← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تضمّن هذا الدعاء فوائد كثيرة، منها: ١ - أهمية هذه الدعوة لما جاء في فضلها من السنة في الكفاية من كل ما يهمّ العبد في دينه ودنياه. ٢ - أنّ على العبد أن يستفرغ كل ما في وسعه من الأسباب الشرعية وغيرها في تحقيق مقصوده، ثم يتوكل عليه جلّ وعلا، وهذا من كمال التوحيد. ٣ - إنّ التوكّل سبب لكفاية اللَّه تعالى للعبد ، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١). ٤ - فضل كلمة التوحيد، فإنّ فيها النجاة في الدنيا والآخرة . ٥ - أهمية التوسّل إلى اللَّه تعالى بتوحيده، والتوكل عليه ، وربوبيته تعالى لأعظم مخلوقاته. ٦ - أن الدعاء كما يكون بصيغة الطلب، يكون كذلك بصيغة الخبر . ٧ - ينبغي للداعي أن يُحسن ظنّه بربه حال دعائه ، كما في قوله: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، وهذا من التوسّل، والعمل الصالح. ١٨ - ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا

стр. 177

بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). هذه الدعوة المباركة ضمن الدعوات الكثيرة التي ذكرت في كتاب ربنا لموسى ﵇ مع فرعون كما سبق لما فيها من مقصدٍ عظيمٍ، في شأنٍ مهمّ وخطيرٍ، في كيفية تعامل المؤمن مع الكافرين والظالمين، عند الفتن، والتسلّط عليهم، وأن ملجأهم الأول اللَّه جلّ وعلا في التوكل والإنابة إليه، والالتجاء إليه بالدعاء، والتضرّع، وهذه الدعوة لها شبه من دعوة نوح ﵇ وقومه، وقد شرحناها سابقاً. ((يخبر أنه لم يؤمن بموسى مع ما جاء به من الآيات البينات، والحجج القاطعات، والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون (٢) من الذرية، وهم الشباب على وجه التخوف منه، ومن ملّته أن يردّوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر)) (٣)، كما قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ (٤). ثم أمرهم ﵊ بإخلاص التوكل على اللَّه تعالى:

стр. 178

﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (١):أمرهم ﵇ بالتوكل؛ لأن اللَّه تعالى يكفي كل ما يهمّ العبد، ويخافه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) أي: ((كافيه، وكثيراً ما يقرن اللَّه تعالى بين العبادة والتوكل)) (٣) لتلازمهما، وأنهما لا ينفكان ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٤). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((التوكل على اللَّه تعالى نوعان: أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد، وحظوظه الدنيوية، أو دفع مكروهاته، ومصائبه الدنيوية. الثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه، ويرضاه من الإيمان، واليقين، والجهاد، والدعوة إليه. وفي النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا اللَّه ﵎، فمتى توكّل عليه العبد في النوع الثاني، حقّ توكله كفاه، والنوع الأول تمام الكفاية، ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضاً، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه)) (٥). قال لهم موسى إن كنتم صدّقتم باللَّه، وما جاء به من الحقّ، ومن

стр. 179

ذلك نصره، فتوكّلوا عليه وحده، كرر الشرط تأكيداً وبياناً أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى اللَّه ، فكان منهم الاستجابة والطاعة الفورية، كما أفادت (الفاء) التعقيبية: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بما كتب علينا من قضائه وقدره الذي كلّه خير. وفي تقديمهم التوكل على سؤالهم، فهذا من باب التوسّل إليه بأعمالهم الصالحة. ولا يخفى ((في ترتيب الدعاء على التوكل تلويح بأن حقّ الداعي أن يبني دعاءه على التوكل على اللَّه، فإنه أرجى للإجابة)) (١). ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ((أي: لا تسلّطهم علينا فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا فتنة لهم يفتنون بنا غيرنا، فيقولون لهم: لو كان هؤلاء على حق لما سُلّطنا عليهم وعذبناهم)) (٢). سألو السلامة والعصمة في دينهم لهم ولغيرهم، وهذا يدلّ على قوة إيمانهم على ما هم فيه من الشدَّة والكُرْبة، وبعد أن دعوا اللَّه تعالى في أن يصون دينهم عن الفساد والهلاك، أتبعوه بسؤال اللَّه السلامة لأنفسهم (٣) من الهلاك والضرّ، فقالوا:

стр. 180

﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: خلّصنا بواسع رحمتك من مجاورة القوم الكافرين، وتخصيص التوسل برحمته؛ لأنّ بها يحصل المطلوب، ويزول المكروه، وفي هذا دليل على اهتمامهم بأمر دينهم فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ من مصائب الدين؛ لأنها أشد المصائب والمهالك، ((وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا)) (١). الفوائد: ١ - إن الإيمان الصادق يقتضي التوكل على اللَّه تعالى وحده: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾. ٢ - إن الدعاء لا ينافي التوكل على اللَّه تعالى والتقوي به ، بل هو أدلُّ على التوجه بالتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى، والمؤمن لا يتمنّى البلاء، ولكن يثبت عند اللقاء)) (٢). ٣ - أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى حال الدعاء ، حيث توسلوا إليه بعملهم الصالح: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)، وتوسلوا إليه باسم من أسمائه الحسنى (رَبَّنَا)، وصفة من صفاته العلا (برحمتك) ((نجنا برحمتك)).

стр. 181

٤ - ينبغي الاستعاذة من الفتن لشدة خطورتها على الدين ، فقد كان ﷺ يأمر بالاستعاذة منها: ((تعوَّذوا باللَّه من الفتن: ما ظهر منها، وما بطن)) (١)، وكان ﷺ يقول في دعائه قبل السلام: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات)) (٢). ١٩ - ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). المفردات: العَوذ: الالتجاء إلى الغير، والتعلّق به، يقال: عاذ فلان بفلان (٤)، ((وحقيقة معناه: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه)) (٥). الشرح: هذه الدعوة المباركة من النبي نوح ﵇ بعد أن أهلك اللَّه تعالى ابنه مع الكافرين في الطوفان، سأل ربه سؤال استعلام عن حال ولده الذي غرق: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ

стр. 182

وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١)، ((لعلّه ﵊ حملته الشفقة، وأنّ اللَّه تعالى وعده بالنجاة لأهله، فظن أن الوعد لعمومهم: من آمن، ومن لم يؤمن، فبيّن له تعالى إنه ليس من أهلك الذين وعدتهم بالإجابة)) (٢)، فقال تعالى له: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣)، فقال نوحٌ ﵇ نادماً، وملتمساً الصفح من ربه: إني أستجير بك، وأحتمي بجنابك من أن أسألك ما ليس لي به علم صحيح بأنه جائز السؤال به لجهلي، وسعة علمك الذي وسع كل شيء. وقوله: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾: ما فرط مني من قول، وما صدر عني من فعل بسبب جهلي، لا عن قصدٍ مني، وهذا دأب الصادقين في سرعة التوبة إلى اللَّه تعالى، مخافة أن يدركهم غضبه وعقابه، وطلب المغفرة قبل الرحمة؛ لأن التخلية مقدمة على التحلية. ثم أعقبها ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾، وتتداركني برحمتك التي وسعت كل شيء ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا في الدنيا بالاحتجاب عن علمك وحكمتك، وخسروا آخرتهم وسعادتهم، فدلّ على أن المغفرة والرحمة سبب لدفع المرهوب، والاستجلاب للمرغوب

стр. 183

المحبوب. الفوائد: وفي هذا الدعاء المبارك آداب مهمّة ينبغي للداعي أن يعتني بها: ١ - ينبغي للداعي أن يتفَقَّه في باب الدعاء حتى يدعو على علمٍ ، وبصيرةٍ، وفهمٍ. ٢ - ينبغي للعبد الاعتناء في طلب هذين المقصدين العظيمين: المغفرة، والرحمة حال دعائه، كما في غالب الأدعية؛ لأن فيهما الوقاية والعناية، وذلك أنّ المغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، وهذه هي الوقاية، والرحمة تقتضي الإحسان، والإنعام، والخيرات، وهذه هي العناية. ٣ - أهمية سؤال اللَّه بربوبيته، سواء كان في الطلب أو في الاستعاذة ؛ فإنه من مؤكدات الإجابة. ٤ - ينبغي للداعي أن يتجنّب الاعتداء في الدعاء . ٥ - فيه دلاله على أن العبد مهما كانت منزلته ، فإنه مفتقر إلى اللَّه بالتوبة والمغفرة. ٦ - ينبغي للداعي أن يعتني بالأدعية الشرعية ؛ فإن فيها السلامة من الخلل، والزلل، وفيها كمال المقصد والمقاصد. ٧ - ((عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع)) (١).

стр. 184

٢٠ - ((اللَّهُم يا ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١). المفردات: فاطر: فطر الشيء يفطره وفطَّره: شقه، وتفطَّر الشيء: تشقّق، وأصل الفطر: الشقَّ طولاً، وجمعه فطور، قال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (٢)، أي: اختلال، ووهْيٍ فيه، والفطر والفطرة: الابتداء والاختراع (٣). هذه الدعوة المباركة من النبي يوسف الصديق ﵇: ((دعا به ربه لمّا تمّت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منَّ اللَّه تعالى به عليه من النبوة والملك، سأل ربه كما أتمّ نعمته عليه في الدنيا، أن يستمرّ بها عليه في الآخرة، وأن يتوفّاه مسلماً حين يتوفّاه، وأن يُلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين)) (٤). وهذا يدلّنا على أهمية الدعاء، وأنه منهج كل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وأنه ملجؤهم إليه في سرائهم وضرائهم، وفي كل أحوالهم، وأنه ينبغي أن يكون الدعاء ملجأ العبد في حياته

стр. 185

في جميع شؤونه، وفي كل صغيرة وكبيرة. فصدر دعائه بأجمل الألفاظ، وأكمل المعاني، من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا. فقال: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي يا خالق السموات والأرض، ومبدعهما، ومبتدئهما من غير مثال سابق. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: مالك كل أموري، وكل أحوالي، في الأولى والآخرة. فسأل اللَّه تعالى الولاية الخاصة التي من مقتضاها: العناية، والرعاية. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾: سأل اللَّه تعالى الثبات على الإسلام حتى يتوفاه عليه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). وهذا المطلب الجليل كان المصطفى ﷺ يسأله ربه ﵎: ((يا وليَّ الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه)) (٢). ثم سأل ربه تعالى أن يكمل له هذه النعمة في مرافقة الصالحين من أوليائه في جنات النعيم، فقال تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. ولا يدلّ هذا الدعاء المبارك على أن يوسف ﵇ دعا باستعجال

стр. 186

الموت، فإن هذا لا يجوز في شريعتنا (١). كما قال النبي ﷺ : ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي)) (٢). الفوائد: ((جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب ، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجلّ غايات العبد، وأن ذلك بيد اللَّه تعالى، لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء)) (٣). ٢١ - ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ (٤). هذه من دعوات أبينا إبراهيم ﵊ تحمل في طياتها من جليل المعنى، وعظيم المقصد والمطلب في التوسل إلى اللَّه تعالى في الوقاية من أدران الشرك بأنواعه. ((أي واذكر إبراهيم ﵇ في هذه الحالة الجميلة ﴿رَبِّ اجْعَلْ

стр. 187

هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾: أي الحرم آمناً، فاستجاب اللَّه دعاءه شرعاً وقدراً، فحرّمه اللَّه تعالى في الشرع، ويسّر من أسباب حرمته قدراً ما هو معلوم، حتى إنه لم يُرده ظالم بسوء إلا قصمه اللَّه تعالى، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم)) (١). ومن خواص هذا المكان المبارك الطيّب الطاهر أنه من أراد به مجرد الإرادة بالسوء والشرّ، فإنّ اللَّه تعالى يذيقه من العذاب الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢). وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في قول اللَّه : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ لَأَذَاقَهُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا)) (٣). ولما دعا للبلد الحرام بالأمن، دعا لنفسه ولبنيه بالأمن كذلك، فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾: أي وأبعدني وبنيّ جانباً بعيداً عن عبادتها، ((وكان إبراهيم التيمي يقول: من يأمن البلاء بعد الخليل حين يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) كما عبدها أبي وأمي)) (٤).

стр. 188

فسأل اللَّه تعالى الثبات على التوحيد الصافي النقي، من كل أدران شرك، وكل شائبة تقدح فيه، له ولذريته، بكل شفقة وخوف ورجاء. قال ابن كثير ﵀: ((ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته)) (١). فقد تضمّن سؤاله ﵇ الأمان وما يضادّه من سلب الإيمان. وهذا الدعاء، وإن كان في القرون الغابرة، فمازال سارياً في عبادة الأصنام إلى يومنا هذا، بل وفي بعض البلاد، التي تنسب إلى الإسلام، ويدخل في هذا الدعاء، كل من عُبد دون اللَّه ﵎، من حجر، أو شجر، أو بشر؛ فلذلك كانت هذه الدعوة في غاية الأهمية في كل زمان، ومكان، وتُتلى في الكتاب الحكيم المعجز إلى قيام الساعة، وهذا من أوجه إعجازه. ثم ذكر الموجب لخوفه منها، وعلى بنيه لكثرة من افتتن وابتلي بعبادتها من البشر: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا يدل على شدة شفقته على ذريته في مجانبتها، وأن ذلك شغله الشاغل، وهمّه الأكبر، وهذا يدلّنا على أهمية العناية بمسائل التوحيد، وما يضادّه من الشرك والكفر، وأنَّ أصفياء اللَّه تعالى وأنبياءه؛ بل وخليله، يلوذون به تعالى في وقايتهم من الشرك بأنواعه وأشكاله، فيا ليت الدعاة يعتنون بهذا الأمر العظيم في تبليغه للناس، وكذلك كل من له ولاية عامة أو

стр. 189

خاصة، ومن ذلك تعليم الوالدين لأبنائهم عظم هذه الأمور. الفوائد: ١ - ينبغي لكل مسلم الإكثار من هذه الدعوة العظيمة ؛ لاشتمالها في الاستعاذة من أعظم الذنوب، وأخطر الشرور وهو (الشرك). ٢ - ينبغي للداعي أن يبثّ إلى ربه تعالى الشكوى مما يخافه ويخشاه، وأن هذه سنة الأنبياء في الدعاء، كما في قول يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه﴾ (١). ٣ - ينبغي مجانبة كل الأسباب والأحوال التي تُضلّ العباد عن دينهم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. ٤ - ينبغي لكل أحد أن لا يأمن على نفسه وذريته من عظام الذنوب ، مهما كان في عبادة وطاعة. ٥ - أهمية مسائل التوحيد والعقيدة، وأنه ينبغي للمؤمن الاعتناء بها ، ومن جملة ذلك الدعاء. ٢٢ - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (٢). لا يزال ذكر الحديث عن أدعية خليل الرحمن في كتاب ربنا الجامع للخيرات الدنيوية والأخروية التي ينبغي للعبد العناية بها

стр. 190

وملازمتها، حيث ذكرها ربنا ﵎ لملازمة الدعاء بها، والعمل بمقاصدها ومضامينها. قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاة﴾ أي: يا ربّ اجعلني ممن يحافظ على الصلاة في أوقاتها وأركانها وشروطها، وكل ما يؤدي إلى القيام بكمالها، وخصّ إقامة الصلاة بالدعاء لأهميتها؛ ولكونها شعار الإيمان ورأس الإسلام. وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعل كذلك بعض ذريتي من يقيمها على الوجه الأتمّ والأكمل، وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فمن للتبعيض، وإنما خص بعض ذريته بهذا الدعاء لعلمه بإعلام اللَّه له، أن من ذريته من لا يقيم الصلاة، ويكون بعضهم كفاراً، أو فسقة، أو لا يصلّون (١). وهذه الدعوات من خير الدعوات التي يدعو بها العبد المؤمن له ولذريته، فلا أحبّ له من أن يكون مقيماً للصلاة هو وذريته على الوجه الأكمل والأتم. وقوله: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ أي وتقبّل دعائي، ولا يخفى في تكرار التوسل بربوبية اللَّه تعالى لكمال التضرّع والتذلل بين يدي اللَّه تعالى، ((وإظهار أن كل دعوة من هذه الدعوات مقصودة بالذات)) (٢).

стр. 191

الفوائد: ١ - أهمية الصلاة، حيث خصّها بالدعاء دون غيرها من العبادات . ٢ - أهمية التوسل حال الدعاء بربوبية اللَّه -؛ لأن إجابة الدعاء من لوازمها. ٣ - أهمية الإلحاح في الدعاء ، وأنه من الأسباب العظيمة الموجبة للإجابة، حيث كرّر لفظ الربوبية (مرتين). ٤ - ينبغي للداعي أن يكثر من سؤال اللَّه تعالى قبول دعائه . ٥ - ((ينبغي لكل داع أن يدعوا لنفسه ولوالديه ولذريته)) (١). ٦ - ينبغي للداعي أن يكون جُلَّ دعائه في مطالب الدين لأنها هي أهم المقاصد والمطالب التي يكون عليها الفلاح في الدارين. ٧ - أن الدعاء هو ملجأ جميع الأنبياء والمرسلين والصالحين بل الخلق كلهم أجمعين. ٢٣ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٢). هذه الدعوة العظيمة من الدعوات الجليلة التي دعا بها خليل الرحمن فيها أعظم المطالب والمقاصد التي عليها النجاة، في الدار الآخرة، وهو طلب المغفرة له ولجميع المؤمنين يدل دلالة جليلة

стр. 192

على ما أوتيه ﷺ من الشفقة لجميع المؤمنين. قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي﴾: خصَّ نفسه بالمغفرة، وقدّمها في الدعاء هضماً لها وشعوراً بالتقصير مما لا يسلم منه البشر. قوله: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ دعا لهما بالمغفرة لعظم حقهما عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١)، إلا أنه دعا لأبيه بالمغفرة إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلمّا أصرّ على الكفر تبرأ منه قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٢)، فدلّت الآية الكريمة على عدم جواز الدعاء للمشركين بالمغفرة ما داموا على الكفر، والشرك سواء كان في حياتهم أو بعد مماتهم؛ لكن له أن يدعو لهم بالهداية والتوفيق للإيمان، كما قال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: ((باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم)) (٣)، ثم ذكر الأدلة في ذلك. وقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾: أي واستر ذنوب المؤمنين، وتجاوز عن سيئاتهم يوم يثبت ويتحقق محاسبة أعمال المكلَّفين على الوجه الأعدل منك، ولا يوجد أعدل منك يا ربنا. وفي هذه الدعوة البشارة الكبيرة لكل مؤمن ومؤمنة بالمغفرة؛ لأن

стр. 193

اللَّه تعالى لا يرد دعاء خليله فيما سأله، وكذلك بشارة النبي ﷺ ، فعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: ((من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)) (١)، والحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، فهنيئاً لمن أصابته هذه الدعوة الطيِّبة. لذا ينبغي للعبد أن يكثر من هذه الدعوة المباركة الشاملة لكل مؤمنٍ ومؤمنةٍ من لدن آدم إلى قيام الساعة، ويدخل في ذلك الداعي وأهله دخولاً أولياً. قال ابن كثير ﵀: ((ينبغي لكلِّ داعٍ أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته)) (٢). الفوائد: ١ - أهمّية مطلب سؤال اللَّه المغفرة لأنّ عليها السلامة والفلاح في الدنيا والآخرة، حيث خصّ سؤالها خليل الرحمن في دعائه، وذكرها لنا ربنا لنقتدي به. ٢ - ينبغي للداعي أن يجعل نصيباً في دعائه لوالديه ؛ لأنه من كسبهما؛ ولعظيم فضلهما عليه.

стр. 194

٣ - عِظم الثواب المترتب على هذه الدعوة الطيبة المباركة: أ-كونها ذكرت في كتاب اللَّه، قرآناً يتلى إلى يوم القيامة . ب-عِظم أجرها، فإن الداعي ينال بدعائه للمؤمنين بكل مؤمن ومؤمنة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. جـ-أنها دعوة من خليل الرحمن ، واللَّه جلَّ وعلا لا يردّ دعوة خليله. د- أنها دعوة مستجابة ، فإنّ دعوة المرء المسلم لأخيه المسلم بالغيب مستجابة كما تقدّم. ٤ - ينبغي للداعي أن يكون له حظ من دعواته لإخوانه المؤمنين . ٥ - أنّ الإكثار من هذه الدعوة توجب المحبة ، وكمال الأخوة بين المؤمنين، وهذا من مقاصد الشارع الحكيم. ٦ - يستحبّ للداعي أن يبدأ بنفسه حال دعائه ، كما قال لنبيه ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١)، هذا في الأغلب، وذلك أنه ثبت عنه ﷺ أنه دعا ولم يبدأ بنفسه، كدعائه لأنس وابن عباس وغيرهما. ٧ - ينبغي للداعي أن يكون أكثر دعائه في أمور الآخرة . ٨ - أهميّة الأدعية الشرعية ؛ فإنّ فيها عظيم المقاصد والمعاني التي تجمع كل مطالب الدنيا والآخرة التي يتمنّاه العبد بأوجز لفظ،

стр. 195

وأجمل عبارة. ٢٤ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (١). المفردات: (الهيئة): هي ((الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة كانت أو معقولة)) (٢). ((وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء، أي أصلح ورتب)) (٣). ((والرشد: خلاف الغي، ويُستعمل استعمال الهداية)) (٤). وهو: ((إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، والاهتداء إليه)) (٥). الشرح: ((يخبر ربنا ﵎ عن أولئك الفتية الذين فرّوا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم، فلجأوا إلى غارٍ في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين اللَّه تعالى من رحمته ولطفه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾ (الآية))) (٦)، فأفادت هذه الآية ((أن وظيفة المؤمن

стр. 196

التفكر في جميع آيات اللَّه التي دعا اللَّه تعالى العباد إلى التفكر فيها)) (١)، المنبثقة في ملكوت السموات والأرض، وأن كل آية تدلّ على كمال وحدانيته جلّ وعلا، وأن آياته لم تخلق عبثاً، وإنما فيها من بديع الحكم ما يستنير منها أهل الإيمان، فيزدادون إيماناً وهدى، ومفتاح إلى طريق كسب العلم والمعرفة، واليقين إلى كسب العلم والمعرفة. فلما فرّوا بدينهم ممن كان يطلبهم من الكافرين، وبذلوا السبب في ذلك اشتغلوا بأهم الأسباب: التضرّع إلى اللَّه واللجوء إليه بالدعاء، فقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: سألوا اللَّه ﵎ ((أنْ يمنَّ عليهم برحمة عظيمة، كما أفاد التنوين في ﴿رَحْمَةً﴾ تناسب عنايته باتّباع الدين الذي أمر به، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾، فإن ﴿مِنْ﴾، تفيد معنى الابتداء، و ﴿لَدُنْكَ﴾: تفيد معنى العندية، فذلك أبلغ ما لو قالوا: آتنا رحمة؛ لأن الخلق كلهم بمحل الرحمة)) (٢)، فسألوا رحمة خاصة من ربهم جلَّ وعلا تقتضي كمال العناية بهم، وتفيض عليهم من كمال الإحسان والإنعام. وقوله: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي يسِّر لنا وسهِّل علينا الوصول إلى طريق الهداية والرشاد في الأقوال والأفعال في أمر ديننا ودنيانا.

стр. 197

((حيث جمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرّعهم وسؤالهم اللَّه تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم، وعلى الخلق)) (١)، فجعل اللَّه لهم مخرجاً، ورزقهم من حيث لا يحتسبون، وهي سُنّة اللَّه تعالى التي لا تتبدل مع المتقين الصادقين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢). وهذا السؤال من المؤمنين كان أيضاً من هدي المصطفى ﷺ في سؤاله لربه : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَهْدِيكَ لأَرْشَدِ أَمْرِي)) (٣)، ((وَمَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا)) (٤). تضمنت هذه الدعوة المباركة من الفوائد العظيمة الفوائد الآتية: ١ - ينبغي الفرار من الأماكن التي لا يستطيع العبد القيام بدينه فيها ، وإن ذلك من أوجب الواجبات. ٢ - ((أنَّ من أوى إلى اللَّه تعالى، أواه اللَّه تعالى ولطف به ، وجعله

стр. 198

سبباً لهداية الضالين)) (١). ٣ - أنّ من ترك شيئاً للَّه تعالى عوّضه اللَّه خيراً منه . ٤ - أنّ من اتّقى اللَّه تعالى جعل اللَّه له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب . ٥ - ينبغي للعبد أن يجمع بين الأسباب الدنيوية والشرعية المطلوبة . ٦ - أنّ رحمة اللَّه تعالى نوعان: رحمة عامة لكل الخلق مؤمنهم ، وكافرهم، ورحمة خاصة لعباده الصالحين التي تقتضي العناية والتوفيق والهدى والسداد، والعبد يسأل ربه على الدوام أن يمنَّ عليه من خزائن رحمته الخاصة المكنونة. ٧ - أنّ الدّعاء ينبغي أن يستجمع معه بذل الأسباب ، فهم سألوا اللَّه تعالى، ثمّ بذلوا الأسباب التي منها فرارهم بدينهم إلى الكهف. ٨ - أن الجزاء من جنس العمل ، فهم حفظوا إيمانهم فحفظهم اللَّه تعالى بأبدانهم ودينهم. ٩ - أنّ الدعاء وظيفة المؤمن في كل مهماته في حياته . ١٠ - الإكثار من دعاء اللَّه تعالى بسؤال الرحمة والرشد ؛ لأن فيهما الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة. ١١ - تعظيم الرغبة في الدعاء كما أفاد سؤالهم: ﴿رَحْمَةً﴾ بالتنوين

стр. 199

التي تدلّ على التعظيم. ١٢ - أنّ الأدعية الشرعية جمعت وحوت كلّ ما يتمنّاه العبد في دينه ودنياه . ٢٥ - ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١). هذه الدعوة المذكورة في كتاب ربنا ﷻ لنبي اللَّه موسى ﵇ سألها اللَّه تعالى، لأمر عظيم وكبير، حين أمره اللَّه تعالى، بدعوة فرعون أعْتَى أهل الأرض كفراً، وطغياناً، وأكثر جنوداً وعتاداً، ادّعى الألوهية كذباً وزوراً؛ ولذلك جاءت قصص موسى ﵇ في كتاب اللَّه كثيرة ومتنوعة. ولما كان هذا الأمر الخطب في غاية الأهمية والخطورة سأل اللَّه تعالى التوفيق إلى بعض المطالب والمقاصد التي تكون له عوناً لدعوته؛ فإن الدعاء هو سلاح المؤمن الذي يستنصر به، فبه تستجلب الخيرات، وتدفع به الشرور، والعبد يسأل ربه محسناً الظن به، فإن الداعي يُعطَى طلبه على قدر ظنه بربه الكريم، كما قال النبيّ ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)) (٢).

стр. 200

فبدأ بقوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أي وسِّعْه بالنور، والإيمان، والحكمة، حتى أتحمّل الأذى بكل أنواعه القولي والفعلي؛ فإن انشراح الصدر يحوّل مشقّة التكليف إلى راحة، ونعيم، ويسر (١). وقوله: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾: أي سهِّل عليَّ كل أمر أسلكه، وكل طريق أقصده في سبيلك، وهوّن عليَّ ما أمامي من الشدائد. قال العلامة ابن سعدي ﵀: ((ومن تيسير الأمر أن ييسّر للداعي أن يأتي جميع الأمور من أبوابها، ويخاطب كل أحد بما يناسب له، ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله)) (٢). فلمّا كانت أهم وسائل الدعوة إلى اللَّه قدرة الداعي على البيان، والإفهام بالقول قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: ففي هذا طلب التوفيق إلى حسن الكلام في الدعوة إلى اللَّه في خطاب الناس، والتأثير على عقولهم، وعواطفهم بالحكمة بالقول، وإلى الرفق بالفعل. وسؤاله ﵇ لربه أن يزول عنه (اللثغ) ((وذلك حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه حين كان صغيراً

стр. 201

في بيت آسية زوجة فرعون, ولم يسأل ﵇ أن يزول من لسانه بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل له فهم ما يُراد منه، وهو قدر الحاجة)) (١). وبعد أن سأل ربه تعالى من المطالب الأخرى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ بيّن الغاية من هذه المطالب ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ (٢)، وعبّر بقوله: (كَيْ)، والتي تفيد العلية (٣)، أي: سألتك تلك الأمور حتى نذكرك الذكر الكثير من التسبيح والتهليل وغيره. فتضمّنت هذه الدعوة المباركة سؤال اللَّه تعالى الإعانة على أمور الدين من العبادة، والطاعة، والذكر، والتسبيح؛ لهذا يندب للداعي ذكر علة دعائه خاصة إذا كان من أمور الدين. الفوائد: ١ - فيه بيان لفضيلة الذكر ، ((فإن مدار العبادات كلها والدين على ذكر اللَّه. ٢ - أنّ الدعاء هو العبادة التي خُلِقَ الخلق من أجلها . ٣ - إن الذكر يعين العبد على القيام بالطاعات وإن شقّت ، ويهوّن

стр. 202

عليه الوقوف بين يدي الجبابرة)) (١). ٤ - فيه فضيلة التسبيح ؛ لأنه عطف الذكر على التسبيح، وهو داخل به من عطف العام على الخاص لعظمة شأنه، وأنه من الأسباب العظيمة من النجاة من المرهوب، وحصول المرغوب، فكانت الأنبياء تلجأ إلى اللَّه في شدائدهم، كما في دعوة يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٢)، وأنه تعالى قال لنبيّه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٣). ٥ - إن التعبّد بأسماء اللَّه تعالى وصفاته له أثر عظيم في عبودية العبد لرب العالمين؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾، فإن لكل اسم وصفة عبودية خاصة وثمرة. ٦ - أهمية البسط في الدعاء وأنه مطلوب ((فكلّما كثّره العبد وطوّله وأعاده ونوّع جمله، كان ذلك أبلغ في العبودية من التذلل، وأقرب له من ربه، وأعظم لثوابه)) (٤)، فهو ﵇ لم يوجز في دعائه

стр. 203

كأن يقول: ((اللَّهم أعني أو وفقني))، وإنما عدَّد مطالبه وسؤاله. ٧ - إنّ مطالب الدِّين هي أعظم المطالب ، وأسمى المراتب التي ينبغي لكل داعٍ العناية بها. ٨ - ينبغي للداعي أن يجمع مع دعائه لوازمه ومتمماته لكي يبذل الأسباب، والجد بها في نيل مطلوبه؛ فإنه سأل ربه أن يعينه، ثم ذهب إلى دعوته، فجمع بين الدعاء، وأسباب حصول مقصوده. ٢٦ - ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١). أمر ربنا نبيّه محمداً ﷺ أن يسأله الزيادة في العلم، والأمر لنبيّنا هو أمر لنا كذلك؛ فإن الخطاب وُجّه إليه ﷺ ؛ لأنه هو القدوة والأسوة للأمة بأكملها، ومعلوم أن الخطاب للقدوة خطاب لأتباعه من حيث الأصل (٢)، إلا ما خصّه الدليل به دون غيره. فقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقل يا محمد: ربِّ زدني علماً إلى ما علمتني، أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم (٣). فأمره تعالى بزيادة في العلم، وأهمّها علم كتابه الكريم؛ فإنه الموصل إلى الترقّي في العلوم والمعارف والمنافع في الدنيا والآخرة، ولم يأمره بطلب الزيادة في الشيء إلا في العلم دلالة واضحة على فضيلة العلم، وأنه أفضل الأعمال، ((فلم يزل ﷺ في

стр. 204

الزيادة والترقي في العلم حتى توفّاه اللَّه تعالى)) (١). وهذا المطلب كان من مطالب الصحابة ﵃، فكان من دعاء عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ((اللَّهُمَّ زِدْنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفَهْمًا, أَوْ قَالَ: وَعِلْمًا)) (٢). فانهلّ أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها من تلكم الساعة إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة بطلبه، والانشغال به آناء الليل والنهار. وقد جاءت أحاديث متنوعة تحث على هذا المطلب العظيم، فكان من أدعيته ﷺ : ((اللَّهُمَّ انْفَعَني بِمَا عَلَّمْتنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُني، وَزِدْنِي عِلْمًا)) (٣). وفي لفظ: ((اللهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وارْزُقْنِي عِلْماً تَنْفَعُنِي بِهِ)) (٤).

стр. 205

وقد استنبط بعض العلماء ((الأدب في تلقي العلم أن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنَّى، ويصبر حتى يفرغ المُملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض)) (١). ٢٧ - ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). المفردات: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: أصله من التسبيح: وهو تنزيه اللَّه تعالى، أي إبعاد اللَّه تعالى عن كل سوء ونقص، المتضمِّن لكل كمال (٣). ((الظلم: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان، أو بزيادة، وإمّا بعدول في وقته أو مكانه، وهو ثلاثة أنواع: الأول: ظلم بين الإنسان وبين اللَّه تعالى، وأعظمه: الكفر، والشرك، والنفاق . والثاني: ظلم بينه وبين الناس . والثالث: ظلم بينه وبين نفسه)) (٤). هذه الدعوة من الدعوات العظيمة المباركة في كتاب ربنا جل

стр. 206

شأنه دعاء يونس ﵇ الذي بعثه جلَّ في عُلاه إلى أهل (نينوى) من أرض موصل في العراق، وقد قصّ لنا كتاب اللَّه تعالى في عدّة مواضع عنهم كما في هذه السورة، وفي سورة (الصّافّات)، وفي سورة (القلم) دلالة على أهميتها لما فيها من الحكم، والفوائد الجليلة في مصالح الدين والدنيا والآخرة، وقد ذكرت لنا التفاسير: أن اللَّه ﵎ أرسله إلى قومه، فدعاهم إلى اللَّه تعالى بالإيمان به، فأبوا عليه، ولم يؤمنوا، وتمادوا في كفرهم فوعدهم بالعذاب بعد ثلاث، ثم خرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم قبل أن يأمره اللَّه تعالى، فظنّ أن اللَّه تعالى لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء، فلمّا تحقّقوا من ذلك، وعلموا أنّ النبيَّ لا يكذب خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم ... ثمّ تضرّعوا إلى اللَّه تعالى وجأروا إليه ... فرفع اللَّه عنهم العذاب، قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١). وأما يونس ﵇، فإنه ذهب فركب مع القوم في السفينة، فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم ... فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يُلقوه، ثم أعادوها ثلاث مرات فوقعت عليه، قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ

стр. 207

الْمُدْحَضِينَ﴾ (١)، فألقى بنفسه في البحر، فأرسل اللَّه تعالى من البحر حوتاً عظيماً، فالتقم يونس، وأوحى اللَّه جلَّ شأنه ألاَّ يأكله، بل يبتلعه ليكون بطنه له سجناً (٢). فلما صار ﵇ في بطن الحوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾: ((قال ابن مسعود ﵁: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل)) (٣)، فاستغاث بربه السميع العليم الذي لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض، مهما دقّت وخفت، فأنجاه اللَّه تعالى كما هي سنته مع الموحدين المخلصين الداعين. ففي القصة من الحِكَمِ والمنافع التي تستدعي ذكرها أن قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: تضمن هذا الدعاء من كمال التوحيد والعبودية في ثلاثة مطالب عظيمة: ١ - إثبات كمال الألوهية واختصاصها باللَّه : ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ . ٢ - إثبات كمال التنزيه للَّه تعالى عن كل نقصٍ، وعيبٍ ، وسوء المتضمن لكماله تعالى من كل الوجوه: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. ٣ - الاعتراف بالذنب والخطأ المتضمن لطلب المغفرة ،

стр. 208

المستلزم لكمال العبادة من الخضوع، والذل للَّه تعالى: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فتضمّن هذا الدعاء المبارك أنواع التوحيد الثلاثة: - توحيد الألوهية المتضمِّن لتوحيد الربوبية في قوله تعالى:) لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ (. - وتوحيد الأسماء والصفات في قوله: ((سُبْحَانَكَ)) فهذه أنواع التوحيد التي عليها الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. وكذلك تضمّن هذا الدعاء الجليل صدق العبودية للَّه تعالى ربّ العالمين من كل الوجوه؛ ((فإن التوحيد والتنزيه يتضمّنان إثبات كل كمال للَّه تعالى ربّ العالمين، وسلب كلّ نقصٍ، وعيبٍ، وتمثيلٍ عنه، والاعتراف بالظلم يتضمّن إيمان العبد بالشرع، والثواب، والعقاب، ويوجب انكساره، ورجوعه إلى اللَّه تعالى، واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربّه ، فها هنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد, والتنزيه، والعبودية، والاعتراف)) (١). وكأنّ لسان حاله يقول: أي يا ربّ أنت الواحد المنفرد بالألوهية، المنزّه عن كل نقصٍ وعيبٍ، ومن ذلك أن ما وقع لي ليس بظلم منك، فأنت الكامل في أسمائك، وصفاتك، المنزّه عن كل سوء، فإني ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي بتعريضي للهلاك، فتضمّن هذا الإقرار: طلب الغفران منه جلّ وعلا، والتجاوز عنه، وإنقاذه ممّا هو

стр. 209

فيه من الكرب، والشدة، بألطف الكلمات، وفي هذا الدعاء من دقائق الأدب، وحسن الطلب، ما يوجب استجابته منها: ذكر ظلمه لنفسه، وسلك نفسه مسلك الظالمين لأنفسهم، ولم يطلب من اللَّه بصيغة الطلب الصريح أن يغفر له ذنبه؛ لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو الذي أدخل الضر على نفسه، وأنه تعالى لم يظلمه، فتضمّن الطلب على ألطف وجه (١). فكأنه يقول: إن تعذبني فبعدلك، وإن تغفر لي فبرحمتك. وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: بـ (الفاء): التي تفيد التعقيب دون مهلة، وبالإجابة الواسعة العظيمة التي يشير إليها (الألف، والسين، والتاء) التي تفيد المبالغة. ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: ((يقول جلّ ثناؤه: وكما أنجينا يونس من كرب الحبس في بطن الحوت في البحر إذ دعانا، كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا، ودعونا)) (٢). وهذه البشارة، والوعد العظيم الذي لا يتخلف من اللَّه ربّ العالمين لكل مؤمن ومؤمنة إذا وقع في الشدائد والهموم، فدعا ربه القدير بهذه الدعوة العظيمة بصدقٍ وإخلاصٍ أن ينجيه ويفرج عنه. وجاءت هذه البشارة كذلك عن سيد الأولين والآخرين نبينا

стр. 210

محمد ﷺ حيث قال: ((دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ)) (١). وفي رواية أخرى عنه ﷺ : ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ أَوْ أُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرْبٌ أَوْ بَلاَءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا دَعَا بِهِ فَفَرَّجَ عَنْهُ؟ فقَالُوا: بَلَى , قَالَ: دُعَاءُ ذِي النُّونِ))؟ (٢). قال ابن القيم ﵀: ((أمّا دعوة ذي النون فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للربّ ، واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهمّ والغمّ، وأبلغ الوسائل إلى اللَّه في قضاء الحوائج)) (٣). وفي هذا الدعاء الذي فيه جوامع الأدب، والكلم الطيب الفوائد الكثيرة، منها: ١ - أن الدعاء كما يكون طلباً صريحاً يكون كذلك تعريضاً متضمناً

стр. 211

للطلب. ٢ - أن هذه الصيغة جمعت آداب الدعاء، وأسباب الإجابة ، فيحسن بالعبد أن يكثر منها حال دعائه، وكربه، وغمومه، وشدائده، كما أخبر بذلك الشارع الحكيم. ٣ - هذه الدعوة فيها من كمال التوحيد ، والإيمان باللَّه تعالى، الذي ينبغي لكل داع أن يضمن هذه المضامين في أدعيته. ٤ - فيه دلالة على أن التسبيح سبب للإنجاء من الكرب والهمّ ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (١). ٥ - إن التوحيد والإيمان والإقرار بالذنوب من أكبر أسباب النجاة من مهالك الدنيا والآخرة. ٦ - إن الذنوب من أعظم الأسباب الموجبة لزوال النعم، وحصول النقم . ٧ - ينبغي أن يدعو العبد بحسن ظنٍّ عظيم في حقّ ربه تعالى حال دعائه؛ فإن اللَّه تعالى يعامله على حسب ظنّه به. ٨ - إن ما يوقع على العبد من المصائب فإن سببها تقصيره في حق ربه تعالى . ٩ - صحّة اعتقاد أهل السنة والجماعة أن التنزيه يتضمّن الكمال والتعظيم للَّه ربّ العالمين؛ فإن قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي أنزهك عن

стр. 212

كلِّ سوء، ومن ذلك ما وقع مني؛ فإنه ليس بظلم منك؛ فإنّك تنزّه عنه، وإنما بسبب جنايتي على نفسي، فدل أن التنزيه يتضمن الثناء والتعظيم من كل الوجوه. ١٠ - إن كل الخلق مهما كانت رتبهم ومنزلتهم مفتقرون إلى اللَّه تعالى فعليهم أن يفرّوا إليه وحده بالدعاء والرجاء والرغبة والرهبة. ٢٨ - ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (١). هذه الدعوة الطيبة المباركة الثانية لزكريا ﵇ ذكرها المؤلف حفظه اللَّه تعالى ووفقه عقب الدعوة الأولى له، فتلك جاءت بلفظ حصول المطلوب الذي يرغبه وهو الولد بصيغة الطلب، وهذه جاءت بطلب عدم وقوع ما يكرهه في أن يكون فرداً دون ولد، وهو متضمن لسؤال اللَّه تعالى أن يرزقه ولداً، وكلا الدعوتين فيهما من كمال الأدب وحسنه في سؤال رب العالمين كما ترى، والعبد يتخير في مناجاة ملك الملوك الوسائل النبيلة التي تليق في الثناء والطلب على ربه الكريم. ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ دعا ربه دعاءً خفياً منيباً قائلاً: ربي لا تتركني وحيداً بلا ولد ولا وارث. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: أي أنت خير من يبقى بعد كل من يموت،

стр. 213

فيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه (١)، توسّل إليه بما يناسب مطلوبه باسمه تعالى: ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، بل أتى على وزن (افعل) للتفضيل زيادة في المبالغة في الثناء على اللَّه تعالى، استعطافاً للإجابة. فاستجاب لدعائه، ورزقه نبياً صالحاً سمّاه اللَّه تعالى ﴿يَحْيَى﴾ ﵇، وجعل امرأته ولوداً، بعد أن كانت عاقراً، دلالة على كمال قدرته ، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ثم بين سبب إجابته له، فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ كانوا يبادرون في وجوه الخيرات على اختلاف أشكالها وأنواعها في أوقاتها الفاضلة، ويكمِّلونها على الوجه اللائق الكامل ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ كانوا ملازمي الخضوع والتضرع في كل الأحوال والأوقات. ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: أي وكانوا أيضاً يفزعون إلينا بالدعوات، ويسألون الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوّذون من الأمور المرهوب منها، من مضارّ الدنيا والآخرة، في حال الرخاء، وفي حال الشِّدّة، وجاء اللفظ بصيغة المضارع: ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾: لفائدتين: ١ - كثرة سؤالهم، ومداومتهم في الدعاء بالرغبة والرهبة، كما أفاد

стр. 214

الفعل المضارع ﴿يُسَارِعُونَ﴾. ٢ - تصور صورتهم الجميلة في الذهن، فكأنّ المخاطب يراها في حينه، فينشأ عن ذلك التأسي في فعلهم والاقتداء بهم. أما الفوائد فقد ذُكرت مستوفاة كما في الدعوة السابقة فليرجع إليها. ٢٩ - ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (١). إنّ النّاظر في الأدعية القرآنية، وكذلك السنّة النّبويّة يجد أنّها جاءت بعدة أنواع، فمنها: طلب حصول الفعل، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ (٢)، ومنها ما جاء بطلب عدم الوقوع، وذلك في النفي، وتكون صيغته لا تفعل، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ (٣)، ومنها ما جاءت بصيغة الخبر المتضمنة للطلب، وهي كذلك أنواع، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤)، وأكمل الأدعية ما كان جامعاً من الأنواع كلها، وهذه هي غالب أدعية النبي ﷺ تجمع هذه الأنواع مثال ذلك: قوله ﷺ لأبي بكر ﵁، لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: ((قُلْ:

стр. 215

اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ... )) (الحديث) (١). و هناك نوع آخر، وهو الاستعاذة: ويأتي على نوعين: ١ - شرّ موجودٌ بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته ، أو تخفيفه مثل: ((أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ ما أجِدُ وأُحَاذِرُ)) (٢). ٢ - شرٌّ يخاف وقوعه في المستقبل ، فإنه يطلب منعه، مثل: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَعَذَابِ الْقَبْرِ)) (٣)، فالاستعاذة يجب أن يعلم أنها خاصة بدفع الضرر الحاصل أو المتوقع، كما أن الخير المطلق نوعان كذلك: ١ - خيرٌ موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته ، وأن لا يُسلب ولا يزول. ٢ - خيرٌ معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله، ووقوعه . فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين،
следующие страницы →