل ما يهمّ العبد، ويخافه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) أي: ((كافيه، وكثيراً ما يقرن اللَّه تعالى بين العبادة والتوكل)) (٣) لتلازمهما، وأنهما لا ينفكان ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٤). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((التوكل على اللَّه تعالى نوعان: أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد، وحظوظه الدنيوية، أو دفع مكروهاته، ومصائبه الدنيوية. الثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه، ويرضاه من الإيمان، واليقين، والجهاد، والدعوة إليه. وفي النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا اللَّه ﵎، فمتى توكّل عليه العبد في النوع الثاني، حقّ توكله كفاه، والنوع الأول تمام الكفاية، ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضاً، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه)) (٥). قال لهم موسى إن كنتم صدّقتم باللَّه، وما جاء به من الحقّ، ومن

стр. 179

ذلك نصره، فتوكّلوا عليه وحده، كرر الشرط تأكيداً وبياناً أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى اللَّه ، فكان منهم الاستجابة والطاعة الفورية، كما أفادت (الفاء) التعقيبية: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بما كتب علينا من قضائه وقدره الذي كلّه خير. وفي تقديمهم التوكل على سؤالهم، فهذا من باب التوسّل إليه بأعمالهم الصالحة. ولا يخفى ((في ترتيب الدعاء على التوكل تلويح بأن حقّ الداعي أن يبني دعاءه على التوكل على اللَّه، فإنه أرجى للإجابة)) (١). ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ((أي: لا تسلّطهم علينا فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا فتنة لهم يفتنون بنا غيرنا، فيقولون لهم: لو كان هؤلاء على حق لما سُلّطنا عليهم وعذبناهم)) (٢). سألو السلامة والعصمة في دينهم لهم ولغيرهم، وهذا يدلّ على قوة إيمانهم على ما هم فيه من الشدَّة والكُرْبة، وبعد أن دعوا اللَّه تعالى في أن يصون دينهم عن الفساد والهلاك، أتبعوه بسؤال اللَّه السلامة لأنفسهم (٣) من الهلاك والضرّ، فقالوا:

стр. 180

﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: خلّصنا بواسع رحمتك من مجاورة القوم الكافرين، وتخصيص التوسل برحمته؛ لأنّ بها يحصل المطلوب، ويزول المكروه، وفي هذا دليل على اهتمامهم بأمر دينهم فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ من مصائب الدين؛ لأنها أشد المصائب والمهالك، ((وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا)) (١). الفوائد: ١ - إن الإيمان الصادق يقتضي التوكل على اللَّه تعالى وحده: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾. ٢ - إن الدعاء لا ينافي التوكل على اللَّه تعالى والتقوي به ، بل هو أدلُّ على التوجه بالتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى، والمؤمن لا يتمنّى البلاء، ولكن يثبت عند اللقاء)) (٢). ٣ - أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى حال الدعاء ، حيث توسلوا إليه بعملهم الصالح: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)، وتوسلوا إليه باسم من أسمائه الحسنى (رَبَّنَا)، وصفة من صفاته العلا (برحمتك) ((نجنا برحمتك)).
следующие страницы →