فكأنه ﵀ يحكي حال اليوم وما يقوم به المتجاهلون على الدين والشرع، من قتل الأبرياء، واستحلال الدماء والأموال والأنفس بدعوى الجهاد، وإنما هو ضلال وفساد، نسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة.
الفوائد:
١ - إن الاعتراف بالذنب توبة وندم، مع الإقلاع عن الذنب ، والعزيمة على أن لا يعود إليه.
٢ - تقديم الاعتراف بالذنب وظلم النفس قبل الطلب ، من موجبات الإجابة.
٣ - ينبغي لمن وقع في ذنب المبادرة إلى التوبة والأوبة في الحال .
٤ - إن الاعتراف بظلم النفس، وطلب المغفرة من اللَّه من سنن الأنبياء والمرسلين، كما قال أبوينا ﵉: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).
٥ - إن هذه الدعوة من أهم الدعوات في طلب المغفرة ؛ حيث ذكرها تعالى في سياق الثناء المقتضي للتأسي والاقتداء.
٦ - دلّت هذه الدعوة الكريمة على محبة اللَّه للتوبة والمغفرة ؛ لقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾، حي ث رتب المغفرة بـ (الفاء) التي تفيد السببية، والتعقيب، والترتيب دون مهلة.
стр. 247
٧ - إن التوسل إلى اللَّه تعالى بهذا الاسم (الرب) يناسب الدعاء به في أي مطلوب؛ لأن ربوبية اللَّه تعالى من لوازمها إجابة الدعوات كما تقدم.
٣٨ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
هذه الدعوة المباركة من دعوات موسى ﵇ التي تكرّرت في كتاب اللَّه ؛ فإن فيها إرشاداً من اللَّه تعالى لنا في التمسك بطرق الخير، ومجانبة طرق الباطل؛ لنكون في عصمة اللَّه في ديننا ودنيانا.
سأل موسى ﵇ ربه النجاة من فرعون وزمرته، فقال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: توسل بربوبية اللَّه التي من معانيها التربية والعناية والإصلاح والتدبير، وإجابة الدعاء، فناسب أن يسأل ربه في إصلاح أمره، وتدبير حاله، في النجاة من هؤلاء الظلمة، أي: يا ربي نجّني، وخلّصني من هؤلاء القوم الكافرين، الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بك، ووصفهم بالظلم إظهار لشناعة هذا الوصف، ومن كان من أهله.
فأنجاه السميع العليم، كما هي عادته مع أنبيائه وأوليائه الذين يفرون إليه في كل أمورهم، وأحوالهم، وعند الشدائد والمهالك، والأخطار.
وسؤال اللَّه النجاة من الظالمين، كما هو دأب الأنبياء
стр. 248
والمرسلين، كان له نصيب من أدعية المؤمنين، كما قصَّ اللَّه لنا عن المؤمنة آسية زوج فرعون حين قالت: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، فسألت النجاة من فرعون الظالم، ثمّ عمّمت سؤال النجاة من كلّ من يتّصف بهذه الصفة الشنيعة التي حرّمها ذو الجلال والإكرام على نفسه، وعلى عبيده.
فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ في قصة تعذيبها أنه قال: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يديها ورجليها، فكان إِذَا تَفَرَّقُوا عَنْهَا أَطْلَقَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَتْ:) رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، قَالَ: فَكَشَفَ لَهَا عَنْ بَيْتِهَا فِي الْجَنَّةِ)) (٣)، وهذا حكمه حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بالرأي.
الفوائد:
١ - ينبغي للعبد أن يحرص في دعائه على سؤال اللَّه تعالى العصمة ،
стр. 249
والحفظ من الظالمين؛ لشدة خطرهم على الدين والنفس.
٢ - لم تستجلب النعم، وتدفع النقم بمثل الدعاء ؛ ولذلك كان ملجأ الأنبياء، والأولياء في كل زمان ومكان.
٣ - أهمية التوسّل بصفات اللَّه تعالى حال السؤال والطلب ، كما في توسَّل موسى ﵇ ﴿نَجِّنِي﴾، وهذه صفة فعلية عليّة، تدلّ على كمال القوة، والإرادة، والنصرة.
٣٩ - ﴿عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١).
هذه دعوة مباركة أخرى ضمن دعوات موسى ﵇ في الكتاب الحكيم.
حين قتل موسى ﵇ القبطي أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢)، ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٣)، فأثنى اللَّه ﵎ على هذا الرجل الصالح.
ووصفه بالرجولية؛ لأنه خالف الطريق، فسلك طريقاً أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فنصحه في الخروج فأخذ بها، فلما أخذ طريقاً سالكاً قاصداً وجهة مدين، وهي جنوبي
стр. 250
فلسطين حيث لا ملك لفرعون بها.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: خرج منها فاراً بنفسه، منفرداً خائفاً، لا شيء معه من زاد ولا راحلة، ولا حذاء، أسند إلى دعاء ربه مستغيثاً به الذي من طرق بابه، ولاذ بجنابه، لا يردُّه، ولا يُخيّبه (١).
﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أي إلى الطريق الأقوم، والمختصر الموصل إليها بسهولةٍ، ورفقٍ، فهداه اللَّه إليها، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هادياً مهدياً (٢).
من فوائد هذا الدعاء:
١ - في هذه الآية تعليم وإرشاد أن على العبد أن يفرغ ما في وسعه في بذل الأسباب، ثم يلجأ إلى اللَّه تعالى أن ييسر له الأسباب، وهذا من كمال التوكّل.
٢ - ((أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العلم ، أو التكلم به إذا لم يترجّح عنده أحد القولين؛ فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه إلى الصواب من القولين، بعد أن يقصد الحق بقلبه، ويبحث عنه، فإن اللَّه تعالى لا يخيب من هذه حاله)) (٣).
٣ - ينبغي للعبد أن يسأل ربه الهداية الحسيّة، والمعنوية ، حتى
стр. 251
يهديه ربه إلى أسهل وأقرب الطرق الموصلة لذلك المقصد في دينه ودنياه.
٤ - افتقار الخلق كلهم إلى اللَّه تعالى بالهداية والتوفيق .
٥ - فضل الدعاء في جلب المنافع، ودفع المضار .
٤٠ - ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (١).
هذه الدعوة ضمن دعوات ذكرها المؤلف حفظه اللَّه تعالى ووفقه، من دعوات موسى ﵇، الذي كثر عنها الحديث في كتاب ربنا دلالة على أهميتها، والدعوة إلى العناية بها، فهماً، وعلماً، وسؤالاً، ومطلباً، ففيها من الخيرات والمنافع الكثيرة التي تعود على العبد بما يصلح أموره، وأحواله في الدنيا، ومرجعه في الآخرة.
فقد ذكر المفسرون أن موسى ﵇ لما جهد في السفر، وانقطع عن الأهل، بلغ به الجوع كل مبلغ، ولم يكن معه من الطعام ما يأكله، فعرف أين المقصد، وأين المخرج، فعرف أن المفرّ إلى ربه ﵎ الذي اعتنى به منذ صغره إلى هذه الحال، عرف ربه في الرخاء، فعرفه في الشدة، فتوسّل إليه بألطف الوسائل.
قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: ذكر حاله إلى ربه ﵎ بألطف الكلمات والعبارات، المتضمن لطلب إنزال اللَّه الخيرات، وهذا من أبلغ الوسائل، وألطفها لما فيها من حسن
стр. 252
الأدب وكمال الطلب.
وكأني بحاله يقول: يا ربي، إني لما أنزلت إليَّ من فضلك وغناك وخيرك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك.
((وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال)) (١).
((فإن اللَّه تعالى كما يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه، وصفاته، ونعمه العامة والخاصة، فإنه يحب منه أن يتوسّل إليه بضعفه، وعجزه، وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع الأضرار عن نفسه، لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة، والافتقار للَّه الذي هو حقيقة كل عبد)) (٢).
فقد تضمّن كتاب ربنا أنواعاً في كيفية الطلب والدعاء، فتارة يكون الدعاء بصيغة الطلب: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣).
وتارة يكون بصيغة الخبر المتضمن للطلب مثل هذا الدعاء، وكدعاء زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٤).
стр. 253
وكقوله تعالى عن أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١)، والعبد الصالح السالك طريق الأنبياء والمرسلين يحسن به الاقتداء بهم، والأخذ بسننهم في الدعاء) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ((٢).
فيجمع العبد بين هذه التوسلات العلية في سؤاله ورغبته:
وإذا كان موسى ﵇ قد سأل اللَّه الخير بصيغة الحال، فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه سأل اللَّه الخير بصيغة الطلب، كما في الحديث العظيم الذي قال فيه النبي ﷺ لأُمِّنا عائشة ﵂ حين قال لها: ((عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ... ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ))، وفي رواية: ((عليك بالجوامع الكوامل)) (٣).
تضمنت هذه الدعوة المباركة جملاً من الفوائد منها:
١ - أن الشكوى إلى اللَّه تعالى لا تنافي الصبر ، بل من كمال الإيمان باللَّه تعالى، والرضا بقدره.
٢ - على الداعي أن يتوسل إلى اللَّه بأنواع التوسل المشروعة ، وإن ذلك من كمال العبودية التي يحبها اللَّه .
٣ - مشروعية الاستعاذة من الفقر ، وأنها سُنَّة الأنبياء والمرسلين،
стр. 254
فقد كان من دعاء رسولنا محمد ﷺ : ((اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ)) (١).
٤١ - ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢).
هذا الدعاء من نبي اللَّه لوط ﵇، وقد كان مرسلاً إلى قوم قد جمعوا بين الشرك، والكفر، والفعل الشديد النكران.
فكانوا يأتون الذكران من العالمين، ولم يسبقهم أحد مثلهم من السابقين، وقصَّ ربّنا لنا عن دعوته لهم، فلم يستجيبوا له، حتى أقرب الناس إليه زوجه، فلمّا يئس منهم دعا عليهم بعد أن تمادوا إلى أشد النكران والكفران.
حيث أرادوا الفاحشة في ملائكة العذاب حين أتوه بالبشرى في صورة أضياف آدميين شباب.
فأوى إلى المليك المقتدر السميع القريب فقال: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾: يا رب انصرني عليهم بإنزال العذاب الموعود الذي لا يتخلف، والآتي المتحقق، وتوسّلَ إلى اللَّه تعالى بربوبيته التي من معانيها النفع، ودفع الضر، والنصر، والتربية، والتدبير، فكان في غاية الحسن في السؤال.
وقوله: ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾: على أصحاب الفاحشة الذين
стр. 255
سنُّوا هذا الفعل لمن بعدهم، وإنما وصفهم (بالْمُفْسِدِينَ): مبالغة في استنزال العذاب عليهم، وقد بيَّن اللَّه تعالى لنا في كيفية هلاكهم: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (١)، فكما قلبوا فطرتهم، قلب اللَّه أجسادهم وبيوتهم جزاءً وفاقاً.
وفي هذا القصص عبرة للعباد، وإرشاد إلى الاعتصام باللَّه تعالى في سؤال اللَّه العصمة، والاستعاذة به من المنكرات المضلَّة التي تُفسد القلب، والعقل، والجسم، والفطرة السليمة.
تضمنت هذه الدعوة المباركة من الفوائد الكثيرة:
١ - لا عاصم على الإطلاق إلا اللَّه ﵎ .
٢ - أن الداعي ينبغي له أن يجانب مصاحبة المفسدين ، حتى لا يصيبه ما أصابهم، وأن يستعين باللَّه في دعائه كذلك عليهم.
٣ - أهمية التوسّل إلى اللَّه بالدعاء على المفسدين ، كما أفاد لفظ (انْصُرْنِي)، ولم يقل (أعذني) دلالة على شدة خطورتهم، وأنه من عُصِمَ منهم فقد نُصِرَ نَصْراً مُؤزَّراً من اللَّه جلّ شأنه.
٤٢ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
الصلاح: ((ضد الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقُوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسيئة، قال تعالى:
стр. 256
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢)) (٣).
هذه الدعوة ضمن دعوات إبراهيم ﵇، حيث سأل اللَّه تعالى أن يهب له ولداً صالحاً، فبعد أن طلب الصلاح لنفسه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ طلب الصلاح من اللَّه تعالى لذريته، حتى يتم الكمال له ولذريته، ومطلب الصلاح هو سؤال الأنبياء والمرسلين.
فقد طلبه سليمان ﵇ فقال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤).
وطلبه يوسف ﵇ فقال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٥)، وهي -كما تقدم - دعوة نبينا محمد ﷺ : ((اللَّهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين))؛ لأن الصلاح هو أفضل الخصال، وأسماها، وأشرف مقامات السالكين إلى اللَّه تعالى، فمن ناله صلح أمره وشأنه في الدنيا، وحسنت عاقبته في الآخرة.
стр. 257
فإن الولد الصالح من أعظم النعم، وأقرِّ الأعين، وأحبِّ المُنى، وهل يكون الفلاح في الآخرة إلا بالصلاح، وسؤال اللَّه تعالى الصلاح للذرية يدخل فيه سؤال اللَّه صلاح البدن، والخلق، والدِّين أن يكون سليماً مستقيماً في خِلْقته، وخُلُقه في ظاهره وباطنه، وهذه من أعظم النعم التي يتمناها كل عبدٍ صالح.
وقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ فيه بيان أن رزق الولد الصالح مِنَّةٌ ربانيةٌ، ومِنحةٌ إلهيةٌ، والهبة هي: عطاء بلا عوض، ولا ثمن، فالهبة منه كمال محض؛ لأن الإعطاء منه تفضلاً، وابتداءً من غير استحقاق، ولا مكافأة (١).
قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قَيّد في سؤاله الصلاح، وهذا أمر مهمٌّ؛ لأن من الذرية ما يكون سبباً للهمِّ والنّكَدِ، وسوء الخُلُقِ.
قال ابن جرير الطبري ﵀: ((يقول: يا ربِّ هبْ لي منك ولداً يكون من الصالحين الذين يطيعونك، ولا يعصونك، ويصلحون في الأرض، ولا يفسدون)) (٢).
ففي صلاح الذرية النفع الكبير للوالدين في الدارين، ففي الدنيا طاعتهما، والقيام على خدمتهما، وبذل المعروف لهما، وبعد موتهما بالدعاء لهما، قال النبي ﷺ : ((إذا ماتَ الإِنْسانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلاَّ
стр. 258
مِنْ ثَلاَثةٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صالحٍ يَدْعُو لهُ)) (١)، وقوله ﵊: ((بَخٍ بَخٍ, خَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, وَاللَّهُ أَكْبَرُ, وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فَيَحْتَسِبُهُ)) (٢)، وفي الآخرة من رفع الدرجات، والمنازل العُلا، قال ﵊: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ)) (٣)، وفي لفظ آخر موقوفاً على أبي هريرة: ((ترفعُ للميّت بعدَ موتِهِ درجتُه، فيقولُ: أيْ ربِّ، أيُّ شيءٍ هذا؟ فيُقالُ: ولدُكَ استغفَرَ لَكَ)) (٤).
ولمّا كانت هبة الولد الصالح عطية عظيمة من اللَّه تعالى، ونعمة جليلة من نعمه، كان شكرها، وحمد الرب ﵎ عليها واجباً على العبد، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ وَمَا
стр. 259
أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (١)؛ ولأن بالشكر تدوم النعم ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢)، فقد وفّى خليل الرحمن بهذه النعمة خير التمام، حيث قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣)، أكد الجملة بـ (إنَّ) (٤)، و (اللام) للدعاء، والإجابة، أي وهب اللَّه لي على الكبر إسماعيل، وإسحاق؛ لأنه تعالى سميع الدعاء، وهذه هي عادة اللَّه ﵎ مع الصادقين السائلين أن يجيبهم، ويؤتيهم سؤلهم؛ لأنه ﷻ مجيب لمن دعاه، كما دلّ قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ ((بالفاء التي تفيد التعقيب والترتيب والسببية، أي فبسبب دعائه ببشارته)) (٥)، ودلّت هذه البشارة أنها جاءت عقب الدعاء مباشرة، كما دلّ على ذلك بـ (الفاء) التي تدلّ على التعقيب دون مهلة، وهذا يدلّ على عظم شأن الدعاء، فما استجلبت النعم، ودفعت النقم بمثله.
تضمن هذا الدعاء من الفوائد:
١ - إن كل أحد وإن علا قدره من البشر مفتقر إلى اللَّه -، ومفتقر
стр. 260
إلى من يغنيه، لقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن َالصَّالِحِينَ﴾.
٢ - أهمية الصلاح، وأنه مطمع، ومأمل كل الأنبياء والمرسلين والصالحين ، فينبغي للعبد أن يسأله له، ولأهله، ولذريته، ولجميع المسلمين.
٣ - ينبغي للعبد حين سؤاله ربه الذرية أن يقيّدها بالصلاح .
٤ - أهمية التوسل إلى اللَّه حال الدعاء بأسمائه الحسنى ، وكذلك بصفاته الفعلية العُلا، ومنها (الهبة) المشتقة من اسمه تعالى (الوهّاب).
٥ - الإكثار من الدعاء للأبناء بالصلاح ؛ لأن الذرية الصالحة من آثار العبد الصالح، كما في دعاء إبراهيم، وإسماعيل ﵉: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.
٦ - على العبد أن يتخيّر في دعائه أحسن الألفاظ ، وأجمل المعاني، كما دلّ قوله: ﴿هَبْ لِي﴾.
٧ - أن الذرية الصالحة هبة محضة من اللَّه تعالى ، فمن أوتيها ينبغي له أن يحمد اللَّه تعالى عليها كثيراً.
٨ - أن من أعظم أسباب هبة الولد الصالح الدعاء .
٩ - يحسن للداعي أن يذكر بعض الأمور الحميدة التي يتمناها حال سؤاله.
١٠ - أهمية الدعاء في حياة المؤمن ؛ لما فيه من تحصيل المنافع،
стр. 261
واعطاء المرجو في العاجل والآجل.
٤٣ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).
المفردات:
أوزعني: أي ألهمني، وأولعني أن أشكر نعمتك بحيث لا أنفكُّ عن شكرها، وقد سبق لنا أن شرحنا مثل هذه الدعوة المباركة الطيبة على لسان سليمان ﵇، إلاّ أنه ختم الدعاء هناك بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢)، وختم هنا بقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾.
فبدأ اللَّه تعالى بالوصية لمن كان سبباً في وجوده في هذه الحياة الدنيا بعد اللَّه بالإحسان إليهما، وبرِّهما، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه، ففيه بيان أن العبد إذا بلغ أربعين سنة أن يجدد التوبة للَّه تعالى.
﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾: يا ربي وفقني أن أشكر
стр. 262
نعمك التي لا تُحصى عليّ من نعم الدنيا، والدين الذي هو أعظم النعم التي أسبغتها عليّ، فكم من محروم منها. تضمّن هذا السؤال التوفيق للعمل بالطاعات، واجتناب المحرّمات.
﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: أدرج ذكر والديه تكثيراً للنعم، والنعم على الوالدين نعم على أولادهم؛ لأنهم لابد أن ينالهم شيئاً منها، ومن أسبابها وآثارها، خصوصاً نعم الدين، فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: وألهمني ووفقني أن أعمل صالحاً ترضاه في المستقبل، فجمع بين أنواع الشكر المطلوبة: شكرها باللسان، بالثناء والذكر، المستلزم للشكر بالجنان، وأردفه الشكر بالأركان، وهو القيام بصالح الأعمال عنده جل وعلا عليه وعلى والديه.
وقوله: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: فتقييده بـ (ترضاه) يدلّ أنه ليس كل عمل صالحٍ في الظاهر يرضاه اللَّه تعالى، بل لا بدّ أن يوفّق إلى الأعمال والأقوال الموجبة لرضاه جل وعلا، من صدق الإخلاص، وحسن العبادة في المتابعة.
﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾: أي واجعل الصلاح سارياً في ذريتي، راسخاً فيهم، متمكنين منه، ولذلك عُدِّي بـ (في) (١)، وفيه إشارة إلى
стр. 263
أن صلاح الآباء يورث صلاح الأبناء.
تضمن هذا السؤال كمال السعادة البشرية المرجوة في الدنيا والآخرة:
١ - أن يوقفه للشكر على النعم الدنيوية والشرعية .
٢ - أن يوفقه بالطاعة المرضية عنده جل وعلا التي تكون بالمتابعة والإخلاص.
٣ - أن يصلح له ذريته على صراط اللَّه تعالى المستقيم .
٤ - التوفيق إلى التعبد بمقتضيات صفاته، وآثارها ، ومنها صفة الرضا في قوله: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.
قوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾: ختم هذا الدعاء بتجديد التوبة، والاستسلام للَّه تعالى في أمره ونهيه، قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: ((هذا فيه إرشاد لمن بلغ أربعين سنة أن يجدد التوبة والإنابة إلى اللَّه ، ويعزم عليها)) (١).
الفوائد:
١ - أهمية هذه الدعوة؛ فإنها تكررت مرتين في كتاب اللَّه تعالى: مرة على لسان سليمان ﵇، ومرّة هنا على لسان الصالحين من عباده تعالى.
٢ - أهمّية سؤال اللَّه التوفيق إلى الشكر ؛ لقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾.
стр. 264
٣ - أن نعم اللَّه تعالى على العبد، وعلى الخلق لا تُحصى ، كما أفاد قوله: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ مفرد مضاف يفيد العموم.
٤ - أن نعمة الإسلام هي أعظم النعم من اللَّه ﷻ - التي ينبغي للعبد استشعارها، وحمده تعالى عليها سراً وعلانية.
٥ - إن أحق من يُشْكَر بعد اللَّه تعالى الوالدين لقوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾.
٦ - أهمية سؤال اللَّه تعالى التوفيق إلى أحسن الأعمال لقوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ (١).
٧ - ينبغي مراقبة اللَّه تعالى في الأعمال، وأن تكون خالصةً لوجهه : ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.
٨ - إثبات صفة (الرِّضَا) لله تعالى ، وهي صفة فعلية تتعلق بمشيئتة وإرادته.
٩ - ينبغي للداعي أن يبذل ما في وسعه بالتقرب إلى اللَّه تعالى بالأعمال، والأقوال، والأخلاق التي تقتضي رضاه تعالى؛ لأن رضاه صفة فعلية، والصفات الفعلية تتعلق بمشيئته متى وُجد سبب الرضا وُجد الرضا.
١٠ - ينبغي للداعي أن يسأل اللَّه على الدوام إصلاح ذريته ؛ لأن النفع يعود عليهم جميعاً، بل وعلى المؤمنين.
стр. 265
١١ - أهمية التوسل بالعمل الصالح ، وكلّما كثّره العبد كان أرجى في الإجابة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾.
١٢ - إن التوبة من الذنوب من أعظم أسباب قبول الدعاء: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
١٣ - ((إن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان، أو بالإسلام ، وما أشبه ذلك، لا يُعدّ من الرياء، ولا سيما في الاتباع)) (١)، بل يدلّ على الإقرار لله تعالى، والخضوع والتذلل له، وهذا من أعظم أنواع التوسل بالعمل الصالح؛ لأن الإسلام هو الاستسلام في ظاهر العبد، وباطنه لله رب العالمين.
١٤ - ينبغي للعبد أن يجدد توبته، وإنابته إلى اللَّه خاصة إذا كمل أربعين عاماً (٢).
١٥ - ينبغي للداعي أن يكون له حظ كبير في أدعيته لوالديه، ولذريته ؛ فإن هذا النفع يعود عليه، وعليهم جميعاً في الصلاح في الدنيا، والأنس والاجتماع بعضهم مع بعض في جنات النعيم.
٤٤ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ
رَؤُوفٌ
стр. 266
رَّحِيمٌ﴾ (١).
هذه الدعوات هي في غاية الأهمية، ذكرها ربنا ﵎ لأهل الإيمان المخلصين من بعد الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين من التابعين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، دعوات تدلّ على المحبة والتآخي في قلوب المؤمنين؛ فإن حقوق المؤمن على المؤمن كثيرة، ومنها الدعاء له في غيبته: في حياته، وبعد موته.
بعد أن أثنى اللَّه على المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّه وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢).
ثم ثنَّى بالأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾.
ثم الصنف الثالث من المؤمنين الذين جاؤوا من بعدهم إلى يوم القيامة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فاستوعبت هذه الآيات جميع المسلمين، وليس أحدٌ إلاّ له فيها حق.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: ذكروهم في
стр. 267
الثناء عليهم في محبتهم بالسبق بالإيمان، اعترافاً بفضلهم؛ لأن الأخوّة في الدين عندهم أعزّ وأشرف من أخوَّة النسب، فجمعوا في الدعاء بطلب المغفرة لهم وللسابقين، وهذا من كمال الدعوات وأحسنها وأنفعها.
قال العلامة ابن سعدي ﵀: ((وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين من السابقين من الصحابة، ومن قبلهم، ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان، أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان، المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين، التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضاً؛ ولهذا ذكر اللَّه تعالى في هذا الدعاء نفي الغل في القلب الشامل لقليله وكثيره، الذي إذا انتفى، ثبت ضده، وهو المحبّة بين المؤمنين)) (١).
فجمعوا في هذه الدعوة المباركة بين سلامة القلب، وسلامة الألسن، فليس في قلوبهم أي ضغينة، ولا وقيعة، ولا استنقاص لأحد بالذكر في اللسان، دلالة على جماع المحبّة الصادقة للَّه ربِّ العالمين.
قال أبو مظفر السمعاني ﵀: ((وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير، وترك ذكرهم بالسوء من
стр. 268
علامة المؤمنين)) (١).
ثم أكّدوا في تضرّعهم بإجابة دعائهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: توسّلوا إليه تعالى باسمين كريمين دالَّين على كمال رحمة اللَّه تعالى، أي: يا ربنا ما دعوناك بهذا السؤال والدعاء إلا لأنك رؤوف رحيم. والرؤوف: اسم للَّه تعالى يدلّ على شدّة الرحمة وأعلاها، فهو أخصُّ من الرحمة.
ومن كانت هذه خصالهم في الحبّ والمودّة في القلب واللسان بالدعاء والثناء لإخوانهم المؤمنين، جازاهم اللَّه تعالى خير الجزاء، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٢)، وقد تقدّمت بشارة الرسول ﷺ فيمن دعا لإخوانه المؤمنين ((من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)) (٣).
ولا يخفى يا عبد اللَّه أن في الإكثار من هذه الدعوة العظيمة خيرات كثيرة في الدنيا والآخرة؛ لما في ذلك من الاستجابة لأمر اللَّه تعالى، وكثرة الحسنات التي لا تُعدُّ ولا تُحصى للداعي بها كما
стр. 269
تقدم، وأن الدعاء بهذه الدعوات الطيبة يثمر في قلب العبد حب المؤمنين، والبُعد عن الكراهية، والحسد، والغلّ فتطهر بذلك القلوب، وهذا من أعظم مقاصد الدين.
الفوائد:
١ - أهمية هذه الدعوة المباركة التي ينبغي لكل مسلم الإكثار منها في ليله ونهاره، فإن ثمارها ومنافعها لا تُحصى في الدنيا والآخرة.
٢ - أن من أعظم حقوق المؤمن على المؤمن الدعاء .
٣ - أهمية سؤال اللَّه ﵎ المغفرة ؛ لأن من عظيم ثمارها زوال السيئات والمكروهات، وحصول النعم والخيرات، والفوز بالجنات.
٤ - ينبغي للمؤمن ألا ينسى فضل من سبقه بالإيمان ، فيذكره بالثناء والدعاء.
٥ - جمع هذا الدعاء توسلين جليلين من التوسلات المهمة، وهما:
أ - التوسل إليه بربوبيته ، كما في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾، وباسمين من أسمائه الحسنى: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
ب- وتوسل إليه تعالى بنعمته عليهم بالإيمان ، وعلى من قبلهم، وهو توسّل بسابق الإحسان.
٤٥ - ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ
стр. 270
الْمَصِيرُ﴾ (١).
٤٦ - ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).
المفردات:
الإسوة والأسوة: ما يُتأسَّى به، مثل قِدوَة وقُدوة، ويقال: هو إسوتك أي مثلك، وأنت مثله (٣).
قال أبو السعود: خصلةٌ حميدةٌ حقيقةٌ بأنْ يُؤتَسَى ويُقْتَدى بهَا، ويتبع أثرها (٤).
الفتنة، أصل الفتن: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، ثم أطلق على الابتلاء والامتحان (٥).
بعد أن ذكر اللَّه جلّ شأنه من تبرئ إبراهيم ﵇ والذين معه من الذين كفروا من قولهم وفعلهم، وبارزوا لهم التبري حتى يؤمنوا باللَّه تعالى وحده، ويوحِّدوا له العبادة لا شريك له، شرعوا في التوسل إليه تعالى بأسمائه الحسنى، وجميل أفعالهم، فجمعوا بين توسلين في حال دعائهم، استعطافاً لقبول دعائهم: ...
стр. 271
من التوكل والإنابة إليه ، والإيمان باليوم الآخر، ولمّا كانت هذه الخصال يحبّها اللَّه تعالى، حثَّنا وأكّد لنا في الاقتداء بهم، واتباع سيرته ﵇، والذين معه، إلاّ في استغفاره لأبيه، قال قتادة في هذه الآية: ((ائتسوا به في كل شيء، ما خلا قوله لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فلا تأتسوا بذلك منه، فإنها كانت عن موعدة وعدها إياه)) (١).
فأمَرَنا ربنا ﵎ بالاقتداء بهم بالقول والفعل والدعاء.
﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾: بعد أن تبرؤوا شرعوا في التوسل إليه تعالى بخالص أعمالهم، وعبودياتهم له تعالى، مقدمة لسؤالهم ليكون أرجى في الإجابة والقبول: أي يا ربنا توكلنا عليك في جميع أمورنا: صغيرها، وكبيرها، وسلّمنا أمورنا إليك وحدك.
﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾: وإليك رجعنا بالاعتراف لك بكل ذنوبنا دون غيرك.
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: وإليك مصيرنا ومرجعنا يوم تبعثنا من قبورنا، وتحشرنا يوم القيامة إلى موقف العرض، ((وفي تقديم الجار والمجرور (إليك) دلالة للحصر)) (٢)، والقصر في التوكل والإنابة والمصير عليه وحده جل وعلا دلالة على كمال توحيدهم، وإيمانهم.
стр. 272
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: للآية معنيان:
الأول: جاء عن مجاهد أنه قال: ((لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا)) (١).
المعنى الثاني: ما جاء عن قتادة أنه قال: ((يقول: لا تظهرهم
علينا فيُفتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقٍّ هم عليه)) (٢)، والآية تحتمل هذين المعنيين؛ لأن القاعدة في تفسير كتاب اللَّه تقول: ((إذا احتمل اللفظ معاني عدّة، ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها)) (٣)، فتضمن هذا الدعاء المبارك سؤال اللَّه السلامة في الدين والدنيا.
وهذا المقصد العظيم كان من سؤال المصطفى ﷺ : (( ... ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ... )) (٤)، والفتنة في الدين هي أخطر وأصعب الفتن، والعياذ باللَّه.
كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٥)، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٦).
стр. 273
أي أن فتنة المسلم عن دينه حتى يرجع إلى الكفر بعد إيمانه أكبر عند اللَّه من القتل، وإزهاق النفس.
وقولهم: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾: بعد أن سألوا اللَّه تعالى أن يصلح لهم دينهم في معاشهم، سألوه تعالى ما يصلح لهم أمورهم في آخرتهم: أي: واستر ذنوبنا فيما بيننا وبين غيرك، وتجاوز عنها فيما بيننا وبينك.
((وفي تكرار النداء بقولهم: ﴿رَبَّنَا﴾ إظهار للمبالغة في التضرع مع كل دعوة من الدعوات الثلاث)) (١)، وهذا يدلّ على شدّة إخلاصهم في دينهم، وكثرة توسّلهم إلى اللَّه تعالى في مطلوبهم.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ثم بيّنوا علّة سؤالهم له ﵎ تأكيداً وتحقيقاً بأنه تعالى هو: ﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب الذي لا يُغلب، ولا يُذلُّ من لاذ بجنابه جلّ وعلا.
﴿الْحَكِيمُ﴾: أي أنت الحكيم في أقوالك، وأفعالك، وشرعك، وقدرك، فتضع الأشياء في محلها، ((واقتران العزيز بالحكيم يدلّ على كمال آخر غير كمال كل اسم بمفرده، وذلك: أن عزته جلّ وعلا مقرونة بالحكمة، فلا تقتضي ظلماً وجوراً وسوءاً، كما في المخلوقين قد تأخذه العزّة بالإثم فيظلم، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونة بالعزّ الكامل، بخلاف المخلوق، فإن حكمته قد
стр. 274
يعتريها الذل)) (١).
ثم كرَّر الحثَّ على التأسِّي بهم، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ للمبالغة في التأسِّي بهم في أفعالهم، وأقوالهم، ودعائهم.
ثم قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ تهييج من اللَّه للمؤمنين باللَّه تعالى واليوم الآخر إلى الاقتداء والتأسِّي بهم.
الفوائد:
في هذه الدعوات فوائد كثيرة، منها:
١ - أهمية التوسّل إلى اللَّه تعالى بالعمل الصالح، وهو من موجبات إجابة الدعاء .
٢ - تذييل الدعاء باسم يناسب المطلوب، دلّ على ذلك ختمهم باسم (العزيز الحكيم) .
٣ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة، كما في غالب الأدعية القرآنية ، والسنة النبوية؛ لما فيها من إزالة كل مرهوب.
٤ - أهمية تقديم الأهم في الدعاء ، كما جاء في سؤالهم العصمة، والنجاة من المفسدين لدينهم، وعقيدتهم.
٥ - أهمية تكرير التوسل بربوبية اللَّه تعالى المؤذن للإجابة ، والقبول، والعناية، والحفظ؛ لأنّ ربوبية اللَّه ربوبيتان: عامة، وخاصة، فالعامة لجميع الخلائق، والخاصة لخواصّ خلقه من المؤمنين، فهم يسألون هذه الربوبية التي تقتضي ما ذكر من
стр. 275
العناية؛ ولهذا كانت أغلب أدعية القرآن مصدّرة بالتوسل إلى اللَّه بربوبيته؛ لأنها أعظم الوسائل على الإطلاق، التي تحصل بها المحبوبات، وتندفع لها المكروهات (١).
٦ - أن الدعاء سلاح الأنبياء، والمؤمنين في كل أحوالهم .
٧ - التوسل إلى اللَّه تعالى بأكثر من توسل ، وهو آكد في حصول الإجابة، دلّ على ذلك أنهم جمعوا بين توسلين:
أ- توسلهم بأعمالهم الصالحة .
ب - وتوسلهم بأسمائه تعالى الحسنى: (ربنا، العزيز، الحكيم) .
٨ - أن العبد لا غنى له عن ربه طرفة عين ، وأنه هو ملجأه، وملاذه في الشدائد والمصائب، وكل الأحوال.
٩ - ينبغي لكل داع أن يخصّ في دعواته سؤال ربه تعالى السلامة من الفتن في الدين؛ لأنها أشد الفتن والمصائب.
١٠ - أهمية معرفة مسالك العلّة التي جاءت في الكتاب والسنة حيث إنها تعين في معرفة معاني كتاب اللَّه تعالى، وسنة المصطفى ﷺ ، وما حوى من الأدعية الكريمة، كما في هذه الآية، فقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ علّلوا دعوتهم, أي ما دعوناك إلا لأنك أنت العزيز الذي تُعزّ من تشاء، فنسألك من عزتك التي لا ترام أن تعزَّنا، وتنصرنا على هؤلاء الكفرة الفجرة؛
ولأنك
стр. 276
حكيم، فحكمتك تمنع أن تكون النصرة للكافرين على المؤمنين.
١١ - أهمية التوكل، دلّ على ذلك تصديرهم به ؛ لأنه من توكل على اللَّه فقد كفاه ما يهمّه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).
١٢ - ينبغي للداعي معرفة معاني أسماء اللَّه الحسنى ، وصفاته العلا حتى يتوسل بما يناسب مطلوبه.
٤٧ - ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
هذا الدعاء النافع جاء ذكره في كتاب اللَّه العزيز الحكيم من دعاء المؤمنين في يوم القيامة حين ينطفئ نور المنافقين، والعياذ باللَّه، فقد صحّ عن مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (٣)، قال: ((قول المؤمنين حين يطفأ نور المنافقين)) (٤).
كما في الآية نفسها من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ
يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٥).
стр. 277
وهذا النور أحد العلامات التي يَعرِف بها النبي ﷺ أمته، قال ﷺ : ((أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُنْظِرُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ؟ مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، ولَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ غَيْرِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وَأَعْرِفُهُمْ بِنُورِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ)) (١).
السعي: المشي السريع، نورهم: أي نور إيمانهم، وطاعتهم على الصراط.
﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أي يضيء قدّامهم.
﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: أي وعن أيمانهم، وشمالهم على وجه الإضمار، يعني جهة أيمانهم وشمالهم (٢).
يقولون: أي يقول المؤمنون إذا طفئ نور المنافقين إشفاقاً
وخوفاً.
﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: المراد بالإتمام المداومة والاستمرارية إلى
стр. 278
أن يصلوا إلى دار السلام، جاء عن الضحاك: ((ليس أحد إلا يُعطَى نوراً يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين فلما رأى المؤمنون ذلك أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفأ نور المنافقين)) (١).
قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀: ((حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار، التي تعطى المنافقين، ويسألون اللَّه تعالى أن يُتمِّمَ لهم نورهم، فيستجيب اللَّه دعوتهم، ويوصلهم بما معهم من النور واليقين، إلى جنات النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح)) (٢).
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: علَّلوا بسؤالهم أنك يا ربنا ما سألناك بهذه المطالب إلا لأنك على كل شيء قدير، فلا يعجزك
شيء، فأتمم لنا هذا الخير، وأدمه إلى أن نصل إلى موعودنا دار السلام.
стр. 279
وهذا النور يا عبد اللَّه على قدر نور أعمالك في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، فقد جاء عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ((قَالَ: يُؤْتَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، مِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ الْجَبَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِهِ يُطْفَأَ مَرَّةً، وَيُوقَدُ أُخْرَى)) (١)، وهذا الخبر حكمه حكم المرفوع، أي من قول المصطفى ﷺ ؛ لأنه من أمور الغيب التي لا تعلم إلا بخبر من الشارع.
والعبد يسأل اللَّه أن يتم نوره، ويسبغه عليه في الدنيا حتى يتم له كمال النور على الصراط يوم القيامة، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه سأل ربه ﵎ أن يرزقه نوراً في كل أجزاء جسده الشريف؛ ليكمل له العلم، والمعارف، والهدى، ولنا في رسول اللَّه ﷺ أسوة حسنة (٢): ((اللهُمَ اجعَل فِي قَلبِي نُوراً وفِي سَمعي نُوراً وعَن يَمينِي
نُوراً وعن يَسارِي نُوراً وفَوقِي نُوراً وتَحتِي نُوراً وأَمامِي نُوراً وخَلفِي
стр. 280
نُوراً وأَعظِم لِي نُوراً))، قال كُرَيب: وسَبعاً فِي التَابُوت فَلقيتُ رَجلاً مِن ولَدِ العَباس فَحدَّثنِي بِهنَّ فذكر: ((عَصبِي ولَحمِي ودَمِي وشَعَرِي وبَشَرِي ... وزِدنِي نُوراً وزِدنِي نُوراً وزِدنِي نُوراً)) (١).
الفوائد:
١ - أهمية سؤال اللَّه تعالى بهذه الدعوة ، فإن فيها سؤالين من أجلّ المطالب في الدين والدنيا والآخرة:
أ - إتمام النور: أي إسباغه الذي من آثاره العلم، والهدى، والإيمان؛ لهذا كان النبي ﷺ يسأل ربه كما تقدم في ذهابه إلى الصلاة، وفي سجوده، وقيامه بالليل، بل سأل اللَّه تعالى في سياق البسط والتطويل أن يرزقه نوراً عظيماً، كما أفاد (التنوين) في كل أجزاء جسده الطاهر، فمن رزق هذا النور في الدنيا، فإنه سوف يكمل له هذا النور في الآخرة.
ب - سؤال اللَّه تعالى المغفرة للذنوب ، وهذا فيه الوقاية من كل الشرور ومن أعظمها النار والعياذ باللَّه.
٢ - أن كل الخلق مفتقرون ، حتى الأنبياء، إلى هذين المطلبين في
الدنيا والآخرة.
٣ - أن التوسل باسمه تعالى (القدير) مناسب في أي سؤال ،
стр. 281
ومطلوب.
٤ - أن من أعظم ثمرات التوبة النصوح: الفلاح، والنجاح، والأمان إلى دار السلام.
٥ - فضل الدعاء، وعظم شأنه ، وأن منافعه تعود على الداعي بالخير في الدنيا والآخرة، فلا غنى للخلق عنه مهما كانت رتبهم، وعلو منازلهم.
٤٨ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (١).
هذه هي الدعوة الثانية من دعوات نوح ﵇ جمعت، وشملت لأهم مطالب الدنيا والآخرة، وهي طلب المغفرة العامة له، ولوالديه، ولكل المؤمنين من لدن آدم إلى قيام الساعة، الأحياء منهم والأموات.
وذلك لما علم نوحٌ ﵇ بوحي من اللَّه تعالى أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، توجه إلى ربه بالدعاء أن يهلكهم، ولا يترك منهم على الأرض من يسكن الديار (٢)، وعلَّل ذلك بأنهم إن تُركوا
فسيكونون سبب الضلال لغيرهم، ولا يلدوا إلا فجّاراً كفّاراً لا يرجى منهم، أو من ذريتهم أي خير، ولذا دعا عليهم بهذا الدعاء.
стр. 282
قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: أي استر عليَّ ذنوبي، وتجاوز عنها: قالها هضماً لنفسه، وتعليماً لمن بعده، ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾: خصّهما لعظم فضلهما عليه، فكان أولى وأوجب، وأحب له في ذكرهما بدعائه قبل غيرهما.
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًاَ﴾: منزلي من المصدقين الموحدين، فإن في صحبتهم السلامة، والثبات على الدين، قال النبي ﷺ : ((لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ)) (١)، وتقييده (مؤمناً)، هذا القيد الواجب في الدعاء، أما الكافر فلاحظ له في طلب المغفرة له، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢)، والدعاء للكافرين بالهداية، والتوفيق للإيمان والإسلام جائز؛ لذا بوّب البخاري ﵀ في صحيحه: ((باب الدعاء
للمشركين بالهدى ليتألفهم)) (٣)، فبعد أن ((خصّ أولاً من يتصل به نسباً وديناً؛ لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمّ المؤمنين
стр. 283
والمؤمنات)) (١)، فقال: ﴿وللْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾: أي واستر، وتجاوز عن ذنوب كل الموحدين المصدقين بك والمصدقات.
فإن هذه الدعوة المباركة لها من الأهمية الشيء الكبير، وذلك:
أ - أن دعوة الأنبياء مستجابة، فيرجى لنا استجابة اللَّه لهم فينا .
ب - أن رسول اللَّه ﷺ بشّر بالأجر العظيم بها ، فقال ﷺ : ((مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَهٍ حَسَنَةً)) (٢).
فلك أن تتصور عظم هذا الأجر؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة كثيرة في بلايين المؤمنين، من لدن أبي البشر إلى يوم الحشر، وهذا يدلّ على عظم فضل اللَّه على المؤمنين.
((ولذا يستحبّ مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇)) (٣)، وذلك أن نبينا ﷺ أُمر بالاقتداء بالأنبياء قبله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُ
اقْتَدِهْ﴾ (٤)، ونحن مأمورون بالاقتداء برسولنا ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه
стр. 284
كَثِيرًا﴾ (١).
ثم ختم ﵇ الدعاء: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾: أي لا تزد الظالمين أنفسهم بالكفر إلا هلاكاً وخسراناً ودماراً، ((وقد يشمل هذا كل ظالم إلى يوم القيامة، كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة)) (٢).
الفوائد:
١ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة، كما في غالب الأدعية ؛ لأنها من أعظم أسباب دخول الجنة.
٢ - أن الداعي ينبغي له أن يبدأ بالسؤال: بالأهمّ، ثم الذي يليه .
٣ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة للوالدين؛ لعظم شأنهما .
٤ - يحسن بالداعي أن يشرك إخوانه المؤمنين بالدعاء .
٥ - أن الإكثار من هذه الدعوة ينال الداعي بها الإجابة المؤكدة لأمرين:
أ - أنها دعوة من نبي من أولي العزم .
ب - أنها دعوة بظهر الغيب .
٦ - أهمية التوسل بربوبية اللَّه تعالى في الدعاء ، وأنها سنة جميع الأنبياء والمرسلين.
стр. 285
٧ - ينبغي للداعي أن يشمل ذريته في الدعاء حتى يعود النفع له، ولهم .
٨ - ينبغي أن يكون جُلُّ الدعاء في أمور الآخرة .
٩ - جواز الدعاء على الظلمة، ويتأكد ذلك عند مظنة ضررهم على غيرهم .
١٠ - يحسن للداعي أن يذكر عِلَّة دعائه .
٤٩ - ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (١).
هذا الدعاء المبارك مقتبس من سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
وقد جاء نظير هذا الدعاء من السنة المطهرة، فقد كان النبي ﷺ يفتتح صلاته في قيام الليل: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ
الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (٣).
فهذا الدعاء جليل القدر، فيه أعظم المقاصد، وأرفع المطالب، وهو طلب العبد من الرب ﵎ الهداية، التي عليها الفلاح