للطلب.
٢ - أن هذه الصيغة جمعت آداب الدعاء، وأسباب الإجابة ، فيحسن بالعبد أن يكثر منها حال دعائه، وكربه، وغمومه، وشدائده، كما أخبر بذلك الشارع الحكيم.
٣ - هذه الدعوة فيها من كمال التوحيد ، والإيمان باللَّه تعالى، الذي ينبغي لكل داع أن يضمن هذه المضامين في أدعيته.
٤ - فيه دلالة على أن التسبيح سبب للإنجاء من الكرب والهمّ ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (١).
٥ - إن التوحيد والإيمان والإقرار بالذنوب من أكبر أسباب النجاة من مهالك الدنيا والآخرة.
٦ - إن الذنوب من أعظم الأسباب الموجبة لزوال النعم، وحصول النقم .
٧ - ينبغي أن يدعو العبد بحسن ظنٍّ عظيم في حقّ ربه تعالى حال دعائه؛ فإن اللَّه تعالى يعامله على حسب ظنّه به.
٨ - إن ما يوقع على العبد من المصائب فإن سببها تقصيره في حق ربه تعالى .
٩ - صحّة اعتقاد أهل السنة والجماعة أن التنزيه يتضمّن الكمال والتعظيم للَّه ربّ العالمين؛ فإن قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي أنزهك عن
стр. 212
كلِّ سوء، ومن ذلك ما وقع مني؛ فإنه ليس بظلم منك؛ فإنّك تنزّه عنه، وإنما بسبب جنايتي على نفسي، فدل أن التنزيه يتضمن الثناء والتعظيم من كل الوجوه.
١٠ - إن كل الخلق مهما كانت رتبهم ومنزلتهم مفتقرون إلى اللَّه تعالى فعليهم أن يفرّوا إليه وحده بالدعاء والرجاء والرغبة والرهبة.
٢٨ - ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (١).
هذه الدعوة الطيبة المباركة الثانية لزكريا ﵇ ذكرها المؤلف حفظه اللَّه تعالى ووفقه عقب الدعوة الأولى له، فتلك جاءت بلفظ حصول المطلوب الذي يرغبه وهو الولد بصيغة الطلب، وهذه جاءت بطلب عدم وقوع ما يكرهه في أن يكون فرداً دون ولد، وهو متضمن لسؤال اللَّه تعالى أن يرزقه ولداً، وكلا الدعوتين فيهما من كمال الأدب وحسنه في سؤال رب العالمين كما ترى، والعبد يتخير في مناجاة ملك الملوك الوسائل النبيلة التي تليق في الثناء والطلب على ربه الكريم.
﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ دعا ربه دعاءً خفياً منيباً قائلاً: ربي لا تتركني وحيداً بلا ولد ولا وارث.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: أي أنت خير من يبقى بعد كل من يموت،
стр. 213
فيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه (١)، توسّل إليه بما يناسب مطلوبه باسمه تعالى: ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، بل أتى على وزن (افعل) للتفضيل زيادة في المبالغة في الثناء على اللَّه تعالى، استعطافاً للإجابة.
فاستجاب لدعائه، ورزقه نبياً صالحاً سمّاه اللَّه تعالى ﴿يَحْيَى﴾ ﵇، وجعل امرأته ولوداً، بعد أن كانت عاقراً، دلالة على كمال قدرته ، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ثم بين سبب إجابته له، فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ كانوا يبادرون في وجوه الخيرات على اختلاف أشكالها وأنواعها في أوقاتها الفاضلة، ويكمِّلونها على الوجه اللائق الكامل ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ كانوا ملازمي الخضوع والتضرع في كل الأحوال والأوقات.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: أي وكانوا أيضاً يفزعون إلينا بالدعوات، ويسألون الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوّذون من الأمور المرهوب منها، من مضارّ الدنيا والآخرة، في حال الرخاء، وفي حال الشِّدّة، وجاء اللفظ بصيغة المضارع: ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾: لفائدتين:
١ - كثرة سؤالهم، ومداومتهم في الدعاء بالرغبة والرهبة، كما أفاد
стр. 214
الفعل المضارع ﴿يُسَارِعُونَ﴾.
٢ - تصور صورتهم الجميلة في الذهن، فكأنّ المخاطب يراها في حينه، فينشأ عن ذلك التأسي في فعلهم والاقتداء بهم.
أما الفوائد فقد ذُكرت مستوفاة كما في الدعوة السابقة فليرجع إليها.
٢٩ - ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (١).
إنّ النّاظر في الأدعية القرآنية، وكذلك السنّة النّبويّة يجد أنّها جاءت بعدة أنواع، فمنها: طلب حصول الفعل، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ (٢)، ومنها ما جاء بطلب عدم الوقوع، وذلك في النفي، وتكون صيغته لا تفعل، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ (٣)، ومنها ما جاءت بصيغة الخبر المتضمنة للطلب، وهي كذلك أنواع، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤)، وأكمل الأدعية ما كان جامعاً من الأنواع كلها، وهذه هي غالب أدعية النبي ﷺ تجمع هذه الأنواع مثال ذلك: قوله ﷺ لأبي بكر ﵁، لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: ((قُلْ:
стр. 215
اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ... )) (الحديث) (١).
و هناك نوع آخر، وهو الاستعاذة: ويأتي على نوعين:
١ - شرّ موجودٌ بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته ، أو تخفيفه مثل: ((أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ ما أجِدُ وأُحَاذِرُ)) (٢).
٢ - شرٌّ يخاف وقوعه في المستقبل ، فإنه يطلب منعه، مثل: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَعَذَابِ الْقَبْرِ)) (٣)، فالاستعاذة يجب أن يعلم أنها خاصة بدفع الضرر الحاصل أو المتوقع، كما أن الخير المطلق نوعان كذلك:
١ - خيرٌ موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته ، وأن لا يُسلب ولا يزول.
٢ - خيرٌ معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله، ووقوعه .
فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين،
стр. 216
وعليها مدار طلباتهم، وأسئلتهم وأمنياتهم)) (١).
وقد جمع هذه المطالب المصطفى ﷺ بهذا الدعاء العظيم في أمره لأم المؤمنين عائشة ﵂: ((عَلَيْكِ بِجُمَلِ الدُّعَاءِ وَجَوَامِعِهِ))، وفي رواية: ((عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ))، أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهَا: ((قُولِي: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ... ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ)) (٢).
أهمية الاستعاذة:
لما كانت الاستعاذة نوعاً خاصاً من أنواع الأدعية، يجب إفراده به، كما أن الطلب والسؤال عبادة مختصة باللَّه تعالى، لهذا جاء الكتاب والسنة لتحقيق هذه العبودية الحقة للَّه تعالى، لا يشاركه فيه أي مشارك، ((وهذا من تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين للَّه رب العالمين وحده، الذي هو أساس سعادة العبد، وفلاحه في الدنيا والآخرة، وأما الاستعاذة بغير اللَّه تعالى من الخلق؛ فإنها طغيان، وشرٌّ عظيم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٣)) (٤)؛ لذا ينبغي للداعي معرفة هذا
стр. 217
المقصد الجليل، وأهمّيته في سؤال اللَّه تعالى، وأن الاستعاذة جاءت في الكتاب والسنة بأوجز لفظ وأجمعه وأكمله، وأدله على المراد. ...
المفردات:
أعوذ: أي ألتجئ وأتحصّن ((لأن لفظ (عاذ) وما تصرّف منه يدل على الحرز والتحصّن والنجاة، وحقيقة معناه: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه)) (١).
همزات: جمع هَمْزَ: والهمز في اللغة: النخس والدفع (٢)، والمقصود هنا: وساوس الشياطين، وجميع إصاباتهم وأذاهم لبني آدم.
الشرح:
خلق اللَّه بحكمته الشرّ في هذه الدار، وخلق أعظم الشرّ، ومنبعه، وأصله، وأعظم أسبابه، وهو الشيطان الرجيم، تتسامى في ذلك الحكم العظيمة، من الابتلاءات المتنوعة الكثيرة، فيزداد الذين اهتدوا هدى، ويضل اللَّه الظالمين بضلالهم. فلما كانوا يروننا ولا نراهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٣) أمرنا بالاستعاذة بربنا ﷻ الذي يراهم ولا يرونه أن يقينا هذا الشرّ الخطير.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾: أي اسأل اللَّه تعالى أن يعصمك، ويحميك بجنابه العظيم؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات
стр. 218
العُلا الجليلة.
﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: ((همزاتهم: دفعهم الوساس، والإغواء في القلب)) (١)، وجمعهم دلالة على كثرتها وتنوّعها، وكان النبي ﷺ يستعيذ من أنواع شرور الشيطان كلِّها: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ: مِنْ نَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، وَهَمْزِهِ)) ثم فسر هذه المعاني بعض رواة الحديث فقال: ((نَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَهَمْزُهُ: الْمُوتَةُ)) (٢)، والموتة هي تشبه الجنون، لكن الذي ((يظهر: أن همزات الشياطين إذا أُفردت دخل فيها جميع إصابتهم لابن آدم، وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كان نوعاً خاصاً)) (٣).
وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾: كرّر التوسل بربوبيته زيادة في التضرّع، والتوسل به تعالى من شرورهم؛ لشدّة خطرهم وأذاهم لبني آدم، أي أحتمي بك يا ربي أن يحضرني الشيطان في
стр. 219
أي أمرٍ من أموري، كما أخبر بذلك ﷺ : ((إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِه ... )) (١).
وقوله ﷺ : ((كل شيء)): دلالة على العموم، فتضمّنت هذه الاستعاذة العظيمة: الاستعاذة من مادة الشرّ كلّه، وأصله، والتي هي ((من جميع نزغات الشيطان، ومن مسّه، ووسوسته، فإذا أعاذ اللَّه عبده من هذا الشرّ، وأجاب دعاءه، سلم من كل شرّ، ووُفِّقَ لكل خير)) (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ أي أعذني أن يحضر في كل الأحوال والأوقات، ومن ذلك حال النزع التي هي أشدّ الأحوال.
وكان النبيّ ﷺ يُعلِّم الصحابة هذه الكلمات عند الفزع من النوم، قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «إذا فَزِعَ أحَدُكم في النوم فَلْيَقُلْ: أَعوذ بكلمات اللَّه التَّامَّة من غضبه، وعِقَابِهِ، وشرِّ عِبادِهِ، ومن هَمَزَاتِ الشَّياطينِ، وأنْ يَحضُرونِ، فإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ، فكان عبد اللَّه بن عمرو يُعَلِّمُها من بلغ من ولده ... )) (٣).
تضمنت هذه الاستعاذة الكثير من الفوا ئد المهمّة، منها:
стр. 220
١ - أن العاصم على الإطلاق هو اللَّه تعالى من كل شيء .
٢ - أنه كلما كان المطلوب مهماً ، كان من حسن الدعاء المبالغة في التضرّع، حيث كُرّر التوسل بالربوبية.
٣ - أنه كما يتوسل بربوبيّة اللَّه بالطلب ، كذلك يتوسل بها في الاستعاذة.
٤ - شدّة خطورة الشيطان على بني آدم ؛ لإنه مترصِّدٌ له في أحواله كلها.
٣٠ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١).
هذه الدعوة الطيبة المباركة التي ذكرها اللَّهُ ، في المؤمنين الصادقين، في سؤالهم لربهم، قد جمعت من المطالب والوسائل الجليلة، وقد تقدم من ذلك عدّة آيات دلالة على أهمية هذه المطالب، والوسائل، فتكرارها بين دفتي الكتاب العزيز، بيان من اللَّه الرؤوف الرحيم لعباده أن يعتنوا بها، بالسؤال والطلب، بين الحين والآخر، فإنّ فيها النجاة من كل مرهوب، والنيل لكل مطلوب.
وسبب ورود هذا الدعاء الطيّب أن الكفار في النار يسألون الخروج منها، والرجعة إلى الدنيا، فقال ربّ العزّة والجلال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي امكثوا صاغرين مهانين ﴿وَلَا
стр. 221
تُكَلِّمُونِ﴾: أي لا تعودوا إلى سؤالكم، ثم بيّن جلّ وعلا علّة تعذيبهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ... ﴾ يقول الشنقيطي ﵀ عن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ ... ﴾: قد تقرّر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه أن (إنَّ) المكسورة المشدّدة من حروف التعليل، كقولك: عاقبه إنه مسيء: أي لأجل إساءته، أن من الأسباب التي أدخلتهم النار هو استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن (١).
وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾: دلالة ظاهرة على استمراريتهم في الدعاء، والإكثار منه في حياتهم الدنيا، كما أفاد الفعل المضارع بعد كان (٢).
﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾: أي بك وبرسلك، وما جاؤا به من عندك، قدّموا التوسّل بإيمانهم قبل سؤالهم؛ لأن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب المقتضى لقبول الدعاء، وحصول الرجاء.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾: استر علينا مما يوقع من تقصيرنا في حقك وحق غيرنا فتجاوزه عنا، وتعطف علينا برحماتك التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: أكدوا إيمانهم ويقينهم بأنه تعالى خير من رحم، وفيه دلالة على أهمية التوسل بأسمائه تعالى المضافة في الدعاء؛ فإن فيها من كمال الأدب، والثناء على اللَّه.
стр. 222
تضمّن هذا الدعاء من الآداب الجمة، حيث ((إنهم جمعوا بين الإيمان المقتضي لأعماله الصالحة، والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة، والتوسّل إليه بربوبيته، ومنّته عليهم بالإيمان، والإخبار بسعة رحمته، وعموم إحسانه، وفي ضمنه ما يدل على خضوعهم، وخشوعهم وانكسارهم لربهم، وخوفهم، ورجائهم)) (١).
فلمّا قدّموا الصبر مع جميل أفعالهم ودعائهم، كان الجزاء وفقاً لهذا الصبر: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢).
الفوائد:
١ - إنّ التوسّل إلى اللَّه تعالى بالأعمال الصالحة من التوسّلات الجليلة التي يُرجى معها الإجابة والعطاء.
٢ - إن التوسّل بالإيمان هو أعظم التوسلات بالأعمال الصالحة ، حيث خصّوا توسّلهم به دون غيره
٣ - إن سؤال المغفرة من أهم المسائل التي ينبغي للداعي أن يحرص عليها، كما في أكثر الدعوات في الكتاب والسنة؛ لأن في حصول المغفرة السلامة من العذاب، وكلِّ المكروهات.
٤ - إن سؤال المغفرة مقدّم على سؤال الرحمة ؛ لأن التخلية مقدمة على التحلية.
стр. 223
٥ - ينبغي للداعي أن يختار في دعائه أجمل الألفاظ ، وأنبل المعاني، كما في قوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فـ (أنت) ضمير الفصل يفيد: التأكيد، والحصر المتضمن الثناء والتعظيم للَّه ربّ العالمين.
٦ - فيه بيان خطورة الاستهزاء بالمؤمنين، وأن مصير ذلك النار ، والعياذ باللَّه.
٣١ - ﴿رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١).
هذا أمر من اللَّه تعالى لنبيه ﷺ أن يطلب أهم مطلبين، وهما: طلب المغفرة، وسؤال الرحمة، وأن يُتوسّل إليه تعالى بأفضل التوسلات، وهو التوسّل بأسمائه الحسنى المتضمنة للصفات العُلا، إيذاناً بأن الدعاء بما فيه من المطالب العُلا من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها الداعون العناية الكبرى، إذ أُمر به (٢) من قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بمن عداه من العباد؟
﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ قال ابن كثير ﵀: ((الغفر إذا أُطلق معناه: محو الذنب، وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يُسدّده
стр. 224
ويُوفقه في الأقوال والأفعال)) (١): أي يا رب استر عليَّ ذنوبي، وتجاوز عنها بعفوك، وارحمني بأن تُسدِّدني، وتُوفِّقني في الأقوال، والأفعال، وفي تقديم المغفرة قبل الرحمة من باب التخلية قبل التحلية، فبالمغفرة يزول المكروه، وبالرحمة يحصل المطلوب من النعم الدينية والدنيوية.
ثم ختم السؤال بخير الختام، بوصف كمال رحمته التي وسعت الخلق كلهم أجمعين: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ أنت: ضمير الفصل الذي يفيد ثلاث فوائد:
١ - التوكيد
٢ - الحصر
٣ - الفصل بين الصفة والخبر (٢).
وخَتْم الدعاء بهذا التوسل الجليل مناسب لما طلب في أول الدعاء مما لا يخفى، و ﴿خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ من أسماء اللَّه الحسنى المضافة التي جاءت على وزن (خير) أفعل للتفضيل التي تدلّ على عظم هذه الرحمة، وسعتها لكل شيء.
فهو جلّ وعلا أرحم الراحمين، وخير الراحمين، فمن كمال رحمته تعالى أنها وسعت كل شيء في هذا الكون العجيب، قال
стр. 225
تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، وخصّ من رحمته العظيمة خواصّ من العباد ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، فمن أراد أن ينال هذه الرحمة التي فيها السعادة في الدارين، فليتّبع الرسول ﷺ بالأقوال، والأفعال، وفي كل الأحوال.
فهذا الإرشاد من اللَّه تعالى بملازمة هذا الدعاء المبارك لما تضمنه من خيري الدنيا والآخرة الذي يتمنّاه كل عبدٍمؤمنٍ، لذا علَّم النبي ﷺ نظير هذا الدعاء أبا بكر الصديق: حيث سأله ﵁ قائلاً: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي! فقال: ((قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) (٣).
الفوائد:
١ - أهمية هذه الدعوة؛ لأنها بصيغة الأمر .
٢ - فيه بيان أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى بربوبيته التي من مقتضياتها إجابة الدعاء.
٣ - ينبغي للداعي أن يقدم طلب المغفرة قبل سؤاله الرحمة ، كما هي
стр. 226
عامة الأدعية.
٤ - أهمية هذين المطلبين: المغفرة، والرحمة: فالمغفرة تندفع بها جميع المكروهات، والرحمة التي تحصل بها جميع المحبوبات (١).
٥ - إن من آثار وثمرات المغفرة حصول الرحمة .
٦ - إن التوسّل بأسماء اللَّه تعالى المضافة من أعظم الممادح التي يُمدح بها رب العزّة والجلال، ومن أهم الأسباب الموجبة لقبول الدعاء؛ لأنه تعالى علّمنا بهذا الدعاء كيف ندعوه، وكيف نتوسّل إليه.
٣٢ - ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا* إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢).
المفردات:
غراماً: أي ملازماً دائماً غير مفارق.
الشرح:
هذه الدعوة المباركة ضمن دعوات وخصال لعباد اللَّه تعالى وصفهم، وأثنى عليهم في أكمل الصفات، ونعتهم بأجمل النعوت، وأضافهم إلى نفسه الكريمة إضافة تشريف وتعظيم، إجلالاً لقدرهم، فصدَّر صفاتهم بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، وذلك أن
стр. 227
العبودية للَّه تعالى نوعان:
١ - عبودية الربوبية ، فهذه يشترك فيها سائر الخلق مسلمهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، فكلهم عبيد للَّه مربوبون مُدَبّرون: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (١).
٢ - وعبودية لألوهيته وعبادته ورحمته، وهذه عبودية خاصة ، وهي: عبودية أنبيائه وأوليائه، وهي المراد هنا؛ ولهذا أضافها إلى اسمه الرحمن (٢).
فيا له من شرف عظيم، ومكرمة كريمة لمن كان مثلهم.
ثم ذكر من الخصال الجميلة أدعية دعوها، فقالوا: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾: أي نجّنا يا ربنا من عذابها، ومن أسبابه في الدنيا؛ بتيسير الأعمال الصالحة، واجتناب السيئات المقتضية لها, وفيه إشارة لما ينبغي عليه المؤمن من الخوف من العذاب، مع الرجاء، فيجمع بين الترغيب والترهيب كالجناحين للطائر، وأن العبد ينبغي له أن لا يغترّ بعمله مهما كان صالحاً، فهم مع كل هذه الصفات الجليلة يخافون من عذابه، ويبتهلون إليه تعالى لكي يصرفه عنهم، غير مغترّين بأعمالهم، وهذا من حسن العبادة، وكمالها.
كما قال تعالى عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ
стр. 228
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١)، وقد بينا بذلك ما جاء في معناها وما ثبت عن النبي ﷺ في تفسيرها (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: ثم ذكروا علّة هذا السؤال: أن عذابها كان شرّاً دائماً، وهلاكاً غير مفارق لمن عُذِّب به، فغراماً ملازماً دائماً بمنزلة الغريم لغريمه: كملازمة الدائن للمديون من حيث لا يفارقه بإلحاحه ومطالبته؛ و ((لهذا قال الحسن: كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام: الملازم ما دامت السموات والأرض)) (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: أي بئس المنزل منظراً، وبئس المقيم مقاماً، هذا منهم على وجه التضرّع والخوف، يستفرغون نهاية الوسع في سؤالهم من النجاة منها، وكأنهم على كمال صفاتهم غارقون في المعاصي والآثام.
ولا يخفى في أهمية الاستعاذة من النار، حيث صدَّروا استعاذتهم بها؛ لأنها أشدّ شرّاً توعد اللَّه به، وفي هذه الدعوات بيان أن الداعي يحسن له أن يذكر سبب ما يدعوه ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
стр. 229
الفوائد:
١ - أهمّية هذه الدعوة:
أ - حيث ذكرها اللَّه تعالى لناسٍ أثنى عليهم ، وأضافهم إلى نفسه في كتاب يُتلى إلى يوم القيامة.
ب - أنّها جاءت بصيغة الفعل المضارع في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ الذي يدلّ على كثرة سؤالهم بها، ومداومتهم عليها.
٢ - فيه بيان أنه يندب للداعي أن يذكر سبب علّة دعوته كما في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾.
٣ - ينبغي للدّاعي أن يجمع في دعائه بين الخوف والرجاء ، وأن ذلك أرجى في قبول الدعاء.
٤ - أن البسط في الدعاء أمر مرغوب فيه عند الشارع ، كما يظهر في بسطهم في ذكر علّة دعوتهم.
٥ - إن التوسّل بربوبية اللَّه وألوهيته في الدعاء هو من أعظم أنواع التوسل على الإطلاق.
٣٣ - ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (١).
قرّة أعين: كناية عن السرور والفرح، وهو مأخوذ من القرر، وهو
стр. 230
البرد، لأن دمعة السرور باردة (١). قال الزجاج: يقال: أقرّ اللَّه عينك: صادف فؤادك ما يحبه (٢).
هذه الدعوة الثانية من دعوات عباد الرحمن الذين جمعوا الخصال والفعال الحميدة، ومن جميل الكلمات الحسان من الدعوات، فقالوا:
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: أي يا ربنا هب لنا من هباتك العظيمة الكثيرة أزواجاً، وذرية صالحة ((من يعمل لك بالطاعة، فتقرّ أعيننا بهم في الدنيا والآخرة)) (٣).
فهم يلحّون بهذا السؤال، كما أفاد الفعل المضارع ((يقولون)) أن يرزقهم اللَّه تعالى من يخرج من أصلابهم ومن ذرياتهم من يطيعه، ويعبده وحده لا شريك له.
وهذا الدعاء لأزواجهم وذريتهم في صلاحهم؛ فإنه دعاء لأنفسهم؛ لأن نفعه يعود عليهم، ويدوم في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ : ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ
стр. 231
صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) (١)، وفي الآخرة مرافقتهم في جنات النعيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢).
((بل ويعود هذا النفع إلى عموم المسلمين؛ لأن بصلاح من ذُكر يكون سبباً لصلاح كثير ممن يتعلق بهم، وينتفع بهم)) (٣).
((وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق، شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى اللَّه ، وفي أولهم الذرية والأزواج، فهم أقرب الناس تبعة، وهم أول أمانة يُسأل عنها الرجال)) (٤).
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أي واجعلنا أئمة هدىً يقتدي بنا أهل التقوى، في الفعل، والقول، وفي إقامة الدين، وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين يُقتدَى بهم، هو طلب من اللَّه أن يهديهم، ويوفقهم، ويمنَّ عليهم بالعلوم النافعة، والأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة التي توصلهم إلى هذه المنزلة العليّة.
((وسؤالهم هذا هو كذلك سؤال لأعلى درجات العبودية، وهي
стр. 232
درجات الكُمَّلِ من عباد اللَّه، والصدّيقين، وهي درجة الإمامة في الدين، وهذه الدرجة السامية لا تتمّ إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١)) (٢)، فهذا الدعاء دلّ بمنطوقة ومفهومه على سؤال اللَّه أن يكونوا كاملين لهم ولغيرهم، هادين مهتدين، وهذه أعلى الحالات، وأجلّ الكمالات، ولمّا كانت هممهم ورغباتهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل والدرجات العالية ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (٣).
وقد بيّن المصطفى ﷺ علو منازل أهل الغرف، من علوّ، ورفعة المكانة، والمكان، قال النبي ﷺ : ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: ((بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)) (٤)، وفي لفظ لأحمد: ((في تفاضل الدرجات)) (٥)، وفائدة ذكر المشرق والمغرب بيان للرفعة، وشدة
стр. 233
البعد، فدل على سموّ منازل أهل الغرف، جعلنا اللَّه من أهلها (آمين)، وكذلك دلّ على التفاوت العظيم في الدرجات في جنات النعيم.
الفوائد:
١ - أهمية هذه الدعوة كسابقتها لثناء اللَّه تعالى على قائليها ، وكذلك ملازمتهم، وتكرارهم هذه الدعوة بين الحين والآخر، كما أفاد الفعل المضارع (يقولون).
٢ - إن هبة اللَّه تعالى من أعظم النعم، ولذلك توسّلوا بها .
٣ - إن سؤال اللَّه ﵎ إصلاح الزوجة والذرية من المقاصد المهمّة التي ينبغي للداعي الاعتناء بها.
٤ - ينبغي للداعي أن يعظم رغبته في الدعاء ، وأن يسأل اللَّه تعالى أعلى المطالب، وأسمى المراتب، كما في سؤالهم اللَّه تعالى أعلى مراتب الدين ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
٥ - فيه بيان لعظم الدعاء، وأنه من أعظم الأسباب في إعطاء المرجوّ ، وأنه يدلّ على عظم كرم اللَّه تعالى، وكمال قدرته، وسمعه، وعلمه، ويدلّ على محبّة اللَّه تعالى له، ولعلك يا عبد اللَّه قد علمت لماذا وصفهم تعالى بهذه الصفات الجميلة، والخصال الحميدة، وشرّفهم بأن أضافهم إلى نفسه الكريمة، فجاهِدْ نفسك بأن تكون على شاكلتهم.
стр. 234
٣٤ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ* وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (١).
بعدأن قدّم الخليل إبراهيم ﵇ الثناء على ربّه بما له من الصفات العلية، والنعوت الجليلة، والأفضال الجزيلة قبل السؤال؛ لأنها أعظم الوسائل الموجبة لقبول الدعاء واستجابته، وهذا النوع هو أعلى أنواع التوسل إلى اللَّه كما تقدم، وهو التوسل إليه تعالى بالأسماء الحسنى، أو بالصفات العُلا، سواء كانت ذاتية أو فعلية.
فبدأ بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
قوله: ﴿حُكْمًا﴾: ((معرفة بك، وبحدودك، وأحكامك)) (٢)، ((أي علماً أعرف به الأحكام، والحلال، والحرام، وأحكم به بين الأنام)) (٣)، وقيل هب لي نبوة (٤)، و ((لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة، لأنها حاصلة له ﵇)) (٥).
وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: أي اجعلني مع الصالحين في
стр. 235
الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: ((اللَّهُمّ في الرفيق الأعلى))، قالها ثلاثاً (١)، وهذا المطلب كان من سؤال النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِين)) (٢).
فالعبد يجتهد أن يرافق الصالحين في الدنيا، فإن الرحمة والسلامة، والهدى تحوطهم حتى ينال صحبتهم، ومنازلهم ومقامهم في الآخرة، وإن لم يعمل بعملهم كما قال النبي ﷺ : ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)) (٣).
وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾: يعني الثناء الحسن بين الناس، أُذكر بالخير، والثناء الطيّب في باقي الأمم الآتية من بعدي، ((وهذا يتضمّن سؤال الدوام والختام على الكمال، وطلب نشر الثناء عليه، وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته؛ لأن الثناء عليه يستدعي دعاء الناس له، والصلاة والتسليم جزاء على ما
стр. 236
عرفوه من زكاء نفسه)) (١).
فاستجاب اللَّه دعاءه، ((فوهب له من العلم والحكم، ما كان به من أفضل المرسلين، وألحق بإخوانه المرسلين، وجعله محبوباً مقبولاً، مُعظَّماً مُثنىً عليه في جميع الملل، في كل الأوقات)) (٢)، وفي كل الأزمنة.
((وقد أخذ أهل العلم من هذه الدعوة الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب العبد به الثناء الحسن، ويورّثه الذكر الجميل، إذ هو الحياة الثانية، كما قيل: (قد مات قوم وهم في الناس أحياء) أي بذكرهم الطيّب، وسيرتهم العطرة)) (٣).
((روى أشهب عن مالك قال: قال اللَّه : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾: لا بأس أن يحب الرجل أن يُثنى عليه صالحاً، ويُرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه اللَّه تعالى)) (٤).
بعد أن سأل الله سعادة الدنيا سأل الله سعادة الأخرى الأبدية:
قوله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾:أي من السعداء في الآخرة الذين يستحقون ميراث جنات الخلد، وقد أجاب اللَّه تعالى دعوته، فرفع منزلته في أعلى جنات النعيم، وفي هذا حثٌّ من اللَّه
стр. 237
تبارك وتعالى لعباده على قوّة الهمم إلى الجدّ في السؤال بهذه الدعوات المباركات؛ لما تتضمنه من خيري الدنيا والآخرة.
وانظر فوائد هذه الدعوة في الدعوة القادمة.
٣٥ - ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).
هذه الدعوة المباركة تكملة لدعوات خليل الرحمن، فقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: الخزي هو: الذل، والهوان.
يقال: خزي الرجل: لَحِقَه انكسار إما من نفسه وإما من غيره (٢).
أي اعصمني من الذلّ والهوان يوم القيامة، يوم بعث الخلائق لمحاسبتهم، فتضمّن هذا الطلب السلامة من الفضيحة بالتوبيخ على الذنوب، والعقوبة عليها. وهذا الدعاء من خليل الرحمن، كان من دعاء نبينا محمد ﷺ : ((اللهم لا تخزني يوم القيامة، ولا تخزني يوم البأس، فإن من تخزه يوم البأس فقد أخزيته)) (٣).
ثم ذكر العلّة في سؤاله لذاك اليوم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
стр. 238
* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: أي لا يقي المرء من عذاب اللَّه ولو افتدى بملء الأرض ومن عليها ذهباً وبشراً، إلاّ من أتى اللَّه بقلب سليم من كل المساوئ، والعيوب من أمراض الشبهات، كالشرك، والشك، والنفاق، والإصرار على البدع والضلالات، ومن أمراض الشهوات مثل حب الدنيا، وغرورها، وبالجملة السالم من الخصال الذميمة، المتصف بالصفات الجميلة، وخصّ القلب بالذكر لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت سائر الجوارح، وهذا المطلب المهمّ كان من مطالب النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا)) (١).
تضمنت هذه الدعوات الجليلات جملاً من الفوائد:
١ - يحسن بالداعي أن يجمع في دعائه من خيري الدنيا والآخرة ، وأن تكون الدار الآخرة هي مقصده، ومطلبه الأعظم.
٢ - ينبغي للداعي أن يسأل اللَّه تعالى أن يزيده من العلم والحكمة لما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته.
стр. 239
٣ - ينبغي للعبد أن يسأل اللَّه تعالى أن يرزقه مرافقة الصالحين في الدنيا والآخرة.
٤ - وكذلك أن يرزقه الثناء الحسن في الدنيا لما يترتب عليه من الفوائد الآتية:
أ - الدعاء له .
ب - الاقتداء، والتأسي به.
ج - القبول عند المخاصمة، والوعظ، وغير ذلك.
٥ - أهمية التوسّل بصفات اللَّه تعالى ، ومنها صفة (الهبة) الفعلية، كما في كثير من الأدعية القرآنية؛ فإن فيها من كمال الأدب، والتعظيم، والثناء على اللَّه تعالى حال السؤال، والدعاء.
٦ - أن ذكر العلة في السؤال من حسن الدعاء، كما أفاد قوله:
أ - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).
ب - وكقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٢).
٧ - يحسن بالداعي أن يدعو لوالديه وإن كانوا على غير صلاح، ولا هدى.
٨ - أن جميع الأنبياء والمرسلين مشفقون من يوم القيامة .
٩ - أن القلب هو أعظم مضغة، فإن صلحت صلح سائر الجسد ،
стр. 240
وإن فسدت فسد سائر الجسد؛ لهذا خصَّها ﵊ بالذكر دون غيرها.
١٠ _ ينبغي للعبد أن لا يغترَّ بعمله، فإذا كان إمام الأنبياء يخاف من ذلك اليوم على ما أوتي من الخصال الحميدة، فمن باب أولى من كان دونه.
٣٦ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين﴾ (١).
المفردات:
﴿أَوْزِعْنِي﴾: قال الجوهري: ((استوزعت اللَّه فأوزعني، أي استلهمته فألهمني))، وقال الراغب: ((وتحقيقه أولعني بذلك)) (٢)، والمعنى: أي ألهمني، واجعلني مولعاً به، راغباً في تحصيله.
هذه من الدعوات المباركة في كتاب ربنا ﷻ الذي نحن متعبدون بتلاوته، المأمورون بتدبره، والعمل به.
ففي هذه الدعوات العلم النافع، والعمل الموفق الصالح، إذا تدبّرها العبد، وعمل بمقاصدها، وما دلّت عليه من المدلولات، فإن مآلها الخير العظيم في الدارين من كل خير.
стр. 241
فلقد أعطى اللَّه تعالى سليمان ﵇ النبوة والملك، وعُلِّم منطق الطير، فكان شاكراً لأنعم اللَّه عليه.
فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾: أي ألهمني، ووفقني لشكر نعمائك، وأفضالك عليَّ بالنعم الكثيرة التي لا تُعَدُّ، ولا تُحصى، فتضمّن سؤال اللَّه تعالى التوفيق لملازمة شكره على الدوام.
﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: ((أدرج فيه والديه تكثيراً للنعمة؛ فإن الإنعام عليهما إنعام عليه من وجه مستوجب الشكر، أو تعميماً لها)) (١)، فإن النعمة عليه يرجع نفعها إليهما كذلك.
لهذا سأل ربه ﵎ التوفيق للقيام بشكر نعمه الدينية، والدنيوية، وهذا من كمال الشكر وأحسنه؛ فإن النعم من اللَّه على عبده المؤمن لا تُعَدّ ولا تحصى, والتي أعظمها نعمة الإسلام التي مغبون فيها كثير من الناس.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: صالحاً - بالتنوين والتنكير-: للتفخيم والتكثير، فسأل اللَّه تعالى التوفيق بالقيام بالأعمال الجليلة والكثيرة التي تستوجب رضاه الذي هو أمنية كل مؤمن، فإن تمام الشكر وأكمله، أن يكون باللسان، والقلب، والأركان.
وقوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾: فيه نكتة مهمة: أن ليس كل عمل يعمله العبد
стр. 242
الصالح، وإن كان ظاهره صلاحاً، بل قد لا يكون مرضياً عند اللَّه لما فيه من المنقصات من الرياء والعجب والشرك. والثاني: غير موافق لشريعته الحكيمة التي أنزلها تعالى على لسان نبيه ﷺ من المتابعة.
وفي هذا بيان على الحثّ في تصحيح الأعمال، والأقوال، والنيات، وعلى السبق إلى أفضل الأعمال التي توجب رضا اللَّه تعالى الذي هو أعظم مطلوب، وأهمّ مقصود.
وقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: أي وأدخلني الجنة دار رحمتك التي لا يدخلها أحد إلا أن تتغمَّده برحمتك وفضلك.
قوله: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك في أعلى جنانك؛ جنات الخلد التي لا يدخلها إلا الصالحون.
فقد طلب ﵊ كمال السعادة البشرية الدنيوية والأخروية:
١ - التوفيق للشكر على نعمه الجليلة الدينيَّةِ والدنيويَّة .
٢ - وعمل الطاعات المرضيّة .
٣ - ومرافقة خير البريَّة .
وقد تضمنت هذه الدعوة المباركة جملاً من الفوائد:
١ - أهمية سؤال اللَّه تعالى العون على الطاعة ، ومن أخصِّها الشكر
стр. 243
التي تستوجب حفظ النعم الدينية والدنوية، وهذا المقصد كان من سؤال المصطفى ﷺ : ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (١).
٢ - أن نعمة الإسلام هي أعظم النعم على الإطلاق ؛ ولهذا كان المصطفى ﷺ يسأل اللَّه تعالى أن يتمّ عليه هذه النعمة: ((اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا ... )) (٢).
٣ - إثبات صفة الرضى للَّه ، تعالى وهي من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئته .
٤ - أن الإيمان بصفات اللَّه تعالى يوجب حسن العمل والقول .
٥ - إن وصف العبودية هو أعظم الأوصاف .
٦ - أهمية مطلب مرافقة الصالحين .
٧ - العناية بإصلاح الأعمال والأقوال حتى تكون عند اللَّه مقبولة
стр. 244
ومرضية.
٨ - يستحب للداعي أن يشرك والديه في الدعاء؛ لعظم فضلهما عليه .
٩ - إن الوالدين من أعظم النعم من اللَّه عزّ شأنه على العبد .
١٠ - أهمية الأدعية القرآنية ؛ لاستجماعها جوامع الكلم من حسن الأدب، وكمال المقصد.
٣٧ - ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (١).
هذه الدعوة الثانية ذكرها المؤلف لموسى ﵇ هي من ضمن عدة دعوات في أمور مهمّات، سطَّرها كتاب ربنا بأساليب عديدة، في مواضع كثيرة، تنبئ عن أهمّيتها وشدّة العناية بها، وتبيّن ما ينبغي للعبد أن يكون عليه في مواطن الفتن والشدائد، وكيفيّة التعامل بها على منهج اللَّه القويم، والصراط المستقيم، الذي من تمسّك به، فلن يضلّ في الدنيا، ولن يشقى في الآخرة.
وسبب هذه الدعوة أن موسى ﵇ قتل رجلاً قبطياً خطأً دون قصد أو تعمّد، حين أقدم رجل إسرائيلي من شيعته على الاستنصار به على القبطي، فضربه بقبضة يده فمات في الحال، وعدَّ ذلك ذنباً لأنه قتل نفساً لم يأمره اللَّه بقتلها.
قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ اعترافٌ وندمٌ منه، فحمله ندمه على الخضوع لربه، والاستغفار من ذنبه، قال قتادة
стр. 245
رحمه اللَّه عن الأية: ((عَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇ مِنْ أَيْنَ الْمَخْرَجِ)) (١)، ((ثم لم يزل يعدد ذلك على نفسه، مع علمه بأنه قد غفر له، حتى أنه في القيامة يقول: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، وإنما عدده على نفسه ذنباً من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر؛ فإن الأنبياء يُشفقون مما لا يشفق منه غيرهم)) (٢).
فإذا كان نبي اللَّه ﵇ يعدد ذنبه على نفسه، مع علمه بمغفرة اللَّه له، فكيف بنا نحن لا نعدد ذنوبنا وسيئاتنا التي نجترحها في الليل والنهار، ولا نعلم هل يغفر لنا أم لا! فإن العبد ينبغي له أن يقف متأملاً في حاله، وفي مصيره، وإنه مسؤول عن كل صغير وكبير، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.
ذكر العلامة ابن سعدي ﵀ من فوائد هذه القصة: ((أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد، أو عرف، لا يجوز، وأن الذي يقتل النفوس بغير حقٍّ يُعدُّ من الجبارين المفسدين في الأرض، ولو كان غرضه من ذلك الإرهاب، ولو زعم أنه مصلح، حتى يرد في الشرع بما يبيح قتل النفس)) (٣)، ومن الفوائد: أن العبد ينبغي له أن يستعظم الذنب، ويخاف عاقبته، ويتوسّل إلى اللَّه بذكر مظلمته، وعزمه على التوبة والأوبة.
стр. 246
فكأنه ﵀ يحكي حال اليوم وما يقوم به المتجاهلون على الدين والشرع، من قتل الأبرياء، واستحلال الدماء والأموال والأنفس بدعوى الجهاد، وإنما هو ضلال وفساد، نسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة.
الفوائد:
١ - إن الاعتراف بالذنب توبة وندم، مع الإقلاع عن الذنب ، والعزيمة على أن لا يعود إليه.
٢ - تقديم الاعتراف بالذنب وظلم النفس قبل الطلب ، من موجبات الإجابة.
٣ - ينبغي لمن وقع في ذنب المبادرة إلى التوبة والأوبة في الحال .
٤ - إن الاعتراف بظلم النفس، وطلب المغفرة من اللَّه من سنن الأنبياء والمرسلين، كما قال أبوينا ﵉: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).
٥ - إن هذه الدعوة من أهم الدعوات في طلب المغفرة ؛ حيث ذكرها تعالى في سياق الثناء المقتضي للتأسي والاقتداء.
٦ - دلّت هذه الدعوة الكريمة على محبة اللَّه للتوبة والمغفرة ؛ لقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾، حي ث رتب المغفرة بـ (الفاء) التي تفيد السببية، والتعقيب، والترتيب دون مهلة.
стр. 247
٧ - إن التوسل إلى اللَّه تعالى بهذا الاسم (الرب) يناسب الدعاء به في أي مطلوب؛ لأن ربوبية اللَّه تعالى من لوازمها إجابة الدعوات كما تقدم.
٣٨ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
هذه الدعوة المباركة من دعوات موسى ﵇ التي تكرّرت في كتاب اللَّه ؛ فإن فيها إرشاداً من اللَّه تعالى لنا في التمسك بطرق الخير، ومجانبة طرق الباطل؛ لنكون في عصمة اللَّه في ديننا ودنيانا.
سأل موسى ﵇ ربه النجاة من فرعون وزمرته، فقال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: توسل بربوبية اللَّه التي من معانيها التربية والعناية والإصلاح والتدبير، وإجابة الدعاء، فناسب أن يسأل ربه في إصلاح أمره، وتدبير حاله، في النجاة من هؤلاء الظلمة، أي: يا ربي نجّني، وخلّصني من هؤلاء القوم الكافرين، الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بك، ووصفهم بالظلم إظهار لشناعة هذا الوصف، ومن كان من أهله.
فأنجاه السميع العليم، كما هي عادته مع أنبيائه وأوليائه الذين يفرون إليه في كل أمورهم، وأحوالهم، وعند الشدائد والمهالك، والأخطار.
وسؤال اللَّه النجاة من الظالمين، كما هو دأب الأنبياء
стр. 248
والمرسلين، كان له نصيب من أدعية المؤمنين، كما قصَّ اللَّه لنا عن المؤمنة آسية زوج فرعون حين قالت: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، فسألت النجاة من فرعون الظالم، ثمّ عمّمت سؤال النجاة من كلّ من يتّصف بهذه الصفة الشنيعة التي حرّمها ذو الجلال والإكرام على نفسه، وعلى عبيده.
فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ في قصة تعذيبها أنه قال: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يديها ورجليها، فكان إِذَا تَفَرَّقُوا عَنْهَا أَطْلَقَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَتْ:) رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، قَالَ: فَكَشَفَ لَهَا عَنْ بَيْتِهَا فِي الْجَنَّةِ)) (٣)، وهذا حكمه حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بالرأي.
الفوائد:
١ - ينبغي للعبد أن يحرص في دعائه على سؤال اللَّه تعالى العصمة ،
стр. 249
والحفظ من الظالمين؛ لشدة خطرهم على الدين والنفس.
٢ - لم تستجلب النعم، وتدفع النقم بمثل الدعاء ؛ ولذلك كان ملجأ الأنبياء، والأولياء في كل زمان ومكان.
٣ - أهمية التوسّل بصفات اللَّه تعالى حال السؤال والطلب ، كما في توسَّل موسى ﵇ ﴿نَجِّنِي﴾، وهذه صفة فعلية عليّة، تدلّ على كمال القوة، والإرادة، والنصرة.
٣٩ - ﴿عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١).
هذه دعوة مباركة أخرى ضمن دعوات موسى ﵇ في الكتاب الحكيم.
حين قتل موسى ﵇ القبطي أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢)، ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٣)، فأثنى اللَّه ﵎ على هذا الرجل الصالح.
ووصفه بالرجولية؛ لأنه خالف الطريق، فسلك طريقاً أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فنصحه في الخروج فأخذ بها، فلما أخذ طريقاً سالكاً قاصداً وجهة مدين، وهي جنوبي
стр. 250
فلسطين حيث لا ملك لفرعون بها.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: خرج منها فاراً بنفسه، منفرداً خائفاً، لا شيء معه من زاد ولا راحلة، ولا حذاء، أسند إلى دعاء ربه مستغيثاً به الذي من طرق بابه، ولاذ بجنابه، لا يردُّه، ولا يُخيّبه (١).
﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أي إلى الطريق الأقوم، والمختصر الموصل إليها بسهولةٍ، ورفقٍ، فهداه اللَّه إليها، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هادياً مهدياً (٢).
من فوائد هذا الدعاء:
١ - في هذه الآية تعليم وإرشاد أن على العبد أن يفرغ ما في وسعه في بذل الأسباب، ثم يلجأ إلى اللَّه تعالى أن ييسر له الأسباب، وهذا من كمال التوكّل.
٢ - ((أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العلم ، أو التكلم به إذا لم يترجّح عنده أحد القولين؛ فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه إلى الصواب من القولين، بعد أن يقصد الحق بقلبه، ويبحث عنه، فإن اللَّه تعالى لا يخيب من هذه حاله)) (٣).
٣ - ينبغي للعبد أن يسأل ربه الهداية الحسيّة، والمعنوية ، حتى