← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي)) (١). المفردات: ((رهَّاباً)): الرهبة، الخوف، والفزع. ((مخبتاً)): الخاشع، والمخلص في خشوعه. ((أواهاً)):المتضرّع، والبكّاء، وقيل كثير الدعاء. ((منيباً)):التائب، والراجع إلى اللَّه في أموره. ((حوبتي)):الحوْبةُ، والحوبُ: الإثم، والذنب. ((حجتي)): الحجة: الدليل، والبيِّنة (٢). ((سخيمة قلبي)): غلّ القلب، وحقده. الشرح: هذا الدعاء العظيم اشتمل على اثنين وعشرين سؤالاً، ومطلباً هي من أهم مطالب العبد، وأسباب صلاحه، وسعادته في الدنيا والآخرة (٣):

стр. 352

١ - قوله: ((رب أعني)): أي أطلب منك العون، والتوفيق لطاعتك، وعبادتك على الوجه الأكمل الذي يُرضيك عنِّي, وأطلب منك العون على جميع الأمور الدينية والدُّنيوية، والأخروية، وفي مقابلة الأعداء أمدّني بمعونتك وتوفيقك. ٢ - قوله: ((ولا تُعن عليَّ)): ولا تمدّ العون لمن يمنعني عن طاعتك: من النفس الأمّارة بالسوء، ومن شياطين الإنس والجن. ٣ - قوله: ((وانصرني))، وهو طلب النصرة، وهي الغلبة، أي في كل أحوالي، [وانصرني] على الكفار أعدائي، وأعداء دينك، وقيل انصرني على نفسي الأمّارة بالسوء؛ فإنها أعدى أعدائي ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (١)، ولا مانع من إرادة الجميع؛ لأنه ﷺ لم يُخصِّص نوعاً معيناً، والأصل إبقاء العموم على عمومه. فتضمّن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى النصر والظفر على كل الأعداء، سواء كان العدوُّ خارجيَّاً، أو داخليَّاً. ٤ - قوله: ((ولا تنصر عليَّ)): ولا تجعلني مغلوباً، فتسلّط عليَّ أحداً من خلقك, ولا تنصر النفس الأمارة بالسوء عليَّ، فأتّبع الهوى وأترك الهدى. ٥ - قوله: ((وامكُر لي)): المكر هو الخداع، وهو من اللَّه إيقاع بلائه

стр. 353

بأعدائه من حيث لا يشعرون (١)، أي أنزل مكرك بمن أراد بي شرّاً وسوءاً (٢)، وارزقني الحيلة السليمة، والطريقة المثلى في دفع كيد عدوي، فأسلم من كيدهم وشرّهم. ٦ - قوله: ((ولا تمكر عليَّ)): أي ولا تهدِ عدويّ إلى طريق دفعه إياي عن نفسه, ولا تعاملني بسوء نيتي، فأغترّ وأتجاوز الحد من حيث لا أشعر فأهلك. ٧ - قوله: ((واهدني)): الهداية نوعان: أ - هداية دلالة وإرشاد . ب - وهداية توفيق وتثبيت ، والعبد حينما يسأل اللَّه تعالى الهداية ينبغي أن يستحضر هذه المعاني، فيقول: دلّني، ووفّقني لطرق الهداية والمعرفة، ووفّقني لها، ولا أزيغ عنها حتى ألقاك، فتضمّن هذا السؤال التوفيق إلى فعل الخيرات من الأعمال الصالحات، والعلم النافع، واجتناب المحرّمات. ٨ - قوله: ((ويسّر الهُدى إليَّ)): أي سهّل لي اتِّباع الهداية، وسلوك طريقها، وهيّئ لي أسباب الخير، حتى لا أستثقل الطاعة، ولا أنشغل عن العبادة. ٩ - قوله: ((وانصرني على من بغى عليّ)): وانصرني على من ظلمني

стр. 354

وتعدّى عليَّ, وهذا تخصيص بعد العموم في قوله أولاً: ((وانصرني ولا تنصر عليَّ)) , يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((دعاء عادل، لا دعاء معتدٍ، يقول: انصرني على عدوّي مطلقاً)) (١)، وهو يدلّ على أهمية النصرة، والظفر على من اعتدى وبغى بغير حقّ؛ لما في ذلك من سرور القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال من وقاية الأعداء، والثقة بقدرة اللَّه تعالى ونصره. ١٠ - قوله: ((اللَّهُمَّ اجعلني لكَ شكَّاراً)) بعد: أن توسَّل إليه تعالى فيما ينفعه في تعامله وسيره مع خلقه، شرع في التوسل إلى اللَّه تعالى فيما ينفعه ويقرّبه، ويصلح أحواله مع عبادته لربه تعالى، وأن هذه المطالب هي الأعظم والأهمّ عنده، كما دلّ على ذلك صيغ المبالغة، وتقديم الجار والمجرور، فقال: ((اللَّهم اجعلني لك شكَّاراً)): أي كثير الشكر، كما تفيده صيغة المبالغة في قوله: ((شكَّاراً))، أي اجعلني كثير الشكر في السرّاء والضرّاء في القول، والعمل، وفي السرّ، وفي العلن على النعماء والآلاء، وفي تقديم الجار والمجرور ((لك)) للدلالة على الاختصاص، أي أخصّك بالشكر؛ لأنك خالق النعم، ومعطيها، سأل اللَّه التوفيق إلى الشكر؛ لأن به تدوم النعم. ١١ - قوله: ((لك ذكَّاراً)): أي كثير الذكر لك في كل الأوقات، والأحوال قائماً، وقاعداً، وعلى جنب في الصباح، والمساء، وفي

стр. 355

السر والعلن، وفي سؤاله تعالى التوفيق إلى الذكر؛ لأنه هو أفضل الأعمال. ١٢ - قوله: ((لك رهّاباً)): أي خائفاً منك في كل أحوالي: في ليلي ونهاري، في سفري وفي حضري، وفي الغيب والشهادة. ١٣ - قوله: ((لك مطواعاً)): أي كثير الطوع، وهو الانقياد والامتثال والطاعة لأوامرك، والبعد عن نواهيك. ١٤ - قوله: ((لك مخبتاً)): أي كثير الإخبات، وعلامته: أن يذلّ القلب بين يدي اللَّه تعالى إجلالاً وتذلّلاً، أي لك خاشعاً متواضعاً خاضعاً. ١٥ - قوله: ((إليك أواهاً منيباً)): ((والأوَّاه: هو: كثير التضرّع والدعاء والبكاء للَّه (١)، كثير الرجوع إليك من الذنوب والخطايا. وتقديم الجار والمجرور في هذا، والذي قبله للاهتمام والاختصاص، وتحقيق الإخلاص، أي أخصّك وأخلص لك وحدك. سأل اللَّه تعالى التوفيق إلى روح العبادات، وأزكاها، وأسماها، وأهمّها، للقيام بها على الوجه الأكمل، والأمثل، والأتمّ، وكما دلّت الصيغ (شكاراً، ذكاراً، رهاباً، مطواعاً ... ) على كمال الذُّل والعبودية لله تعالى، وأنه ينبغي للعبد أن يتوسّل إليه تعالى

стр. 356

[بأسمائه الحسنى، وصفاه العلا، ويسأله] التوفيق إلى أفضل الأعمال من العبادات الخالصة له تعالى، فإن ذلك يرجع إليه بعظيم الثواب، ورفع الدرجات. ١٦ - قوله: ((ربّ تقبّل توبتي)): أي اجعلها صحيحة بشرائطها، واستجماع آدابها، وتقبّلها مني. ١٧ - قوله: ((واغسل حَوْبتي)): أي امسح ذنبي وإثمي، وذكر الغسل ليفيد إزالته بالكلية. ١٨ - قوله: ((وأجب دعوتي)): أي أجب كل دعواتي، واجعلها مقبولة عندك مستجابة [نافعة لي]. ١٩ - قوله: ((وثبّت حجّتي)): كسابقه يفيد العموم، أي ثبت حُججي، في الدنيا على أعدائك بالحجة الدامغة، والدعوة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالأدلة البينات الساطعة، وثبّت قولي في الآخرة عند سؤال الملكين في القبر، والحجج هي البيِّنات والدلائل. ٢٠ - قوله: ((واهدِ قلبي)): إلى معرفتك، ومعرفة الحق والهدى والصراط المستقيم، وإلى كل خير ترضاه، فبهدايته تهتدي كل الجوارح، والأركان في البدن. ٢١ - قوله: ((وسدّد لساني)): أي صوّب لساني حتى لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق.

стр. 357

٢٢ - ((واسلُلْ سخيمة قلبي)): أي أخرج من قلبي: الحقد، والغلّ، والحسد، والغشّ، [والبغضاء للمؤمنين]، وغير ذلك من ظلمات القلب. فالزم هذا الدعاء المبارك الذي فيه جميع المنافع التي يحتاجها العبد في دينه، ومعاشه، ومعاده، فقد ذكر الحافظ عمر بن علي البزّار في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الدعاء كان غالب دعائه ﵀) (١). ٧٤ - ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ -، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)) (٢). الشرح: أصل هذا الحديث العظيم الذي هو في غاية الأهمية، أن أبا أمامة ﵁ قال: دعا رسول اللَّه ﷺ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئاً قال: ((ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله)) فذكر هذا الدعاء المبارك جليل القدر.

стр. 358

فهذا الدعاء المبارك لا شيء أجمع وأنفع منه؛ لأنه لم يُبقِ من خير في الدنيا والآخرة، إلا وقد سأله النبي ﷺ ، ولم يُبقِ من شر في الدنيا والآخرة إلا وقد استعاذ منه ﷺ ، فمن سأل اللَّه من خير ما سأله منه نبيه ﷺ ، فقد سأل الخير كله على اختلاف أنواعه ما عُلم منه وما جُهل، ومن استعاذ من شرّ ما استعاذ منه نبيه ﷺ ، فقد استعاذ من الشرّ كله على اختلاف أنواعه (١) ما علمه العبد، وما لم يعلمه، وهذا من جوامع الكلم. قوله: ((وأنت المستعان)): بضمير الفصل، الذي يفيد كما تقدم التأكيد، والحصر والقصر، و ((المستعان)): [اسم من الأسماء الحسنى] أي أطلب منك وحدك لي العون، على [أموري كلِّها: في الدين، والدنيا، والآخرة، فأنت الذي تعين على هذه الأمور وغيرها، وتجيب دعواتي]. ٧٥ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي ، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي)) (٢).

стр. 359

الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من شرِّ سمعي)): يا اللَّه، إني أعوذ بك من كل ما حرَّمت السماع منه ولا ترضاه: كالشرك، والكفر، والغيبة، [والنميمة، والكذب]، والزور، والبهتان، والمعازف، أو بأن لا أسمع إلاَّ الحق من ذكر ونصح وموعظة. قوله: ((ومن شرّ بصري)): كي لا أرى شيئاً لا ترضاه من المحرمات من النساء، والمُرد من الصبيان، ومنه النظر على وجه الاحتقار لأحد من الخلق، أو أهمل النظر والاعتبار في المخلوقات العجيبة في الأرض والسماء. قوله: ((ومن شرِّ لساني)): أعذني من كلّ محرّم أنطقه بلساني، كالكذب، والغيبة، والنميمة، والسبّ، والقذف، وغيره من المحرّمات؛ فإن اللسان أكثر الخطايا والمهالك فيه. والاستعاذة من شرِّ اللسان يتضمّن نقيضه بأن لا ينطق إلا الحق كالذكر، والثناء عليك، والشكر على نعمتك وآلائك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا أتكلّم فيما لا يَعنيني، والسكوت عما يُغنيني، وحفظ اللسان من اللغو، واللَّهو، والباطل. قوله: ((ومن شرِّ قلبي)): أعذني من كل شرٍّ من السيئات في قلبي، كالنفاق، والحسد، والحقد، والرياء، والكبر، وسوء الظن، ومن

стр. 360

الاعتقادات الفاسدة، ومن حُبّ الدنيا من الشهوات والشبهات. قوله: ((ومن شر منييِّ)): أي من شرِّ فرجي، بأن أوقعة في غير محلّه من الزنى، واللواط، والاستمناء، وغير ذلك من المحرّمات، أو يوقعني في مقدمات الزنى من النظر، واللمس، والمشي، والعزم، وأمثال ذلك؛ فإن شهوة الفرج من أعظم ما ابتُلي به الإنسان، فقد تؤدي إلى المسالك الرديئة، وإلى المهالك البعيدة، وخاصّة في هذا الزمان، مع كثرة دعاة الفتن والفساد، [وكثرة دواعيه]، وانتشارها، وكثرة وسائلها، وسهولة حصولها في كل مكان [إلاّ من رحمه الله تعالى]. ولا يخفى بتخصيص الاستعاذة من هذه الجوارح لما فيها من مناط الشهوة، ومثار الّلذة؛ ولأنها أصل كل شرٍّ وقاعدته ومنبعه؛ فإن اللَّه الحكيم جلّ قدره خلق هذه الآلات والحواس للانتفاع بها في منابع الخير، كالطاعات، وسبل الخيرات، والتأمّل في الآفاق من عجائب [قدرة اللَّه ]، واستعمالها في الوقاية من الشرور والمعاصي، المؤدّية إلى الهلكات في الدنيا والآخرة. ٧٦ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ)) (١).

стр. 361

المفردات: البَرَصُ: داءٌ معروف، نسأَل الله العافيةَ منه، ومن كل داءِ، وهو بياض يقع في الجسد (١)، مما يغير الصورة والشكل. الجنون: زوال العقل. الجذام: علة تسقط الشعر وتفتت اللحم وتجري الصديد مما ينفر الناس منه لبشاعته. سيئ الأسقام: الأمراض القبيحة الرديئة (٢). الشرح: استعاذ النبي ﷺ من الأمراض التي تُغيّر في الخِلْقة؛ لشدة فظاعتها، ونفورها عند الناس، فاستعاذ ﷺ منها: قوله: ((من البرص)): وهو مرض يُظهر في الأعضاء بياضاً غريباً رديئاً يُغيّر في الخلق، والصورة، والشكل، فينظر الناظر إليها، فيحصل للمصاب منها الحزن والهمّ والكدر. قوله: ((الجنون)): استعاذ ﷺ من ((الجنون)): وهو ذهاب العقل، وهو على درجات مختلفة من ذلك، ولا يخفى علينا أهمية الاستعاذة منه كذلك.

стр. 362

قوله: ((الجذام)): وهو مرض خطير، وشديد، ومعدٍ بقدرة اللَّه تعالى، يحصل بسببه سقوط الشعر، وتقطع الأعضاء، واللحم، ويجري الصديد منه، مما ينفّر منه الناس لشدة فظاعته، وسوء منظره، ويوضع صاحبه في معزل عن الخلق، نسأل اللَّه السلامة، والعافية. وقوله: ((ومن سيئ الأسقام)): أي الأمراض الخطيرة الرديئة: كالفالج، والسل، والأمراض المزمنة، مع اختلاف أنواعها، وكأمراض هذا الزمان مثل: السرطان، والإيدز، وغير ذلك، والعياذ باللَّه، ولم يستعذ ﷺ من كل الأمراض؛ لأن منها ما إذا تحامل عليها العبد على نفسه بالصبر خفّت مؤنته كالحمى، والصداع، والرمد، أما تلك الأمراض المزمنة؛ فإن العبد قد لا يؤمن عليه السخط، والوقوع في الأمور غير المحمودة، في أمور دينه، ويفرّ منه الصديق، والحميم، والأنيس، والمداوي، والاستعاذة ((من سيئ الأسقام)): مع دخول الثلاثة ((البرص، والجنون، والجذام)) فيها هو من عطف العام على الخاص لكونها أبغض شيء إلى العرب، لما تفسد هذه الأمراض الخلقة، وتورث الآفات والعاهات، ولذا عدّوا من شروط الرسالة: السلامة ممّا ينفر منه الخَلْق ويشوِّه الخُلُق (١). ٧٧ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ ،

стр. 363

وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ)) (١). المفردات: منكرات: المنكر كل فعل تتفق في استقباحه العقول، وتحكم بقبحه الشريعة. الأهواء: هي الزيغ والانهماك في الشبهات والشهوات. الأدواء: جمع داء، وهو السقم والمرض (٢). الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق)): أي يا اللَّه أجرني من الأخلاق السيئة التي ينكرها العباد، كالحقد، والحسد, [والكبر]، والبخل, والجبن, وسوء اللسان من: السب، والشتم، والقذف، والتعدي بالجوارح: بالضرب باليد، أو الرجل؛ فإن الأخلاق المنكرة سببٌ لجلب كل شر، ودفع كل خير. قوله: ((والأعمال)): أي أعوذ باللَّه من الأعمال السيئة: كالقتل، والزنى، وشرب الخمر، والسرقة, والبطش, والتعدي, والظلم بغير حق، وغير ذلك. قوله: ((الأهواء)): جمع هوى، وهو هوى النفس, وميلها إلى

стр. 364

المستلذات, والانهماك في الشهوات الباطلة, والاستعاذة كذلك من الزيغ والضلالات الفاسدة في الاعتقادات، والشبهات فإن الشر كل الشر أن يكون الهوى يُصيِّر صاحبه باتباعه كالعابد له, فلا شيء في الشر أزيد منه؛ لأنه يضيع الدنيا والدين والعياذ باللَّه، قال اللَّه : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (١)، وهوى الشبهات أشد وأخطر من هوى الشهوات. قوله: ((والأدواء)): [جمع داء، وهو المرض، والمعنى:] أعوذ بك من منكرات الأسقام، والأمراض الخطيرة, مثل الجذام، والبرص، والسل، والسرطان والأيدز، وغير ذلك، فهذه كلها بوائق الدهر, وإنما استعاذ ﷺ من هذه الأربع المنكرات؛ لأن ابن آدم لا ينفك منها في تقلبه في ليله ونهاره (٢). ٧٨ - ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي)) (٣). المفردات: العفوُّ: أصله المحو والطمس: مأخوذ من عفت الرياح الآثار إذا

стр. 365

أخفتها ومسحتها (١)، وهو من صيغ المبالغة على وزن ((فعول)) وهو اسم من أسماء اللَّه الحسنى يدل على سعة صفحه عن ذنوب عباده مهما كان شأنها إذا تابوا وأنابوا. الكريم: هو البهي الكثير الخير، العظيم النفع (٢). الشرح: في تعليم النبي ﷺ لهذا الدعاء , دون غيره في هذه الليلة المباركة [ليلة القدر، كما دلّ على ذلك حديث عائشة ﵂] يدل دلالة واضحة على أهميته، فالعفو هو سؤال اللَّه التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه. قال القرطبي رحمه اللَّه تعالى: ((العفو، عفو اللَّه عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها، بخلاف الغفران، فإنه لا يكون معه عقوبة البتة)) (٣). قوله: ((تحب العفو)) أي أن اللَّه تعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب من عبيده أن يتعبَّدوه بها، والعمل بمقتضاها وبمضامينها [ويحب اللَّه تعالى العفوَ من عباده بعضهم عن بعض فيما يحب اللَّه العفو فيه]. وهذا المطلب في غاية الأهمية، وذلك أن الذنوب إذا تُرِكَ العقاب عليها يأمن العبد من استنزال اللَّه تعالى عليه المكاره والشدائد، حيث إن الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب في إنزال

стр. 366

المصائب، وإزالة النعم في الدنيا، أما الآخرة فإن العفو يترتب عليه حسن الجزاء في دخول النعيم المقيم. ولا يخفى في تقديم التوسل باسمين كريمين للَّه تعالى قبل سؤاله له أهميّة جليلة في إعطاء المرجوّ منه تعالى. ٧٩ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ)) (١). قال النبي ﷺ : ((إنها حق , فادرسوها ثم تعلموها)) (٢). الشرح: هذا الدعاء المبارك الذي بين يديك يا عبد اللَّه، هو من أجمع الأدعية وأكملها، وأجلّها قدراً وشأناً؛ لتضمّنه سؤال اللَّه تعالى

стр. 367

التوفيق إلى القيام بأفضل الأعمال من الصالحات, وسؤاله الوقاية من كل المنكرات والسيئات، والفتن والمحن في الدين والمعاش، والمعاد، فينبغي للعبد الإكثار منه, وفهم مقاصده ومدلولاته، والعمل بمضامينه؛ فإن من [تعلَّمه] وعمل به نال السعادة والهنا في الدنيا، والبرزخ، والآخرة، فمن جلالة هذا الدعاء، وعلو مكانته أن اللَّه ﵎ أمر حبيبه النبي ﷺ حينما رآه في المنام، ورؤية الأنبياء حق فقال له: ((يا محمد، إذا صليت فقل: اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ))، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا))، فأمر ﷺ بمدارسته وتعلّم معانيه ومقاصده، فدلّ على خصوصية هذا الدعاء على غيره لهذه الأمور كما ترى. قوله: ((اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات)) تضمّن هذا السؤال طلب كل خير، وترك كل شرّ؛ فإن الخيرات: تجمع كل ما يحبه اللَّه ﷻ ، ويُقرّب إليه من الأعمال والأقوال، ومن الواجبات والمستحبات. والمنكرات: تشمل كل ما يكرهه اللَّه تعالى، ويباعد عنه من الأقوال والأعمال، فمن تحصَّل له هذا المطلوب، حصل له خير الدنيا والآخرة , وهذا من الجوامع التي أوتيها النبي ﷺ ؛ فإنه كان يحبّ مثل هذه الأدعية الجامعة، كما في حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

стр. 368

أنها قالت: ((كان النبي ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك)) (١). قوله: ((وحُبَّ المساكين)): حب المساكين يدخل من جملة فعل الخيرات، وإنما أفرده بالذكر، وهو ما يُسمّى بعطف الخاص على العام لشرفه وقوة العناية والاهتمام به، فقد سأل النبي ﷺ اللَّه أن يجعله منهم، ويرزقه الحشر والوفاة معهم ((اللَّهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)) (٢). وحب المساكين هو أصل الحب في اللَّه تعالى؛ لأنه ليس عندهم من الدنيا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا للَّه ، والحب في اللَّه من أوثق عُرى الإيمان، وهو أفضل الإيمان، قال النبي ﷺ : ((من أحب للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه، فقد استكمل الإيمان)) (٣)، وتذوق حلاوة الإيمان, قال النبي ﷺ : ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ

стр. 369

فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) (١)، ووصَّى أمَّنا أمَّ المؤمنين الصدِّيقة بنت الصدِّيق عائشة ﵄ فقال لها: ((يا عائشة أحبِّي المساكين، وقرّبيهم، فإن اللَّه يقربك يوم القيامة)) (٢). قوله: ((وأن تغفر لي، وترحمني))، سأل المغفرة والرحمة لأنهما يجمعان خير الآخرة كله، فبالمغفرة يأمن العبد من العذاب، وكل شرٍّ، وأما الرحمة فهي دخول الجنة، وعلوّ درجاتها، فجميع ما في الجنة من النعيم بالمخلوقات فإنه من رحمته تعالى، قال النبي ﷺ : ((إن اللَّه يقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي)) (٣) أن تستر عليَّ ذنوبي، وتمحوها، وأن ترحمني بتوالي نعمك عليَّ في الدنيا والآخرة، وأن توفقني إلى التوبة وتقبلها مني. قوله: ((وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون)): وإذا أردت أن توقع بقوم فتنة وعقوبة في الدين، أو عقوبة دنيوية من

стр. 370

البلايا والمحن والعذاب، فتوفّني إليك قبل وقوعها، وافتتان الناس بها؛ فإن المقصود من هذا الدعاء العظيم السلامة من الفتن طول الحياة، والنجاة من الشر كله قبل حلوله، ووقوعه، وبأن يتوفّاه اللَّه تعالى سالماً معافىً قبل حلول الفتن، وهذا لا شك من أهم الأدعية لأنه من أعظم المنى أن يحيى المؤمن معافىً سليماً مدة حياته من الفتن والمحن، ثم يقبضه اللَّه تعالى إليه قبل وقوعها؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أصحابه أن ((يتعوّذوا باللَّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن)) (١). وفيه جواز الدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين، كما جاء عن النبي ﷺ قال: ((اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَاب)) (٢). قوله: ((وأسألك حُبك)) ثم شرع في سؤال أعظم المطالب، وأسمى المراتب، وأغلى الأماني، فقال: ((وأسألك حُبك)): أي أسألك حبّك إيّاي، وهذا أعظم مطلوب أن يكون العبد محبوباً عند اللَّه ، وتضمن سؤاله حبه تعالى، سؤال محبة العبد لربه تعالى، أي وأسألك حبي إياك، فلا يكون شيء أحب إليَّ منك، فدلّ هذا الدعاء العظيم من أجلِّ الأدعية لتضمّنه جوامع الكلم؛ لأنه يجمع كل خير، فإذا كانت محبّة

стр. 371

اللَّه تعالى ثابتة في قلب العبد نشأت عنها حركات الجوارح، فكانت بحسب ما يحبه اللَّه تعالى ويرتضيه، فأحب ما يحبه اللَّه تعالى من الأعمال، والأقوال كلها ففعل حينئذ الخيرات كلها، وترك المنكرات كلها، وهذا كمال العبودية للَّه تعالى رب العالمين، ومن طلب محبة اللَّه أعطاه اللَّه تعالى فوق ما يريده من الدنيا تبعاً. فمن رزق هذه المحبة كانت كل أعماله، وأقواله، وأفعاله مسددة على مراد اللَّه تعالى، فيُجعل له الحب والقبول في الأرض، وفي السماء كما في الصحيح (١). قوله: ((وحبّ من يحبُّك))، وأسألك حب من يحبك من الأنبياء والعلماء والصالحين. قوله: ((وحّب عمل يقرّبني إلى حبك)) أي وأسألك أن توفّقني إلى أحب الأعمال الصالحة التي تقرّبني إلى حبّك، فمن رزق هذه المحابّ فاز في الدنيا والآخرة. وفي سؤال هذه المحاب وهي داخلة في صدر الدعاء ((فعل الخيرات)) هو من عطف الخاص على العام لجلالة شرف وقوة الاهتمام بهذه المطالب المهمة من المحاب، وأنها هي أصل فعل الخيرات كلها، ومنتهاها وجماعها إليها.

стр. 372

ثم أمر النبي ﷺ بفهمها والعمل بمقتضاها، وذلك لعظم شأنها لما حوته من المطالب، والمقاصد الجليلة في الدنيا والآخرة، وأنه ينبغي العناية بفهم الألفاظ، واستحضار المعاني عند السؤال، فإن ذلك أرجى في قبول الدعاء، وأكثر أثراً في النفس، وتذوق حلاوة الإيمان، ولذَّة مناجاة اللَّه ﵎. ٨٠ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ [مَا اسْتَعَاذَ بِكَ] [مِنْهُ] عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا)) (١).

стр. 373

الشرح: هذا الدعاء العظيم الذي بين يديك أطلق عليه سيد الأولين والآخرين، بعد أوصاف كمالٍ وجلالٍ: أنه من ((الكوامل الجوامع)) (١) الذي ليس بعده مبنى يفيد في معنى الكمال في سعة المعنى، وشموله، واحتوائه على أجلّ المقاصد، وأعلى المطالب منه، حيث أمر به ﷺ إلى أحب أزواجه، وابنة أحب رجاله، فما من خير يتمناه العبد ما علمه وما لم يعلمه في دينه ودنياه وآخرته إلا وقد دخل فيه، وما من شرٍّ يخافه العبد مما علمه، ومما لم يعلمه في دنياه وآخرته إلا وقد دخل في الاستعاذة منه, وغير ذلك أنه من دعا به فقد كفاه ما دعا به سيد الأولين والآخرين طول حياته في سرِّه وعلانيته، فأظنك يا عبد اللَّه قد علمت لماذا وصفه ﷺ بأنه من الكوامل الجوامع، بعد كل هذه المزايا ينبغي للعبد أن يفرّ إليه في كل أحواله في أدعيته في ليله ونهاره، وفي سفره وحضره، مع قلّة ألفاظه، وجزالة معانيه، وعذوبة كلماته، التي تجعلك يا عبد اللَّه أن تتشبّث به. قوله: ((اللَّهمّ إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم)): أي يا اللَّه أعطني من جميع أنواع الخير مطلقاً في

стр. 374

الدنيا والآخرة ما علمت منه وما لم أعلم، والتي لا سبيل لاكتسابها بنفسي إلا منك (١) , فأنت تعلم أصلح الخير لي في العاجل والآجل. قوله: ((وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه، وما لم أعلم)): أي: اللَّهمّ أجرني واعصمني من جميع الشرور العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة، الظاهرة منها والباطنة، والتي أعلم منها، والتي لا أعلمها؛ فإن الشرور إذا تكالبت على العبد أهلكته. قوله: ((اللَّهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك)): تأكيد لما قبله، وتفضيل لاختيار الرسول على اختيار الداعي، لكمال نصحه، وحرصه على المؤمنين من أنفسهم، وهذا الدعاء الجليل، يتضمن كل ما فات الإنسان من أدعية عن النبي ﷺ التي لم تبلغه أو لم يسمع بها، فهو يسأل كل ما سأله النبي ﷺ بأوجز لفظ، وبأشمل معنى. قوله: ((وأعوذ بك من شر ما استعاذ به عبدُك ونبيُّك)): وهذا كسابقه، فذاك في [سؤال] الخير، وهذا في الاستعاذة من الشر، ويدخل كذلك كل شر ما استعاذ منه الرسول ﷺ . قوله: ((اللَّهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل)): أي وفقني يا اللَّه إلى الأسباب القولية والفعلية الموصلة إلى الجنة،

стр. 375

وهذا الدعاء فيه تخصيص الخير الذي سأله من قبل؛ لأن هذا الخير هو أعظمه، وأكمله، وهو الجنة، فلا خير أعظم منها [إلا رضى اللَّه، والنظر إلى وجهه الكريم]. قوله: ((وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل)): أي قني واعصمني من الوقوع في الأسباب الموجبة لدخول النار، سواء كانت [اعتقادية، أو] قولية أو فعلية، وهذا الدعاء فيه تخصيص من الشر المستعاذ منه من قبل، والعياذ باللَّه، فهي أشد الشر وأخطره، فما من شر أشد منها. قوله: ((وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً))، وفي رواية وهي مفسرة للرواية الأخرى: ((وَمَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ لِي رَشَدًا)) (١): أي أسألك يا اللَّه أن تكون عواقب كل قضاء تقضيه لي خيراً، سواء كان في السراء أو الضراء، وافق النفس أو خالفها؛ لأن كل الفوز والغنيمة في الرضا بقضائك؛ فإنك لا تقضي للمؤمن إلا خيراً، قال النبي ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن

стр. 376

أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)) (١). ٨١ - ((اللَّهُمَّ احْفَظنِي بالإِسْلاَمِ قائِماً، واحْفَظْنِي بالإِسْلاَمِ قاعِداً ، واحْفَظنِي بالإِسْلاَمِ راقِداً، ولا تُشْمِتْ بِي عَدُوّاً ولا حاسِداً. اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ مِنْ كُلِّ خَيْر خزائِنُهُ بِيَدِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرَ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ)) (٢). المفردات: تشمت: الشماتة هي الفرح ببلية العبد. حاسداً: الحسد تمني زوال نعمة المحسود. الخزائن: جمع خزينة وهي ما يحفظ فيه، ويودع من الذخائر (٣). الشرح: قوله: ((اللَّهم احفظني بالإسلام قائماً)): أي اجعلني يا الله متمسكاً بالإسلام حال قيامي. قوله: ((واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً)) أي في حال كوني قاعداً، وحال كوني راقداً، أي في جميع الأحوال،

стр. 377

حيث إن هذه الأحوال متقلب الإنسان كلها، ففيه سؤال اللَّه أن يجعله متمسكاً بالإسلام في كل أحواله، والموت عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). قوله: ((ولا تشمت بي عدواً ولا حاسداً)): أي أسألك يا اللَّه ألا تجعل عدوي يفرح ببلية تنزل عليَّ، ولا حاسداً يتمنى زوال نعمتي، فيسوء عيشي. قوله: ((اللَّهم إني أسألك من كلِّ خير خزائنه بيدك)): فيه سؤال اللَّه تعالى من كل أنواع الخير، وأقسامه المخزونة عنده جل وعلا، ما علمناها، وما جهلناها. قوله: ((وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك)): أي أستعيذ بك من كل الشرور وأنواعها، مما أعلمها، ومما لا أعلمها. ٨٢ - ((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّاتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا

стр. 378

أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا)) (١). المفردات: اقسم: قسمة ونصيباً. قلَّمَا: تدل على القلة والندرة. تهون: أي سهل وخفف. خشيتك: الخشية الخوف مقترن بالتعظيم. الثأر: الذحل ... والطَّلَبُ بالدَّمِ، وقيل الدم نفسه (٢). تبلغنا: توصلنا. ما يحول: ما يحجب ويمنع. واجعله الوارث منا: كناية عن الاستمرارية إلى آخر العمر. اليقين: هو استقرار العلم الذي لا يتقلب، ولا يحول، ولا يتغيّر، وهو أعلى درجات الإيمان، فهو إيمان لا شك فيه (٣). هذه الدعوة جامعةٌ لأبواب الخير والسعادة في الدنيا والآخرة،

стр. 379

فقد جمعت من مقاصد ومطالب جليلة فيما يحتاجه العبد في دينه ودنياه، ومعاده؛ لهذا كان ﵊ نادراً ما يقوم من مجلس إلا وقد رطب لسانه من هذه الكلمات، والدعوات الجميلة، [فقد ذكر الترمذي وغيره عن خالد بن أبي عمران أن ابن عمران قال: ((قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه)) الحديث] (١). فيحسن بالعبد أن يتعلم معانيها، ويعمل بمقاصدها ويكثر منها، خاصة في المجالس اتباعاً واقتداء بالنبي ﷺ . الشرح: قوله: ((اللَّهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك)): اللَّهم اجعل لنا حظَّاً ونصيباً من خوفك المقترن بتعظيمك وإجلالك، ما يكون حاجزاً لنا ومانعاً من الوقوع في المعاصي والذنوب والآثام، وهذا فيه دلالةٌ على أن خشية اللَّه هي أعظم رادع وحاجز للإنسان عن الوقوع في الذنوب؛ ولهذا كان العلماء هم أكثر خشية للَّه جل وعلا لمعرفتهم وعلمهم باللَّه جل وعلا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)، فكلما ازدادت معرفة العبد باللَّه بما له من الأسماء الحسنى والصفات العُلا، امتلأ القلب خشية، وأحجمت الأعضاء، والجوارح، جميعها

стр. 380

عن ارتكاب المعاصي. قوله: ((ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك)): ويسر لي من طاعتك ما يكون سبباً لنيل رضاك، وبلوغ جنتك العظيمة، التي أعددتها لعبادك المتقين (١). قوله: ((ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا)): أي اقسم لنا من اليقين الذي هو أعلى الإيمان، وأكمله، كما قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁ اليقين: هو الإيمان كله (٢). فهو إيمان لا شك فيه، ولا تردد، فالغائب عنده كالمشاهد من قوته، قال سفيان الثوري: لو أن اليقين وقع في القلب، لطار اشتياقاً إلى الجنة وهروباً من النار (٣). فنسألك من اليقين ما يكون سبباً لتهوين المصائب والنوازل التي تحل علينا، واليقين كلما قوي في الإنسان كان ذلك فيه أدعى إلى الصبر على البلاء؛ لعلم الموقن أن كل ما أصابه إنما هو من عند

стр. 381

اللَّه (١) الحكيم العليم، فيرضى ويسلم ويكون برداً وسلاماً على قلبه. قوله: ((ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا)): أي أدم عليَّ السمع والبصر وسائر قواي أتمتع بها في مدة حياتي؛ لأنها الدلائل الموصلة إلى معرفتك وتوحيدك، من البراهين المأخوذة: إما من الآيات المنزلة وطريق ذلك السمع، أو من الآيات في الآفاق والأنفس، وطريق ذلك البصر (٢). قوله: ((وأجعله الوارث منا)): اجعل يا اللَّه تمتعنا بالحواس والقوى صحيحة وسليمة إلى أن نموت، وقوله ((وقواتنا ما أحييتنا)): أي متعنا بسائر قوانا من الحواس الظاهرة والباطنة، وكل أعضائنا البدنية، سأل التمتع بكامل قواه طول حياته إلى موته؛ لأن الضعف وسقوط القوة في الكبر يضرُّ الدين والدنيا مما لا يخفى (٣). قوله: ((الوارث منا)): يحتمل معنيين: الأول: الباقي بعدنا؛ لأن وارث المرء إلا الدين يبقى بعده، ومعنى بقائه دوامه إلى يوم الحاجة إليه، والثاني: الذي يرث ذكرنا فنذكر به بعد انقضاء الآجال وانقطاع الأعمال، وهذا المعنى سؤال خليل الرحمن: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٤).

стр. 382

قوله: ((واجعل ثأرنا على من ظلمنا)): أي وفقنا للأخذ بثأرنا ممن ظلمنا، دون أن نتعدَّى فنأخذ بالثأر من غير الظالم. قوله: ((وانصرنا على من عادانا)): تعميم بعد تخصيص أي اكتب لنا الظفر والفوز على من تعدَّى علينا بغير حق. قوله: ((ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)): أي لا تُصيبنا بما ينقص ديننا ويذُهبه من اعتقاد سيئ، أو تقصير في الطاعات، أو فعل المحرمات، أو كتسليط الكفار، والمنافقين، والظلمة على أهل الدين والإيمان؛ لأن مصيبة الدين هي أعظم المصائب، التي لا تنجبر ولا يُعوِّض عنها، خلاف مصائب الدنيا. قوله: ((ولا تجعل الدنيا أكبر همنا)): أي لا تجعل أكبر قصدنا وتعلقنا، وحزننا لأجل الدنيا؛ فإن من كان أكبر همه الدنيا كان في معزل عن الآخرة، بل اجعله مصروفاً في عمل الآخرة، وفي هذا دليل على أن القليل من الهمّ لابُدَّ منه في الدنيا ويُرخص فيه (١). قوله: ((ومبلغ علمنا)): أي لا تجعل أكثر علمنا وتفكيرنا في أحوال الدنيا كالكافرين، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٢)﴾. قوله: ((ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا)): أي لا تجعلنا مغلوبين

стр. 383

من الكفار، والظلمة، والفجرة، بتوليتهم علينا، فيكونوا سبباً لتعذيبنا في ديننا ودنيانا، ويجوز حمله على ملائكة العذاب في القبر، أو في النار، ولا مانع من إرادة الجميع، واللَّه تعالى أعلم (١). ويحسن بالداعي أن يستحضر كل هذه المعاني حال دعائه. ولقد بيَّن اللَّه تعالى في عدة آيات سؤال الأنبياء والمؤمنين السلامة من الظالمين والكافرين كما ذكر اللَّه عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، وإبراهيم والذين معه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، ونبينا محمد ﷺ : ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). ٨٣ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)) (٥). الشرح: قوله: ((من البخل)): الذي هو ضد الكرم؛ لأنه يؤدي إلى عدم

стр. 384

الوفاء بكثير من الواجبات المالية، كالزكاة، والإنفاق على من يلزم عليه الإنفاق، كالوالدين، والزوجة، والذرية، وغير ذلك. قوله: ((من الجبن))، وهو المهابة للأشياء، والتأخّر عن فعلها، وهو ضد الشجاعة؛ لأنه يؤدّي إلى عدم الوفاء بكثير من الواجبات كفرض الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، والصَّدْع بالحق، وإنكار المنكر، وكذلك عدم الجرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وبشجاعة النفس وقوتها تتم العبادات على أكمل وجه، ومن ذلك نصرة المظلوم، والجهاد في سبيل اللَّه. قوله: ((أن أُردَّ إلى أرذل العمر)): أن يُردَّ إلى أرذل العمر، وهو البلوغ إلى حدٍّ في حالة الكبر، وهو ما يسمى بالخرف، يعود معه كالطفل في سخف العقل، وقلّة الفهم، وضعف القوة البدنية والعقلية، فيصبح عالة على غيره. قوله: ((من فتنة الدنيا)): أي الافتتان بالدنيا في شهواتها وغرورها، فإنها تنسي الآخرة، وتدخل في هذه الاستعاذة المهمّة كل الفتن حال الحياة في هذه الدار. قوله: ((من عذاب القبر)) مما يعرض له عند مساءلة الملكين، وما ينشأ عنهما من فتنة عظيمة، ومشاهدة أعماله السيئة في أقبح صورة كما ثبت، وضيقه، وضمّته، فعذاب القبر ينشأ بعد فتنة الملكين، فتضمّن السؤال سؤال اللَّه تعالى العصمة منه بالتوفيق إلى صالح

стр. 385

الأعمال المانعة من عذابه. ٨٤ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي، وَخَطَئي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي)) (١). المفردات: الإسراف: مجاوزة الحدِّ في كل شيء. الشرح: هذا الدعاء من أجمع الأدعية في الاستغفار؛ لأنه دعاء بألفاظ التعميم، والشمول، مع البسط والتفصيل بذكر كل معنى بصريح لفظه، دون الاكتفاء بدلالة اللفظ الآخر عليه؛ ليأتي الاستغفار على ما علمه العبد من ذنوبه، وما لم يعلمه، ومعلوم أنه لو قيل: اغفرلي كلَّ ما صنعت؛ لكان أوجز، ولكن ألفاظ الحديث في مقام الدعاء والتضرّع، وإظهار العبودية والافتقار لربّ العالمين، واستحضار الأنواع التي يتوب العبد منها تفصيلاً أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار (٢)؛ ولهذا يحسن العناية والتدبير واستحضار المعاني عند

стр. 386

الدعاء بها؛ لأن ذلك يورث أثراً عظيماً طيباً في النفس، ويورث الخشوع، والخضوع، والتذلّل بين يدي اللَّه تعالى، وهذا من كمال العبودية لله رب العالمين، يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: ((في باب الدعاء ينبغي البسط لأربعة أسباب: السبب الأول: أن يستحضر الإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه . السبب الثاني: أن الدعاء مخاطبة للَّه -، وكلَّما بسط الإنسان مع اللَّه تعالى في المخاطبة، كان ذلك أشوقَ وأحبَّ إليه ممّا دعا على سبيل الاختصار. السبب الثالث: أنه كلما ازداد دعاء، ازداد قربه إلى اللَّه -. السبب الرابع: أنه كلما ازداد دعاء، كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربه ... )) (١). والمعنى: يا اللَّه اغفر لي ذنوبي كلَّها: صغيرها وكبيرها، ما صدر عنِّي من جهل نفسي، ومجاوزتي للحدِّ في كلِّ شيء، اللَّهم اغفري ذنوبي كلَّها مما علمتها، ومما لم أعلمها، في حال جدّي، وهزلي، وفي حال خطئي وتعمّدي، فأنا متّصفٌ بكلّ هذه الذنوب ومُقِرٌّ بها. قوله: ((وكل ذلك عندي)): إقرار العبد لربه بكثرة الذنوب، ((ومتحقّق لها، فهو كالتذييل للسابق: أي أنا متصف بهذه الأشياء

стр. 387

فاغفرها)) (١)، فدلّ على أن إقرار العبد على نفسه بالتقصير من أسباب قبول توبته ومغفرته لذنوبه، واللَّه أعلم. ٨٥ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ . فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) (٢). المفردات: ظلمت نفسي: الظلم: وضع الشيء في غير محلّه، وهو على مراتب: أعلاها الشرك، ويندرج تحته الذنوب الكبيرة والصغيرة (٣). فاغفر لي: الغفر: الستر والتغطية، مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على رأس المحارب لحمايته من الضرب، فهو وقاية وحماية. الغفور: اسم من أسماء اللَّه الحسنى العظيمة، وهو من أبنية المبالغة؛ لأنه يفعل ذلك بعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يُحصى، والمعنى: الذي يكثر منه ستر الذنوب لعباده المؤمنين، والتجاوز عنها.

стр. 388

الرحيم: اسم من [أسماء اللَّه الحسنى] الكريمة الدالة على كثرة الرحمة، والتعطف على عباده المؤمنين، وفي تعليم النبي ﷺ لأبي بكر هذا الدعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا الزائلة، وخصّ الدعاء بالصلاة؛ لأنها بالإجابة أحقّ، فهي محلّ المناجاة بين العبد وخالقه، ولا يخفى اختيار الحبيب للحبيب في مناجاة السميع القريب له دلالة على عظم شأن هذا الدعاء، فيجدر بنا العناية به استناناً واقتداءً بالحبيب ﷺ . الشرح: هذا الحديث عظيم القدر، من تدبَّره وتمعَّن فيه ظهر له من جلالته؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، والإقرار بنهاية الكمال لله تعالى، وطلب العفو، والتجاوز الموصل إلى حصول النعيم الأبدي. قوله: ((اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)): هذا اعتراف من العبد إلى ربه بالتقصير بملابسته ما يستوجب العقوبة أو النقص، وإن الإنسان لا يعرى عن التقصير ولو كان صدّيقاً. قوله: ((ظلماً كثيراً))، أكده بالمصدر، ووصفه زيادة في التذلّل والخضوع للمولى )) (١). وهذا تعليم للداعي أنه ينبغي حالة دعائه أن يظهر غاية التذلّل والخضوع لربه؛ فإن ذلك أقرب للإجابة، وأكثر ثواباً وجزاء.

стр. 389

((وفيه دليل على أن الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربه تعالى في كل أحواله، وإن كان من أهل الاجتهاد في العبادة في أقصى غاية، إذ كان الصدِّيق مع موضعه في الدِّين لم يسلم مما يحتاج إلى الاستغفار إلى ربه تعالى منه)) (١)، فمن باب أولى من كان دونه. قوله: ((ولا يغفر الذنوب إلا أنت)): أي لا أحد يقدر على ستر الذنوب، والتجاوز عنها إلا أنت وحدك، ففيه الإقرار بالوحدانية للَّه تعالى، واستجلاب المغفرة منه. قوله: ((فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني)): دلّ تنكير ((مغفرة)) على أن المطلوب غفران عظيم، لا يُدرك كنهه، ووصفه بكونه من عنده بيان لذلك العظم؛ لأن الذي يكون من عند اللَّه تعالى لا يحيط به وصف، وفيه إشارة إلى طلب مغفرة متفضّل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره. والمعنى: هبْ لي مغفرة تفضلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي؛ لهذا أضافها إليه ((من عندك)) فإنها تكون أعظم وأبلغ، فإن عظم العطاء من عظم المُعطي (٢). وقدّم ((ظلمت نفسي)): وهو الاعتراف بالتقصير والذنب على سؤال المغفرة، فاغفر لي أدباً جميلاً، كما قال ذلك أبوانا: آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ

стр. 390

الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ولا يخفى حسن ترتيب هذا الحديث، حيث قدّم الاعتراف بالذنب، ثم الوحدانية، ثم سؤال المغفرة؛ فإن الاعتراف بذلك أقرب إلى العفو والثناء على السيد بما هو أهله، وأرجى لقبول سؤاله. قوله: ((إنك أنت الغفور الرحيم)): إنك أنت مشعر بالتعليل، أي اغفر لي، وارحمني لأن من دعاك يا ربنا، ولجأ إليك، وسألك المغفرة والرحمة، تغفر له وترحمه؛ لأنك كثير المغفرة، وكثير الرحمة بنا يا ربنا، ف تضمّن هذا الدعاء الجليل توسلين عظيمين: ١ - توسل بظلم النفس بتقصيرها وضعفها ، وهو من التوسّلات الجليلة التي يحبها اللَّه كما سبق. ٢ - توسّل بأسماء اللَّه تعالى الحسنى ، ولا يخفى بحسن الختام مقابلةً في السؤال والطلب فـ (اغفر لي) مناسب (للغفور)، و (الرحيم) مناسب لـ (وارحمني)، وهو مناسب ما أمر اللَّه تعالى به في الدعاء بأسمائه الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢). قال الكرماني: هذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة بستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات [ولا شك، ولا ريب أن رحمة اللَّه صفة
следующие страницы →