← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم، فلا يدلّ على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيراً؛ فإن الفقه حينئذ يكون شرطاً لإرادة الخير، وعلى الأول يكون موجباً)) (١). فتضمّنت هذه الدعوات المهمّات التوفيق إلى أكمل العلوم: الكتاب، والسنة، والفهم، والمعرفة في الاجتهاد فيهما، فينبغي للعبد طالب العلم خاصة أن يكثر من هذا الدعاء المبارك. ١٠٠ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ)) (٢). الشرح: اشتمل هذا الحديث على أعظم شر وأخطره يُستعاذ باللَّه منه، وهو الشرك، فإن الشرك باللَّه العظيم أعظم الظلم والجرم، قال اللًّه تعالى عن لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).

стр. 422

فأخبر النبي ﷺ أن العبد غير آمن من الوقوع في الشرك، وأنه لشدّة خفائه أخفى من دبيب النمل، فقد يقع فيه العبد، ويتسلّل إلى نفسه وهو لا يعلم، ولا يدري، هذا الإخبار من الرسول لخير البشرية بعد الرسل، وهم الصحابة رضوان اللَّه عليهم، الذين عصرهم هو خير العصور، فكيف بنا نحن، ولا شك في أن هذا بياناً على أن أفضل الناس قد يقع منه الشرك من حيث لا يعلم، ((والمراد بالشرك هنا الرياء والسمعة والعجب، وهذه الذمائم لا تذهب عن الرجل ما لم يعرف نفسه)) (١)، وهكذا ينبغي للعبد أن يراقب نفسه، ويحاسبها بين الحين والآخر حتى لا يقع فيه. وقول أبي بكر ﵁: ((وهل الشرك إلا من جعل مع اللَّه إلهاً آخر))، وفيه تعظيم أبي بكر للشرك، وأن بعض المسائل قد تخفى على كبار العلماء (٢). فعليك يا أخي أن تلتجئ إلى اللَّه أن يُعيذك من هذا الشرك، وأن تبذل كل الأسباب في الابتعاد عنه: قولاً، وفعلاً، وأن تكثر من هذا الدعاء العظيم؛ فإن اللَّه رب العالمين لا يخيب من التجأ إليه، وأخلص في قوله وعمله. ١٠١ - ((اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ،

стр. 423

وَزِدْنِي عِلْمًا)) (١). وفي لفظٍ: ((وأعوذ باللَّه من حال أهل النار)) (٢)، وفي لفظٍ آخر: ((وارزقني علماً تنفعني به)) (٣). الشرح: هذا الحديث اشتمل على دعوة جامعة تتعلق بالعلم، وما ينبغي أن يكون عليه شأن المسلم، وطالب العلم مع العلم، وهو يتكوّن من أربع جمل، ثلاث منها في تحقيق هذا المطلب الجليل والمقصد العظيم للعلم. قوله: ((اللَّهم انفعني بما علمتني)): أي أسألك يا اللَّه الانتفاع بما أتعلمه من العلوم المفيدة، وأن أعمل بمقتضاه خالصاً لوجهك الكريم، لا للانتفاع به في أغراض الدنيا وزخرفها، ومن رياء وسمعة؛ فإن العلم النافع هو المقصود، والوسيلة به إلى التعبد للَّه تعالى، فيصلح الأعمال، والأقوال الظاهر منها والباطن (٤). قوله: ((وعلمني ما ينفعني)): فيه سؤال اللَّه أن يمنّ عليه بالعلم

стр. 424

النافع، وهو علم الشريعة الذي فيه صلاح الدين والدنيا من العبادات والمعاملات، والعلم باللَّه وبأسمائه وصفاته الذي هو أشرف العلوم، وما يجب له من القيام بأمره، وتحقيق طاعته. قوله: ((وزدني علماً)): أي زدني علماً إلى ما علمتني، كما قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١)، ولم يأمر نبيه بزيادة في أي أمر إلا في العلم؛ فإن الزيادة فيه ترقي العبد إلى الزيادة في المعارف والعلوم التي تقتضي العمل؛ فإن العلم وسيلة للعمل، وهو أول المعارف، وأصلها قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم العمل: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). وهنا أمر لا بد من التنبيه إليه، أن من يدعو اللَّه تعالى بأن يمنحه العلم النافع، وأن ينفعه بما علمه كما في الدعاء السابق، لابد له مع الدعاء من بذل الأسباب المشروعة لتحصيل العلم، قال العلامة ابن سعدي ﵀: ((الأدعية القرآنية والنبوية الأمر بها، والثناء على الداعين بها، يستتبع لوازمها ومتمماتها، فسؤال اللَّه الهداية يستدعي فعل جميع الأسباب التي تدرك بها الهداية العلمية والعملية)) (٣). قوله: ((وأعوذ باللَّه من حال أهل النار)): استعاذ من حالهم لما فيه من الألم الشديد، والعذاب المديد، وهذا حال من لم ينتفع بعلمه، ولم يعمل به، فكان حاله ومصيره هو عذاب النار والسعير.

стр. 425

١٠٢ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا)) (١). الشرح: هذا الدعاء المبارك الذي كان ﷺ يستفتح بعد صلاة الصبح به كل يوم في غاية المناسبة؛ لأن الصبح هو بداية اليوم، ومفتتحه والمسلم ليس له مطمع في يومه إلا تحصيل هذه الأهداف، والمقاصد العظيمة، والأهداف النبيلة في تحديد همته في أول النهار، وهي ((العلم النافع، والرزق الطيب، والعمل المتقبل))، وكأنه في افتتاحه ليومه بذكر هذه المقاصد الثلاثة دون غيرها، يحدّد أهدافه ومقاصده في يومه، ولا ريب في ذلك أنه أجمع للقلب، وأضبط لسير العبد (٢)، ومسلكه في هذه الحياة، وفيه استعانة وتضرّع لربه في صباحه، وأول يومه أن يمدَّ له العون، والخير، والتوفيق للسير على هذه الأهداف كل يوم؛ فإن هذه المقاصد الثلاث عليها الفلاح في الدنيا والآخرة. وتأمّل كيف بدأ النبي ﷺ هذا الدعاء بسؤال اللَّه العلم النافع، قبل سؤاله الرزق الطيب، والعمل المتقبَّل، وفي هذا إشارة إلى أن العلم النافع مقدم به، وبه يبدأ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

стр. 426

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ (١)، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل؛ لأنه لا يمكن أن يكون العمل صحيحاً وموافقاً للكتاب والسنة دون علم، وفي البدء بالعلم النافع حكمةٌ ظاهرة لا تخفى على المتأمل، ألا وهي أن العلم النافع به يستطيع المرء أن يميز بين العمل الصالح وغير الصالح، ويستطيع أن يميّز بين الرزق الطيّب وغير الطيّب. قوله: ((علماً نافعاً)) فيه دلالةٌ على أن العلم نوعان: علمٌ نافع، وعلم ليس بنافع، كما تقدّم في حديث: ((سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نافِعاً، وَتَعوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ)) (٢)، قال الحسن البصري ﵀: ((العلم علمان، علم باللسان، وعلم بالقلب، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة اللَّه على ابن آدم)) (٣)، فالعلم النافع هو ما باشر القلب، فأوجب له السكينة والخشوع، والإخبات للَّه تعالى، وإذا لم يباشر القلوب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان فهو حجة اللَّه على بني آدم. قوله: ((رزقاً طيباً)) فيه إشارة كذلك إلى أن الرزق نوعان: طيب، وخبيث، واللَّه تعالى لا يقبل إلا طيباً، وقد أمر اللَّه تعالى المؤمنين

стр. 427

بما أمر به المرسلين، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢)، فإن من أعظم الأسباب الموجبة لإجابة الدعاء طيب المأكل. قوله: ((عملاً متقبلاً)) فيه إشارة إلى أنه ليس كل عمل يتقرب به العبد إلى اللَّه متقبلاً، بل المتقبَّل من العمل هو الصالح فقط، والصالح هو ما كان للَّه تعالى وحده، وعلى هدي وسنة المصطفى ﷺ ، فلا بد أن يكون خالصاً للَّه، وصواباً على هدي النبي ﷺ (٣). فهذا دعاء عظيم النفع، كبير الفائدة، يحسن بالمسلم أن يحافظ عليه كل صباح، تأسّياً بالنبي الكريم ﷺ ، ثم يُتبع الدعاء بالعمل، فيجمع بين الدعاء، وبذل الأسباب، وهذا أكمل الدعاء؛ لينال هذه الخيرات العظيمة، والأفضال الكريمة (٤). ١٠٣ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) (٥).

стр. 428

المفردات: الأحد: الكامل في أحديته، فلا شبيه له، ولا نظير. الواحد: هو الذي توحّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك. الصمد: المقصود في الحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده. كفواً: أي مماثلاً، واللَّه تعالى ليس له مماثل، ولا نظير في كمال ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله بوجه من الوجوه (١). الشرح: هذا الدعاء العظيم فيه توسّل إلى اللَّه بأجمل الوسائل، وأعلاها، وهو التوسّل بأسماء اللَّه الحسنى، وبصفاته العظمى العلا مقدمة قبل سؤال اللَّه تعالى المغفرة للذنوب, والتجاوز عنها، ثم أكّد سؤاله وعلّله: بأنك يا ربي عظيم المغفرة للذنوب، مهما تكررت وبلغت، عظيم الرحمة التي وسعت كل شيء, فناسب في ختم هذين الاسمين، السؤال والطلب. قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾: فيه جواز التوسّل بصفات اللَّه تعالى المنفية, في الدعاء, وأن من معاني ((الصمد)) هذه المنفيات عنه تعالى. وهذا الدعاء الجليل فيه مظنّة اسم اللَّه الأعظم؛ لتضمنّه أعظم

стр. 429

الأسماء الحسنى ((اللَّه)) , فينبغي الإكثار من الاعتناء به في حال الدعوات. ١٠٤ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ [وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ] الْمَنَّانُ [يَا] بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ [الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ])) (١). [المفردات]: المنان: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى, أي كثير العطاء، من المنَّة بمعنى النعمة، أو النعمة الثقيلة, أي صاحب النعم المتتالية دون طلب عوض, وغرض. بديع السموات والأرض: أي مبدعهما بمعنى مخترعهما ومنشئهما على غير مثال سابق. ذا الجلال والإكرام: ذو الجلال: صاحب العظمة والكمال والإكرام: هو سعة الفضل، والجود بما ليس له حدود.

стр. 430

الحي: اسم من أسمائه تعالى، وهو الذي له الحياة الدائمة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات. القيوم: اسم من أسمائه تعالى: وهو القائم بنفسه، فلم يحتج إلى أحد، والمقيم لغيره بالتدبير والإصلاح, وكل صفات الفعل ترجع إلى هذا الاسم الجليل. الشرح: بدأ بمقدمة من الثناء على اللَّه تعالى، واستحقاقه الحمد بكل أنواعه، وإثبات وحدانيته وألوهيته بالعبادة دون غيره, ثم ذكر جملاً من أسمائه الحسنى، مقدمة بين يدي دعائه, فجمع بين التوسل بالعمل الصالح للَّه تعالى، توسّلاً بما له من الكمالات التي لا تُحصى, رجاء عظيماً في قبول دعوته؛ لما شملته من أسمى مطلب في الدنيا والآخرة, وهو مغفرة الذنوب, واستعاذة من أعظم مرهوب، وهو النار. قوله: ((يا بديع السموات والأرض)): يا خالق ومنشئ السموات والأرض على غير مثال سابق. قوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)): يا صاحب العظمة، والكبرياء، والمجد، ويا واسع الفضل والجود والكرم, تُكرم أولياءك، وخواصّ خلقك، بأنواع الكرم والجود، بما ليس له حدود، ولا مُقيّد بقيود. قوله: ((يا حي يا قيوم)): يا دائم الحياة الذي ليس لك ابتداء، وليس لك فناء، ولا انتهاء، يا قائم بتدبير الخلق, والغني عن كل الخلق، الكلّ مفتقرٌ إليك، ومحتاجٌ لك.

стр. 431

قوله: ((إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار)): بعد ثنائه على اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا، شرع في سؤال أعظم مطلب، وهو الجنة، واستعاذ من أشد مرهب، وهو النار والعياذ باللَّه. قوله ﷺ : ((لقد دعا اللَّه تعالى باسمه الأعظم)): والاسم الأعظم من ثمرات الدعاء به أنه يفيد أصل التعجيل، أو زيادته، وكمالاً في المستجاب، أو في بدل المدعو به (١)، فهو لا شك له أكبر الأثر في قبول وإجابة الدعاء، فحريٌ الاعتناء به أشد العناية، حتى يتكرّم ربنا بإعطائنا ما نرجوه في العاجل والآجل. ١٠٥ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، الأَحَدُ، الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) (٢). المفردات: الأحد: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى، ومعناه الفرد الذي لا نظير له، ولا شبيه له في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على اللَّه تعالى.

стр. 432

الصمد: في اللغة ((القصد))، وهو اسم من أسمائه تعالى، والمعنى هو السيد الذي يُقصد بالسؤال والرغبة والرهبة والحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده، فلا أحد فوقه جلَّ وعلا، وهو الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب. كفواً أحد: أي لا مثيلاً، ولا نظيراً لكماله تعالى على الإطلاق من كل الوجوه. الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه)): أي أسألك يا اللَّه بأني أقر وأشهد أنك أنت المعبود بحق، لا أحد سواك, وهذا قسم استعطافي، أي: أسألك باستحقاقك لتلك الصفات الثبوتية، والسلبية (١). قوله: ((الأحد الصمد)): أي أسألك باسمك الأحد الذي لا نظير له، ولا شبيه، ولا عديل، المنفرد بالربوبية، والألوهية, لكمال أسمائك وصفاتك وأفعالك، وأنت السيد الذي ليس فوقك أحد, وأنت الذي تصمد القلوب لك بالسؤال والحاجة. قوله: ((الذي لم يلد ولم يولد)): الذي ليس له ولد، ولا والد، ولا صاحبة, وهذا النفي متضمن لكمال غناه، وعدم حاجته جل وعلا لأحد من خلقه. قوله: ((ولم يكن له كفواً أحد)): أي ليس لك مماثل، ولا شبيه، ولا نظير في ذاتك، ولا في صفاتك، ولا في أفعالك بوجه من

стр. 433

الوجوه, وهذا النفي متضمّن لكماله تعالى من كل الوجوه في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله . قوله ﷺ : ((لقد سألت اللَّه باسمه الأعظم)): فيه دلالة أن للَّه اسماً أعظم، إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى, وفيه دلالة على تفاضل بين أسماء اللَّه تعالى، فهناك اسم أعظم، وهناك اسم عظيم، فأسماء اللَّه وصفاته كلها عظيمة، لا نقص فيها البتة، لكن بيّن النبي ﷺ أن هناك اسماً، هو أعظم الأسماء، مذكور في هذا الحديث، والذي قبله، واللَّه تعالى أعلم. وقد اختلف العلماء في تحديد اسم اللَّه الأعظم ، والذي عليه الأكثر هو اسم الجلالة ((اللَّه)) وذلك: ١ - أنه الاسم الذي ورد في كل الأحاديث التي أخبر بها المصطفى ﷺ أن فيها اسم اللَّه الأعظم. ٢ - أنه أكثر اسم ورد في كتاب اللَّه تعالى ، حيث ورد (٧٢٤) مرة. ٣ - هو الاسم جامع لجميع معاني أسماء اللَّه تعالى الحسنى ، متضمن لسائر صفاته العلا؛ ولهذا يضيف تعالى سائر الأسماء إليه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). فيقال: ((الرحمن))، ((الرحيم)) من أسماء اللَّه, ولا يقال ((اللَّه من أسماء الرحمن)) (٢). ١٠٦ - ((رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ)) (٣).

стр. 434

الشرح: سبب هذا الدعاء ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعدَّ لرسول اللَّه ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة ((رب اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور))، وفي لفظ: (الرحيم). فإذا كان المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﷺ يعدّون له طلب المغفرة بهذا العدد الجمّ، فكيف بنا ونحن نخطئ بالليل والنهار ما اللَّه به عليم، فمن باب أولى أن نجتهد بأكثر من ذلك العدد، وهذه رحمة من اللَّه لعباده، فإن العباد خطاؤون كما قال ﷺ : ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) (١). فجعل اللَّه تعالى لهم كفارة بما يقعون به، وليعلم أن الخطأ الذي يصدر من بني آدم له سببان: إما تقصير في واجب، أو فعل المحرم، ولا يخلو أي عبد من ذلك، فجعل الدواء الاستغفار.

стр. 435

قوله: ((رب اغفر لي)) توسل بربوبية اللَّه العظيمة في أن يستر اللَّه على عبده الذنب ويتجاوز عنه. قوله: ((وتب عليَّ)) أي وفّقنا للتوبة فنتوب، والتوبة من العبد: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة ومن اللَّه : هي توفيق العبد للتوبة ثم قبولها منه. قوله: ((إنك أنت التواب الغفور)) , تعليل للطلب، فهي وسيلة يتوسّل بها الداعي إلى حصول المطلوب, والتوّاب هو: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى على صيغة المبالغة على وزن ((فعال)) (١)؛ لكثرة من يتوب اللَّه عليهم، وكثرة توبته على العبد. والغفور: هو الذي يستر ذنوب عباده، ويغطّيهم بستره (٢)، ولا يخفى في ختام بهذين الاسمين ما يناسب المطلوب، وهذا الذي ينبغي للداعي أن يتوسل إلى ربه بأسمائه الحسنى بما يناسب مطلوبه, تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣). ١٠٧ - ((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ

стр. 436

وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمَاً لاَ يَنْفَدُ، وأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تَنْقَطِعْ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعَدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأْلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)) (١). هذا الدعاء كبير النفع، عظيم الشأن، وغزير الفوائد؛ لما فيه من معانٍ ومقاصد جليلة , ومطالب عالية في العقيدة والأخلاق والعبادات الظاهرة والباطنة، ففيه: ١ - توسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا . ٢ - وتفويض الأمور إلى اللَّه تعالى . ٣ - والتوكل عليه جل وعلا . ٤ - وسؤاله التوفيق إلى كمال العبودية من العبادات .

стр. 437

٥ - وفيه سؤال أعلى نعيم الآخرة, وأعلى نعيم الدنيا , وغير ذلك من المطالب المهمة. وإنما تعظم فائدة هذا الدعاء، وغيره من الأدعية، في فهم معانيها، والتدبر في دلالاتها, ومقاصدها النفيسة، والمجاهدة في تحصيل تحقيقها: قولاً، وفعلاً، والإكثار منها في السؤال والطلب. المفردات: قوله: ((القصد)): التوسط والاعتدال. قوله: ((نعيماً لا ينفد)): أي لا ينقطع ولا ينتهي. قوله: ((قرة عين لا تنقطع)): ما تقرّ به العين من لذة وسرور. قوله: ((برد العيش)): أصل البرد في الكلام: السهولة. قوله: ((خشيتك)): خوف مقترن مع تعظيم. قوله: ((ضراء)): عكس السراء, وهي الحال المضرة. قوله: ((فتنة)): الاختبار والامتحان. ... الشرح: قوله: ((اللَّهم بعلمك الغيب)): الباء للاستعطاف والتذلّل, أي أنشدك بحق علمك ما خفي على خلقك (١)، ولم يخف عليك مما استأثرت به, فيه تفويض العبد أموره إلى اللَّه جل شأنه, وطلب الخيرة في أحواله، وشأنه منه جل وعلا, وتوسلاً إليه سبحانه

стр. 438

وتعالى بعلمه الذي وسع كل شيء, وأحاط بكل شيء. قوله: ((وبقدرتك على الخلق)): توسل لكمال قدرته النافذة على جميع المخلوقات: إنسها، وجنّها، وملائكتها، وهذا توسل بصفة القدرة بعد صفة العلم، أرجَى في قبول الدعاء واستجابته؛ لأن التوسل بأسماء اللَّه وصفاته كما سبق مراراً هو أكبر الوسائل التي يرجى معها استجابة الدعاء. ((وينبغي أن يعلم أن الحاجات التي يطلبها العبد من اللَّه تعالى نوعان: النوع الأول: ما عُلِم أنه خير محضٍ ، كسؤال خشيته من اللَّه تعالى, وطاعته وتقواه، وسؤال الجنة، والاستعاذة من النار, فهذا يطلب من اللَّه تعالى بغير تردد، ولا تعليم بالعلم بالمصلحة؛ لأنه خير محض. النوع الثاني: ما لا يعلم هل هو خير للعبد أم لا ، كالموت والحياة، والغنى والفقر، والولد والأهل، وكسائر حوائج الدنيا التي يجهل عواقبها، فهذه لا ينبغي أن يُسأل اللَّه منها إلا ما يعلم فيه الخيرة للعبد؛ لأن العبد جاهل بعواقب الأمور، وقد تضمّن الدعاء في هذا الحديث النوعين معاً؛ فإنه لما سأل الموت والحياة قيّد ذلك بما يعلم اللَّه تعالى أن فيه الخيرة لعبده, ولما سأل الخشية وما بعدها مما هو خير صرف جزم به، ولم يقيّده بشيء)) (١). ولهذا ينبغي للعبد أن يفقه في باب الدعاء، ما يدعو به؛ لأنه يدعو رب الأرض والسموات، فينبغي أن يتخيَّر لمولاه أجمل

стр. 439

الألفاظ، وأحسن المعاني، وأنبل الأماني. قوله: ((أحيني ما علمت الحياة خيراً لي)): أسألك بأن تحيني حياة طيبة، بأن يغلب خيري على شرّي, بأن أتمسك بشريعتك، متبعاً لسنة نبيك ﷺ ، إذا كانت الحياة خيراً لي, وفي هذا تفويض كامل للَّه تعالى, وتقديم اختياره تعالى على اختيار نفسه, لعجزه، وضعف اختيار العبد لنفسه، فهو عاجز عن تحصيل مصالحه، ودفع مضارّه إلا بما أعانه اللَّه عليه، ويَسَّره له, وفيه كذلك حسن الظن باللَّه جل وعلا بكمال أفعاله، وصفاته المقترنة بكمال الحكمة والعلم والعدل. قوله: ((وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)): بأن تغلب سيئاتي على حسناتي, بأن تقع الفتن والفساد والشر في الدين، ففي هذه الحال يكون الموت خيراً لما فيه من الراحة للمؤمن، والسلامة من البلايا؛ ولهذا جاء النهي في السنة عن تمني الموت لضُر نزل بالعبد لجهله بالعواقب، ففي صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: ((لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ)) (١). أي علّة النهي عن تمني الموت بأن العبد إن كان محسناً فحياته يرجى أن يزداد بها إحساناً، وإن كان مسيئاً فإنه يسترضي اللَّه بالإقلاع عن الذنوب، وطلب المغفرة. ثم شرع في سؤال المنجيات الثلاث كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : ((ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ

стр. 440

بِنَفْسِهِ، وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ: خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَكَلِمَةُ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ)) (١). قوله: ((وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة)): أي أسألك يا إلهي دوام الخشية مع الخوف في السر والعلن، والظاهر والباطن في حال كوني مع الناس، أو غائباً عنهم، فإن خشيتك رأس كُل خير، فقد مدح اللَّه جل وعلا في عدة آيات من يخشاه بالغيب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٣). ((وقد فُسّر الغيب في هذه الآيات بالدنيا؛ لأن أهلها في غيب عما وعدوا به من أمر الآخرة، والموجب لخشية اللَّه تعالى في السر والعلانية، أمور منها: ١ - قوة الإيمان بوعده ووعيده على المعاصي . ٢ - النظر في شدة بطشه وانتقامه وقوته وقهره . ٣ - قوة المراقبة للَّه، والعلم بأنه شاهد ورقيب على قلوب عباده

стр. 441

وأعمالهم، وأنه مع عباده، حيث كانوا)) (١). قوله: ((وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب)): وهذا المطلب عزيز جداً يقلّ في واقع العبد، لذلك سأله ربَّه تعالى، وأسألك يا اللَّه النطق بالحق في جميع أحوالي، في حال غضبي، وفي حال رضاي، فلا أداهن في حال رضى الناس وغضبهم عليَّ، ويكون الحق مقصدي في جميع الأحوال. قوله: ((وأسألك القصد في الغنى والفقر)): وبأن أكون مقتصداً معتدلاً في حال غناي وفقري، فلا أنفق في الغنى بسرف، ولا طغيان، ولا أضيّق في حال فقري خوف نفاد الرزق، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢). والقوام هو القصد، والتوسّط، وفي كل الأمور. قوله: ((وأسألك نعيماً لا ينفد)): أي أسألك نعيماً لا ينقضي، ولا ينتهي، وليس ذلك إلا نعيم الآخرة، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٣)، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٤) أي في الجنة، فهو دائم لا ينتهي ولا ينقص. ((أما نعيم الدنيا فهو نافد، كما أن الدنيا كلها نافذة، وكأنه حين

стр. 442

ينزل به الموت وسكراته لم يذق نعيماً من نعيم الدنيا)) (١). قوله: ((وأسألك قرة عين لا تنقطع)): وقرة العين هي من جملة النعيم الذي أسأله في الدنيا والآخرة؛ لأن النعيم منه ما هو منقطع، ومنه ما لا ينقطع، فمن قرّت عينه بالدنيا فقُرَّة عينه منقطعة، سروره فيها زائل؛ لأن لذاتها مشوبة بالفجائع والمنغصات، فلا تقرَّ عين المؤمن في الدنيا إلا باللَّه ، وذكره ومحبته والأنس به، والمحافظة على طاعته في الليل والنهار، ومن أعظمها الصلاة، كما قال المصطفى ﷺ : ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) (٢)، وقرّة العين في الآخرة تشمل النعيم في البرزخ، وفي الجنة، وقرّة العين التي لاتنقطع هي التي لا تنتهي، فإنّ من قرَّت عينه باللَّه جلّ وعلا فقد حصلت له قرة عين لا تنقطع في الدنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة. قوله: ((وأسألك الرضى بعد القضاء)): سأل الرضى بعد حلول القضاء؛ لأنه حينئذ تتبين حقيقة الرضا، وأما الرضى قبل القضاء، فهو عزم ودعوى من العبد، فإذا وقع القضاء، فقد تنفسخ العزائم، وسؤال اللَّه الرضى بعد القضاء يتضمن الرضا بما فيه من خير أو شر، فأما في الخير فيرضى ويقنع به ولا يتكلف في طلب

стр. 443

الزيادة، ويشكر على ما أوتي به. وأما في الشر فيصبر، ولا يتكلّف في طلب الزيادة، ويشكر على ما أوتي به، وأما في الشر فيصبر ولا ينزعج ولا يتسخّط، ويتلّقاه بوجهٍ منبسطٍ، وخاطرٍ منشرحٍ، وشكرٍ مستمرٍّ (١)، والرضى بالقضاء مقام عظيم، من حصل له فقد ﵁، فإن الجزاء من جنس العمل، قال اللَّه تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢). ((قال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين)) (٣). قوله: ((وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت)): أي أسألك الراحة بعد الموت، ويكون ذلك برفع الروح إلى الجنان في عليين، وهذا يدل على أن العيش وطيبه، وبرده، إنما يكون بعد الموت للمؤمن، فإن العيش قبل الموت منغصٌ لما فيه من الهموم والغموم. قوله: ((وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك)): جمع هذا الدعاء أطيب وأهنأ شيء في الدنيا، وهو الشوق إلى لقاء اللَّه ، وأنعم وأطيب شيء في الآخرة هو النظر إلى وجه اللَّه الكريم، الذي لا شيء أجمل، ولا أنعم، ولا أهنأ من رؤيته، فعن صهيب ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يَقُولُ اللهُ ﵎: تُريدُونَ شَيئاً أَزيدُكُمْ؟ فَيقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ

стр. 444

وُجُوهَنَا؟ ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قال: فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ )) (١)، فهو أعظم من كل نعيم في الجنة وما فيها. قوله: ((في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مُضلة)): أي أسألك شوقاً لا يوجد فيه ما يُضرني في ديني، ولا في دنياي بأن أحيا حياة خالية من الضرّ والبلاء الذي لا صبر عليه، وخالية من الفتن المضلّة، الموقعة في الحيرة، ومفضية إلى الهلاك. قوله: ((اللَّهم زَينا بزينة الإيمان)): يا اللَّه زيَّن بواطننا وظواهرنا بزينة الإيمان، فتشمل زينة الباطن بالاعتقاد الصحيح، واليقين الثابت، وزينة اللسان بالذكر والقرآن، وزينة الظاهر بالأعمال الصالحة، والطاعة الدائمة، فإن الزينة الكاملة النافعة الدائمة، هي زينة الإيمان والتقوى إذا شملت القلب والبدن. فقد سمَّى اللَّه تعالى التقوى لباساً، وأخبر أنها خير من لباس الأبدان ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٢) (٣). قوله: ((واجعلنا هداة مهتدين)): بأن نهدي أنفسنا، ونهدي غيرنا، وهذا أفضل الدرجات، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٤)، وكما في دعاء النبي ﷺ لمعاوية ﵁: ((اللَّهم اجعله هادياً

стр. 445

مهدياً، واهده، واهد به)) (١). ووصف الهداة بالمهتدين، وذلك أن يكون العبد عالماً بالحق متبعاً له، معلّماً لغيره ومرشداً له، ((ويدخل فيمن دعا إلى الهدى، ومن دعا إلى التوحيد من الشرك إلى السنة من البدعة)) (٢)، فحقّ على الداعي أن يعتني بهذا الدعاء العظيم الجامع والشامل لكل خيرات الدنيا والآخرة. ١٠٨ - ((اللَّهُمَّ ارزُقني حُبَّكَ، وحُبَّ مَنْ يَنْفَعُني حُبُّهُ عندَك ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَني مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَ مَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغاً لِي فِيمَا تُحِبُّ)) (٣). المفردات: ((زويت)): صرفت ومحيت.

стр. 446

الشرح: قوله: ((اللَّهم ارزقني حُبَّك)): اللَّهم ارزقني بفضلك حُبك، لأنه لا سعادة لقلبي، ولا لذة، ولا نعيم، ولا صلاح إلا بأن تكون أحب إليّ من كل شيء مما سواك، وارزقني حُبَّ نبينا محمد ﷺ باتباعه، لا ينفعني عندك إلا حُبُّه، وارزقني حبَّ أوليائك كالملائكة، والأنبياء، والمؤمنين. قوله: ((اللَّهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب)): اللَّهمّ أسألك ما رزقتني مما أحب من عافية البدن وقوته، ومتاع الدنيا من المال والأولاد والفراغ، فاجعله قوّة وعدّة وإعانة لي فيما تحبّ بأن تصرفه فيما تحبّه وترضاه من الطاعة والعبادة، من الأقوال والأفعال. قوله: ((اللَّهمّ ما زَويْت عنِّي مما أحبّ، فاجعله فراغاً لي فيما تُحبّ)) اللَّهمّ ما صرفت ومحوت عني من محابّي من المال والأولاد، وزخرف الدنيا وزينتها، فاجعله سبباً لفراغي بمحابّك من الطاعة، والعبادة لك، ولا تشغل به قلبي وفكري، فيُشغَل عن ذكرك يا اللَّه. سأل اللَّه تعالى التوفيق إلى محابّه في كل أحواله؛ لأن محبة اللَّه تعالى هي أعظم العون على القيام بطاعته تعالى، واجتناب مناهيه، فينبغي للعبد الإكثار من سؤال اللَّه ﵎ محبّته؛ لأنها أعظم المطالب، وأسمى المراتب. قد انطوى تحت هذا الحديث عدّة مقامات عظيمة: مقام الحب،

стр. 447

ومقام التوحيد، ومقام الصبر، ومقام الشكر، ومقام الرضى، ومقام التسليم، ومقام الأُنس، ومقام البسط، ومقام التمكين، وغير ذلك، ولم يجتمع مثلها في حديث قصير إلا قليلاً، فأنت ترى جُلّ مقامات العبودية قد دخلت فيه (١). ١٠٩ - ((اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْهَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ)) (٢). الشرح: قوله: ((اللَّهم طهّرني من الذنوب والخطايا، اللَّهم نقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)): جمع بين طهارة الذنوب ونقائها، مبالغة في سؤال اللَّه السلامة من الذنوب، ومحو أثرها، كنقاء وصفاء الثوب الأبيض من الوسخ، لأن التطهير فيه أظهر من أي لون آخر. ثم سأل اللَّه تعالى التطهير بأنواع المغفرة التي تمحق الذنوب، وذكر التطهير بأنواعه الثلاثة: ((الثلج، والبرد، والماء البارد))، تعبير عن غاية المحو، فإن الثواب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقيّة، يكون في غاية النقاء، فذكر أنواع التطهير مبالغة في توكيد التطهير،

стр. 448

وخصَّ هذه الثلاثة بالذكر كذلك؛ لأنها منزلة من السماء، ولا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بواحدة منها، فكان تبياناً لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها، أي: طهّرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمنزلة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث والأنجاس، وفي سؤال اللَّه تعالى المغفرة يتضمّن سؤال اللَّه تعالى العصمة من اقتراف الذنوب بكل أنواعها وأشكالها (١). ١١٠ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ)) (٢). الشرح: تكرّرت في دعوات النبي ﷺ الاستعاذة من هذه المطالب المهمّة؛ لأن فيها يقع الضرر في الدين والدنيا، وذلك أن البخل: يمنع من أداء الواجبات المالية المفروضة على العبد، كالزكاة،

стр. 449

والإنفاق على من تجب عليه النفقة: كالوالدين، والزوجة، والذرية، وغير ذلك، واستعاذ من ((الجبن)) الذي هو ضدّ الشجاعة والإقدام، وهو صفة ذميمة، يؤدي إلى عدم الوفاء بكثير من الواجبات الشرعية، كالجهاد في سبيل اللَّه، والصدع بالحق من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك. قوله: ((وسوء العمر))، هو البلوغ إلى حدّ الهرم، مما يؤدي إلى الخرف من ذهاب العقل، فيصبح كالطفل في قلّة الفهم، وضعف القوّة الذهنية والبدنية، فيصبح عالة على الأهل. قوله: ((وأعوذ بك من فتنة الصدر)): هو استعاذة بكل ما ينطوي عليه الصدر من الغلّ، والحسد، والشكوك، والوسواس، وعقيدة غير مرضية من سوء الاعتقاد، ((وعذاب القبر))، فإنه حق ثابت في الكتاب والسنة، وقد كان ﷺ يستعيذ منه في كل صلاة لخطورة أمره. ١١١ - ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ حَرِّ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) (١).

стр. 450

المفردات: ((الرب)): هو: السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح. ((جبريل)): المَلَك الموكّل بالوحي. ((ميكائيل)): الموكل بالقطر، والنبات. ((وإسرافيل)): المَلَك الموكل بالنفخ في الصور. الشرح: قوله: ((اللَّهم رب جبريل)): فيه توسّل إلى اللَّه بربوبية جبريل، وهو الموكل بالوحي الذي فيه حياة القلوب، وهدايتها. قوله: ((ورب ميكائيل)): وهو توسّل بربوبية اللَّه لميكائيل الموكل بالقطر والنبات الذي فيه حياة الأرض والحيوان. قوله: ((ورب إسرافيل)): وهو الموكل بالنفخ بالصور الذي هو سبب حياة العالم، وعودة الأرواح إلى الأشباح. فوجه تخصيص السؤال بربوبيته لهؤلاء الملائكة، وهو ربّ كلّ شيء لانتظام هذا الوجود بهم؛ ولأنهم أشرف الملائكة؛ لما أنها موكلة بالحياة بأنواعها، والإتيان على هذا الترتيب لفضل مراتبهم بالذكر. فالتوسل إلى اللَّه بربوبيته لهذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير في حصول المطلوب (١).

стр. 451

قوله: ((أعوذ بك من حرِّ النار)): سأل اللَّه النجاة من النار بعد توسله بربوبيته العظيمة لهذه الأملاك العظيمة؛ لعظم أمرها، وخطورة شأنها، وشدّة هولها، وهذا من أفضل أنواع التوسل قبل الدعاء كما تقدم. قوله: ((وعذاب القبر)): القبر هو أول منزل من منازل الآخرة، فعَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ ﵁، قَالَ: ((كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: ((إنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ، فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ)). قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْه)) (١). فعذاب القبر حق وثابت؛ ولهذا كان المصطفى ﷺ يأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة، فلا ينجو منه إلا المؤمن الموحِّد المُخلِص. ١١٢ - ((اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي)) (٢).

стр. 452

المفردات: الرشد: خلاف الغي، يستعمل استعمال الهداية (١). الشرح: سأل اللَّه تعالى أن يوقع في نفسه الرشد، وهو طاعة اللَّه ورسوله، كما أرشد النبي ﷺ خطيباً في خطبته: ((من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعص اللَّه ورسوله فقد غوى)) (٢). أي: يا اللَّه، يا ذا الأسماء الحسنى، والصفات العُلا, ألقِ في نفسي الهداية, والصلاح, والرشاد، والسداد, واعصمني من شرِّ نفسي؛ لأنها أمَّارة بالسوء, فشرّ النفس أحد منابع الشر وأصوله، وطرقه المؤدية إلى الهلاك، إذا لم يعصم اللَّه تعالى العبد منها, قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ١١٣ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ)) (٤).

стр. 453

الشرح: أمر رسولنا ﷺ أن نسأل اللَّه علماً نافعاً، وهو الذي يُهذِّب الأخلاق الباطنة، فيسري إلى الأعمال الظاهرة, فيصلح الظاهر، والباطن, والعلم النافع هو العلم بالشريعة الذي يفيد المكلف ما يجب عليه من أمور دينه في عباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، وسلوكه. وأفضل العلوم النافعة في الوجود، وأولاها: العلم باللَّه جلّ شأنه، وأسمائه، وصفاته، [وأفعاله]، [و] الذي يجوز في حقه تعالى، وما لا يجوز, فهذا هو أعظم العلوم وأنفعها, ومن علامة إرادة اللَّه الخير لعبده, التوفيق لطلب العلم وتفقهه، قال النبي ﷺ : ((من يرد اللَّه به خيراً يفقهه في الدين)) (١). قوله: ((وتعوذوا باللَّه من علم لا ينفع)): وهو العلم الذي لا يُعمل به، ولا يُعلمه، ولا ينتفع به، ولا يُهذِّب الأخلاق والأقوال والأفعال, وهذا حجة على صاحبه، ويدخل كذلك في علم لا ينفع من لا يؤذن في تعلمه، كالعلوم الفاسدة، مثل: السحر وغيرها. ١١٤ - ((اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ [السَّبْعِ] وَرَبَّ الْأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ،

стр. 454

أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ)) (١). المفردات: الفلق: بسكون اللام, وهو الشق. ... الشرح: هذا دعاء عظيم، ذو شأن كبير؛ لما فيه من التوسلات العظيمة إلى اللَّه ﵎ بربوبيته لكل شيء, والتي منها الأجرام العظيمة من السموات السبع, والأرضين السبع, وأعظم المخلوقات العرش العظيم, وبإنزاله لكلامه العظيم، ووحيه المبين، بأن يحفظه من جميع الشرور, كما اشتمل على التوسل إلى اللَّه جل وعلا ببعض أسمائه الحسنى الجليلة، الدالة على كمال صفاته العظيمة، بأن يقضي عن الإنسان دينه، ويغنيه من الفقر. قوله: ((اللَّهم رب السموات السبع, ورب الأرض، ورب العرش العظيم)): أي يا خالق هذه الكائنات العظيمة ومبدعها، وموجدها من

стр. 455

العدم, وخُص بربوبيته لهذه المخلوقات بالذكر؛ لعظمها وكبرها, ولكثرة ما فيها من الآيات البينات, والدلالات الباهرات على كمال خالقها وعظمة مبدعها (١)، قال اللَّه تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقوله: ((رب العرش العظيم)) توسل بربوبيته لأعظم المخلوقات كما روى عبد الرحمن بن زيد قال: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس))، قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ، إِلَّا كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الْأَرْضِ)) (٣)، والكرسي أكبر من السموات والأرض ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٤)، فانظر رحمك اللَّه إلى عظم هذا العرش العظيم بهذه العظمة والسعة والمجد، فكيف بخالقه وموجده ومبدعه؟ تبارك ربنا وتعالى الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقوله: ((فالق الحب والنوى)): منه الفلق، وهو الشق أي: شاق حبة الطعام والنوى، وهي: عجمة التمر؛ لتخرج الأشجار والزروع؛ فإنَّ النباتات إما أشجار أصلها نوى، أو زروع أصلها الحب، فاللَّه

стр. 456

لكمال قدرته، وبديع خلقه هو الذي يفتح هذا الحبّ والنوى اليابس الذي كالحجر لا ينمو ولا يزيد، فينفرج وتخرج منه الزروع العظيمة، والأشجار الكبيرة، وفي هذا آية باهرةٌ على كمال المبدع، وعظمة خالقه كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) (٢)، ((والتخصيص في ذكرهما إما لفضلهما، واحتياج كل الخلائق لهما، أو لكثرة وجودهما في ديار العرب)) (٣)، ولا شك أن كلا الأمرين متعين فيهما. قوله: ((ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان)): فيه توسُّل إلى اللَّه بإنزاله لهذه الكتب العظيمة المشتملة على هداية الناس، وفلاحهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وخص هذه الكتب الثلاثة؛ لأنها أعظم كتب أنزلها اللَّه تعالى، وذكرها مرتبة ترتيباً زمنياً، ((والفرقان)) هو القرآن (٤)، وسُمِّي فرقاناً لأنه يفرق بين الحق والباطل، وفي هذا دلالة على أن هذه الكتب من كلام اللَّه، أي صفة من صفاته، وهي صفة الكلام العظيمة، وهي صفة ذات وفعل، ولهذا فرق جل وعلا في هذا الدعاء بينهما، ففي المخلوقات قال: ((رب)) و ((وفالق))، وفي كلامه ووحيه قال: ((مُنزل))؛ لأن كلامه تعالى غير مخلوق. ثم شرع بسؤال مطلوبه بعد ذكر هذه الوسائل العظيمة طمعاً في

стр. 457

حصول الإجابة. قوله: ((أعوذ بك من شرِّ كل شيء أنت آخذ بناصيته)): شملت هذه الاستعاذة على كل الشرور، فإن (كل) من صيغ العموم، (شيء) أعم العمومات، فما من شر إلا وقد استعيذ منه. وأعوذ: أي ألتجيء، وأعتصم بك، وأحتمي بجانبك: فمن استعاذ بك عذته. قوله: ((ومن شر كل دابة)) الدابة: هي كل ما يدبُّ على الأرض، وهو يشمل الذي يمشي على بطنه، أو على رجلين، أو على أربع، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). قوله: ((أنت آخذٌ بناصيتها))، والناصية هي مقدم الرأس، فيه دلالة على أن كل المخلوقات داخلةٌ تحت قهره وسلطانه وتصرفه قادرٌ عليها، يتصرف فيها كيف يشاء، ويحكم فيها ما يريد عز شأنه. ثم شرع في التوسل ببعض أسمائه الحسنى، وصفاته العظيمة العُلا فقال: ((اللَّهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء)): أي يا اللَّه، أنت الأول الذي لا شيء قبلك، ولا معك، وأنت الآخر الباقي بلا انتهاء، بعد فناء كل شيء، وأنت ((الظاهر فليس فوقك شيء)): أي أنت العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منك، ((وأنت الباطن)): أي أنت المطلع على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا، وأنت المحتجب عن الخلق، فلا يقدر أحد على

стр. 458

إدراك ذاتك مع كمال ظهورك. ومدار هذه الأسماء الأربعة على بيان إحاطة الرب ، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، أما الزمانية فقد دل عليها اسمه الأول والآخر، والمكانية فقد دل عليها اسمه الظاهر والباطن، وهذا مقتضى تفسير النبي ﷺ ، ولا تفسير أكمل من تفسيره (١). قوله: ((اقض عنَّا الدين)) فبعد تلك التوسلات الجليلة من أسمائه العليَّة شرع في السؤال والطلب: أي أدِّ عنا الحقوق التي بيننا وبينك، والحقوق التي بيننا وبين عبادك، وفي هذا تبرؤ العبد من الحول والقوة، وأنه لا حول له ولا قوة له إلا باللَّه العظيم. قوله: ((وأغننا من الفقر)) الغنى: هو عدم الحاجة لوجود الكفاية، والفقر: خلو ذات اليد، والفقير من وجد بعض كفايته، أو لم يجد شيئاً، والديْن والفقر همّهما عظيم يصيب العبد بسببهما الهم والحزن، وقد يوقعان الضرر في الدين والدنيا من ذل السؤال، والاحتياج إلى الخلق، والوقوع في المحذورات الشرعية من الكذب والإخلاف في الوعد، والتثاقل عن الطاعات، وغير ذلك الكثير من المذمومات (٢). ١١٥ - ((اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ،

стр. 459

وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمِكَ مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لَهَا، وَأَتِمِمْهَا عَلَيْنَا)) (١). المفردات: ألف: اجتماع مع التئام. الفواحش: قبائح الذنوب والكبائر مثل الزنى واللواط (٢). الشرح: قوله: ((اللَّهم ألف بين قلوبنا)): أي اجعل بينها الإيناس والمودة والتراحم؛ لنثبت على الإسلام، ونقوى على الإيمان؛ لنصرة دينك، ونكون على قلب واحد كالجسد الواحد. قوله: ((وأصلح ذات بيننا)): أبعد عنا يا اللَّه الشحناء والفراق والشقاق بين الخصماء، لنكون على المحبة والإخاء فيما بيننا. قوله: ((واهدنا سبل السلام)): سُبل: جمع سبيل، وهي الطرق: أي دلنا ووفقنا إلى الطريق الذي فيه السلامة من الآفات والمهلكات

стр. 460

والضلالات، بالقيام بصالح الأعمال: من الواجبات والمستحبات، واجتناب المحرمات والمكروهات، حتى توصلنا إلى دار السلام وهي الجنة ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١). قوله: ((ونجنا من الظلمات إلى النور)): أي انقذنا من ظلمات الدنيا والتي أعظمها: الشرك، والكفر، والنفاق، والفسوق، والمعاصي، والشرور إلى نور الطاعات والصالحات، والتي أعظمها: الإيمان، والتوحيد الخالص للَّه، جَمَعَ كلمة ((ظلمات)) وَوَحَّد ((النور))؛ لأن طرق الشر كثيرة، وطريق الحق واحد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ (٢). قوله: ((وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)): أي أبعد عنا قبائح الذنوب القولية والفعلية التي تستقبحها كل العقول السليمة: الظاهرة منها، والباطنة، مثل: الزنى، واللواط، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾ (٣)، فسمَّاها اللَّه فواحش لتناهي قبحها، ففيه بيان أن العبد لا قوة له إلا باللَّه تعالى، لضعفه وعجزه في دفع الشرور، والسيئات، والمهلكات، وأنه لا غنى له عن ربه طرفة عين في كل أموره. قوله: ((وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا)): فيه سؤال اللَّه أن توظَّفَ هذه الأعضاء في الطاعات، والزيادة في الخيرات؛ فإن البركة هي النماء في الخير، والدوام عليه.
следующие страницы →