← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الدعاء بها؛ لأن ذلك يورث أثراً عظيماً طيباً في النفس، ويورث الخشوع، والخضوع، والتذلّل بين يدي اللَّه تعالى، وهذا من كمال العبودية لله رب العالمين، يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: ((في باب الدعاء ينبغي البسط لأربعة أسباب: السبب الأول: أن يستحضر الإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه . السبب الثاني: أن الدعاء مخاطبة للَّه -، وكلَّما بسط الإنسان مع اللَّه تعالى في المخاطبة، كان ذلك أشوقَ وأحبَّ إليه ممّا دعا على سبيل الاختصار. السبب الثالث: أنه كلما ازداد دعاء، ازداد قربه إلى اللَّه -. السبب الرابع: أنه كلما ازداد دعاء، كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربه ... )) (١). والمعنى: يا اللَّه اغفر لي ذنوبي كلَّها: صغيرها وكبيرها، ما صدر عنِّي من جهل نفسي، ومجاوزتي للحدِّ في كلِّ شيء، اللَّهم اغفري ذنوبي كلَّها مما علمتها، ومما لم أعلمها، في حال جدّي، وهزلي، وفي حال خطئي وتعمّدي، فأنا متّصفٌ بكلّ هذه الذنوب ومُقِرٌّ بها. قوله: ((وكل ذلك عندي)): إقرار العبد لربه بكثرة الذنوب، ((ومتحقّق لها، فهو كالتذييل للسابق: أي أنا متصف بهذه الأشياء

стр. 387

فاغفرها)) (١)، فدلّ على أن إقرار العبد على نفسه بالتقصير من أسباب قبول توبته ومغفرته لذنوبه، واللَّه أعلم. ٨٥ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ . فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) (٢). المفردات: ظلمت نفسي: الظلم: وضع الشيء في غير محلّه، وهو على مراتب: أعلاها الشرك، ويندرج تحته الذنوب الكبيرة والصغيرة (٣). فاغفر لي: الغفر: الستر والتغطية، مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على رأس المحارب لحمايته من الضرب، فهو وقاية وحماية. الغفور: اسم من أسماء اللَّه الحسنى العظيمة، وهو من أبنية المبالغة؛ لأنه يفعل ذلك بعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يُحصى، والمعنى: الذي يكثر منه ستر الذنوب لعباده المؤمنين، والتجاوز عنها.

стр. 388

الرحيم: اسم من [أسماء اللَّه الحسنى] الكريمة الدالة على كثرة الرحمة، والتعطف على عباده المؤمنين، وفي تعليم النبي ﷺ لأبي بكر هذا الدعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا الزائلة، وخصّ الدعاء بالصلاة؛ لأنها بالإجابة أحقّ، فهي محلّ المناجاة بين العبد وخالقه، ولا يخفى اختيار الحبيب للحبيب في مناجاة السميع القريب له دلالة على عظم شأن هذا الدعاء، فيجدر بنا العناية به استناناً واقتداءً بالحبيب ﷺ . الشرح: هذا الحديث عظيم القدر، من تدبَّره وتمعَّن فيه ظهر له من جلالته؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، والإقرار بنهاية الكمال لله تعالى، وطلب العفو، والتجاوز الموصل إلى حصول النعيم الأبدي. قوله: ((اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)): هذا اعتراف من العبد إلى ربه بالتقصير بملابسته ما يستوجب العقوبة أو النقص، وإن الإنسان لا يعرى عن التقصير ولو كان صدّيقاً. قوله: ((ظلماً كثيراً))، أكده بالمصدر، ووصفه زيادة في التذلّل والخضوع للمولى )) (١). وهذا تعليم للداعي أنه ينبغي حالة دعائه أن يظهر غاية التذلّل والخضوع لربه؛ فإن ذلك أقرب للإجابة، وأكثر ثواباً وجزاء.

стр. 389

((وفيه دليل على أن الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربه تعالى في كل أحواله، وإن كان من أهل الاجتهاد في العبادة في أقصى غاية، إذ كان الصدِّيق مع موضعه في الدِّين لم يسلم مما يحتاج إلى الاستغفار إلى ربه تعالى منه)) (١)، فمن باب أولى من كان دونه. قوله: ((ولا يغفر الذنوب إلا أنت)): أي لا أحد يقدر على ستر الذنوب، والتجاوز عنها إلا أنت وحدك، ففيه الإقرار بالوحدانية للَّه تعالى، واستجلاب المغفرة منه. قوله: ((فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني)): دلّ تنكير ((مغفرة)) على أن المطلوب غفران عظيم، لا يُدرك كنهه، ووصفه بكونه من عنده بيان لذلك العظم؛ لأن الذي يكون من عند اللَّه تعالى لا يحيط به وصف، وفيه إشارة إلى طلب مغفرة متفضّل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره. والمعنى: هبْ لي مغفرة تفضلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي؛ لهذا أضافها إليه ((من عندك)) فإنها تكون أعظم وأبلغ، فإن عظم العطاء من عظم المُعطي (٢). وقدّم ((ظلمت نفسي)): وهو الاعتراف بالتقصير والذنب على سؤال المغفرة، فاغفر لي أدباً جميلاً، كما قال ذلك أبوانا: آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ

стр. 390

الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ولا يخفى حسن ترتيب هذا الحديث، حيث قدّم الاعتراف بالذنب، ثم الوحدانية، ثم سؤال المغفرة؛ فإن الاعتراف بذلك أقرب إلى العفو والثناء على السيد بما هو أهله، وأرجى لقبول سؤاله. قوله: ((إنك أنت الغفور الرحيم)): إنك أنت مشعر بالتعليل، أي اغفر لي، وارحمني لأن من دعاك يا ربنا، ولجأ إليك، وسألك المغفرة والرحمة، تغفر له وترحمه؛ لأنك كثير المغفرة، وكثير الرحمة بنا يا ربنا، ف تضمّن هذا الدعاء الجليل توسلين عظيمين: ١ - توسل بظلم النفس بتقصيرها وضعفها ، وهو من التوسّلات الجليلة التي يحبها اللَّه كما سبق. ٢ - توسّل بأسماء اللَّه تعالى الحسنى ، ولا يخفى بحسن الختام مقابلةً في السؤال والطلب فـ (اغفر لي) مناسب (للغفور)، و (الرحيم) مناسب لـ (وارحمني)، وهو مناسب ما أمر اللَّه تعالى به في الدعاء بأسمائه الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢). قال الكرماني: هذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة بستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات [ولا شك، ولا ريب أن رحمة اللَّه صفة

стр. 391

من صفاته العظيمة، تليق بجلاله، ومن مقتضاها وآثارها إيصال الخيرات، ودفع النقمات]، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم، وهذا الدعاء الجليل قد جاء بمثيله في تضمّنه لهذه المطالب والمقاصد، من قول النبي ﷺ : ((إِنَّ أَوْفَقَ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، يَا رَبِّ فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، إِنَّكَ أَنْتَ رَبِّي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ إِلَّا أَنْتَ)) (١). وقوله: (أوفق) أي: ((أكثر موافقته للداعي)) (٢)، ولا يخفى في قوله: ((أوفق)) على وزن أفعل يدل على تفضيله، وأهميته في باب الأدعية. ٨٦ - ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ)) (٣).

стр. 392

المفردات: قوله ﷺ : ((لك أسلمت وبك آمنت)): أي لك انقدت، واستسلمت، لحكمك وأمرك، ومن ذلك نطقي بالشهادتين، وبك صدقت بذاتك، وما يليق بها من كمال الصفات، وفيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام، وفي تقديم الجار والمجرور ((لك)) دلالة على الاختصاص، أي أخصّك بالانقياد والاستسلام دون أحد غيرك. ((وعليك توكلت)): فوّضت أموري كلّها إليك. ((وإليك أنبت)): أي أقبلت بعباداتي وطاعتي لك، وأعرضت عما سواك. ((وبك خاصمت)): أي بك أحاج وأدافع، وأقاتل أعداءك بالحجة والبيان والسيف والسنان. ((اللَّهم إني أعوذ بعزتك)): استعاذ بعزته، وهي صفة من صفات اللَّه تعالى الجليلة، وهي مشتقة من اسمه تعالى العزيز، والعزّة يُراد بها ثلاثة معانٍ: عزة القوة والقدرة، وعزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، والرب ﵎ له العزة التامّة بالاعتبارات الثلاثة)) (١).

стр. 393

الشرح: قدم النبي ﷺ في دعائه، جملة من أجلّ العبادات، والمقامات العبودية للَّه تعالى بين يدي دعائه توسلاً عظيماً، من تخصيص العبودية له تعالى من أعمال القلوب، والأركان، فبدأ بالإقرار الكامل له تعالى بالإسلام، والإيمان، والتوكل، والرجوع إليه في كل مهامه وشؤونه الدنيوية، والدينية، والدفاع عنه والمجاهدة لدينه بالحجة والقوة، مقدمة قبل سؤاله؛ ليكون أرجى في القبول، فالوسيلة مقدمة على الوصيلة. قوله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بعزتك)): استعاذ بصفة من صفاته العظيمة وهي العزة الكاملة، فمن أراد العزة فليطلبها منه تعالى، قال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١). ولا تنال العزة إلا بالإيمان بالله تعالى، والخضوع له والتوكل عليه في كل الأمور، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقرن هذه الاستعاذة بـ (لا إله إلا أنت) أي لا معبود بحق إلا أنت مبالغةً في تحقيق العبودية، وطمعاً في الاستجابة: ((أن تضلّني)) أي أن تغويني وتضلّني بعد الهداية، ولا يخفى في تقديم هذه التوسلات من

стр. 394

الأعمال الصالحات، وإثبات الوحدانية لربّ الأرض والسموات، والتوسّل بكمال الصفات في الاستعاذة من الضلالات [أن ذلك] يدلّ على أهمية هذا المطلب، وأنه مطلب خطير، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١)، وقال عز شأنه: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، فدلّ على أن الهداية والضلال بيد الله تعالى رب العالمين. فينبغي للعبد أن يسأل الله تعالى دائماً أن يعصمه من الضلالة، وأن يُديم عليه الهداية إلى أن يلقاه يوم القيامة. وفيه دليل على جواز الاستعاذة بصفة من صفات الله تعالى الجليلة. قوله: ((أنت الحيّ الذي لا يموت والجن والإنس يموتون)) تأكيد لانفراد الله تعالى بالحياة: أي أنت الحيّ لك الحياة الكاملة التي لا يعتريها أي نقص المتصفة بكل كمال، المستلزمة لكل صفات الذات، فحياته تعالى لا يعتريها نوم، ولا نعاس، ولا تبيد، ولا تفنى، والخلق كلهم، ميتون ومنتهون، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ (٤). ففي هذا الدعاء المبارك جمع في بداياته، وطياته ونهاياته، توسلين من التوسّلات العظيمة إلى الله تعالى: التوسّل بالعمل

стр. 395

الصالح [كقوله: ((اللَّهمّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت ... ))]، والتوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا [كقوله: ((أنت الحي الذي لا يموت ... ))]؛ لبيان أهمية الاستعاذة من الضلالة، فإنها تورد الموارد المهلكة، وتضيع الدين والدنيا والآخرة وفي العصمة منها، النجاة من كل مرهوب، وحصول كل مرغوب. ٨٧ - ((اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ)) (١). المفردات: موجبات: بكسر الجيم، جمع موجبة، وهي ما أوجبت لقائلها الرحمة من قربه. عزائم: جمع عزيمة، والعزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر (٢). الشرح: هذا الدعاء من جوامع الكلم التي أوتيها سيد الأولين والآخرين ﷺ ، فإنه سأل أولاً أن يرزقه ما يوجب له رحمته ، من الأقوال، والأفعال، والخصال، فقد دخل بذلك تحت رحمته التي وسعت كل شيء، واندرج في سلك أهلها، وفي عداد مستحقها، ثم سأل اللَّه

стр. 396

تعالى أن يهب له عزماً على الخير يكون سبباً لمغفرته من الأعمال, والأقوال كذلك, ولما كان الإنسان بعد مغفرة ذنوبه لا يأمن من الوقوع في معاصٍ أُخَر، وذنوبٍ مستأنفة، سأل ربه ، أن يرزقه السلامة والحفظ, من كل الذنوب والآثام، كائناَ ما كان، كما دلّ عليه ((كل)) التي تفيد العموم والشمول في كل فرد من أفرادها، ثم سأل ما يكمل له في كمال العبودية من الأعمال الصالحات، ومن ذلك التوفيق إلى كل نوع من أنواع البر، وهو الطاعة، بشتى أنواعها (١)، وكيفياتها، وفي التعبير ((بالغنيمة))، وهو الظفر، ومنه الغنائم في الحرب، وهي ما يصيب المسلمون من أموال أهل الحرب دلالة على شدة العناية، والرجاء في الحصول على هذه [الغنيمة] الجليلة, ثم ختم السؤال والطلب بأغلى مراد مطلوب في الآخرة، وهي الجنة, وسأل السلامة والنجاة من أشد مرهوب في دار الآخرة, وهي النار، والعياذ بالله. ٨٨ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)) (٢). هذه الدعوة المباركة قد جاءت في كتاب ربنا ﵎ , في

стр. 397

دعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (١). وفي دعوة نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). وكذلك في أمر الرب لنبيه ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣). [فدلَّ ذلك] على أهمية هذه الدعوة المباركة, وإنها من سنن الأنبياء والمرسلين؛ ولهذا أمر اللَّه تعالى نبيه بها، فجاءت البشارة من سيد الأولين والآخرين على فضلها، كما في الحديث: ((من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)) (٤). فانظر رعاك اللَّه تعالى إلى عظم هذا الأجر الجزيل، من رب كريم، بالدعاء بكلمات يسيرة تنال هذا الثواب الكبير، فيشمل هذا الاستغفار كل مؤمن ومؤمنة من لدن آدم إلى قيام الساعة، ولك بكل واحد منهم حسنة , والحسنة بعشرة أمثالها: ((هذا أقل ما يكون من التضعيف))، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. ٨٩ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي)) (٥).

стр. 398

الشرح: قوله: ((اللهم)): يا اللَّه بأسمائك الحسنى، وصفاتك العُلا، أسألك أن تستر عليَّ كل ذنوبي، فتمحها، فإن الذنوب إذا تراكمت قَسَّت القلب، وفَسَّدت الحال, والمآل، وأوردت دار البوار. قوله: ((ووسِّع لي في داري)): ووسع محل سكني في الدنيا، لأسعد بالسكن الواسع الهنيء؛ لأن ضيق المرافق والدار يُضيِّق الصدر، ويشتت الأمتعة, ويجلب الهم، ويشغل البال، وقيل المراد القبر: إذ هو الدار الحقيقية، أي فوسع قبري، واجعله روضة من رياض الجنة [ولا مانع من أن ينوي الداعي بذلك هذين الأمرين حتى يحصل على السعادتين]. قوله: ((وبارك لي في رزقي)): أي اجعل رزقي حلالاً طيباً، محفوظاً بالنماء، والزيادة في الخير, ووفقني بالرضا بما قسمته لي, وعدم التفات إلى غيره (١). قوله: ((فهل تراهنَّ تركن شيئاً)): هذا الاستفهام منه ﷺ لبيان أنهن لم يتركن شيئاً من خيري الدنيا والآخرة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ , وذلك أن المغفرة هي تنقية العبد من آثار الذنوب والآثام، وهذا يوصل إلى دخول الجنان, وبسَعَة الدار,

стр. 399

وبركة الرزق الحلال في الحال, يحيى الحياة الطيبة الهنيئة في هذه الدار، وهذه كمال السعادة المرجوة في الدارين. ٩٠ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا إِلاَّ أَنْتَ)) (١). المفردات: ((فضلك)): الفضل هو الزيادة عن الاقتصار (٢). والإفضال: الإحسان, والفواضل: الأيادي الجميلة (٣). الشرح: سأل المصطفى ﷺ من فضل اللَّه كما أمر بذلك: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) أي اسألوا اللَّه تعالى من مزيد إحسانه وإنعامه من أمور الدنيا والآخرة كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء﴾ (٥)، حيث إن الفضل بيده جل وعلا يتصرّف فيه كيف شاء، ويعطيه من شاء, بكمال الحكمة والقدرة, فلا يُسأل إلا منه. قوله: ((اللَّهم إنّي أسألك من فضلك ورحمتك)): أي أسألك يا

стр. 400

اللَّه الزيادة من خيرك وعطائك وآلائك التي لا غنى لي عنها, وأسألك رحمتك التي وسعت كل شيء, أن تسبغ عليَّ من رحماتك، وتعطفك الدائم عليَّ؛ لأنه يا ربي لا غنى لي عن فضائلك ورحماتك طرفة عين. قوله: ((فإنه لا يملكها إلا أنت)): ((أي لا يملك الفضل والرحمة غيرك، فإنك مُقدِّرها ومُرسلها، فلا يطلبان إلا منك)) (١)؛ لأنه هو مالك كل شيء, وله كل شيء، ومقدر لكل شيء، فلا يسأل إلا منه جل وعلا. قوله: ((فأُهديت له شاة مصلية)) يدلّ على سرعة استجابة رب العالمين لنبيه ﷺ يدل على ذلك بـ ((الفاء)) التي تدلّ على التعقيب والترتيب دون مهلة, فأهديت له هذه الشاة مباشرة ترتيباً وتعقيباً على دعائه, وهكذا كل من دعا اللَّه رب العالمين، بحسن ظن ويقين، وصدق في التوجه، أعطاه اللَّه ما سأله في العاجل أو الآجل على مقتضى حكمته, كما بيَّن اللَّه تعالى عن موسى ﵊ حينما قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢)، فكانت الاستجابة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (٣)، ورزقه اللَّه في العاجل والآجل، كما قصّ لنا ربنا في كتابه الكريم.

стр. 401

٩١ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْحَرَقِ، وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا)) (١). المفردات: ((الهدم)): بسكون الدال أي سقوط البناء, ووقوعه على الشيء. ((التردي)): السقوط من عالٍ كالوقوع من شاهق جبل أو في بئر. ((الغرق)): بكسر الراء الموت غرقاً بالماء. ((الغم)): ألم يصيب القلب في الحاضر, يجهد القلب والعقل والجسد. ((الحرق)): الالتهاب بالنار. ((مدبراً)): المولي دُبره: المنهزم في الجهاد. الشرح: استعاذ ﷺ من هذه الأمور مع ما فيها من نيل الشهادة، كما دلَّت على ذلك الأحاديث؛ لأنها مجهدة, مغلقة, لا يثبت المرء عندها,

стр. 402

فربما استزله الشيطان فأخل بدينه, ولأنه يُعد فجأة ومؤاخذة أسف؛ ولأنها في الظاهر مصائب ومحن وبلاء كالأمراض السابقة المستعاذ منها, والفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه الشهادة أن الشهادة الحقيقية أُمنية كل مؤمن ومطلوبه, وقد يجب عليه السعي لها في بعض حالات القتال، بخلاف هذه الأمور يجب التحرز عنها والسعي لعدم الوقوع فيها؛ لأن الموت حينها يكون بغتة, دون توبة, ورد للمظالم, وإقرار للوصية, وعدم النطق بالشهادة لما يفجؤه من فزع وهلع، وما يدهمه من الخوف. قوله: ((وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدبراً)): أي أعوذ بك أن أموت في حال هروبي من قتال أعدائك فاراً من الزحف أثناء الجهاد، وهو من الكبائر الموبقات كما جاء في الصحيح, وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مرتداً، أو مدبراً عن ذكرك، ومقبلاً على غيرك (١). قوله: ((وأعوذ بك أن أموت لديغاً)): أي أعوذ بك أن أموت عقب لدغ ذوات السم, كالحية والعقرب وغيرهما, فيكون من قبيل موت الفجأة، فلا يستطيع إعداد الوصية والتوبة, وقد يتأخر موته فينشغل بالألم الشديد من شدة اللدغ, ولا يخفى [ما] في أهمية هذه الاستعاذات في حياة المؤمن، وهو يشاهد ويسمع من وقع فيها، فإنها أمور مفزعة ومقلقة، فينبغي التوخّي عنها قدر الاستطاعة ببذل الأسباب, والاستعانة باللَّه جل وعلا بالدعاء.

стр. 403

٩٢ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ)) (١). قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من الجوع)): فيه استعاذة من ألم الجوع، وشدة مصابرته؛ فإن الجوع يضعف القوى, ويشوش الدماغ, فيثير أفكاراً رديئة, وخيالات فاسدة, فيخل بوظائف العبادات، والمراقبات، ويثير الغضب، وسوء الخلق. قوله: ((فإنه بئس الضجيع)): أي المضاجع, أي النائم معي في الفراش الواحد, فلما كان يلازم صاحبه في المضجع سُمي ضجيعاً, وقوله: ((بئس)) لأنه يمنع استراحة البدن، وخُصّ الضجيع بالجوع لينبه على أن المراد الجوع الذي يلازم الليل والنهار. قوله: ((وأعوذ بك من الخيانة)): وهي مخالفة الحق بنقض العهد في السر, وهي تشمل الخيانة بين العبد والعبد, وتشمل الخيانة بين العبد وربه تعالى، فهي شاملة لجميع التكاليف الشرعية التي أمر اللَّه [بها] , قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ

стр. 404

وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). قوله: ((فإنها بئس البطانة)): هي خلاف الظهارة, واستعيرت لمن يخصه الرجل بالاطلاع على باطن أمره, فلما كانت الخيانة أمراً يبطنه الإنسان ويُسرّه، ولا يُظهره سُميت بطانة (٢). ٩٣ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، والكَسَلِ، والجُبْنِ، والبُخْلِ ، والهَرَمِ، والقَسْوَةِ، والغَفْلَةِ، والعَيْلَةِ، والذِّلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ، والكُفْرِ، [والشِّرْك] (٣)، والفُسُوقِ، والشِّقاقِ، والنِّفاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّياءِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ، والبَكَمِ، والجُنُونِ، والجُذامِ، والبَرَصِ، وَسَيِّىءِ الأَسْقامِ)) (٤). الشرح: استعاذ ﷺ من آفات الجسد، وآفات الدين لما ينشأ عنهما من

стр. 405

مفاسد في الدين والدنيا والآخرة. قوله: ((العجز)): تقدم في حديث رقم (٥٦)، ورقم (٦٠) معناه: وهو تخلف العبد عن أسباب الخير لسلب قدرته وقوته, واستعاذته منه ﷺ ؛ لأنه يمنع من أداء الحقوق الواجبة عليه الدينية والدنيوية، وقد ذمّ اللَّه جلّ وعلا العاجز في كتابه، وضرب فيه مثلاً للعبرة والاتعاظ، قال عز شأنه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١). قوله: ((الكسل)): وهو تخلف العبد عن أسباب الخير مع وجود القدرة، وهي صفة ذميمة تدعو إلى التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه بسبب عدم انبعاث النفس إلى الخير, فيضيع على العبد كثير من المنافع الدنيوية والشرعية، وقد ذم اللَّه المنافقين، وذكر من صفاتهم الكسل: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ (٢). قوله: ((البخل)): يمنع صاحبه من إنفاق الحقوق المالية عليه، كالزكاة، والضيافة، والإنفاق على من يعول، والحقوق القولية كعدم الصلاة على النبي ﷺ ، وعدم الرد على السلام. قوله: ((الجبن)): الخوف من الحرب، والجهاد في سبيل اللَّه، والخوف من الصدع بالحق: في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومجاهدة الشيطان والنفس. قوله: ((الهرم)): كبر السن المؤدي إلى تساقط القوى، ومن

стр. 406

اختلال العقل, والحواس، وتشوّه المنظر, وقد يصبح ثقيلاً على غيره [فيكون كالطفل في المهد والعياذ باللَّه ]. قوله: ((القسوة)): غلظة القلب, وصلابته، بحيث لا يقبل موعظة حسنة، ولا يخاف العقوبة، ولا يرحم من يستحق الرحمة، كما ذكر اللَّه تعالى عن بني إسرائيل: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة﴾ (١). قوله: ((الغفلة)): غيبة الشيء عن البال، وذهول عن الخير, وعدم تذكره، والتنبه لما ينبغي له، واستعمل في تاركه إهمالاً وإعراضاً كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُون﴾ (٢). قوله: ((العيلة)): بفتح العين المهملة، وهي الفاقة والحاجة وعدم القدرة على القيام بما يحتاج إليه هو ومن يعوله. قوله: ((الذلة)) - بالكسر-: الهوان على الناس, ونظرتهم إليه بعين الاحتقار والاستخفاف، وهي ضد العزة. قوله: ((المسكنة)): قلة المال، وسوء الحال, وهي الخضوع، والذلة لما يعرض [عند] الحاجة. قوله: ((الفقر)): أصله كسر فقار الظهر, وهو خلو اليد من المال. قوله: ((الكفر)): أصله الستر، وهو عدم الإيمان باللَّه، وهو أنواع: منه كفر العناد، والجحود، والنفاق, وأورده عقب الفقر؛ لأنه قد يفضي إليه.

стр. 407

قوله: ((الشرك)): وهو نوعان: النوع الأول الأكبر: وهو أن يجعل مع اللَّه نداً، أو شريكاً في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته، وهو الشرك الأكبر المخرج من الملّة، والعياذ باللَّه تعالى. والنوع الثاني الأصغر: مثل الرياء، والحلف بغير اللَّه [وهو ما ورد في النصوص تسميته شركاً، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، أو هو كل وسيلة قولية أو إرادية، أو فعلية توصل إلى الشرك الأكبر] وهو غير مخرج من الملة, وهو من الكبائر. قوله: ((الفسوق)): خروج عن الاستقامة بارتكاب المعاصي، والوقوع في المحرمات. قوله: ((الشقاق)): مخالفة الحق بأن يصير كل واحد من المتنازعين في شق وناحية أخرى, والاستعاذة منه لأنه يؤدي إلى الفرقة بين الإخوة، فتحصل العداوة والبغضاء، مما يؤدي إلى ضعف القوة بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١). قوله: ((النفاق)): وهو إظهار عكس ما ينطوي عليه القلب، وهو نوعان: نفاق اعتقادي, وهو أن يظهر الإيمان، ويبطن الكفر، وهو مخرج من الملة، والعياذ باللَّه، ونوع عملي، كالإخلاف في الوعد، والكذب، وخيانة الأمانة [والغدر, والفجور في المخاصمة، وهو نفاق أصغر]. قوله: ((السمعة)): [الإخبار بالعمل، وإظهار الصوت بالذكر، أو

стр. 408

القراءة؛ ليسمعه الناس فيحصل على الثناء والمدح]، فلا يعمله للَّه خالصاً. قوله: ((والرياء)): بكسر الراء والمد: إظهار العبادة ليراها الناس فيحمدوه, وذكر هذه الخصال؛ لكونها أقبح خصال الناس، فاستعاذته ﷺ منها إبانة وزجر الناس عن التخلق بها بألطف وجه وأحسن عبارة. قوله: ((الصمم)): بطلان السمع، أو ضعفه. قوله: ((البكم)) - بالتحريك-: هو الخرس [وعدم استطاعة النطق بالكلام]. قوله: ((الجنون)): زوال العقل. قوله: ((الجذام)): علَّةٌ تُسقط الشعر, وتُفتت اللحم, وتُجري الصديد منه, مما ينفر الناس منه لبشاعته، والقذارة فيه. قوله: ((البرص)): عِلَّةٌ تُحدث في الأعضاء بياضاً رديئاً مما تغير الصورة والشكل. قوله: ((سيئ الأسقام)): أي الأمراض الفاحشة الرديئة الخطيرة، كالفالج، والسل، والأمراض المزمنة، كأمراض هذا الزمان، مثل: السرطان وأنواعه، والإيدز، وغير ذلك, ولم يستعذ ﷺ من سائر الأسقام من الأمراض؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان فيها على نفسه بالصبر خفت مؤنته، كالحمى، والصداع، والرمد، وغير ذلك, وإنما استعاذ ﷺ من السقم المزمن، فينتهي صاحبه إلى حال يفر منه الحميم والصديق، ويقل معه الأنيس والجليس، والمداوي، [ويقلّ

стр. 409

معه العمل الصالح، أو يحصل عدم الصبر، والعياذ باللَّه]. والاستعاذة من ((سيئ الأسقام)): مع دخول الثلاثة: ((الجنون، والجذام، والبرص)) فيه هو من عطف العام على الخاص؛ لكونها أبغض شيء إلى العرب؛ لما تُفسد الخلقة، وتورث الآفات والعاهات؛ لهذا عدّوا من شروط الرسالة: السلامة من كل ما ينفر الخَلق، ويشوّه الخُلُق (١). ٩٤ - ((اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ)) (٢). وفي رواية: (( ... من الفقر، والفاقة, والقلة، والذلة, والعيلة ... )) (٣).

стр. 410

المفردات: الفقر: أصله كسر فقار الظهر، وهو خلوّ ذات اليد من المال، سواء عنده بعض كفايته، أو لم يجد كفايته. الفاقة: شدة الحاجة إلى الخلق. القلة: قلة الشيء من قلة المال أو قلة أبواب الخير, أو قلة العدد أو المدد .. إلخ. الذلة: الصغار والهوان، مثل انحطاط القدر عند الناس. العيلة: الفقر، وهو خلوّ اليد من الرزق. الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من الفقر)) أي: يا اللَّه أعذني من عدم كفايتي من المال الذي أقوت به نفسي، وأهلي، وأولادي، وأخاف من أن يؤدي بي إلى عدم الصبر، وإلى التسخّط وعدم القناعة، وتسلّط الشيطان عليَّ بذكر نعم الأغنياء، وأعذني يا إلهي من شدة الحاجة إلى الخلق، والتعرّض لهم بالسؤال والطلب والاحتياج إلى غيرك، أستعيذ منهما لأنهما قد يفضيان إلى الخلل في الدين والمروءة والعزة. قوله: ((القلة)) - بالكسر-: أعوذ بك من قلّة المال, التي يخاف منها قلّة الصبر من الإقلال، أو المراد قلة أبواب الخير والبر، أو قلة العدد، أو المدد، أو قلة الأنصار (١)، ولا مانع من إرادة الجميع، أي

стр. 411

قِلَّة كانت؛ لأن الأصل بقاء العموم على عمومه، ما لم يأت مخصِّص، ولم يخصِّصِ الشارع بفرد من هذه الأفراد، ولم يحدد نوعاً من أنواع الإقلال، واللَّه أعلم. قوله: ((الذلة)): أن أكون ذليلاً في أعين الناس يستحقروني، ويستخفّون بشأني, والتذلّل للأغنياء على وجه المسكنة, أو المراد الذلّة الحاصلة من المعصية، والخطيئة (١) , ولا مانع من إرادة الجميع؛ لأنه لم يخصِّص نوعاً من أنواع الذلة كما سبق, وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها نبيُّنا ﷺ . قوله: ((وأعوذ بك أن أظلم)): أعوذ بك أن أعتدي، وأجور في حقٍّ من حقوقك, أو في حقٍّ من حقوق خلقك. قوله: ((أو أُظلم)): أي أعوذ بك أن يقع عليَّ ظلمٌ وبغي, من العباد بغير حقٍّ. استعاذ ﷺ من هذه الأمور؛ لما فيها من شدّةٍ في النفس، ونقصٍ في الدين من الإخلال عن كثير من العبادات، والتسخّط على اللَّه ، وعدم الصبر، والقناعة، وإتعاب العقل والبدن بالتفكير والهمّ، والحزن، فلا تطيب الحياة، ولا ترضى النفس. ٩٥ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ السُّوءِ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ ؛ فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ)) (٢).

стр. 412

الشرح: قوله: ((المقامة)) - بالضم-: الإقامة, أي دار الإقامة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ (١) أي: لا موضع لكم (٢). قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من جار السوء)): أي: أستعيذ بك من كل مجاور جمع الصفات الدنيئة، والأخلاق الرذيلة، قال النبيّ ﷺ : ((واللَّهِ لا يُؤمِن، وَاللَّهِ لا يُؤمِن, وَاللَّهِ لا يُؤمِن))، قيل: من يا رسول اللَّه؟ قال: ((الذي لا يأمَنُ جارُه بوائِقَهُ)) (٣)، أي: شروره، وعدوانه. وقد استعاذ المصطفى ﷺ من جار السوء في دار المقامة؛ لأنه: هو الشر الدائم، والأذى الملازم؛ ولهذا قال: ((فإن جار البادية يتحول))؛ لأن مدته قصيرة يمكن تحملها, فلا يعظم الضرر فيه, ويشمل جار المقام: الزوجة، والخادم، والصديق الملازم, وفيه إيماء أنه ينبغي تجنّب جار السوء، والتباعد بالانتقال عنه إذا وجد لذلك سبيلاً، بمفارقة الزوجة [إذا تعسَّر إصلاحها]، وبيع الخادم, وأن المسافر إذا وجد من أحد من رفقته ما يذم شرعاً فارقه, وينبغي

стр. 413

الحرص على جوار أهل الصلاح والتقوى, وفي الحديث فضل الاستعاذة باللَّه تعالى، والالتجاء إليه، والاستعانة به في كل الأمور, وفيه بيان تفصيل معاناة العبد حين الدعاء, وبثّ الشكوى والهمّ إلى اللَّه ﵎ (١). ٩٦ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، ومِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ)) (٢). الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع)): يا اللَّه الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلا, أعذني من قلب لا يخشع لذكرك وموعظتك, ولا تؤثّر فيه النصيحة، وذلك القلب القاسي, قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣). قوله: ((ومن دعاء لا يُسمع)): أعوذ بك من دعاء لا يُستجاب،

стр. 414

ولا يُعتدّ به, فكأنه غير مسموع, وذلك بأن يكون الدعاء يكرهه اللَّه؛ لما فيه من إثم أو قطيعة رحم، وكون الداعي لم يأت بشروط الدعاء, من الإخلاص, والمأكل الحلال, وغير ذلك, ومن لم يستجب اللَّه دعاءه فقد خاب وخسر؛ لأنه طُرد من الباب الذي لا يُستجلب الخير إلا منه، ولا يُستدفَع الضرُّ إلا منه؛ لأن اللَّه تعالى كريم سميع قريب، مجيبٌ للدعاء، فمن حُرم ذلك فقد حُرم الخير كله، والعياذ باللَّه. قوله: ((ومن نفس لا تشبع)): وأعوذ بك من نفس لا تقنع بما أتيتها من خيرك وعطائك, ولا تشبع من جمع الحطام, والحرام, ولا تشبع من كثرة الطعام, والإنعام الذي يؤدي إلى (النهمة). قوله: ((وأعوذ بك من علم لا ينفع)): أعذني من علم لا أعمل به، ولا أنتفع به، ولا أُعلِّمه, ولا يُهذّب الأخلاق والأعمال والأقوال؛ لأن العلم النافع هو الذي يزيد في الخوف من اللَّه ﵎، ويزيد في بصيرة العبد بعيوب نفسه, وآفات عمله, ويزهّد في الدنيا (١). قوله: ((أعوذ بك من هؤلاء الأربع)): زيادة في تأكيد أهمية الاستعاذة من هؤلاء الأربع. ٩٧ - ((اللَّهُمَّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ يَوْمِ السُّوءِ، وَمِنْ لَيْلَةِ السُّوءِ ، وَمِنْ سَاعَةِ السُّوءِ، وَمِنْ صَاحِبِ السُّوءِ، وَمِنْ

стр. 415

جَارِ السُّوءِ في دَارِ الْمُقامَةِ)) (١). الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من يوم السوء)): استعاذة باللَّه تعالى من يوم يكون فيه القبح والفحش, والشر, وتكون فيه المصائب، ونزول البلاء، والغفلة, فهذه استعاذة كاملة من كل سوء وشرٍّ يقع في اليوم (٢). قوله: ((ومن ليلة السوء)): عطف الخاص على العام، ومن ليلة ينزل فيها شر، وسوء وبلاء. قوله: ((ومن ساعة السوء)): تخصيص بعد تخصيص لشدة الافتقار إلى حفظ اللَّه تعالى للعبد في كل الأزمنة، وفيه بيان أن العاصم هو اللَّه جلَّ وعلا، لا أحد سواه، وأن العباد لا غنى لهم عنه تعالى طرفة عين في كل الأحوال والأوقات. قوله: ((ومن صاحب السوء)): ومن صاحب الشرّ الذي ليس فيه صلاح؛ فإن مصاحبته فيها ضرّ وهلاك في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي

стр. 416

عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (١). قوله: ((ومن جار السوء في دار المقامة)): لأن شرّه دائم, وأذاه ملازم، الذي لا يأتمر بأوامر اللَّه تعالى, ولا ينتهي عن نواهيه، ومنها معرفة حق الجار، ويشمل جار المقام: الزوجة، والخادم, والصديق الملازم, وفيه إيماء إلى أنه ينبغي تجنب جار السوء, والتباعد بالانتقال عنه إن وجد إلى ذلك سبيلاً. وجاء في رواية أخرى عن النبي ﷺ : ((اللَّهم إني أعوذ بك من جار في دار المقامة فإن جار البادية يتحول)) (٢)، فيه بيان علّة الاستعاذة من جار السوء في دار المقام, فإنه ثابت ولا يتحول، عكس جار البادية، وفيه بيان تفصيل معاناة العبد حال الدعاء، وبث الشكوى، والهمّ، والحزن له تعالى, وإظهار العبد فاقته، وفقره، واحتياجه إلى ربه تعالى، الذي هو روح العبادة ولبُّها؛ فإن أحقّ من يلجأ إليه، ويشكو له الهم والحزن، وكلّ ما به هو الربّ ، كما ذكر اللَّه عن يعقوب أنه قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣). وفي الحديث بيان لأهمية الاستعاذة من كل الشرور، وإن التفصيل في الاستعاذة أمر مطلوبٌ ومُهمّ؛ لأن المقام مقام عبادة،

стр. 417

فكلما أكثر فيه العبد من السؤال والدعاء، كان أكثر عبودية للَّه تعالى الذي يستوجب الخضوع له تعالى, والحبّ والتعلّق به، والتملُّق له، وفيه وعيد من أذى الجار، كائناً ما كان؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يخصّص جاراً دون جار. ٩٨ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَسْتَجِيْرُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) (١) (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ). الشرح: قوله: ((من سأل اللَّه الجنة)): أي دخولها بصدق، وإيمان، وحسن نية، وإلحاح. قوله: ((قالت الجنة: اللَّهم أدخله الجنة)): فيه تعظيم للسائل، حيث إن اللَّه تعالى يخلق لهذه الدار الحياة والقدرة على النطق بذكره، وهي جماد، وهذا من كمال قدرة رب العالمين, وأنه لا يعجزه شيء جل وعلا, كما أنطق الحصى بالتسبيح والطعام في عهد النبي ﷺ (٢) , كما في قول ابن مسعود ﵁: (( ... ولقد كنا نسمع

стр. 418

تسبيح الطعام وهو يؤكل)) أي على عهد النبي ﷺ (١). قوله: ((ومن استجار ... )) الحديث: كسابقه. وهنا في إنطاق النار على الكلام حقيقته (٢)، حيث تطلب من خالقها أن تُجِرْهُ من النار إذا أتى بالعدد المذكور، وهو الثلاثة؛ فإن التقيّد بهذا العدد مشروط في جعل اللَّه لهذه الجمادات القدرة على النطق بإنطاق اللَّه تعالى لها؛ فإن ذلك يُعطي المؤمن العزم، والجدَّ في السؤال والطلب بإلحاح، والتقيد بالعدد ثلاثة هو أقل درجات الإلحاح في الدعاء، واللَّه أعلم. ودلّ هذا الحديث الجليل على عظم فضل اللَّه لعباده الداعين، وأنه تعالى يسخّر لهم الجنة والنار على عظمهما في التوسّل إلى اللَّه، والدعاء لهم, كما سخّر لهم الملائكة الكرام العظام حملة العرش في الدعاء لهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).

стр. 419

كما أن الشارع الحكيم شرع لنا سؤال اللَّه تعالى الجنة كذلك، وحثّنا على سؤال أعلاها، وهي الفردوس الأعلى, قال النبيّ ﷺ : ((إذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس (١) الأعلى)) (٢). فينبغي للعبد أن يكثر الدعاء بسؤال اللَّه تعالى تلكم المنزلة العظيمة التي فوقها عرش الرحمن، وليس فوقها منزلة. ٩٩ - ((اللَّهُمَّ فَقِّهْنِي فِي الدِّينِ [اللَّهُمَّ عَلِّمْنِي الكِتَابَ وَالحِكْمَةِ])) (٣). هذا الدعاء مأخوذ من دعاء النبي ﷺ لابن عباس ﵄: ((اللَّهم فقهه في الدين)). وفي لفظ: ((اللَّهم علّمه الكتاب والحكمة)) (٤). فيسنُّ للدّاعي أن يجمع بين هذه الروايات في الدعاء، فيقول: ((اللَّهمّ علّمني الكتاب، والحكمة، وفقّهني في الدين)).

стр. 420

الشرح: قوله ﷺ : ((اللَّهم علمه الكتاب)) أي كتاب اللَّه ، القرآن، فهذا السؤال تضمّن التوفيق إلى تعلّم أفضل العلوم، وأسماها، وهو القرآن الذي يجمع كل العلوم الشرعية المطلوبة, الذي عليها الفلاح في الدارين. قال النبي ﷺ : ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)) (١). قوله: ((الحكمة)): أي السنة النبوية. قوله: ((اللَّهم فقهني في الدين)) الفقه في اللغة الفهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٢). أي معرفة الأحكام الشرعية، وكيفية الاستنباط منها في الكتاب والسنة. وبيّن النبي ﷺ أهمية الفقه في الدِّين، وأن من رزقه اللَّه تعالى الفقه في الدين نال محبته التي هي أعظم المحابّ، وأعلاها، فقال ﷺ : ((من يُرِدِ اللَّهُ به خيراً يفقهه في الدين)) (٣). قال ابن القيم ﵀ في مفهوم الحديث: ((وهذا يدلّ على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيراً، كما أن من أراد به خيراً فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيراً إذا أريد بالفقه العلم

стр. 421

المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم، فلا يدلّ على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيراً؛ فإن الفقه حينئذ يكون شرطاً لإرادة الخير، وعلى الأول يكون موجباً)) (١). فتضمّنت هذه الدعوات المهمّات التوفيق إلى أكمل العلوم: الكتاب، والسنة، والفهم، والمعرفة في الاجتهاد فيهما، فينبغي للعبد طالب العلم خاصة أن يكثر من هذا الدعاء المبارك. ١٠٠ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ)) (٢). الشرح: اشتمل هذا الحديث على أعظم شر وأخطره يُستعاذ باللَّه منه، وهو الشرك، فإن الشرك باللَّه العظيم أعظم الظلم والجرم، قال اللًّه تعالى عن لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).

стр. 422

فأخبر النبي ﷺ أن العبد غير آمن من الوقوع في الشرك، وأنه لشدّة خفائه أخفى من دبيب النمل، فقد يقع فيه العبد، ويتسلّل إلى نفسه وهو لا يعلم، ولا يدري، هذا الإخبار من الرسول لخير البشرية بعد الرسل، وهم الصحابة رضوان اللَّه عليهم، الذين عصرهم هو خير العصور، فكيف بنا نحن، ولا شك في أن هذا بياناً على أن أفضل الناس قد يقع منه الشرك من حيث لا يعلم، ((والمراد بالشرك هنا الرياء والسمعة والعجب، وهذه الذمائم لا تذهب عن الرجل ما لم يعرف نفسه)) (١)، وهكذا ينبغي للعبد أن يراقب نفسه، ويحاسبها بين الحين والآخر حتى لا يقع فيه. وقول أبي بكر ﵁: ((وهل الشرك إلا من جعل مع اللَّه إلهاً آخر))، وفيه تعظيم أبي بكر للشرك، وأن بعض المسائل قد تخفى على كبار العلماء (٢). فعليك يا أخي أن تلتجئ إلى اللَّه أن يُعيذك من هذا الشرك، وأن تبذل كل الأسباب في الابتعاد عنه: قولاً، وفعلاً، وأن تكثر من هذا الدعاء العظيم؛ فإن اللَّه رب العالمين لا يخيب من التجأ إليه، وأخلص في قوله وعمله. ١٠١ - ((اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ،

стр. 423

وَزِدْنِي عِلْمًا)) (١). وفي لفظٍ: ((وأعوذ باللَّه من حال أهل النار)) (٢)، وفي لفظٍ آخر: ((وارزقني علماً تنفعني به)) (٣). الشرح: هذا الحديث اشتمل على دعوة جامعة تتعلق بالعلم، وما ينبغي أن يكون عليه شأن المسلم، وطالب العلم مع العلم، وهو يتكوّن من أربع جمل، ثلاث منها في تحقيق هذا المطلب الجليل والمقصد العظيم للعلم. قوله: ((اللَّهم انفعني بما علمتني)): أي أسألك يا اللَّه الانتفاع بما أتعلمه من العلوم المفيدة، وأن أعمل بمقتضاه خالصاً لوجهك الكريم، لا للانتفاع به في أغراض الدنيا وزخرفها، ومن رياء وسمعة؛ فإن العلم النافع هو المقصود، والوسيلة به إلى التعبد للَّه تعالى، فيصلح الأعمال، والأقوال الظاهر منها والباطن (٤). قوله: ((وعلمني ما ينفعني)): فيه سؤال اللَّه أن يمنّ عليه بالعلم

стр. 424

النافع، وهو علم الشريعة الذي فيه صلاح الدين والدنيا من العبادات والمعاملات، والعلم باللَّه وبأسمائه وصفاته الذي هو أشرف العلوم، وما يجب له من القيام بأمره، وتحقيق طاعته. قوله: ((وزدني علماً)): أي زدني علماً إلى ما علمتني، كما قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١)، ولم يأمر نبيه بزيادة في أي أمر إلا في العلم؛ فإن الزيادة فيه ترقي العبد إلى الزيادة في المعارف والعلوم التي تقتضي العمل؛ فإن العلم وسيلة للعمل، وهو أول المعارف، وأصلها قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم العمل: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). وهنا أمر لا بد من التنبيه إليه، أن من يدعو اللَّه تعالى بأن يمنحه العلم النافع، وأن ينفعه بما علمه كما في الدعاء السابق، لابد له مع الدعاء من بذل الأسباب المشروعة لتحصيل العلم، قال العلامة ابن سعدي ﵀: ((الأدعية القرآنية والنبوية الأمر بها، والثناء على الداعين بها، يستتبع لوازمها ومتمماتها، فسؤال اللَّه الهداية يستدعي فعل جميع الأسباب التي تدرك بها الهداية العلمية والعملية)) (٣). قوله: ((وأعوذ باللَّه من حال أهل النار)): استعاذ من حالهم لما فيه من الألم الشديد، والعذاب المديد، وهذا حال من لم ينتفع بعلمه، ولم يعمل به، فكان حاله ومصيره هو عذاب النار والسعير.

стр. 425

١٠٢ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا)) (١). الشرح: هذا الدعاء المبارك الذي كان ﷺ يستفتح بعد صلاة الصبح به كل يوم في غاية المناسبة؛ لأن الصبح هو بداية اليوم، ومفتتحه والمسلم ليس له مطمع في يومه إلا تحصيل هذه الأهداف، والمقاصد العظيمة، والأهداف النبيلة في تحديد همته في أول النهار، وهي ((العلم النافع، والرزق الطيب، والعمل المتقبل))، وكأنه في افتتاحه ليومه بذكر هذه المقاصد الثلاثة دون غيرها، يحدّد أهدافه ومقاصده في يومه، ولا ريب في ذلك أنه أجمع للقلب، وأضبط لسير العبد (٢)، ومسلكه في هذه الحياة، وفيه استعانة وتضرّع لربه في صباحه، وأول يومه أن يمدَّ له العون، والخير، والتوفيق للسير على هذه الأهداف كل يوم؛ فإن هذه المقاصد الثلاث عليها الفلاح في الدنيا والآخرة. وتأمّل كيف بدأ النبي ﷺ هذا الدعاء بسؤال اللَّه العلم النافع، قبل سؤاله الرزق الطيب، والعمل المتقبَّل، وفي هذا إشارة إلى أن العلم النافع مقدم به، وبه يبدأ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
следующие страницы →