ومطلوب.
٤ - أن من أعظم ثمرات التوبة النصوح: الفلاح، والنجاح، والأمان إلى دار السلام.
٥ - فضل الدعاء، وعظم شأنه ، وأن منافعه تعود على الداعي بالخير في الدنيا والآخرة، فلا غنى للخلق عنه مهما كانت رتبهم، وعلو منازلهم.
٤٨ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (١).
هذه هي الدعوة الثانية من دعوات نوح ﵇ جمعت، وشملت لأهم مطالب الدنيا والآخرة، وهي طلب المغفرة العامة له، ولوالديه، ولكل المؤمنين من لدن آدم إلى قيام الساعة، الأحياء منهم والأموات.
وذلك لما علم نوحٌ ﵇ بوحي من اللَّه تعالى أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، توجه إلى ربه بالدعاء أن يهلكهم، ولا يترك منهم على الأرض من يسكن الديار (٢)، وعلَّل ذلك بأنهم إن تُركوا
فسيكونون سبب الضلال لغيرهم، ولا يلدوا إلا فجّاراً كفّاراً لا يرجى منهم، أو من ذريتهم أي خير، ولذا دعا عليهم بهذا الدعاء.
стр. 282
قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: أي استر عليَّ ذنوبي، وتجاوز عنها: قالها هضماً لنفسه، وتعليماً لمن بعده، ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾: خصّهما لعظم فضلهما عليه، فكان أولى وأوجب، وأحب له في ذكرهما بدعائه قبل غيرهما.
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًاَ﴾: منزلي من المصدقين الموحدين، فإن في صحبتهم السلامة، والثبات على الدين، قال النبي ﷺ : ((لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ)) (١)، وتقييده (مؤمناً)، هذا القيد الواجب في الدعاء، أما الكافر فلاحظ له في طلب المغفرة له، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢)، والدعاء للكافرين بالهداية، والتوفيق للإيمان والإسلام جائز؛ لذا بوّب البخاري ﵀ في صحيحه: ((باب الدعاء
للمشركين بالهدى ليتألفهم)) (٣)، فبعد أن ((خصّ أولاً من يتصل به نسباً وديناً؛ لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمّ المؤمنين
стр. 283
والمؤمنات)) (١)، فقال: ﴿وللْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾: أي واستر، وتجاوز عن ذنوب كل الموحدين المصدقين بك والمصدقات.
فإن هذه الدعوة المباركة لها من الأهمية الشيء الكبير، وذلك:
أ - أن دعوة الأنبياء مستجابة، فيرجى لنا استجابة اللَّه لهم فينا .
ب - أن رسول اللَّه ﷺ بشّر بالأجر العظيم بها ، فقال ﷺ : ((مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَهٍ حَسَنَةً)) (٢).
فلك أن تتصور عظم هذا الأجر؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة كثيرة في بلايين المؤمنين، من لدن أبي البشر إلى يوم الحشر، وهذا يدلّ على عظم فضل اللَّه على المؤمنين.
((ولذا يستحبّ مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇)) (٣)، وذلك أن نبينا ﷺ أُمر بالاقتداء بالأنبياء قبله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُ
اقْتَدِهْ﴾ (٤)، ونحن مأمورون بالاقتداء برسولنا ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه
стр. 284
كَثِيرًا﴾ (١).
ثم ختم ﵇ الدعاء: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾: أي لا تزد الظالمين أنفسهم بالكفر إلا هلاكاً وخسراناً ودماراً، ((وقد يشمل هذا كل ظالم إلى يوم القيامة، كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة)) (٢).
الفوائد:
١ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة، كما في غالب الأدعية ؛ لأنها من أعظم أسباب دخول الجنة.
٢ - أن الداعي ينبغي له أن يبدأ بالسؤال: بالأهمّ، ثم الذي يليه .
٣ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة للوالدين؛ لعظم شأنهما .
٤ - يحسن بالداعي أن يشرك إخوانه المؤمنين بالدعاء .
٥ - أن الإكثار من هذه الدعوة ينال الداعي بها الإجابة المؤكدة لأمرين:
أ - أنها دعوة من نبي من أولي العزم .
ب - أنها دعوة بظهر الغيب .
٦ - أهمية التوسل بربوبية اللَّه تعالى في الدعاء ، وأنها سنة جميع الأنبياء والمرسلين.
стр. 285
٧ - ينبغي للداعي أن يشمل ذريته في الدعاء حتى يعود النفع له، ولهم .
٨ - ينبغي أن يكون جُلُّ الدعاء في أمور الآخرة .
٩ - جواز الدعاء على الظلمة، ويتأكد ذلك عند مظنة ضررهم على غيرهم .
١٠ - يحسن للداعي أن يذكر عِلَّة دعائه .
٤٩ - ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (١).
هذا الدعاء المبارك مقتبس من سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
وقد جاء نظير هذا الدعاء من السنة المطهرة، فقد كان النبي ﷺ يفتتح صلاته في قيام الليل: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ
الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (٣).
فهذا الدعاء جليل القدر، فيه أعظم المقاصد، وأرفع المطالب، وهو طلب العبد من الرب ﵎ الهداية، التي عليها الفلاح
стр. 286
في الدنيا، والدار الآخرة، ثم ذكر علّة مطلبه وسؤاله فقال: ﴿إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: يا ربي، ما سألتك هذا الأمر العظيم إلا لأن بيدك الهداية والاستقامة، فتوفِّق من شئت إليها، فأسألك أن تنعم عليَّ بالهداية، هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والثبات على صراطك المستقيم، الذي ليس فيه اعوجاج في الدنيا حتى أثبت على صراط الآخرة الذي من نجا منه فقد فاز فوزاً عظيماً، وهُدي إلى صراط مستقيم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (١).
٥٠ - ((اللَّهُمَّ آتِني الحِكْمَةَ الَّتي مَنْ أُوتِيهَا فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)) (٢).
((تضمّن سؤال اللَّه تعالى الحكمة، وهي: العلوم النافعة والمعارف
الصائبة، وإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، وهذا أفضل وأعظم العطايا، وأجلٌّ الهبات)) (٣).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، قال النبي
стр. 287
- ﷺ : ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)) (١)، وأعظم وأجلُّ ما يدخل في الحكمة تعلُّم القرآن، فقد صحَّ عن ابن عباس ﵄ في تفسير الحكمة أنه قال: ((يعني المعرفة بالقرآن: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله)) (٢).
٥١ - ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) (٣).
هذه الدعوة المباركة الجليلة اقتبسها المؤلف حفظه اللَّه تعالى وسدَّده من قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤).
وهذه الآية الكريمة نزلت في سؤال المسلم في القبر، فعن البراء بن عازب ﵄، أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ
стр. 288
اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١)؛ ولهذا كان ﷺ : ((إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)) (٢).
وتضمن هذا الدعاء المبارك، سؤال اللَّه تعالى الثبات في الحياة الدنيا ((عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه اللَّه تعالى على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي، والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين للجواب
الصحيح إذا قيل للميت: ((من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟)) (٣).
وهذا الدعاء الطيب له نظائر في أدعية المصطفى ﷺ ، من جوامع الكلم التي أوتيها، فمنها: (( ... إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ وَخَيْرَ الدُّعَاءِ وَخَيْرَ النَّجَاحِ وَخَيْرَ الْعَمَلِ وَخَيْرَ الثَّوَابِ وَخَيْرَ الْحَيَاةِ وَخَيْرَ الْمَمَاتِ وَثَبِّتْنِي ... )) (٤)، وكذلك في دعاء النبي ﷺ لجرير بن عبد اللَّه ﵁:
стр. 289
((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)) (١)، ومن دعاء النبي ﷺ : ((رَبِّ أَعِنِّي ... وَثَبِّتْ حُجَّتي)) (٢)، وقوله: (وثبتني) يفيد العموم، أي سأل اللَّه تعالى الثبات في الدنيا، والبرزخ والآخرة، فوافق هذا الدعاء الطيب الأدعية التي جاءت عن المصطفى ﷺ .
٥٢ - ((اللَّهُمَ حَبَّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا ، وَكَرِّهْ
إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ)) (٣).
هذا الدعاء المقتبس، قد جاء في دعاء النبي ﷺ ، في أصل الكتاب رقم (١٢٧) فانظر شرحه هناك.
٥٣ - ((اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي وَاجْعَلْنِي مِنَ
стр. 290
الْمُفْلِحِينَ)) (١).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
المفردات:
الشح: هو البخل مع الحرص، وذلك فيما كان عادة كما قال تعالى (٣): ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٤).
الفلاح: الظفر وإدراك البُغْية، وهو ضربان: دنيوي، وأخروي، فالدنيوي: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، والأخروي أربعة أشياء ... : (٥)
أعلاه: الفوز بأعلى الجنات.
تضمن هذا الدعاء الاستعاذة من أشد الخصال المذمومة التي جُبلت عليها أكثر النفوس، وهو الشحّ، وهو البخل مع الحرص، والتعلّق بالمال الذي يمنع من الإنفاق في الواجبات والمستحبات، بل يوصل إلى سفك الدماء، واستحلال المحارم، وإلى الظلم، والفجور، فَيُورِدُ العبدَ ويوصله إلى شر الموارد، والهلكات في الدنيا والآخرة، ولهذا حذَّر المصطفى ﷺ من هذا المرض العضال، وبيَّن
стр. 291
أنه سبب في هلاك الأمم الغابرة، قال النبي ﷺ : (( ... وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا)) (١).
وفي رواية: (( ... وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)) (٢).
فقد جاء عن سفيان الثوري رحمه اللَّه تعالى أنه قال: ((كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلاً يقول: ((اللَّهم قني شح نفسي)) لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: ((إني إذا وقيت شُحَّ نفسي لم أسرق،
ولم أزن، ولم أفعل))، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ﵁)) (٣).
وقوله: ((واجعلني من المفلحين)): أي الفائزين في الدنيا، والآخرة، ومن حصل له ذلك، فقد أدرك كل مطلوب، ونُجّي من كل مرهوب. ونختم بكلام جامع للعلامة السعدي - رحمه اللَّه تعالى، قال: ((ووقاية شُح النفس لكل ما أمر به العبد، ونهي عنه، فإنه إن كانت نفسه شحيحة، لا تنقاد لما أمرت به، ولا تخرج ما
стр. 292
قبلها من النفقات المأمورة بها لم يفلح، بل خسر الدنيا والآخرة، وإن كانت نفسه سمحة مطمئنة منشرحة لشرع اللَّه طالبة لمرضاته؛ فإنها ليس بينها وبين فعل ما كلفت به إلا العلم به، ووصول معرفته إليها، والبصيرة بأنه مُرضي للَّه تعالى، وبذلك تفلح وتنجح، وتفوز كل الفوز)) (١).
وفي ختام هذه الآية من آيات الدعاء نكون قد ختمنا شرح آيات الدعاء في هذا الكتاب الطيب الذي أحسن المؤلف وفقه اللَّه في اختيار أفضل الأدعية القرآنية الجامعة لكل خيرات الدنيا والآخرة.
هذا آخر ما ذكر المؤلف وفّقه اللَّه تعالى من الأدعية القرآنية، ثم بدأ بعد ذلك بالأدعية النبوية.
ولا شك أن النبي ﷺ قد أعطاه اللَّه تعالى جوامع الكلم، كما قال
ﷺ عن نفسه: ((بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الْكَلِمِ)) (٢)، وقد فسّر ابن مسعود ﵁ بعض معاني ولوازم جوامع الكلم، حيث قال: ((عُلِّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَجَوَامِعَهُ أَوْ جَوَامِعَ الْخَيْرِ وَفَوَاتِحَهُ)).
وأمر النبي ﷺ عائشة ﵂ فقال لها: ((يا عائشة عليك بالجوامع الكوامل))، وفي لفظ: ((عليك بجمل الدعاء وجوامعه)) (٣)،
стр. 293
ومعنى جوامع الكلم ما قاله الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: ((وبلغني أن جوامع الكلم: أن اللَّه يجمع الأمور الكثيرة، التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك)) (١)، ((وحاصله أنه ﷺ يتكلم بالكلام الموجز القليل اللفظ الكثير المعنى)) (٢).
فإذا كان الأمر كذلك فينبغي لكل داع أن يعتني بأدعية المصطفى ﷺ العناية الفائقة، فإن فيها جماع الخير كله وتمامه وشموله، وكل أنواعه، من جليل المقاصد الرفيعة، وأشرف المطالب العالية، من خيري الدنيا والآخرة، وغير ذلك؛ فإن فيها السلامة من الخطأ، والزلل، وذلك أن الدعاء فيه ((مناجاة العبد لسيد السادات الذي ليس
له مثيل، ولا نظير، ولو تقدم بعض خدم ملوك الدنيا إلى صاحبه، ورئيسه في حاجة لرفعها إليه، أو معونة يطلبها منه، ليتخير له محاسن الكلام، ولتَتَخلَّص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان، ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته إياه، ولم يسلك هذه الطريقة فيها معه، أوشك أن ينبو سمعه عن كلامه، وألاَّ يحظَى بطائل من حاجته عنده، فما ظنّك برب العزة سبحانه ((وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى))، وبمقام عبده الذليل بين يديه، ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كنه
стр. 294
الثناء عليه ... )) (١).
قال القاضي عياض ﵀: ((أذن اللَّه تعالى في دعائه، و عَلَّم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلَّم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء:
١ - العلم بالتوحيد .
٢ - والعلم باللغة .
٣ - والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ -)) (٢).
٥٤ - ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) (٣).
المفردات:
((اللَّهم)): يا اللَّه: ولا تستعمل هذه الكلمة إلا في الطلب، فلا يقال اللَّهم غفور رحيم، وإنما يقال: اللَّهم اغفر لي، وارحمني .. ونحو ذلك.
((ربنا)): معنى الرب: هو المالك، والسيد , والمدبر, والمربي, والمنعم, والمتصرف للإصلاح, ولا يستعمل الرب لغير اللَّه إلا
стр. 295
بالإضافة، نحو: رب الدار, ورب البيت (١).
الشرح:
هذه أول الدعوات النبوية الجليلة في كتاب المؤلف حفظه اللَّه تعالى ووفقه، بدأ بها لأنها كانت أكثر دعوات النبي ﷺ ، فقد جاءت هذه الدعوة في كتاب اللَّه بلفظ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (٢). وجاءت بالسنة بزيادة ((اللَّهم))، فأصبح اللفظ: ((اللَّهم ربنا))، ولم يأت مثل هذا اللفظ الجليل في القرآن العظيم: ((اللَّهم ربنا)) إلا في دعوة عيسى ﵇: ﴿اللَّهمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٣).
فنادى اللَّه تعالى بهذا اللفظ مرتين: مرة بوصف الألوهية ((اللَّهم)) الجامعة لجميع الكمالات من الأسماء والصفات، ومرةً بوصف
الربوبية ((ربنا)) المنبئة عن التربية والإنعام، إظهاراً لغاية التضرع، ومبالغة في الدعاء استعطافاً لله تعالى ليجيب الدعاء (٤)، وذلك لعظم هذه الدعوة؛ لما فيها من جزيل المعاني، وعظيم المطالب والمقاصد، فقد جمعت معاني الدعاء كلِّه من خيري الدنيا والآخرة، [وفيها الالتجاء إلى اللَّه تعالى، وطلب الوقاية من عذاب النار، التي هي أعظم الشرور بأوجز لفظ، وهذا من جوامع الكلم التي أعطيها
стр. 296
نبينا ﷺ ] جاءت بها الشريعة العظيمة المطهرة.
٥٥ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ قَلْبِي بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ)) (١).
المفردات:
الفتنة: الامتحان والاختبار (٢) من قولهم: فَتَنْتَ الذهب، إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره العبد، وتطلق كذلك على القتل، والإحراق، والنميمة (٣).
المسيح الدجَّال: الدجَّال على وزن ((فعَّال)) أي كثير الكذب
стр. 297
والتلبيس, وهو من الدجل، وهو التغطية، وسُمِّي بذلك لأنه يُغطِّي الحق بباطله، ((والمسيح)) هو الممسوحة إحدى عينيه، فهو أعور (١).
اغسل: أي أزح، وامسح.
المأثم: هو الوقوع في الإثم.
الدنس: الوسخ.
المغرم: هو الغُرم وهو: الدَّين.
باعد: صيغة مفاعلة للمبالغة، أي المبالغة في طلب السلامة من الذنوب.
الشرح:
هذه الاستعاذات التي كان يستعيذ بها النبي ﷺ هي من أهم الاستعاذات، و [فيها الاستعاذة] من أخطر الشرور والأمور في الدين
والدنيا والآخرة؛ لهذا كان يستعيذ بها في كل صلاة قبل التشهد، وكان يأمر بها، كما جاء عن ابن عباس ﵄ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ)) (٢).
فقوله: ((كما يعلمهم السورة من القرآن)) دلالة ظاهرة على أهمية هذه الاستعاذات، وأنه ينبغي الاعتناء بها، والعناية الكبرى في الإكثار، والعمل بما دلت عليه.
стр. 298
قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من فتنة النار)) أي الفتنة التي تؤدي إلى دخول النار، ومنها سؤال خزنتها لأهلها، وتوبيخهم كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (١)، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ... ﴾ (٢).
((وعذاب النار)): أي بالإحراق بعد فتنتها.
قوله: ((وفتنة القبر)): وهو سؤال الملكين في القبر، وجاء في تسميتهما عن النبي ﷺ منكر ونكير (٣)، وهي فتنة عظيمة، لا يثبت عندها إلا المؤمن، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤)، وصحَّ عن النبي ﷺ أنها نزلت في عذاب القبر (٥).
قوله: ((وعذاب القبر)): عطف العام على الخاص, فعذابه ينشأ منه فتنة بأن يتحير في الجواب، فيعذب لذلك، كما في الكافر، والمنافق، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وقد يكون لغيرها، كأن
стр. 299
يجيب بالحق، ولا يتحيّر، ثم يعذّب على تفريطه في بعض المأمورات أو المنهيات، كإهمال التنزه من البول، والنميمة، والنوم عن الصلاة المكتوبة، وردَّ القرآن، وغير ذلك، كما جاء عن النبي ﷺ (١) في أحاديث مشهورة كثيرة.
قوله: ((وشرِّ فتنة الغنى)): قيَّد الاستعاذة بالشرّ؛ لأن فيه خير باعتبار، وشر باعتبار آخر، فالاستعاذة من شره يخرج ما فيه من الخير، وشر الغنى: مثل البطر، والطغيان، والتفاخر، والاستعلاء، وإزدراء الفقراء، وصرف المال في المحرمات، والشحّ بما يجب إخراجه من واجبات المال ومندوباته، أو الإسراف، والانخراط في الشهوات.
قوله: ((وشر فتنة الفقر)): أيضاً قيّده بالشر كسابقه، ففيه خير وشر،
وشره ما ينشأ: ((عنه من حسد الأغنياء، والطمع في مالهم، والتذلّل لهم بما يدنّس العرض، وينقص الدين، ويوجب عدم الرضا بما قسم)) (٢)، والسخط، والقنوط لمن لا صبر له، يمنعه من ذلك إيمان قوي يدفعه عن ذلك, وقد يدفع إلى التورّط بعظائم الأمور بما لا يليق بأهل الدين والمروءة، كالزنى والقتل، والسرقة، والحرابة.
قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال)): استعاذ منه لأنه هو أعظم الفتن الكائنة في الدنيا؛ ولهذا ما من نبي بعثه اللَّه
стр. 300
إلا حذّر منه قومه، وأنذر، قام رسول اللَّه ﷺ يوماً في الناس، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: ((إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ [والنبيُّون من بعده]، وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ [تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ]، [أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ])) (١).
فمن صفاته الخَلْقية أنه أعور العين اليمنى.
ومن صفاته الخُلقية أنه خداع، ويُلبس الأمور على الناس بالكذب، فهو منبع من منابع الكفر، ومصدر من مصادر الفتن
الكبرى لما يظهر على يده من الأمور الخارقة من ادعاء الألوهية، فهو يضلّ ضعيف الإيمان, وهو من أشراط الساعة الكبرى.
قوله: ((اللَّهمّ اغسل قلبي بماء الثلج والبرد)): جمع بينهما مبالغة في التطهير، أي طهِّرْني منها بأنواع مغفرتك، وخصَّها لأن بردها أسرع لإطفاء حرِّ عذاب النار التي هي غاية الحرِّ، وجعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها سببها، فعبّر عن إطفاء حرّها بذلك، وذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبياناً لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها.
стр. 301
قوله: ((ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس)): أي نظِّف قلبي من الذنوب، كما يُنظّف الثوب الأبيض من الوسخ؛ لأن زوال الوسخ في الثوب الأبيض أظهر بخلاف سائر الألوان، والقصد من هذا التشبيه أن ينظّف قلبه من كلّ الذنوب كنظافة الثوب الأبيض المنظَّف من الوسخ، فلا يبقى فيه أثر، ولا يخفي في بداية الدعاء بسؤال اللَّه تعالى أن يغسل قلبه، ثمّ كرّر بسؤال تنقية القلب أهمية هذه المضغة، فإنها موقع نظر الرب جلّ وعلا، وبصلاحها صلاح الجسد كله، وبفسادها فساد للبدن كله.
قوله: ((وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب)): أي باعد بيني وبين خطاياي من محو ما حصل من الخطايا السابقة، وترك المؤاخذة عليها، والوقاية والعصمة من الوقوع فيها مستقبلاً، وعبّر بصيغة المفاعلة ((باعد)) مبالغة في البعد
بينه وبين خطاياه، وشبّه ذلك ببعد المشرق والمغرب، أو لأن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنَّه أراد ألا يبقى لها منه اقتراب بالكلية (١).
قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)).
كان النبي ﷺ يُكثر من الاستعاذة من الإثم والمعاصي والذنوب، وما يوجبها من الأقوال والأفعال والأخلاق، فعن عروة أَنَّ عَائِشَةَ
стр. 302
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ))، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) (١)، وكذلك كان يكثر ﷺ الاستعاذة من الدين، وهو إما الاستدانة فيما يكرهه اللَّه، أو فيما يجوز، ثم عجز عن أدائه، أما الدَّيْن الذي احتاج إليه وهو قادر على أدائه، فلا يستعاذ منه، ويدخل في الدين ما يلزم الإنسان أداؤه بسبب جناية أو دِية أو معاملة ونحو ذلك، وقد أخبر النبي ﷺ أن من استدان وأراد أن يردّ ولم يستطع كان معه العون من اللَّه، قال ﷺ : ((إن اللَّه مع المدين حتى يقضى دينه)) (٢) هذا ما لم يكن فيما يكرهه اللَّه.
ويستفاد من هذا الحديث سدّ الذرائع؛ لأن النبي ﷺ استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث، والخلف في الوعد (٣)، والانشغال عن الواجبات الشرعية، والأعمال الصالحة.
فينبغي للعبد الاحتياط لهذا الأمر، وأن لا يتساهل فيه، فالنبي ﷺ لم يُصلِّ على صاحب الدين، حتى تكفل أبو قتادة بالسداد عنه، فصلَّى عليه، وأخبر جبريل ﵇ أن الشهيد يُغفر له كلُّ ذنب إلا
стр. 303
الدين (١).
٥٦ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ والْبُخْلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ)) (٢).
المفردات:
العجز: تخلُّف العبد عن فعل الخير لعدم القدرة.
الكسل: ترك العبد فعل الشيء مع القدرة عليه.
الجبن: هو مهابة الأشياء، والتأخّر عن فعلها.
والهرم: الكِبَرُ والردُّ إلى أرذل العمر.
الشرح:
قوله: (كان يتعوّذ) ((يدلّ الفعل المضارع بعد (كان) على المداومة على الفعل)) (٣).
أي أنه كان ﷺ يداوم على هذا الدعاء لأهميته، وذلك: أن العجز
стр. 304
والكسل يفوّت على العبد كثيراً من الواجبات من أعمال الصالحات التي ترجع إليه بالنفع في دينه ودنياه وآخرته، واستعاذته كذلك من (الجبن): وهو مهابة للأشياء يؤدي إلى عدم الوفاء بكثير من الواجبات وحقوق اللَّه تعالى، كالقتال في سبيله، وعدم الجرأة في الصدع بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم مخالفة هوى النفس والشيطان واستعاذته من (الهرم) أي كبر السن الذي يؤدّي إلى تساقط بعض القوى، وضعفها كاختلال العقل والحواس والعجز عن كثير من الطاعات، والتساهل عن بعضها، وقوله: (وفتنة المحيا): هو ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها من النساء والأموال والأولاد، ويدخل كذلك من فتن الدين، ومن أعظم الفتن في الدنيا أن يموت العبد والعياذ باللَّه بسوء الخاتمة عند الموت. (والممات): قيل: فتنة القبر، وقيل: عند
الاحتضار، وأضيفت الفتنة إلى الموت لقربها منه (١)، ويحتمل كل هذه المعاني.
قال ابن بطال ﵀: ((هذه كلمة (أي: المحيا والممات) جامعة لمعانٍ كثيرةٍ، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه تعالى في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك)) (٢).
стр. 305
٥٧ - ((اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ)) (١).
المفردات:
قوله: (جهد البلاء): الجَهد بالفتح هو كل ما يصيب المرء من شدة ومشقة، وبالضم ما لا طاقة له بحمله، ولا قدرة له على دفعه.
قوله: (درك الشقاء) الدَّرَك: اللحوق والوصول إلى الشيء، والشقاء، هو الهلاك، أو ما يؤدي إلى الهلاك، وهو نقيض السعادة.
قوله: (سوء القضاء): ما يسوء الإنسان ويحزنه، ويوقعه في
المكروه من الأقضية المُقدَّرة عليه.
قوله: (شماتة الأعداء): فرحة الأعداء ببلاء يُصيب العبد (٢).
الشرح:
كان النبي ﷺ يُكثر من هذا الدعاء، وأمر به أيضاً فدلّ على شدّة أهمّيته، والعناية به لما احتواه من عظيم الاستعاذات، وشمولها، في أهمّ المهمّات، في أمور الدين والدنيا والآخرة.
قوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من جهد البلاء): اللَّهمّ أجرني من
стр. 306
شدّة البلاء ومشقّته، والذي ما لا طاقة لي بحمله، ولا أقدر على دفعه، سواء كان هذا البلاء جسدياً كالأمراض وغيرها، أو كان بلاء معنوياً ذِكرياً كأن يُسلِّط عليَّ من يؤذيني بالسبّ والشتم والغيبة والنميمة والبهتان وغير ذلك، فهذه استعاذة من جميع البلاءات بشتى أنواعها وأشكالها.
قوله: (ودَرَك الشقاء): وأجرني من أن يلحقني مشقّة، وهلكة في دنياي، في نفسي، وأهلي، ومالي، وفي آخرتي، من عقوبة وعذاب بما اقترفته بسبب الذنوب والآثام.
قوله: (وسوء القضاء) هو ما يسوء الإنسان ويحزنه أو يوقعه في المكروه من القضية المقدّرة عليه، وهو شامل في الدين، والدنيا،
في النفس، والأهل، والمال، والولد، والخاتمة (١)، وهذه الاستعاذة تتضمّن الحفظ في كل الأمور المذكورة.
والاستعاذة من سوء القضاء لا يخالف الأمر بالرضا بالقضاء؛ فإن الاستعاذة منه من قضاء اللَّه وقدره، والتي شرعها لنا وجعلها سُنّة لعباده؛ لهذا يجب أن يعلم أن القضاء باعتبار العباد ينقسم إلى قسمين: خير وشر، فشرع لهم سبحانه الدعاء بالوقاية من شره، والاستعاذة منه، فهذا في القضاء المقضي المخلوق، أما قضاء اللَّه الذي هو حكمه وفعله، فكلّه خير لا شرّ فيه أبداً. كما قال النبي ﷺ :
стр. 307
((والشر ليس إليك)) (١). لكماله جلّ وعلا من كل الوجوه، فلا يدخل الشرّ في صفاته ولا في أفعاله، ولا يلحق في ذاته جلّ وعلا.
قوله: (شماتة الأعداء): فرح الأعداء بما ينزل على الشخص من مكروه، وسوء ومحنة، فينكأ القلب عندها، ويحزن، ويبلغ من النفس أشدّ مبلغ، وقد يؤدّي إلى العداوة والبغضاء والحقد، وقد يُفضي إلى استحلال ما حرّمه اللَّه تعالى من القتال والانتقام والتعدي والظلم؛ لهذا أستعيذ منه لخطورته.
فدلّ هذا الدعاء الجليل على أنه من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ الذي جمع الاستعاذة من جميع الشرور في الدين والدنيا، فاعتن بهذا الدعاء العظيم في ليلك ونهارك، وفي سفرك وحضرك،
حتى تكون في حفظ اللَّه وعصمته من جميع شرور الدنيا والآخرة.
٥٨ - ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ)) (٢).
стр. 308
المفردات:
عصمة أمري: أي ما يعتصم ويستمسك به، أمري: الأمر: الشأن والحال.
معاشي: أي عَيشي.
الشرح:
قوله: (اللَّهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري): دعا بإصلاح الدين أولاً؛ لأنه أعظم المقاصد، وأهم المطالب؛ لأن من فسد دينه فقد خاب وخسر الدنيا والآخرة، وسؤال اللَّه إصلاح الدين هو أن يوفق إلى التمسك بالكتاب والسنة وفق هدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين في كل الأمور، وذلك يقوم على ركنين عظيمين:
١ - الإخلاص للَّه وحده في كل عبادة .
٢ - والمتابعة للرسول ﷺ , بأن يكون ((خالصاً صواباً)) .
فإن التمسك بهذين الأصلين عصمة للعبد من الشرور كلها، أسبابها، ونتائجها ونهاياتها، ومن مضلات الفتن، والمحن, والضلالات التي تضيع الدين والدنيا.
فنسأل اللَّه أن يصلح لنا ديننا الذي يحفظ لنا جميع أمورنا.
قوله: (وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي): أي أصلح لي عيشي في هذه الدار الفانية القصيرة، بأن أُعْطَى الكفاف والصلاح،
стр. 309
فيما أحتاج إليه، وأن يكون حلالاً مُعيناً على طاعتك، وعبادتك على الوجه الذي ترضاه عني، وأسألك صلاح الأهل، من الزوجة الصالحة، والذرية والمسكن الهنيء، والحياة الآمنة الطيبة، قال جلّ شأنه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: أي في الدنيا بالقناعة، وراحة البال، والرزق الحلال والتوفيق لصالح الأعمال، ((فالحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت)) (٢).
قوله: (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي): أي وفّقني للعمل
الصالح الذي يرضيك عني، وملازمة طاعتك، والتوفيق إلى حسن الخاتمة حتى رجوعي إليك يوم القيامة، فأفوز بالجنان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (٣)، لم يقل تعالى ممدود، بل قال: ﴿مَعْدُودٍ﴾ أي يُعدّ عدّاً إلى هذا اليوم العظيم، فينبغي لنا أن نعدّ العُدّة إلى هذا اليوم.
قوله: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير): أي اجعل يا اللَّه الحياة سبباً في زيادة كل خير يرضيك عني من العبادة والطاعة.
ويُفهم من ذلك أن طول عمر المسلم زيادة في الأعمال
стр. 310
الصالحة الرافعة للدرجات العالية في الدار الآخرة، كما سُئل النبي ﷺ : مَن خير الناس؟ فقال: ((مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) (١).
قوله: (واجعل الموت راحة لي من كل شر): أي اجعل الموت راحة لي من كل هموم الدنيا وغمومها من الفتن والمحن، والابتلاءات بالمعصية والغفلة, ويُفهم من ذلك أن المؤمن يستريح غاية الراحة (٢)، ويسلم السلامة الكاملة عند خروجه من هذه الدار،
كما جاء في الصحيحين: أن رسول اللَّهِ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: ((مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ)) (٣).
((قال الحرالي: قد جمع في هذه الثلاثة: صلاح الدنيا، والدين، والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق الذي بُعث لإتمامها، فاستقى من هذا اللفظ الوجيز صلاح هذه الجوامع الثلاث التي حلت في
стр. 311
الأولين بداياتها، وتمت غاياتها ... )) (١).
٥٩ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى)) (٢).
الشرح:
هذا الدعاء العظيم، شامل لأربعة مطالب عظيمة، وجليلة، لا غنى عنها لأي عبد سائر إلى اللَّه لما فيها من أهم مطالب الدنيا والآخرة.
فبدأ بسؤال (الهدى) وهو أعظم مطلوب للعباد، لا غنى لهم عنه في هذه الدار؛ لأن الهدى: هو طلب الهداية، وهي كلمة شاملة تتناول كل ما ينبغي أن يُهتدى إليه من أمر الدنيا والآخرة من حسن الاعتقاد، وصلاح الأعمال، والأقوال، والأخلاق.
قوله: (التُّقَى): أي التقوى: وهو اسم جامع لفعل ما أمر اللَّه به، وترك ما نهى عنه، ((قال الطيبي: أطلق الهدى والتقى؛ ليتناول كل ما ينبغي أن يهتدي إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق، وكل ما يجب أن يتقي منه من الشرك، والمعاصي، ورذائل الأخلاق، وطلب العفاف)) (٣). وأصل الكلمة من التوقي، وهو أن
стр. 312
تجعل بينك وبين عقوبة اللَّه تعالى وقاية, ويكون بفعل الطاعات، واجتناب المحرمات.
قوله: (العفاف):هو التنزُّه عما لا يُباح, والصيانة عن مطامع الدنيا، فيشمل العفاف بكل أنواعه ((العفاف عن الزنا كله بأنواعه: زنى النظر، وزنى اللمس، وزنى الاستماع، وزنى الفرج)) (١)، والتعفُّف عن الكسب، والرزق الحرام.
قوله: (الغنى): وهو غنى النفس بأن يستغني العبد عن الناس، وعمّا في أيديهم، فيستغني العبد بما أعطاه اللَّه، سواء أُعطي قليلاً أو كثيراً، وهذه الصفة يحبها اللَّه ، قال النبي ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ
التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ)) (٢)، وسؤال اللَّه (العفاف والغنى)، وهما داخلان في الهدى والتقى من باب التخصيص بعد التعميم، وذلك لعظم شأنهما، وشدة احتياج الخلائق لهما.
قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ عن هذا الحديث، فقال: ((هذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها، وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا، فإن الهدى هو: العلم النافع، والتقى: العمل الصالح، وترك ما نهى عنه اللَّه ورسوله، وبذلك يصلح الدين، فإن الدين علوم نافعة ومعارف صادقة فهو (الهُدَى)، وقيام بطاعة اللَّه ورسوله، فهو (التقى) , والعفاف، والغنى يتضمّن
стр. 313
العفاف عن الخلق، وعدم تعليق القلب بهم، والغنى باللَّه وبرزقه، والقناعة بما فيه، وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية، وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا، والراحة القلبية، وهي الحياة الطيبة، فمن رُزِقَ الهُدى، والتقى، والعفاف، والغنى نال السعادتين، وحصل على كل مطلوب، ونجا من كل مرهوب (١).
وهذا الدعاء المبارك من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ التي تجمع فيها قلة الألفاظ والمباني، وكثرة المعاني، وسعة مدلولاتها، ومقاصدها في الدارين.
٦٠ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا. أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا)) (٢).
стр. 314
المفردات:
زكَّاها: أي طهرها.
فيه حرص الصحابة على نقل ألفاظ الحديث بكل دقة وأمانة كما سمعوها ﵃ من النبي ﷺ ، دون زيادة ولا نقصان دلالة على عدالتهم وصدقهم في القول والإخبار.
الشرح:
قوله: (اللَّهم آت نفسي تقواها): فيه طلب من اللَّه تعالى أن يعطيه تقوى النفس بأن يحرزها عن متابعة الهوى، وارتكاب الفجور، والفواحش.
قوله: (وزكِّها أنت خير من زكَّاها): أي طهِّر نفسي من خلق
ذميم، ومن كل عيب وذنب؛ لأنك ((أنت خير من زكاها)): أي لا مُزكّي لها إلا أنت، فإنك تطهر النفوس فتصبح طاهرة طيبة بمقتضى حكمتك ومشيئتك، وسعة علمك لمن استحق ذلك.
قوله: (أنت وليها ومولاها): وهذا استئناف على بيان الموجب، وأن إيتاء التقوى، وتصليح التزكية فيها، إنما كان لأنه هو المتولي لأمرها، وربها وسيدها ومالكها.
قوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع): علم لا أعمل به، ولا أعمله، ولا يبدل أخلاقي وأقوالي لقلة الإخلاص، أو من رياء وسمعة، أو علم لا يحتاج إليه.
стр. 315
قوله: (ومن قلب لا يخشع): لقساوته؛ لا يتأثر بالمواعظ، وبالزواجر، ولا بالنصائح، وفي قرن الاستعاذة من علم لا ينفع بالقلب الذي لا يخشع، إشارة إلى أن العلم النافع ما أورث الخشوع للَّه تعالى.
قوله: (ومن نفس لا تشبع): من جمع حطام الدنيا، ولا تقنع بما أتيتها من فضلك، ولا تفتر عن الجمع، ويدخل كذلك بالنهمة، وهي كثرة الأكل، والطعام دون شبع.
قوله: (ومن دعوة لا يستجاب لها): لفقدها شروط الاستجابة، أو لسوء بالداعي (١) , أو لعدم حسن ظنه بربه بالإجابة، أو دعوةٍ لا
يحبها اللَّه لما فيها من سوء أو قطيعة رحم؛ فإن اللَّه تعالى سميع قريب مجيب كريم، لا يردُّ من دعاه لسعة كرمه وجوده وقربه من سائليه، فمن رُدَّ دعاؤه فقد خاب وخسر، والعياذ باللَّه، ومنع من خير الأبواب التي لا تغلق إلا على شقِيٍّ. ودلّ هذا الدعاء المبارك على أهمية التوسل بصفات اللَّه تعالى، ومنها صفة التزكية الفعلية (وزكها أنت خير من زكاها). فإن التوسل بصفات اللَّه تعالى وأسمائه أرجى في قبول الدعاء، ورفعه إلى ربّ الأرض والسماء.
٦١ - ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى
стр. 316
وَالسَّدَادَ)) (١).
المفردات:
(اهدني): الهداية هي الدلالة والإرشاد.
(السداد): السداد هو الاستقامة، والقصد في الأمور (٢).
الشرح:
هذا الدعاء المبارك يتضمن أهم المطالب، وأشرف المواهب، ولا يحصل الفلاح والسعادة إلا بهما، وهما الهداية والسداد، فسؤال اللَّه الهُدَى وهو المعرفة بالحق تفصيلاً وإجمالاً, والتوفيق لاتباعه
ظاهراً وباطناً.
وسؤال اللَّه السداد، وهو التوفيق والاستقامة في جميع الأمور بما يكون صواباً على الحق، والطريق المستقيم في القول والفعل والاعتقاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) بيّن اللَّه تعالى أنه يترتب عليه فائدتان:
١ - صلاح الأعمال .
стр. 317
٢ - مغفرة الذنوب (١).
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((سَلِ اللهَ تَعَالَى الْهُدَى، وَالسَّدَادَ، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَاذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ)) (٢).
وقوله ﷺ : (واذكر بالهدى هدايتك الطريق): أن تذكر في حال دُعائك الهداية من ركب متن الطريق ((لا يكاد يفارق الجادة، ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفاً من الضلال، وبذلك يصيب الهداية، وينال السلامة، يقول: إذا سألت اللَّه تعالى الهدى, فاخطر بقلبك هداية الطريق، وسل اللَّه الاستقامة، كما تتحرَّاه في هداية الطريق إذا
سلكتها)) (٣).
قوله: (والسداد سداد السهم): واخطر المعنى في قلبك كذلك حين تسأل اللَّه السداد مثل سداد السهم نحو الغرض، لا يعدل عنه يميناً ولا شمالاً، فكذلك تسأل اللَّه تعالى أنَّ ما تنويه من السداد على شاكلة السهم (٤)، وكذلك تسأل اللَّه غاية السداد وأكمله، ففي هذا الحديث أهمية استحضار المعاني والمدلولات؛ لأن الداعي يسأل رب السموات والأرض رب العالمين؛ فإن من قام في قلبه من ذلك
стр. 318
حصل له الخشوع والخضوع والتضرع، واستلذاذ لذة المناجاة التي لا ألذّ منها، فيثمر ذلك على الجوارح من كمال الهمّة وكثرة النشاط والراحة والسكينة، فإن هذا هو لبّ العبادة، ومقصودها الأعظم.
٦٢ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)) (١).
المفردات:
قوله: (من زوال نعمتك): النعمة: كل ملائم تحمد عاقبته، أي النعم الظاهرة والباطنة؛ لأنه مفرد مضاف يفيد العموم.
قوله: (تحوّل عافيتك): أي تبدل العافية بضدها من عافية إلى
مرض وبلاء, والفرق بين الزوال والتحوّل, أن الزوال: ذهاب الشيء من غير بدل.
والتحوّل: إبدال الشيء بالشيء كإبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر.
قوله: (فجاءة نقمتك): الفجأة: البغتة، والنقمة: العقوبة (٢).
(وجميع سخطك): السخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به (٣)،
стр. 319
وهي صفة من صفات اللَّه الفعلية العظيمة التي تليق به جلّ وعلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
الشرح:
قوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك): أي يا اللَّه إني ألتجئ إليك من ذهاب جميع نعمك الظاهرة والباطنة، الدنيوية والأخروية ما علمتها، وما لم أعلمها؛ لأن نعمك لا تُحصى، ولا تُعدُّ ((استعاذ النبي ﷺ من زوال نعمته؛ لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها)) (٢)، فتضمّنت هذه الاستعاذة المباركة التوفيق لشكر النعم، والحفظ من الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيل النعم، قال اللَّه : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي
لَشَدِيدٌ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤).
وقال جلّ شأنه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٥).
قوله: (وتحول عافيتك): أي أعوذ بك يا اللَّه من تبدّل العافية التي
стр. 320
أعطيتني إياها، وهي السلامة من الأسقام والبلاء والمصائب، إلى الأمراض والبلاء، فتضمّنت أيضاً هذه الاستعاذة سؤال اللَّه دوام العافية وثباتها، والاستعاذة به من تحوّل العافية؛ لأن بزوالها تسوء عيشة العبد، فلا يستطيع القيام بأمور دنياه ودينه، وما قد يصاحبه من التسخط وعدم الرضا وغير ذلك.
قوله: (وفجأة نقمتك): أي أعوذ بك من العقوبة، والانتقام بالعذاب مباغتة، دون توقع وتحسب، وخُصَّ فجاءت النقمة بالاستعاذة؛ لأنها أشد وأصعب من أن تأتي تدريجياً، بحيث لا تكون فرصة للتوبة.
قوله: (وجميع سخطك): أي ألتجئ وأعتصم إليك أن تعيذني من جميع الأسباب الموجبة لسخطك جلّ شأنك؛ فإنّ من سخطت عليه فقد خاب وخسر، ولو كان في أدنى شيء، وبأيسر سبب؛
ولهذا قال النبي ﷺ : ((وجميع سخطك))، فهي استعاذة من جميع أسباب سخطه ﷻ من الأقوال والأفعال والأعمال، ((وإذا انتفت الأسباب المقتضية للسخط حصلت أضدادها وهو الرضى)) (١).
٦٣ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ)) (٢).