← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَالسَّدَادَ)) (١). المفردات: (اهدني): الهداية هي الدلالة والإرشاد. (السداد): السداد هو الاستقامة، والقصد في الأمور (٢). الشرح: هذا الدعاء المبارك يتضمن أهم المطالب، وأشرف المواهب، ولا يحصل الفلاح والسعادة إلا بهما، وهما الهداية والسداد، فسؤال اللَّه الهُدَى وهو المعرفة بالحق تفصيلاً وإجمالاً, والتوفيق لاتباعه ظاهراً وباطناً. وسؤال اللَّه السداد، وهو التوفيق والاستقامة في جميع الأمور بما يكون صواباً على الحق، والطريق المستقيم في القول والفعل والاعتقاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) بيّن اللَّه تعالى أنه يترتب عليه فائدتان: ١ - صلاح الأعمال .

стр. 317

٢ - مغفرة الذنوب (١). عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((سَلِ اللهَ تَعَالَى الْهُدَى، وَالسَّدَادَ، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَاذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ)) (٢). وقوله ﷺ : (واذكر بالهدى هدايتك الطريق): أن تذكر في حال دُعائك الهداية من ركب متن الطريق ((لا يكاد يفارق الجادة، ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفاً من الضلال، وبذلك يصيب الهداية، وينال السلامة، يقول: إذا سألت اللَّه تعالى الهدى, فاخطر بقلبك هداية الطريق، وسل اللَّه الاستقامة، كما تتحرَّاه في هداية الطريق إذا سلكتها)) (٣). قوله: (والسداد سداد السهم): واخطر المعنى في قلبك كذلك حين تسأل اللَّه السداد مثل سداد السهم نحو الغرض، لا يعدل عنه يميناً ولا شمالاً، فكذلك تسأل اللَّه تعالى أنَّ ما تنويه من السداد على شاكلة السهم (٤)، وكذلك تسأل اللَّه غاية السداد وأكمله، ففي هذا الحديث أهمية استحضار المعاني والمدلولات؛ لأن الداعي يسأل رب السموات والأرض رب العالمين؛ فإن من قام في قلبه من ذلك

стр. 318

حصل له الخشوع والخضوع والتضرع، واستلذاذ لذة المناجاة التي لا ألذّ منها، فيثمر ذلك على الجوارح من كمال الهمّة وكثرة النشاط والراحة والسكينة، فإن هذا هو لبّ العبادة، ومقصودها الأعظم. ٦٢ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)) (١). المفردات: قوله: (من زوال نعمتك): النعمة: كل ملائم تحمد عاقبته، أي النعم الظاهرة والباطنة؛ لأنه مفرد مضاف يفيد العموم. قوله: (تحوّل عافيتك): أي تبدل العافية بضدها من عافية إلى مرض وبلاء, والفرق بين الزوال والتحوّل, أن الزوال: ذهاب الشيء من غير بدل. والتحوّل: إبدال الشيء بالشيء كإبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر. قوله: (فجاءة نقمتك): الفجأة: البغتة، والنقمة: العقوبة (٢). (وجميع سخطك): السخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به (٣)،

стр. 319

وهي صفة من صفات اللَّه الفعلية العظيمة التي تليق به جلّ وعلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). الشرح: قوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك): أي يا اللَّه إني ألتجئ إليك من ذهاب جميع نعمك الظاهرة والباطنة، الدنيوية والأخروية ما علمتها، وما لم أعلمها؛ لأن نعمك لا تُحصى، ولا تُعدُّ ((استعاذ النبي ﷺ من زوال نعمته؛ لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها)) (٢)، فتضمّنت هذه الاستعاذة المباركة التوفيق لشكر النعم، والحفظ من الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيل النعم، قال اللَّه : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). وقال جلّ شأنه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٥). قوله: (وتحول عافيتك): أي أعوذ بك يا اللَّه من تبدّل العافية التي

стр. 320

أعطيتني إياها، وهي السلامة من الأسقام والبلاء والمصائب، إلى الأمراض والبلاء، فتضمّنت أيضاً هذه الاستعاذة سؤال اللَّه دوام العافية وثباتها، والاستعاذة به من تحوّل العافية؛ لأن بزوالها تسوء عيشة العبد، فلا يستطيع القيام بأمور دنياه ودينه، وما قد يصاحبه من التسخط وعدم الرضا وغير ذلك. قوله: (وفجأة نقمتك): أي أعوذ بك من العقوبة، والانتقام بالعذاب مباغتة، دون توقع وتحسب، وخُصَّ فجاءت النقمة بالاستعاذة؛ لأنها أشد وأصعب من أن تأتي تدريجياً، بحيث لا تكون فرصة للتوبة. قوله: (وجميع سخطك): أي ألتجئ وأعتصم إليك أن تعيذني من جميع الأسباب الموجبة لسخطك جلّ شأنك؛ فإنّ من سخطت عليه فقد خاب وخسر، ولو كان في أدنى شيء، وبأيسر سبب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((وجميع سخطك))، فهي استعاذة من جميع أسباب سخطه ﷻ من الأقوال والأفعال والأعمال، ((وإذا انتفت الأسباب المقتضية للسخط حصلت أضدادها وهو الرضى)) (١). ٦٣ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ)) (٢).

стр. 321

هذا الدعاء المبارك فيه من الاستعاذات الجامعة التي تعمّ كلّ شرٍّ مما عمله العبد، ومما لم يعمله، في الماضي والحاضر والمستقبل. الشرح: قوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من شرّ ما عملت): أي من السيئات، أو من شر ما اكتسبته، مما قد يقتضي عقوبة في الدنيا، أو يقتضي في الآخرة (١)، أو عمل يحتاج فيه إلى العفو ((من حسنات يعني: من شر تَركي العمل بها)) (٢)، فتضمّنت هذه الاستعاذة: الاستعاذة من كلّ الشرور، والذنوب الماضية. استعاذ النبي ﷺ ، وهو المعصوم، ليلتزم خوف اللَّه، وإعظامه، وإجلاله، والافتقار إليه في كل أحواله، وليبيّن صفة الدعاء، ليُقتدَى به (٣)، فهو ﷺ أعماله: سابقها، ولاحقها، كلّها خير لا شرّ فيها. قوله: (ومن شرّ ما لم أعمل): من الحسنات، أي من شرِّ تركي العمل بها، أو المُراد من شرِّ ما لم أعمله بعدُ من السيئات والآثام، بأن تحفظني منه في المستقبل، ومن كل عمل لا يرضيك، ويجلب غضبك، وتضمنت هذه الاستعاذة: الاستعاذة من كل الشرور، والذنوب الحالية والمستقبلية.

стр. 322

ففي هذه الاستعاذة بيان ودلالة ((إلى أن ما يصيب العبد من الشرِّ إنما هو بسبب ما عملته يداه، أو بسبب ما عملته أيدي الناس، وإن لم يكن هو العامل المباشر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وفي هذا دلالة على ضعف الإنسان، وشدة افتقاره إلى مولاه وخالقه ، في إصلاح شؤونه، واستقامة أموره، والوقاية من شرور نفسه، وسيئات أعماله، وأنه لا غنى له عن ربه وسيده طرفة عين، وأنه ينبغي له دائماً السير على هذا المنوال، حتى يظفر برضا ربه ، ولا يخفى عليك يا عبد اللَّه في أهمية هذه الدعوة الطيبة لما أخبرت به أمُّنا أم المؤمنين عائشة ﵄ أن هذه الدعوة كانت أكثر ما كان يدعو بها ﷺ ، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. ٦٤ - ((اللَّهُمَّ أكْثِرْ مَالِي، وَوَلَدِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أعْطَيْتَنِي)) (٣)، (([وَأطِلْ حَيَاتِي عَلَى طَاعَتِكَ، وَأحْسِنْ

стр. 323

عَمَلِي] وَاغْفِرْ لِي)) (١). الشرح: روى البخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁: ((دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: ((أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ))، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَةً، قَالَ: ((مَا هِيَ؟)) قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا، وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ))، فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَة (٢). ورواية مسلم: قالت فيه أم أنس ﵄: ((يا رسول الله، خويدمك، ادعُ اللَّه له، قال: فدعا لي بكل خير وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: ((اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه)) (٣). وفي رواية أخرى لمسلم: ((عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله

стр. 324

خادمك أنس، ادع الله له، قال: فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: ((اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته)) (١). وفي رواية قالت أم أنس: يا رسول اللَّه، هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: ((اللهم أكثر ماله، وولده)) (٢). وفي رواية: ((فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيس، فدعا لي رسول الله ﷺ ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة)) (٣). وهي موافقة لرواية الترمذي (٤). وفي رواية للترمذي: ((قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ ، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان، كان يجيء منها ريح المسك)) (٥). قول أم أنس ﵄ لرسول اللَّه ﷺ : (خويدمك): تصغير خادم

стр. 325

للتحبب، صُغِّر تلطفاً، وطلباً لمزيد من الشفقة عليه، وفيه إيثار الأم لولدها. قولها: ((ادع اللَّه له)): فيه طلب الدعاء للولد، أو غيره ممن يُتوسّم فيه الخير، والصلاح، من أهل الخير، وفيه أيضاً طلب دعاء المرء لغيره، ممن يحبه ويهمّه أمره. قوله: ((اللَّهم أكثر مالي وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني)): فيه جواز سؤال اللَّه كثرة المال، والولد مع البركة فيهما, وفيه استحباب أنه إذا دعا بشيء يتعلق في أمر من أمور الدنيا، أن يضمّ إلى دعائه طلب البركة، والصيانة فيه (١)، والبركة: هي الزيادة، والنماء، والدوام على الخير. قوله: ((وأطل حياتي على طاعتك)): فيه جواز سؤال اللَّه طول العمر، وأنه لا يخالف ما كتب اللَّه في اللوح المحفوظ؛ فإن الدعاء من جملة القدر المكتوب (٢)، ولكن يقيد بطاعة اللَّه؛ لأن طول العمر بغير طاعة لا خير فيه. قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((في هذا الحديث الكثير من الفوائد: جواز التصغير على معنى التلطف لا التحقير، والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، والدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخروي، وفيه حسن التلطّف في السؤال، وفيه

стр. 326

التحدث بنعم اللَّه تعالى، وبمعجزات النبي ﷺ )) (١). قوله: ((وأحسن عملي)) وحسن العمل يكون بالإخلاص لله فيه، ومتابعة النبي ﷺ . قوله: ((واغفر لي)): وختم الدعاء بسؤال اللَّه المغفرة بعد سؤال اللَّه من أمور الدنيا؛ لأنها هي الأهمّ، وعليها الفلاح والنجاة، وفيه بيان أن على العبد أن لا يجعل جُلَّ دعائه وهمّه أمر الدنيا، فلا بد أن تكون الآخرة هي همه، والشاغل الأكبر، فيقرن بينهما في السؤال. كما في دعاء سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢). فإذا كان الأنبياء ﵈ محتاجون إلى مغفرة اللَّه تعالى، فنحن أولى بذلك؛ لكثرة تقصيرنا وتفريطنا، وكثرة ذنوبنا، واللَّه المستعان. ٦٥ - ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)) (٣).

стр. 327

المفردات: العظيم: هو اسم جليل لربنا ، يدلّ على عظمة الذات، والصفات لله جلَّ وعلا، وهو من صفات الذات والفعل كذلك، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّه أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (١). الكريم: هذا الاسم للَّه تعالى يدل على سعة خيراته وفضائل كرائمه التي لا تحد ولا تعد فهو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، فمن كمال كرمه تعالى أنه تعالى يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما فارغتين دون عطاء، وهو يدل على صفة الذات والفعل. الحليم: وهذا الاسم يدل على الصفح والأناة، فاللَّه تعالى لا يعجل العقوبة على عباده مع كثرة ذنوبهم وعصيانهم، بل يرزقهم ولا يحبس أفضاله عليهم، وهو من صفة الأفعال. العرش: هو سرير الملك وهو أعظم المخلوقات، فوق جميع العباد استوى عليه تعالى استواء يليق بجلاله وعظمته، واستوائه جل وعلا من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته [فاستواؤه على العرش معلوم، والإيمان به واجب، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة]، أما علوّه تعالى فهو من الصفات الذاتية.

стр. 328

الشرح: هذا حديث عظيم جليل القدر، ينبغي الاعتناء به، والإكثار منه عند الكرب، والأمور العظيمة، قال الطبري: كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب (١). فقد كان النبي ﷺ يقوله عند كربه وإذا حزبه أمر أي: إذا نزل وألمَّ به أمر شديد، سُمِّي بدعاء الكرب لأنه ذِكْرٌ يُستفتح به الدعاء ثم يدعو بما شاء (٢)، ولأنه كذلك يتضمن الدعاء لأنه في سياق بيان الحال، وقد بيَّنا في تفسير بعض آيات الدعاء، أن الدعاء يكون بالطلب الصريح، ويكون بالطلب غير الصريح من شكاية الحال: من ضعفٍ، وعجزٍ، وغير ذلك، المتضمن للسؤال بالكشف عن ما ألمَّ به العبد من ضر (٣). ((وهذا الدعاء المبارك فيه كلمات إيمان، عظيمة، كلمات , وتوحيد، وتعظيم، وإخلاص للَّه ، بالإفراد له تعالى: بالألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات، وفي هذا الحديث: دلالة واضحة على أن أعظم علاج للكرب، هو الإيمان، والتوحيد الخالص للَّه تعالى، وأن ترديد هذه الكلمات العظام مُذْهِبٌ للكرب، والهمّ، والغمّ، فما دفعت شدائد الدنيا، وأهوال الآخرة بمثل التوحيد، فإذا

стр. 329

قالها المسلم مُتأمِّلاً لمعانيها مُتفكِّراً في دلالاتها: سكن قلبه، واطمأنّت نفسه، وزال عنه كربه، وشدته)) (١)، فلا يثبت الكرب والهمّ أمام كلمات التوحيد والتعظيم الخالص للَّه تعالى رب العالمين، واقتران اسمه تعالى: ((العظيم الحليم)) دلالة على كمال آخر غير الكمال في إفراد أحدهما، ففي اقترانهما دلالة كمال عظمته مع حلمه تعالى عكس البشر، فإنه قد يكون عظيماً، وليس بحليم، وقد يكون حليماً وهو ذليل، فهو تعالى لم تمنعه عظمته من الحلم بخلقه، ولم يكن حلمه جل وعلا عن ضعف وعجز، بل عن كمال العظمة والجلال، وكذلك سعة حلمه مع كمال عظمته جل وعلا، فهو العظيم الحليم على الإطلاق. ووجه ذكر اسمه تعالى ((العظيم))؛ لأنه تعالى لا يتعاظم عليه شيء مهما كان، ومن ذلك تفريج الكروب والهموم، فكأنه يقول: يا رب أنت العظيم الذي لا يتعاظم عليك شيء، وأنت الحليم فلم تُعجِّل عليَّ عقوبتك مع كثرة ذنوبي، وأنت رب السموات والأرض، ورب أعظم مخلوقاتك عرشك العظيم، أسألك أن تَفْرُجَ عنِّي: كربي، وهمّي، وغمّي. ووجه ذكر اسمه تعالى ((الحليم)) في هذا الدعاء المبارك: لأن كرب المؤمن غالباً يكون بسبب تقصيرٍ في حق ربه؛ فإن المصائب بسبب الذنوب قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ

стр. 330

أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١)، وقد يكون حصول الكرب بسبب الغفلة. وفي تكرير ذكر العرش لأنه أعظم المخلوقات (٢)، والموجودات وتنبيهاً على عظم شأن خالقه ، فإن من كان كذلك لا يعجزه أي أمر مهما كان. ٦٦ - ((اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)) (٣). المفردات: لفظ الحديث: ((دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)). المكروب: أي المغموم والمحزون، والكَرْب بالفتح فسكون: ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه ويغمَّه ويُحزنه (٤).

стр. 331

والفرق بين الكرب والحزن: أن الكرب حزن مع شدة (١). الشأن: الأمر والحال (٢). الشرح: هذه الكلمات الواردة في الحديث كلمات إيمان، وتوحيد، وإخلاص للَّه ، وبعد عن الشرك كله، كبيره وصغيره، وفي هذا أوضح دلالةً على أن أعظم علاج الكرب, هو تجديد الإيمان، وترديد كلمات التوحيد ((لا إله إلا أنت))؛ فإنه ما زالت شدَّة، ولا ارتفع همٌّ ولا كربٌ بمثل توحيد اللَّه، وإخلاص الدين له، وتحقيق توحيد العبودية له التي خُلق الخلق من أجلها، فإن القلب عندما يُعمر بالتوحيد والإخلاص، ويُشغل بهذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم الأمور، وأجلها على الإطلاق، تذهب عنه الكُربات، وتزول عنه الشدائد، والغموم خاصة إذا فُهِمَتِ المعاني، وعُمل بالمقاصد، فإن يونس ﵇ ما أزال اللَّه عنه الكربات إلا عند قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). قال النبي ﷺ : ((ألا أخبركم بشيء: إذا نزل برجل منكم كرْبٌ، أو بلاء من بلايا الدنيا، دعا به يُفرج عنه؟ فقيل له: بلى , فقال: دعاء ذي النون)) (٤).

стр. 332

وقوله ﷺ : ((دعوات المكروب)): أي الدعوات النافعة المزيلة للمكروب المغموم. ((اللَّهم رحمتك أرجو)): في تأخير الفعل ((أرجو)) دلالة على الاختصاص (١)، أي نخصّك وحدك برجاء الرحمة منك، فلا نرجوها من أحد سواك، وتخصيص السؤال بصفة الرحمة؛ لأنها وسعت كل شيء قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢)، فرحمته تعالى وسعت كل جزء وذرة في هذا الكون العظيم، ومنها عبيده. قوله: ((فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين)): فيه شدة الافتقار، والاحتياج إلى مولاه وخالقه ، وأنه لا غنى له عن ربه طرفة عين في كل شأن من شؤونه، وقوله: ((طرفة عين)) خارج مخرج المبالغة. أي ولا لحظة واحدة. قوله: ((وأصلح لي شأني كله)): فيه سؤال اللَّه تعالى أن يصلح كل أحواله وشؤونه وأموره في كل جزئيةٍ من جزئياته، وكل جانب من جوانبه في حياته، وبعد مماته كما دلَّ قوله: ((كله)). ثم ختم بأحسن وأعظم الكلم ((لا إله إلا أنت)) إقرار، وإذعان، وإشهاد بالوحدانية الحقَّة [من الألوهية، والربوبية، والأسماء

стр. 333

والصفات] للَّه تعالى، وفيه إشارة إلى أن الدعاء إنما ينفع المكروب, ويزيل همّه وكربه، إذا كان مع حضور وشهود، ومن شهد للَّه تعالى بالتوحيد والجلال، مع جمع الهمّة وحضور البال، فهو حريٌّ بزوال الكرب في الدنيا، والرحمة، ورفع الدرجات في العقبى)) (١). ودلّ هذا الدعاء المبارك على أهمية التوسل بصفات اللَّه تعالى في كل ما يرجوه العبد ويخافه، وخاصة صفة الرحمة؛ فإن لها تأثيراً عظيماً في تفريج الهموم والغموم. قوله: ((اللَّهم رحمتك أرجو))؛ فإن من مقتضيات رحمته تعالى، وثمراتها الإحسان والإنعام، وزوال الأوهام والأحزان. ٦٧ - ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) (٢). [تقدم شرح] هذا الدعاء المبارك في الأدعية القرآنية رقم (١٤) فارجع إليه. ٦٨ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ

стр. 334

بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي)) (١). المفردات: الناصية: مقدمة الرأس. ماضٍ: نافذ. الهمُّ: المكروه الوارد على القلب في الأمر المستقبل. الحزن: وهو عكس الهمّ: هو المكروه الوارد على القلب على أمر قد مضى (٢). الشرح: قوله: ((اللَّهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك)): اعتراف العبد بأنه مخلوق للَّه تعالى، مملوك له، هو وآباؤه وأمهاته، ابتداءً من أبويه المقربين، وانتهاءً إلى آدم وحواء، فالكل مماليك للَّه خالقهم، ومدبّر أمورهم، وشؤونهم، لا غنى لهم عنه طرفة عين، وليس لهم

стр. 335

من يلوذون ويعوذون به سواه، وهذا فيه كمال التذلّل والخضوع والاعتراف بالعبودية للَّه تعالى؛ لأنه لم يكتف بقوله: ((إني عبدك)) بل زاد فيه ((ابن عبدك ابن أمتك)) دلالة على التأكيد والمبالغة في التذلّل، والعبودية للَّه تعالى؛ لأن من ملك رجلاً ليس مثل من ملكه مع أبويه)) (١). وهذا يدلنا على أهمية الأدعية الشرعية لكمالها في ألفاظها ومعانيها، وجلال مقاصدها ومدلولاتها. قوله: ((ناصيتي بيدك)): ((أي مقدمة الرأس بيد اللَّه تعالى، يتصرّف فيه كيف يشاء، ويحكم فيه بما يريد، لا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه)) (٢). قوله: ((ماض فيَّ حكمك)): يتناول الحكمين: الحكم الديني الشرعي، والحكم القدري الكوني، فكلاهما ماضيان في العبد شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني لا يمكن مخالفته، وأما الحكم الشرعي ((الأوامر والمنهيات)) فقد يخالفه العبد، ويكون متعرضاً للعقوبة. قوله: ((عدلٌ فيَّ قضاؤك)): إقرارٌ من العبد بأن ((جميع أقضيته عليه، من كل الوجوه: من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز، وغير ذلك عدلٌ لا جور فيه، ولا ظلم بأي وجهٍ من الوجوه. قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ

стр. 336

لِلْعَبِيدِ﴾ (١)) (٢). ثم شرع في الدعاء بعد إظهار غاية التذلل والخضوع لربه تعالى، وهذا من أدب السائلين، وهذه الحالة أقرب إلى إجابة السؤال ولا سيما إذا كان المسؤول منه كريماً، ومن أكرم من اللَّه ﵎ الذي لا يوازيه أيُّ كريم ولا يعادله أيّ نظير، إذا تضرع إليه عبده، وتذلل له، وأظهر الخضوع والخشوع ثم سأل حاجة ينفذها في ساعته على ما هو اللائق لكرمه وجوده (٣). قوله: ((أسألك بكل اسم هو لك)): أتوسّل إليك بكل اسم من أسمائك الحسنى، وهذا هو أعظم أنواع التوسّل إلى اللَّه تعالى بالدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤). قوله: ((سمَّيت به نفسك)): أي اخترته لنفسك الذي يليق بكمالك وجلالك. قوله: ((أو أنزلته في كتابك)): في كتبك المنزلة على رسلك، يتعبّد به عبادك ويسألونك ويدعونك به، وأنا أحدهم. قوله: ((أو علمته أحداً من خلقك)): من الأنبياء والملائكة، ومنهم محمّد ﷺ كما في حديث الشفاعة الطويل الذي يقول فيه: (( ... فَأَخِرُّ

стр. 337

لَهُ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَيْسَ يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي ... )) (١). ((أو استأثرت به في علم الغيب عندك)): أي خصصت به نفسك في علم الغيب، فلم يطّلع عليه أحد، وهذا كلّه تقسيم لقوله: ((بكل اسم هو لك))، وهذا يدلّ على أن أسماءه تعالى الحسنى غير محصورة في عدد معين، فجعل أسماءه تعالى ثلاثة أقسام: قسم سمَّى به نفسه، فأظهره لمن شاء من أنبيائه ورسوله، وملائكته أو غيرهم، ولم يُنزله في كتابه. وقسم أنزله في كتابه، فتعرَّف به إلى عباده. وقسم استأثر به في علم الغيب عنده لا يطّلع عليه أحد، فتضمّن هذا الدعاء المبارك التوسّل إليه تعالى بأسمائه الحسنى كلّها، ما علم العبد منها، وما لم يعلم، والعلم بأسماء اللَّه وصفاته أصل لكل العلوم؛ لأنه كُلَّما كان عظيم العلم والمعرفة باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته زادت خشية العبد لربه، وعظمت مراقبته وعبوديته له جلّ وعلا، وازداد بُعداً عن الوقوع في سخطه ومعصيته؛ ولهذا كان أعظم ما يطرد الهمّ والحزن والغمّ أن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، وأن يعمر قلبه بذكرها، والثناء بها عليه (٢)، واستحضار

стр. 338

معانيها، فبعد أن قدَّم جملاً من الإقرار بالتذلل والخضوع له تعالى، والإيمان بكمال حكمه وقضائه وعدله، وهو توسل إليه بعمله الصالح، وتوسل إليه كذلك بأفعاله، ثم توسل إليه بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العُلا، فجمع ثلاثة أنواع من التوسّلات الجليلة مقدمة بين يدي دعائه دلالة على أهمية هذه الوسائل في إعطاء ما يسأله العبد ربه فقال: ((أن تجعل القرآن ربيع قلبي)): أي: فرح قلبي، وسروره، وخُصَّ ((الربيع)) دون فصول السنة؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الزمان، ويميل إليه ويخرج من الهمّ والغمّ، ويحصل له النشاط والسرور والابتهاج)) (١). ((فتضمّنت هذه الدعوة سؤال اللَّه تعالى أن يجعل قلبه مرتاحاً إلى القرآن، مائلاً إليه، راغباً في تدبره)) (٢). وهذا يدلّ على أن القرآن هو الشفاء الناجح لمن تأمله وتدبّره، وتمسّك به. قوله: ((ونور صدري)): أي تشرق في قلبي بأنوار المعرفة، فأميّز الحق والباطل. قوله: ((وجلاء حزني، وذهاب همّي)): الجلاء هو: الانكشاف، أي انكشاف حزني وهمّي؛ لأن القرآن شفاء، كما قال تعالى:

стр. 339

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢)؛ لأنه كلام اللَّه تعالى الذي ليس كمثله شيء، وأي شيءٍ يقف أمام هذا الكلام العظيم، فالقرآن الذي هو أفضل الذكر، كاشف للحزن، ومُذهب للهمّ لمن يتلوه بالليل والنهار بتدبّر وتفكّر، فليس شيء مثله مُذهب للأوهام والأحزان، والأمراض النفسية العصرية، وفيه من نعيم القلب، وأنسه، ولذّاته، وراحته ما لا يوصف، وعلى قدر تحصيل العبد لكتاب اللَّه تعالى: تلاوةً، وحفظاً، وفهماً، ومدارسةً، وعملاً ينال من السعادة والراحة والطمأنينة والعافية في البدن والنفس ما لا يحصيه إلا اللَّه تعالى. ولعلّك يا عبد اللَّه بعد أن رأيت عظمة معاني هذا الدعاء المبارك، وما تضمّن من مقاصد ومعانٍ جليلة، علمت معنى قول المصطفى ﷺ : ((ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)) (٣). ٦٩ - ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) (٤).

стр. 340

الشرح: في هذا الحديث بيان لأمرٍ عظيمٍ، وشأنٍ خطيرٍ وكبيرٍ، وهو أن اللَّه جلّ قدره هو الذي يتولّى قلوب العباد بنفسه، فيصرّفها كلها كقلبٍ واحدٍ كيف يشاء، باقتدار تام، لا يشغله قلب عن قلب، وأنه هو جلّ وعلا يتولّى الأمر بنفسه، لا يكله لأحدٍ من الملائكة، ولم يُطلِعْ أحداً على سرائره من خلقه لمحض رحمته وفضله، وكمال حكمته جلّ وعلا، وفيه بيان أن العبد ليس إليه شيء من أمر سعادته، أو شقاوته، بل إن الأمر كلّه للَّه، فإن اهتدى فبهداية اللَّه تعالى إيَّاه، وإن ضلّ فبصرفه له بحكمته وعدله، وعلمه السابق ، فلعظم هذا الأمر كان سيد الأولين والآخرين، المزكَّى من رب العالمين، مفتقراً إلى اللَّه في كل حين بالدعاء؛ لتثبيت قلبه على دينه وطاعته، فكيف بنا نحن؟ فهذا التعليم المهمّ منه ﷺ لأمته أن يكونوا ملازمين لمقام الخوف، مشفقين غير آمنين من سلب الدين واليقين والإيمان، [ولكن مع ذلك لا ييأسون من رحمة اللَّه تعالى، بل يجمع العبد بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة] (١). قوله: ((صرِّف قلوبنا على طاعتك)): أي ثبِّت قلوبنا، واصرفها إلى طاعتك ومرضاتك في كل ما تحبه من الأقوال، والأعمال والأخلاق.

стр. 341

وقوله: ((على [طاعتك])) أي أن ينقلب القلب من طاعة إلى طاعة أخرى، من صلاة إلى صيام إلى زكاة)) (١)، فسأل اللَّه تعالى الثبات على الدين جملة وتفصيلاً، ودلَّ الحديث والذي بعده على أهمية التوسّل إلى اللَّه ﵎ بأفعاله ومنها ((التصريف)) الفعلية التي تتضمّن كمال المشيئة، والحكمة البليغة، وكذلك [يدل على] صفة ((الأصابع)) الذاتية الجليلة، [على الوجه اللائق باللَّه ، لا يشبه أحداً من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾]. ٧٠ - ((يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) (٢). عن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ)) (٣). وفي حديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول اللَّه، إنك تُكثر أن

стр. 342

تدعو بهذا الدعاء؟ فقال ﷺ : ((إِنَّ قَلْبَ الْآدَمِيِّ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ ، فَإِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ)) (١). وقوله: ((إن قلوب)) تعليلاً لسبب دعوته ﷺ ، وهي أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه، من يشأ يضللْه، ومن يشأ يهديه، فينبغي للعبد الإكثار من هذه الدعوات المهمة التي تتعلق بأجل مقامات العبودية. ٧١ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ [اليقين]، و [العفو و] الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)) (٢). المفردات: ((اليقين)): هو الأمر الثابت الذي لا شك يخالجه (٣)، فاليقين من

стр. 343

صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علمٌ يقينٌ، ولا يقال: معرفةُ يقينٌ، وهو مكوّن الفهم مع ثبات الحكم (١). ((العفو)): التجاوز عن الذنب: وترك العقاب عليه. ((العافية)): هي كلمة جامعة في تأمين اللَّه تعالى للعبد، ودفاع عنه كل نقمة، ومحنة، وشرٍّ وبلاء، والسلامة من الأسقام، والبلايا، وهي الصحة ضد المرض (٢). هذا الدعاء المبارك الجليل القدر فيه أجلّ المطالب، وأهم المقاصد التي يتمنّاها كل عبد في دينه، ودنياه، وآخرته، ففيها سؤال اللَّه ﵎ السلامة، والوقاية من كل الشرور، بكل أنواعها الظاهرة والباطنة، الجليّة والخفيّة، فإن السلامة والحفظ مبتغى كل الخلائق، في هذه المعمورة، وخاصة عباد اللَّه ﵎ المؤمنين. ولهذا كانت هذه الدعوة وما تتضمنه من مقاصد عظيمة عزيزة وجليلة عند الشارع الحكيم، في قوله، وأمره، وفعله، ولما كانت الآفات والبلايا منها ظاهرة، كأمراض البدن، وعلله الحسية، ومنها باطنة معنوية كآفات القلب، قُدِّم سؤال السلامة في أهمّ أنواعه، وهو القلب: ((اللَّهم إني أسألك اليقين))، وهو تمام العلم وكماله، وهو المنافي للشك والريب، فهذا سؤالٌ لِأَعلى درجات الإيمان، الذي

стр. 344

عليه الفلاح في الدنيا والآخرة (١). قال ابن مسعود ﵁: ((اليقين الإيمان كله)) (٢)؛ فلذا كان من دعائه ﵁: ((اللَّهم زدنا إيماناً ويقيناً وفهماً)) (٣). فإذا رسخ اليقين في القلب، انقطع عن الدنيا، وتعلّق بالآخرة، قال سفيان الثوري ﵀: ((لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي، لطار اشتياقاً إلى الجنة، وهروباً من النار))، قال ابن حجر ﵀ معلقاً: ((فإذا أيقن القلب، انبعثت الجوارح كلها للقاء اللَّه بالأعمال الصالحة)) (٤). ولا شك أن هذا هو منتهى الإرادات والمنى، فدلّ هذا المطلب العظيم على أنه أهمّ مسائل الدِّين، لأنه يتعلّق في أهم منازله، وهو مسائل الإيمان والتوحيد، الذي هو حق اللَّه تعالى على كل العبيد. وقوله: ((والعفو والعافية في الدنيا والآخرة)): جمع بين عافيتي الدين والدنيا؛ لأنه لا غنى عنهما للعبد، فإن النجاة والفلاح منوطة بهما.

стр. 345

فسؤال اللَّه تعالى ((العفو)): يتضمّن سؤال اللَّه السلامة من الذنوب، وتبعاتها، ونتائجها، وآثارها. و ((العافية)): هو طلب السلامة والوقاية من كل ما يضرُّ العبد في دينه ودنياه، من السقام والمصائب والمكاره والفتن والمحن. وقد دلّ أمر النبي ﷺ ، وقوله، وفعله، [على] أهمية هذه المقاصد الجليلة، فمن ذلك ما جاء عن عمّ النبي ﷺ العباس ﵁ أنه جاء للنبي ﷺ فقال: ((يارسول اللَّهِ، عَلِّمْني شَيْئاً أَسْأَلُهُ اللَّه تَعَالى، قَالَ: ((سَلُوا اللَّه العافِيةَ))، فَمكَثْتُ أَيَّاماً، ثُمَّ جِئتُ فَقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه: علِّمْني شَيْئاً أَسْأَلُهُ اللَّهَ تعالَى، قَالَ لي: ((يَا عبَّاسُ، يا عمَّ رَسولِ اللَّهِ، سَلُوا اللَّه العافيةَ في الدُّنْيا والآخِرةِ)) (١)، ففي تعليم النبي ﷺ لعمِّه الذي هو صنو أبيه، هذا الدعاء دون غيره من الأدعية بعد تكريره له، وكذلك خطابه بأداة المناداة ((يا عباس))، ((يا عم رسول اللَّه)) التي تفيد التأكيد والتنبيه، يدل دلالة جليلة على أهمية هذه الدعوة الجليلة. ومن الأدلة كذلك، أن رجلاً ((جاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي

стр. 346

الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)) ثُمَّ أَتَاهُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ))، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيتَهُمَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِيتَهُمَا فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ)) (١). دلّ هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على علوّ الهمة، ومن ذلك حرصهم على معرفة أفضل الدعاء. ومن الأدلة السنيّة التي تدلّ على أهمية هذين المطلبين: (العفو، والعافية) أنه كان ﷺ يلازم سؤالهما ربه في صباحه ومسائه. فعن ابن عمر ﵄: أنه قال: ((لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ استُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللَّهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفي، وَعن يَميني، وعن شِمالي، ومِن فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحتي)) (٢).

стр. 347

فسؤاله ﷺ العافية (في الدين): هو طلب الوقاية والسلامة من كل أمر يشين الدين ويخلّ به، ويخدش في عقيدة المؤمن، وتوحيده، من الفتن والضلالات، والشبهات، والشهوات من كل أنواعهما. وسؤال اللَّه تعالى العافية (في الدنيا): هو طلب السلامة والأمان من كل ما يضرّ العبد في دنياه، من المصائب والبلايا، والشدائد، والمكاره، وسؤال اللَّه تعالى العافية (في الآخرة): هو طلب النجاة، والوقاية من أهوال الآخرة، وشدائدها، وكرباتها، وما فيها من العقوبات، بدأَ من الاحتضار، وعذاب القبر، والفزع الأكبر، والصراط، والنجاة من أشد الأهوال، والعذاب بالنار، والعياذ باللَّه. وأما سؤاله ﷺ العافية (للأهل): فبوقايتهم من الفتن، وحمايتهم من البلايا والمحن. وأما في (المال): فبحفظه مما يتلفه من غرق أو حرق أو سرقة، أو نحو ذلك، فجمع في ذلك سؤال اللَّه الحفظ من جميع العوارض المؤذية، والأخطار المضرة)) (١). فدلّ ذلك كله على أن هذه الدعوات الكريمة الجليلة من جوامع الكلم: ((وذلك أنه ليس شيء يعمل للآخرة يتلقى إلا باليقين, وهو

стр. 348

الإيمان الراسخ الذي لا شك فيه ولا ريب، وهو أعلى الدرجات كما سبق، وليس شيء من الدنيا يهنأ لصاحبه إلا مع العافية، وهي الأمن والصحة، وفراغ القلب من كل مكروه، فجمع أمر الدنيا كله في كلمة، والآخرة في كلمة)) (١). وأختم لك بشرح نفيس للعلامة الشوكاني ﵀ فقد قال: ((العافية: دفاع اللَّه عن العبد، فقوله (٢): دفاع اللَّه تعالى عن العبد، يفيد أن العافية: جميع ما يدفعه اللَّه تعالى عن العبد من البلايا والمحن كائنة ما كان. ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: ((فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقين خيراً من العافية))، سأل النبي ربه أن يرزقه العفو الذي هو العمدة في الفوز بدار المعاد، ثم سأله أن يرزقه العافية التي هي العمدة في صلاح أمور الدنيا والسلامة من شرورها ومحنها، فكان هذا الدعاء من الكلم الجوامع، والفوائد، والنوافع. ثم علق ﵀ على الأحاديث التي ذكرناها سابقاً فقال: ((إن الدعاء بالعافية أحب إلى اللَّه من كل دعاء كائناً ما كان، كما يفيده هذا العموم، وتدلّ عليه هذه الكلية, ف جمع هذا الدعاء بهذه الكلمة بين ثلاث مزايا: أولها: شموله لخيري الدنيا والآخرة .

стр. 349

وثانيها: أنه أفضل الدعاء على الإطلاق . وثالثها: إنه أحب إلى اللَّه من كل دعاء يدعو به العبد على الإطلاق كائناً ما كان (١). فينبغي للعبد الصالح ملازمة هذه الدعوات المباركات في الصباح والمساء، اقتداء واستناناً بالنبي ﷺ في ليله ونهاره: في سفره وحضره, وفي سرائه وضرائه، وفي كل أحواله. ٧٢ - ((اللهمّ أحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ)) (٢). المفردات: ((الخزي)): هو الذلّ والهوان (٣). ويأتي بمعنى الهلاك، والوقوع في بلية (٤). ((عاقبتنا)): العاقبة آخر كل شيء.

стр. 350

الشرح: ((اللَّهمّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها)): أي يا اللَّه اجعل عاقبة كل أمر من أموري حسناً طيباً، فإن الأعمال بالخواتيم، فاجعل أعمالنا كلها طيّبة, مرضيّة عندك, وثبّتنا على ذلك إلى أن نلقاك بأحسن أعمالنا. ((وأجرنا من خزي الدنيا)) أي اعصمنا من هلاك الدنيا، وهي مصائبها، وغرورها، وشرورها، ومن كل ذلٍّ وهوانٍ، وفضيحة فيها. ((وعذاب الآخرة)) أي: أعذنا من جميع أنواع عذاب الآخرة، كما يفيد ((إضافة اسم الجنس)). فتضمّن هذا السؤال السلامة، والأمان من كل الأوجه، فإن من سلم من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، فقد ظفر بخير الدارين، وَوُقِيَ من كلِّ شرٍّ فيهما، فدلّ هذا الدعاء على أنه من جوامع الكلم. ٧٣ - ((رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا أَوَّاهاً مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ

стр. 351

قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي)) (١). المفردات: ((رهَّاباً)): الرهبة، الخوف، والفزع. ((مخبتاً)): الخاشع، والمخلص في خشوعه. ((أواهاً)):المتضرّع، والبكّاء، وقيل كثير الدعاء. ((منيباً)):التائب، والراجع إلى اللَّه في أموره. ((حوبتي)):الحوْبةُ، والحوبُ: الإثم، والذنب. ((حجتي)): الحجة: الدليل، والبيِّنة (٢). ((سخيمة قلبي)): غلّ القلب، وحقده. الشرح: هذا الدعاء العظيم اشتمل على اثنين وعشرين سؤالاً، ومطلباً هي من أهم مطالب العبد، وأسباب صلاحه، وسعادته في الدنيا والآخرة (٣):

стр. 352

١ - قوله: ((رب أعني)): أي أطلب منك العون، والتوفيق لطاعتك، وعبادتك على الوجه الأكمل الذي يُرضيك عنِّي, وأطلب منك العون على جميع الأمور الدينية والدُّنيوية، والأخروية، وفي مقابلة الأعداء أمدّني بمعونتك وتوفيقك. ٢ - قوله: ((ولا تُعن عليَّ)): ولا تمدّ العون لمن يمنعني عن طاعتك: من النفس الأمّارة بالسوء، ومن شياطين الإنس والجن. ٣ - قوله: ((وانصرني))، وهو طلب النصرة، وهي الغلبة، أي في كل أحوالي، [وانصرني] على الكفار أعدائي، وأعداء دينك، وقيل انصرني على نفسي الأمّارة بالسوء؛ فإنها أعدى أعدائي ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (١)، ولا مانع من إرادة الجميع؛ لأنه ﷺ لم يُخصِّص نوعاً معيناً، والأصل إبقاء العموم على عمومه. فتضمّن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى النصر والظفر على كل الأعداء، سواء كان العدوُّ خارجيَّاً، أو داخليَّاً. ٤ - قوله: ((ولا تنصر عليَّ)): ولا تجعلني مغلوباً، فتسلّط عليَّ أحداً من خلقك, ولا تنصر النفس الأمارة بالسوء عليَّ، فأتّبع الهوى وأترك الهدى. ٥ - قوله: ((وامكُر لي)): المكر هو الخداع، وهو من اللَّه إيقاع بلائه

стр. 353

بأعدائه من حيث لا يشعرون (١)، أي أنزل مكرك بمن أراد بي شرّاً وسوءاً (٢)، وارزقني الحيلة السليمة، والطريقة المثلى في دفع كيد عدوي، فأسلم من كيدهم وشرّهم. ٦ - قوله: ((ولا تمكر عليَّ)): أي ولا تهدِ عدويّ إلى طريق دفعه إياي عن نفسه, ولا تعاملني بسوء نيتي، فأغترّ وأتجاوز الحد من حيث لا أشعر فأهلك. ٧ - قوله: ((واهدني)): الهداية نوعان: أ - هداية دلالة وإرشاد . ب - وهداية توفيق وتثبيت ، والعبد حينما يسأل اللَّه تعالى الهداية ينبغي أن يستحضر هذه المعاني، فيقول: دلّني، ووفّقني لطرق الهداية والمعرفة، ووفّقني لها، ولا أزيغ عنها حتى ألقاك، فتضمّن هذا السؤال التوفيق إلى فعل الخيرات من الأعمال الصالحات، والعلم النافع، واجتناب المحرّمات. ٨ - قوله: ((ويسّر الهُدى إليَّ)): أي سهّل لي اتِّباع الهداية، وسلوك طريقها، وهيّئ لي أسباب الخير، حتى لا أستثقل الطاعة، ولا أنشغل عن العبادة. ٩ - قوله: ((وانصرني على من بغى عليّ)): وانصرني على من ظلمني

стр. 354

وتعدّى عليَّ, وهذا تخصيص بعد العموم في قوله أولاً: ((وانصرني ولا تنصر عليَّ)) , يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((دعاء عادل، لا دعاء معتدٍ، يقول: انصرني على عدوّي مطلقاً)) (١)، وهو يدلّ على أهمية النصرة، والظفر على من اعتدى وبغى بغير حقّ؛ لما في ذلك من سرور القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال من وقاية الأعداء، والثقة بقدرة اللَّه تعالى ونصره. ١٠ - قوله: ((اللَّهُمَّ اجعلني لكَ شكَّاراً)) بعد: أن توسَّل إليه تعالى فيما ينفعه في تعامله وسيره مع خلقه، شرع في التوسل إلى اللَّه تعالى فيما ينفعه ويقرّبه، ويصلح أحواله مع عبادته لربه تعالى، وأن هذه المطالب هي الأعظم والأهمّ عنده، كما دلّ على ذلك صيغ المبالغة، وتقديم الجار والمجرور، فقال: ((اللَّهم اجعلني لك شكَّاراً)): أي كثير الشكر، كما تفيده صيغة المبالغة في قوله: ((شكَّاراً))، أي اجعلني كثير الشكر في السرّاء والضرّاء في القول، والعمل، وفي السرّ، وفي العلن على النعماء والآلاء، وفي تقديم الجار والمجرور ((لك)) للدلالة على الاختصاص، أي أخصّك بالشكر؛ لأنك خالق النعم، ومعطيها، سأل اللَّه التوفيق إلى الشكر؛ لأن به تدوم النعم. ١١ - قوله: ((لك ذكَّاراً)): أي كثير الذكر لك في كل الأوقات، والأحوال قائماً، وقاعداً، وعلى جنب في الصباح، والمساء، وفي

стр. 355

السر والعلن، وفي سؤاله تعالى التوفيق إلى الذكر؛ لأنه هو أفضل الأعمال. ١٢ - قوله: ((لك رهّاباً)): أي خائفاً منك في كل أحوالي: في ليلي ونهاري، في سفري وفي حضري، وفي الغيب والشهادة. ١٣ - قوله: ((لك مطواعاً)): أي كثير الطوع، وهو الانقياد والامتثال والطاعة لأوامرك، والبعد عن نواهيك. ١٤ - قوله: ((لك مخبتاً)): أي كثير الإخبات، وعلامته: أن يذلّ القلب بين يدي اللَّه تعالى إجلالاً وتذلّلاً، أي لك خاشعاً متواضعاً خاضعاً. ١٥ - قوله: ((إليك أواهاً منيباً)): ((والأوَّاه: هو: كثير التضرّع والدعاء والبكاء للَّه (١)، كثير الرجوع إليك من الذنوب والخطايا. وتقديم الجار والمجرور في هذا، والذي قبله للاهتمام والاختصاص، وتحقيق الإخلاص، أي أخصّك وأخلص لك وحدك. سأل اللَّه تعالى التوفيق إلى روح العبادات، وأزكاها، وأسماها، وأهمّها، للقيام بها على الوجه الأكمل، والأمثل، والأتمّ، وكما دلّت الصيغ (شكاراً، ذكاراً، رهاباً، مطواعاً ... ) على كمال الذُّل والعبودية لله تعالى، وأنه ينبغي للعبد أن يتوسّل إليه تعالى
следующие страницы →