← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لكمال قدرته، وبديع خلقه هو الذي يفتح هذا الحبّ والنوى اليابس الذي كالحجر لا ينمو ولا يزيد، فينفرج وتخرج منه الزروع العظيمة، والأشجار الكبيرة، وفي هذا آية باهرةٌ على كمال المبدع، وعظمة خالقه كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) (٢)، ((والتخصيص في ذكرهما إما لفضلهما، واحتياج كل الخلائق لهما، أو لكثرة وجودهما في ديار العرب)) (٣)، ولا شك أن كلا الأمرين متعين فيهما. قوله: ((ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان)): فيه توسُّل إلى اللَّه بإنزاله لهذه الكتب العظيمة المشتملة على هداية الناس، وفلاحهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وخص هذه الكتب الثلاثة؛ لأنها أعظم كتب أنزلها اللَّه تعالى، وذكرها مرتبة ترتيباً زمنياً، ((والفرقان)) هو القرآن (٤)، وسُمِّي فرقاناً لأنه يفرق بين الحق والباطل، وفي هذا دلالة على أن هذه الكتب من كلام اللَّه، أي صفة من صفاته، وهي صفة الكلام العظيمة، وهي صفة ذات وفعل، ولهذا فرق جل وعلا في هذا الدعاء بينهما، ففي المخلوقات قال: ((رب)) و ((وفالق))، وفي كلامه ووحيه قال: ((مُنزل))؛ لأن كلامه تعالى غير مخلوق. ثم شرع بسؤال مطلوبه بعد ذكر هذه الوسائل العظيمة طمعاً في

стр. 457

حصول الإجابة. قوله: ((أعوذ بك من شرِّ كل شيء أنت آخذ بناصيته)): شملت هذه الاستعاذة على كل الشرور، فإن (كل) من صيغ العموم، (شيء) أعم العمومات، فما من شر إلا وقد استعيذ منه. وأعوذ: أي ألتجيء، وأعتصم بك، وأحتمي بجانبك: فمن استعاذ بك عذته. قوله: ((ومن شر كل دابة)) الدابة: هي كل ما يدبُّ على الأرض، وهو يشمل الذي يمشي على بطنه، أو على رجلين، أو على أربع، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). قوله: ((أنت آخذٌ بناصيتها))، والناصية هي مقدم الرأس، فيه دلالة على أن كل المخلوقات داخلةٌ تحت قهره وسلطانه وتصرفه قادرٌ عليها، يتصرف فيها كيف يشاء، ويحكم فيها ما يريد عز شأنه. ثم شرع في التوسل ببعض أسمائه الحسنى، وصفاته العظيمة العُلا فقال: ((اللَّهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء)): أي يا اللَّه، أنت الأول الذي لا شيء قبلك، ولا معك، وأنت الآخر الباقي بلا انتهاء، بعد فناء كل شيء، وأنت ((الظاهر فليس فوقك شيء)): أي أنت العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منك، ((وأنت الباطن)): أي أنت المطلع على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا، وأنت المحتجب عن الخلق، فلا يقدر أحد على

стр. 458

إدراك ذاتك مع كمال ظهورك. ومدار هذه الأسماء الأربعة على بيان إحاطة الرب ، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، أما الزمانية فقد دل عليها اسمه الأول والآخر، والمكانية فقد دل عليها اسمه الظاهر والباطن، وهذا مقتضى تفسير النبي ﷺ ، ولا تفسير أكمل من تفسيره (١). قوله: ((اقض عنَّا الدين)) فبعد تلك التوسلات الجليلة من أسمائه العليَّة شرع في السؤال والطلب: أي أدِّ عنا الحقوق التي بيننا وبينك، والحقوق التي بيننا وبين عبادك، وفي هذا تبرؤ العبد من الحول والقوة، وأنه لا حول له ولا قوة له إلا باللَّه العظيم. قوله: ((وأغننا من الفقر)) الغنى: هو عدم الحاجة لوجود الكفاية، والفقر: خلو ذات اليد، والفقير من وجد بعض كفايته، أو لم يجد شيئاً، والديْن والفقر همّهما عظيم يصيب العبد بسببهما الهم والحزن، وقد يوقعان الضرر في الدين والدنيا من ذل السؤال، والاحتياج إلى الخلق، والوقوع في المحذورات الشرعية من الكذب والإخلاف في الوعد، والتثاقل عن الطاعات، وغير ذلك الكثير من المذمومات (٢). ١١٥ - ((اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ،

стр. 459

وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمِكَ مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لَهَا، وَأَتِمِمْهَا عَلَيْنَا)) (١). المفردات: ألف: اجتماع مع التئام. الفواحش: قبائح الذنوب والكبائر مثل الزنى واللواط (٢). الشرح: قوله: ((اللَّهم ألف بين قلوبنا)): أي اجعل بينها الإيناس والمودة والتراحم؛ لنثبت على الإسلام، ونقوى على الإيمان؛ لنصرة دينك، ونكون على قلب واحد كالجسد الواحد. قوله: ((وأصلح ذات بيننا)): أبعد عنا يا اللَّه الشحناء والفراق والشقاق بين الخصماء، لنكون على المحبة والإخاء فيما بيننا. قوله: ((واهدنا سبل السلام)): سُبل: جمع سبيل، وهي الطرق: أي دلنا ووفقنا إلى الطريق الذي فيه السلامة من الآفات والمهلكات

стр. 460

والضلالات، بالقيام بصالح الأعمال: من الواجبات والمستحبات، واجتناب المحرمات والمكروهات، حتى توصلنا إلى دار السلام وهي الجنة ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١). قوله: ((ونجنا من الظلمات إلى النور)): أي انقذنا من ظلمات الدنيا والتي أعظمها: الشرك، والكفر، والنفاق، والفسوق، والمعاصي، والشرور إلى نور الطاعات والصالحات، والتي أعظمها: الإيمان، والتوحيد الخالص للَّه، جَمَعَ كلمة ((ظلمات)) وَوَحَّد ((النور))؛ لأن طرق الشر كثيرة، وطريق الحق واحد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ (٢). قوله: ((وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)): أي أبعد عنا قبائح الذنوب القولية والفعلية التي تستقبحها كل العقول السليمة: الظاهرة منها، والباطنة، مثل: الزنى، واللواط، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾ (٣)، فسمَّاها اللَّه فواحش لتناهي قبحها، ففيه بيان أن العبد لا قوة له إلا باللَّه تعالى، لضعفه وعجزه في دفع الشرور، والسيئات، والمهلكات، وأنه لا غنى له عن ربه طرفة عين في كل أموره. قوله: ((وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا)): فيه سؤال اللَّه أن توظَّفَ هذه الأعضاء في الطاعات، والزيادة في الخيرات؛ فإن البركة هي النماء في الخير، والدوام عليه.

стр. 461

قوله: ((وأزواجنا وذرياتنا)): بتوفيقهم للطاعات، والإكثار من النسل الطيِّب، فتقر أعيننا بهم في الدنيا والآخرة، سأل اللَّه تعالى البركة لزوجه، ولذريته؛ ليكمل له الخير في كل محابه؛ فإنه لا أقرّ لعين العبد في أن يراه أهله على الطاعة، والاستقامة؛ لأن ذلك يعود عليهم جميعاً في نيل الزلفى، والاجتماع بعضهم مع بعض في جنات اللَّه العلا. قوله: ((وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)) أي وفقنا للتوبة، وثبِّتنا عليها، ثم علَّل طمعه في ذلك بأن عادته جلَّ شأنه التفضل ((إنك أنت التواب الرحيم)) أي الرّجاع بعباده إلى مواطن النجاة، والتوّاب اسم من أسماء اللَّه الحسنى الدال على كثرة قبول توبة عباده، فهو يقبل توبة عبده كلما تكررت توبته لربه إلى ما لا نهاية [وهو الذي يوفق لها]. والرحيم: [اسم من أسماء اللَّه الحسنى يشتق منه صفة الرحمة للَّه ، على ما يليق بجلاله، ولا تشبه رحمته رحمة المخلوق]، والرحيم: المبالغة في الرحمة، والرحمة هي: العطف، والرأفة، وهي خاصة بالمؤمنين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١). و ((الرحمن)) عام لجميع الخلائق: مؤمنهم، وكافرهم، إنسهم، وجنهم. قوله: ((واجعلنا شاكرين لنعمك)): أي إنعامك، بأن توفِّقنا إلى شكر نعمك التي لا تُحصى في الليل والنهار، وفي السرّ والعَلَن،

стр. 462

فإن شكرها يقيض حفظها ودوامها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١). قوله: ((مثنين بها عليك)): أي من الثناء، وهو المدح، والمراد هنا التحدث بالنعم، كما أمر اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢)، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣). قوله: ((قابلين لها)):بالقول، والعمل، [والاعتراف، والتحدّث بها]. قوله: ((وأتممها علينا))، فيه طلب حفظ النعم، ودوامها، وبقائها (٤). قوله: ((وأتممها علينا)): فيه طلب حفظ النعمة، وتمامها، وكمالها، ودوامها، ولا يكون ذلك إلا بحفظ أوامر اللَّه تعالى، والبعد عن محارمه ومعاصيه، وشكره جلَّ وعلا على كل نعمه، فتضمَّن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى التوفيق إلى طاعته، والبعد عن معاصيه. ١١٦ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ، وَخَيْرَ الدُّعَاءِ، وَخَيْرَ النَّجَاحِ ، وَخَيْرَ الْعَمَلِ، وَخَيْرَ الثَّوَابِ، وَخَيْرَ الْحَيَاةِ، وَخَيْرَ الْمَمَاتِ، وَثَبِّتْنِي، وَثَقِّل مَوَازِينِي، وَحَقِّقْ

стр. 463

إِيمَانِي، وَارْفَعْ دَرَجَاتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي، وَاغْفِرْ خَطِيئَتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَخَوَاتِمَهُ، وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ، وَظَاهِرَهُ، وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ أنْ تَرْفَعَ ذِكْرِي، وَتَضَعَ وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبِي، وَتُحَصِّنَ فَرْجِي، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ أنْ تُبَارِكَ فِي نَفْسِي، وَفِي سَمْعِي، وَفِي بَصَرِي، وَفِي رُوحِي، وَفِي خَلْقِي، وَفِي خُلُقِي، وَفِي أَهْلِي، وَفِي مَحْيَايَ، وَفِي مَمَاتِي، وَفِي عَمَلِي، فَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلَا مِنَ الْجَنَّةِ، آمِينْ)) (١).

стр. 464

الشرح: هذا الدعاء العظيم المبارك الجامع لكل خيرات الدنيا والآخرة تفصيلاً، وتنويعاً، فهو أشمل وأكثر الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ التي فيها من التفصيل والتعميم والشمول في طلب كل أنواع الخير، وذلك ((إنَّ الجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال، كان بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفها؛ ولهذا يشرع تكرارها، وإبداؤها، وإعادتها؛ لأن في مقام الدعاء والتضرّع، وإظهار العبودية، والافتقار، واستحضار الأنواع التي يدعو بها العبد، ويسألها ربّه جلَّ وعلا أفضل، وأبلغ من اختصارها، فكلما كَثَّر العبدُ الدعاءَ، وطوَّله، وأعاده، وأبداه، ونوَّع جمله، كان ذلك أبلغ في عبوديته، وإظهار فقره، وتذلُّلِه، وحاجته، وكان ذلك أقربَ له من ربه، وأعظم لثوابه، واللَّه تعالى يحبُّ الملحِّين في الدعاء)) (١). قوله: ((اللَّهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء)): استفتح هذا الدعاء المبارك بسؤال اللَّه تعالى خير المسألة، وخيرها هو: أقواها تأثيراً في الإجابة، وأحسنها جمعاً للمطلوب الذي العبد أحوج إليه من غيره من خيري الدنيا والآخرة، وقوله (خير) على وزن فَعْل للتفضيل.

стр. 465

قوله: ((وخير النجاح)): أي التمام والكمال في الأمور، والحصول على كل المطلوب. قوله: ((وخير العمل)): أي التوفيق إلى أفضل العمل، وأحسنه الذي يحبّه الربُّ جلَّ وعلا، الذي فيه الثواب الأكثر، والأجزل، ومنه الصلاة؛ لأنها أفضل العمل قال النبي ﷺ : ((اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)) (١). قوله: ((وخير الثواب)): فيه سؤال اللَّه أن يثيبه أكثر الثواب، وأحسنه، وأعظمه، بمضاعفة الأجر والثواب، فتضمّن هذا السؤال التوفيق إلى أفضل الأعمال، والأقوال عند اللَّه تعالى، وأرفعها قدراً. قوله: ((وخير الحياة)): أي أفضل الحياة، وأحسنها، بأن تكون في طاعة الرحمن، وحسن العبادة له، واجتناب معاصيه ، والحياة الطيبة المطمئنة الآمنة من البلاء، والمصائب، والأكدار. قوله: ((وخير الممات)): بأن يموت مَرْضِيَّاً عنه، مغفوراً له مثاباً، متشبثاً على الحق، وحسن الخاتمة من العمل الصالح، وكلمة الشهادة. قوله: ((وثبتني)): سؤال اللَّه الثبات، والاستقامة في جميع الأمور في الأقوال، والأفعال، والأخلاق في الدنيا، والبرزخ والآخرة؛ لما في حذف المفعول من إشعار بالتعميم والشمول.

стр. 466

قوله: ((وثقِّل موازيني)): بكثرة الحسنات من الأعمال الفاضلات الصالحات على السيئات، ومنها حسن الخلق؛ لأنه أثقل الأعمال في الميزان، فإن من كثرت حسناته على سيئاته فقد فاز بالسعادة الأبدية، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (١). قوله: ((وحقِّق إيماني)): بأن يكون ثابتاً قوياً لا شك فيه، ولا ريب، سأل ربه تعالى أجلَّ مطالب الدين الذي عليه الفلاح في الدارين. قوله: ((وارفع درجاتي)): في الدنيا بإعلاء الثناء، والذكر الحسن، والقبول في الموعظة، وامتثال الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والشفاعة، وغير ذلك، ورفع الدرجات والمنازل العالية في الآخرة. قوله: ((وتقبَّل صلاتي)): بأن تكون مقبولة؛ لأنها رأس الإيمان وأساسه، وقبولها يستلزم قبول غيرها من العمل. قوله: ((واغفر خطيئتي)): أي تجاوز عن كل خطيئاتي: سرّها، وعلانيتها: صغيرها، وكبيرها التي بيني وبينك، وبيني وبين عبادك؛ لأنَّ من غفر اللَّه له ذنوبه نجا من كل مرهوب، ونال كل محبوب. قوله: ((وأسألك الدرجات العُلا من الجنة آمين)): ختم هذا الدعاء بأعظم ما يتمنَّاه كل مؤمن، وهو الجنة، بل سأل الدرجات العُلا التي فيها، وهي أعلى منازلها ورتبها، وهذا الدعاء كالتخصيص في الدعاء السابق: ((وارفع درجاتي)) من باب عطف الخاص على

стр. 467

العام؛ لأهميّة هذا الخاص، وشدّة العناية به، وذلك أن درجات الجنة هي أعلى وأغلى الدرجات والأمنيات، وهذا تعليم لرفع الهمة في الدعاء المستلزم للإكثار من العبادة الرافعة لدرجات الآخرة. عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ (١) , كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ, وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ, وَأَنْعِمَا)) (٢). وقال النبي ﷺ : ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ، أَوْ الْمَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: ((بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ، وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)) (٣). ثم ختم بالتأمين، ومعناه [اللهمّ استجب]، والتأكيد لما سبق من الدعاء.

стр. 468

ولا تخفى أهمية هذه الدعوات السابقة، بما حوته من مطالب عالية، وكذلك أنها جاءت بصيغة التفضيل التي تدلّ على الخيريّة، والأفضليّة، وهذا تحقيقاً في تعظيم الرغبة، والطلب في الدعاء الذي أمر به المصطفى ﷺ : ((إذَا دَعَا أحَدُكُمْ فَلْيُعَظِّمِ الرغبةَ؛ فَإِنَّه لاَ يَتَعَاظمُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ)) (١). قوله: ((اللَّهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه)): ((فجمع في السؤال بين طرفي الخير. قوله: ((وجوامعه)): سأل اللَّه جوامع الخير؛ لأنه ما يجمع الأمر المتفرّق هو أقرب إلى ضبطه, وأسهل لتيسيره، وأقرب لحصوله)) (٢). ثم أكَّد الطلب فقال: ((وأوله، وآخره، وظاهره، وباطنه)) سؤال اللَّه كل الخير من جميع أنواعه، وصوره الظاهرة والباطنة، بأشمل، وأوسع عبارة في السؤال، وكان يغني سؤال اللَّه الخير بلفظة واحدة: ((اللَّهم إني أسألك الخير كله)) لكن في باب التضرع والسؤال، كما سبق أفضل في البسط والشمول، وحتى يستحضر أنواع الخير التي يتمنّاها العبد من ربه التي فيها سعادته في الدنيا والآخرة, ولا يخفى أن التفصيل في سؤال اللَّه تعالى الخير؛ لأنه تتشوق إليه كل نفس؛ فإن هذا المطلب عزيز في النفوس.

стр. 469

ثم ختم بقوله: ((والدرجات العُلا من الجنة آمين)) كرّر سؤال الدرجات العُلا من الجنة، وهي أعلى مراتبها كما سبق؛ لأن هذا المطلب لا أسمى، ولا أفضل منه لكل راغب في ما عند اللَّه تعالى في أن يكون في أعالي الجنان على الدوام؛ ولهذا كرّره ﷺ بعد كل جملة من جمل الدعاء خمس مرات دلالة على أنه حق على كل داعٍ أن يكون جلَّ دعائه في هذه الأمور. قوله: ((اللَّهم إني أسألك خير ما آتي)) أي أسألك خير الذي آتيه من جميع الأمور, من الأقوال، والأفعال, والأخلاق كما دلَّ عليه اسم الموصول (ما). ثم عطف عليه ((خير ما أفعل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر)): من عطف الخاص على العام، والنكتة فيه معروفة؛ لأهميته، وشدة العناية به, ففيه سؤال اللَّه أن تكون كل أعماله، وأفعاله على الوجه الأكمل، والأمثل المرضي عنده . ثم ختم السؤال: ((وأسألك الدرجات العُلا من الجنة آمين)) مرة ثالثة, وهذا أقلّ درجات الإلحاح, وهذا يدلُّك على عظم هذا المطلوب, وأنه ينبغي أن يكون أكثر السؤال والمنوال, وهو دأب الراغبين في علو الهمة، والرغبة فيما عند اللَّه تعالى في دار الآخرة. قوله: ((اللَّهم إني أسألك أن ترفع ذكري)): سأل اللَّه أن يُعلي ذكره بالثناء عليه؛ لأنه يترتب على ذلك مصالح من قبول الحق, وامتثال الموعظة الحسنة، وهذا قد سأله خليل الرحمن إبراهيم: ﴿وَاجْعَلْ

стр. 470

لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١). قوله: ((وتضع وزري)): أن تسقط عني ذنوبي وآثامي. قوله: ((وتُصلح أمري)):سؤال اللَّه إصلاح أحواله كلها، وشؤونه, كما يدلّ عليه إضافة اسم الجنس إلى الضمير. قوله: ((وتطهر قلبي)): سأل اللَّه طهارة القلب من كل ما يشينه من سوء وإثم, فإذا طهر القلب أبصر الحق فتبعه, وعرف الباطل فاجتنبه (٢). قوله: ((وتحصّن فرجي)): أي أسألك أن تعصمني من الوقوع بالذنوب المتعلقة بالفرج، ومنها النظر إلى كل ما حرُم الذي هو بريد الزنى، ومقدماته من الزنى، والاستمناء. قوله: ((وتُنور قلبي)): أسألك أن تنوّره بأنوار المعرفة، والهداية؛ لأن بتنويره يستلزم تنوير كل الأعضاء إلى اتباع الحق، واجتناب الباطل, سأل طهارة القلب أولاً من باب التخلية التي قبل التحلية, فإذا دخل النور فيه استلزم الهداية، وأنوار المعرفة، والحكمة، والعلم، والهدى، فيسري على كل الأعضاء، والأركان في الجسد. قوله: ((وتغفر لي ذنبي)): وأن تستر وتتجاوز عن سيئاتي كلها، ففي المغفرة الأمان من العذاب, والسلامة من كل مرهوب، والفوز بكل محبوب. ثم ختم الدعاء بمرة رابعة ((وأسألك الدرجات العُلا من الجنة

стр. 471

آمين))؛ لأن الدرجات العُلا هي منازل السابقين المقربين عند رب العالمين؛ ولهذا يحسن الإلحاح في طلبها. قوله: ((اللَّهم إني أسألك أن تبارك في نفسي)): البركة هي الخير والنمو الدائم، والثابت, وسؤال اللَّه البركة في النفس بأن تكون منشرحة لقبول الحق، ومحبة الخير, نشيطة في الطاعة قوية في الهمَّة. قوله: ((وفي سمعي، وفي بصري)): والبركة فيهما أن يكونا صحيحين سالمين من كل آفة وعيب, واستعمالهما في الحق، وردّ الباطل، وتوظيفهما في طاعة اللَّه، ومرضاته. قوله: ((وفي روحي)) إذا كانت الروح مباركة، كانت جميع الأعمال الصادرة عنها مباركة جارية على الصواب والرشاد. قوله: ((وفي خَلْقي)): والبركة في الخَلْق وهي الخِلْقة تحسينها، واستواء الصورة فيها، خالية من العيوب، والآفات المشوهة للصورة، والمنفِّرة منها. قوله: ((وفي خُلُقي)) سؤال البركة في الخُلُق بأن يكون حسناً على الوجه الأكمل, فإذا بورك فيه كان سبباً لجلب كل خير، ودفع كل شرٍّ, وهو من أعظم ما يثقل به ميزان المؤمن يوم القيامة، قال رسول اللَّه ﷺ : ((مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزانِ المؤمِنِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ)) (١). ...

стр. 472

قوله: ((وفي أهلي)): سأل اللَّه البركة في الأهل, بأن يكونوا قرة عين له في الدنيا والآخرة, ففي الدنيا صلاحهم, وكثرة النسل, وفي الآخرة مرافقتهم معه في جنات النعيم. قوله: ((وفي محياي)): من رزق طيب، وزوجة وذرية صالحة، والحياة الآمنة، والتوفيق لصالح الأعمال. قوله: ((وفي مماتي)): على التوبة، والعمل الصالح، وحسن الختام، والسلامة من ميتة مصارع السوء. قوله: ((وفي عملي)) سؤال البركة في الأعمال، بأن تكون كثيرة على الوجه الصواب من الإخلاص، والسداد، والاتباع, المقتضي لمضاعفة الأجر والثواب. قوله: ((فتقبّل حسناتي)): بأن تكون مقبولة، وذخيرة لي في آخرتي, فتضمن هذا الطلب سؤال اللَّه تعالى أن يكون من المتقين، لأن اللَّه تعالى يتقبل منهم, قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). قوله: ((وأسألك الدرجات العُلا من الجنة آمين)) ختم بهذا الدعاء خمس مرات؛ لأنه أعظم مقصد، وأجل مطلب للأنبياء والمرسلين، بأن يكونوا في أعالي جنات النعيم المقيم؛ فإنها منزلة رفيعة، وعظيمة، لا يصلها إلا المشمرون الدائبون في مرضات اللَّه تعالى بالقول والعمل, مع حسن الإلحاح في سؤالها، والتأمين عند

стр. 473

خاتمتها، ينالها الداعون بإذن اللَّه الكريم المنان. فقد تضمّن هذا الدعاء المبارك جليل القدر على خمسة وأربعين سؤالاً، ومطلباً في أهم مهمّات الدنيا والآخرة. ١١٧ - ((اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ اَلْأَخْلَاقِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَدْوَاءِ)) (١). المفردات: المنكرات: الإنكار ضد العرفان, والمنكر كل فعل تتفق في استقباحه العقول, وتحكم بقبحه الشريعة. الأهواء: جمع هوى، هي الزيغ، والانهماك في الشبهات والشهوات. الأدواء: جمع داء, وهو السقم، والمرض. الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق)): أي يا اللَّه أجرني من الأخلاق السيئة التي ينكرها العباد: كالحقد, والحسد, والبخل, والجبن, وسوء اللسان: من السب, والشتم, والقذف,

стр. 474

والتعدي بالجوارح: كالضرب باليد أو الرجل؛ فإن الأخلاق المنكرة سبب لجلب كل شر، ودفع كل خير. قوله: ((والأعمال)): أي منكرات الأعمال الظاهرة, اللَّهم إني أستعيذ بك من الأعمال السيئة: كالقتل, والزنى, وشرب الخمر, والسرقة، والبطش، والتعدي، والظلم بغير حق، وغير ذلك. قوله: ((الأهواء)): جمع هوَى, وهو هوى النفس، وميلها إلى المستلذات, والانهماك في الشهوات الباطلة؛ لأنه يشغل عن الطاعة، ويؤدي إلى الأشر، والبطر، والاستعاذة كذلك من: الزيغ، والضلالات الفاسدة في الاعتقادات، والشبهات؛ فإن الشرّ كلّ الشرّ أن يكون الهوى يُصيَّر صاحبه باتباعه كالعابد له, فلا شيء في الشرّ أزيد منه؛ لأنه يضيّع الدنيا والدين، والعياذ باللَّه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه﴾ (١). قوله: ((والأدواء)): وأعوذ بك من منكرات الأسقام, والأمراض الخطيرة، مثل: الجذام، والبرص, والسّلّ، والسرطان، والأيدز، وغير ذلك, فهذه كلها من بوائق الدهر, وإنما استعاذ ﷺ من هذه الأربع المنكرات؛ لأن ابن آدم لا ينفكّ منها في تقلبه في ليله ونهاره (٢). فتضمَّنت هذه الاستعاذات المهمّة من كلّ الذنوب الظاهرة والباطنة.

стр. 475

١١٨ - ((اللَّهُمَ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لي فِيهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ)) (١). قوله: ((اللَّهم قنعني بما رزقتني)): اللَّهم إني أسألك أن ترضِّني بما أتيتني من الكفاف، مما أستغني به عن السؤال، واجعلني راضياً برزقك، منشرح الصدر والبال. قوله: ((وبارك لي فيه)): وزدني في رزقي، واجعله نامياً، وخيراً دائماً من الحلال الطيب. قوله: ((واخلف عليَّ كُل غائبة لي بخير)): أي أسألك أن تجعل لي عوضاً حاضراً، أو مما غاب عليَّ وفات، ولا أتمكن من إدراكه, سواء ما غاب عني من مال, أو ولد، أو أي أمر من الأمور، حتى يعود إليَّ بالخير العاجل أو الآجل (٢)، ففيه سؤال اللَّه التعويض والتفويض. فتضمّن هذا الدعاء المبارك سؤال اللَّه تعالى بأن يرزقه خير ما فات عن العبد من أي خير كان, وفيه كذلك التعريض، وتفويض الأمور إلى الرب , حتى لا ينشغل بالحزن، والندم، والحسرة

стр. 476

على فقدانه، وأنْ يكل أمره إلى ربه الكريم. ١١٩ - ((اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابَاً يَسِيرَاً)) (١). الشرح: ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ((من نوقش الحساب عُذِّب))، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أفليس قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (٢) , قال: ((ليس ذاك بالحساب, ولكن ذلك العَرْض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب)) (٣). وسبب هذا الدعاء المبارك أن عائشة ﵂ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في بعض صلاته: ((اللَّهم حاسبني حساباً يسيراً))، فلما انصرف قالت: قلت يا رسول اللَّه: ما الحساب اليسير؟ قال النبي ﷺ : ((أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة

стр. 477

يومئذ هلك)). بيَّن ﷺ معنى هذا الدعاء أن الحساب اليسير هو عرض ذنوب العبد المؤمن على اللَّه، فيقرره بذنوبه، ثم يغفر له بعد أن يخلو اللَّه بعبده دون أن يطّلع عليه أحد، قال النبي ﷺ : ((يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ، حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ)) (١). ١٢٠ - ((اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (٢). المفردات: ((تجتهدوا)): من الجهد، وهو استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو عمل، يقال: جهد الرجل في الشيء: إذا جدَّ فيه وبالغ (٣)، والمقصود هنا الجد، والمبالغة في الدعاء.

стр. 478

الشرح: هذا الدعاء جليل القدر, عظيم الشأن؛ لشرف متعلقه، وذلك أن: ((أنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته, وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا, وعلى دفع ما يضادّه، وعلى تكميله، وتيسير أسبابه فتأملها, قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء, فإذا هو سؤال العون على مرضاته, ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) > (٢). لهذا وصَّى المصطفى ﷺ حبيبه معاذاً أن لا يدع هذا الدعاء الجليل بعد كل صلاة، وكذلك حثّه ﷺ بأسلوب التشويق والترغيب: ((أتحبون أن تجتهدوا)) للأمة كلها. قوله: ((اللَّهم أعني على ذكرك)): فيه الطلب من اللَّه، والعون على القيام بذكره؛ لأنه أفضل الأعمال، قال النبي ﷺ : ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إنْفاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ > قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: <ذِكْرُ اللَّهِ تعالى)) (٣).

стр. 479

والذكر يشمل القرآن، وهو أفضل الذكر، ويشمل كل أنواع الذكر من التهليل، والتسبيح، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ والدعاء. قوله: ((وشكرك)): أي شكر نعمتك الظاهرة والباطنة التي لا يمكن إحصاءها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١)، والقيام بالشكر يكون بالعمل، كما قال اللَّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢)، ويكون باللسان، بالحمد، والثناء، والتحدث بها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٣). وأعظم الشكر تقوى اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤)، ولا شكّ أن التوفيق إلى الشكر يحتاج إلى شكر آخر، إلى ما لا نهاية، قال ابن رجب ﵀: ((كل نعمة على العبد من اللَّه تعالى في دين أو دنيا، تحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى، تحتاج إلى شكر ثانٍ، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبداً، فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر: الاعتراف بالعجز في الشكر)) (٥).

стр. 480

قوله: ((وحسن عبادتك)): على القيام بها على الوجه الأكمل والأتمّ، ويكون ذلك من صدق الإخلاص للَّه فيها، واتّباع ما جاء عن النبي ﷺ ، وعدم الابتداع فيها. ١٢١ - ((اللَّهُمّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لاَ يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لاَ يَنْفَدُ ، وَمُرَافَقَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ)) (١). المفردات: لا يرتدّ: لا يرجع من الإسلام إلى الكفر. لاينفد: لا ينقطع. الشرح: هذا الدعاء العظيم من الأدعية العظيمة؛ لاشتماله على أعظم المقاصد، وأرجى المطالب، وأعلى الأماني في الدنيا والآخرة، فقد دعا به من خيرة الصحابة الميامين عبد اللَّه بن مسعود ﵁، في مرافقة سيد الأولين والآخرين في أعلى جنات النعيم، ولا شك أن هذا أعظم وأعلى المنازل؛ ولهذا كان ﵁ يلازم هذا الدعاء في خير الأعمال، وأفضلها، ألا وهي الصلاة، فقد كان ﵁ يقول: ((قد صليت منذ كذا وكذا، ما صليت فريضة ولا تطوعاً إلا دعوت اللَّه به في دبر

стр. 481

كل صلاة)) (١)، ويقول ﵁ ((إنه من دعائي الذي لا أكاد أن أدع)) (٢)، أي هذا الدعاء، وهذا يدل على كمال همّته، وشدّة حرصه لمطلوبه، وسبب هذا الدعاء، أن رسول اللَّه ﷺ دخل المسجد وهو مع أبي بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلي، وإذا هو يقرأ (النساء)، فانتهى إلى رأس المائة، فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلي، فقال النبي ﷺ : ((اسأل تعطه، اسأل تعطه)) (٣). قوله: ((اللَّهم إني أسألك إيماناً لا يرتد)): أي أسألك يا اللَّه إيماناً ثابتاً قوياً، لا شكّ فيه، ولا تردّد، وأن تعصمني من الوقوع إلى الردّة وهي الكفر، وهذا أعظم مطلوب في الدنيا؛ لأنه أفضل الأعمال عند اللَّه تعالى، فعن عبد اللَّه بن حُبشي الخثعمي أن النبي ﷺ سُئل: أي العمل أفضل؟ قال ((إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ)) (٤). قدم دعاءه في سؤال اللَّه تعالى الإيمان الثابت قبل سؤاله أعلى الجنان؛ لأنها لا تنال هذه المنزلة العلية إلا بالإيمان الكامل. قوله: ((ونعيماً لا ينفد)): أي نعيماً دائماً لا ينتهي، ولا ينقص، ولا

стр. 482

ينقطع، وهو نعيم الجنة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١)، أما النعيم في الدنيا، فهو زائل، ومنقص، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢). وقوله: ((ومرافقة نبينا محمد في أعلى جنة الخلد)): بعد أن سأل اللَّه النعيم المقيم في الجنة، سأل اللَّه الكريم العظيم أن يكون مرافقاُ للنبي ﷺ في أعلى درجة من الجنة، وهو من عطف الخاص على العام؛ لعظم أهمية هذه المرتبة والمنزلة، فهي أعظم النعيم، وأرفعه، وأكمله، وأعلاه، في أن يكون مع النبي ﷺ في أعلى درجات الجنان، ولا شك أنه أعظم مطلب أخروي، عظم رغبته ﵁ عملاً في قوله ﷺ : ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُولَنَّ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيُعْظِمْ رَغْبَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَعْطَاهُ)) (٣). وقوله: <في أعلى درجة الجنة>: لأن في الجنة مائة درجة، قال ﷺ : ((فإِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)) (٤). وأعلى درجة هي الفردوس الأعلى، قال النبي ﷺ : ((والفردوس

стр. 483

أعلاها درجة)) (١). ولهذا حثنا ﷺ أن نسألها: ((فإذا سألتم اللَّه تعالى فسلوه الفردوس الأعلى)) (٢). وقال ﷺ : ((إذا سألتم اللَّه تعالى فأسألوه الفردوس، فإنه سر الجنة)) (٣)، أي أفضل موضع فيها. وفي رواية أخرى عنه أنه دعا فقال: ((ومرافقة محمد في أعلى عليين في جنانك، جنان الخلد)) (٤). وهذه الرواية تفسر الرواية السابقة، وهي سؤاله أن يكون في أعلى الجنان، لأن ((عليّون))، صيغة مبالغة من العلوّ، علوّ المكانة والارتفاع، وعلوّ المنزلة والقدر في الجنة، قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ثم فخمه وعظم مرتبته وشأنه ﴿وَمَا أَدْرَاكَ

стр. 484

مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١). قال الفرّاء: عليون ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له (٢)، ووجه هذا أنه منقول من جمع عليّ من العلو، قال الزجاج: هو أعلى الأمكنة. قال ابن كثير: والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولعظم شأن هذا المكان قال اللَّه تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٣) أي الملائكة المقربون (٤). ولقد جاء في السنة المطهرة ما يدلّ أن عليين هو أعلى مرتبة، وأسمى منزلة، فقد جاء في حديث طويل عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ عن أدنى أهل الجنة منزلة ... فيقول اللَّه جلّ ذكره له: ((أَلَمْ تَرْضَ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقْتُهَا إِلَى يَوْمِ أَفْنَيْتُهَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهِ؟، ثم ذكر ما له من نعيم ما لا يتصور عقل، ولا يصفه واصف ... فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَلا تَسْمَعُ مَا يُحَدِّثُنَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ (عبد الله بن مسعود) يَا كَعْبُ عَنْ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً، فَكَيْفَ أَعْلاهُمْ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: <مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ دَارًا، فَجَعَلَ فِيهَا مَا شَاءَ مِنَ الأَزْوَاجِ، وَالثَّمَرَاتِ، وَالأَشْرِبَةِ، ثُمَّ أَطْبَقَهَا، ثُمَّ لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ مِنَ خَلْقِهِ، لا جِبْرِيلُ وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ، ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ

стр. 485

نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، قَالَ: وَخَلَقَ دُونَ ذَلِكَ جَنَّتَيْنِ، وَزَيَّنَهُمَا بِمَا شَاءَ، وَأَرَاهُمَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ كِتَابُهُ فِي عِلِّيِّينَ نَزَلَ تِلْكَ الدَّارَ الَّتِي لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ لَيَخْرُجُ فَيَسِيرُ فِي مُلْكِهِ، فَمَا تَبْقَى خَيْمَةٌ مِنْ خِيَمِ الْجَنَّةِ إِلا دَخَلَهَا مِنْ ضَوْءِ وَجْهِهِ، فَيَسْتَبْشِرُونَ بِرِيحِهِ، فَيَقُولُونَ: وَاهًا (٢) لِهَذَا الرِّيحِ! هَذَا ريحُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ، قَدْ خَرَجَ يَسِيرُ فِي مُلْكِهِ)) (٣). فانظر يا أخي في اللَّه علوّ هذه المنزلة، وتأمّل ما جاء فيها من النعيم المقيم، ألا يهفو قلبك إلى هذه المنزلة العظيمة الأبدية؟ ألا تريد أن تكون من ساكنيها أبد الآبدين، لا تحول عنها ولا تزول، فشمِّرْ يدَ الجدّ في الدعاء من الأن، وأكثر من هذين الدعاءين في النهار، وفي كل فرض ونفل، كما كان يفعل هذا الصحابي الجليل مع حسن الظن باللَّه ذي الجلال والإكرام، وأكثر طرق الباب، فإنه سوف يُفتح، قال أبو الدرداء ﵁: ((جدّوا بالدعاء، فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له)) (٤)، وتذكَّرِ الحديث القدسيَّ، واجعله دائماً أمام عينيك، عن ربِّ العزة والجلال أنه قال: ((يَا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ

стр. 486

كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ (١) إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)) (٢). فأكثر من هذه الدعوة يا عبد اللَّه، وكنْ عظيم الهمة والرغبة في ليلك ونهارك، وفي كل صلواتك، واقتدِ بهذا الصحابي الذي قال عنه النبي ﷺ : ((اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، وتمسكوا بعهد ابن مسعود)) (٣)، والذي قاله عنه أبو حذيفة ﵁: <كَانَ أَقْرَبُ النَّاسِ هَدْيًا وَدَلًّا وَسَمْتًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ > (٤). ١٢٢ - ((اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَخْطَأْتُ، وَمَا عَمَدْتُ، وَمَا عَلِمْتُ، وَمَا جَهِلْتُ)) (٥).

стр. 487

وفي رواية عن عثمان بن أبي العاص أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: ((اللَّهم إني أستهديك لأرشد أمري، وأعوذ بك من شر نفسي)) (١). المفردات: ((اعزم لي)): العزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر (٢)؛ فإنَّ أصل العزم: هو الجد والصبر، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣)، ((لأرشد)): الرشد هو: ضد الغيّ، وهو الطاعة والصلاح والصواب، ((أستهديك)): السين: سين الطلب، أي أطلب الهداية. الشرح: أمر رسولنا ﷺ الرحمة للعالمين، الصحابي الجليل، عمران أن يسأل اللَّه تعالى أن يقيه شر النفس؛ لأنها هي أحد مبادئ ومنابع وأصول الشر؛ فإن شر النفس يولد الأعمال السيئة، والذنوب

стр. 488

الكبيرة، والآثام العظيمة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (١). ثم أمره أن يسأل اللَّه تعالى: ((واعزم لي على أرشد أمري)): سأل العزيمة على الرشد؛ لأنها مبدأ الخير؛ فإن الإنسان قد يعلم الرشد، وليس له عزم؛ فإذا عزم على فعله أفلح، والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر الذي يستلزم القصد الجازم المتصل بالفعل، وقيل: استجماع قوى الإرادة على الفعل، ولا قدرة للعبد على ذلك إلا باللَّه ﵎؛ فلهذا سأل اللَّه تعالى أن يمضي قلبه، وقصده إلى أحسن الصلاح، والطاعة له تعالى في كل أحواله وأموره؛ لأنه طريق النجاة في الدار الآخرة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة باللَّه تعالى، والتوكل عليه، في تحصيل العزم، في العمل بمقتضى العزم، بعد حصول العزم، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾ (٢)، والعزم نوعان: ١ - عزم في الدخول إلى الهدى والرشاد . ٢ - وعزم على الدوام والثبات على هذا الهدى ، بعد الدخول فيه، والانتقال من حال إلى حال أكمل منها؛ ولهذا سمى اللَّه تعالى خواص الرسل ((أولي العزم)). فإن عون اللَّه تعالى للعبد على قدر قوة عزيمته، وضعفها، فمن

стр. 489

صمّم على إرادة الخير أعانه ربه تعالى، وثبته عليه (١)، ثم أمره أن يدعو ((اللَّهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت، وما عمدت وما علمت وما جهلت)). فيه سؤال اللَّه تعالى المغفرة، وهي الستر، والتجاوز عن كل الذنوب بكل مراتبها وأنواعها، التي يقترفها العبد في كل أحواله وأوقاته، فما من ذنب إلا وقد دخل فيه هذا الاستغفار العظيم؛ فإن الفائدة في سؤال اللَّه تعالى غفران الذنوب بهذا التفصيل والتعميم تكثيراً لمقام العبودية والذل للَّه تعالى، وحتى يستحضر العبد ما يدعو به؛ فإن استحضار هذه الذنوب بأنواعها، وإفرادها له وقع عظيم في النفس في تقوية إرادتها في عدم الوقوع بها في العاجل والآجل. وفي الحديث الآخر أن النبي ﷺ دعا: ((اللَّهم إني أستهديك لأرشد أمري)) فيه سؤال اللَّه تعالى طلب الهداية كما أفاده حرف (السين). فإن الهداية نوعان: ١ - هداية دلالة وإرشاد قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢) أي دللناه طريق الحق، وطريق الباطل, وهذه الهداية هي التي دعا إليها الرسل، وأولو العلم، والصالحون في كل زمان ومكان.

стр. 490

٢ - هداية توفيق: وهي لا يقدر عليها إلا اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١). والعبد يسأل اللَّه تعالى الهدايتين: أن يدله على طريق الخير, وأن يوفقه ويثبته عليه, وقوله: ((لأرشد أمري)): أي أن توفقني إلى أفضل السبل الموصلة إلى صلاح أموري, وشؤوني, في ديني, ودنياي, فأفوز برضاك، وأنال جنتك. ١٢٣ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ)) (٢). غلبة الدين: شدته وثقله. غلبة العدو: تسلط العدو بغير حق. الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّيْن)): استعاذ ﷺ من شدة الدين، وثقله بحيث لا قدرة على وفائه سيما مع الطلب؛ لما فيه من الوقوع بالمحذورات الشرعية: كالخلف في الوعد والكذب كما

стр. 491

أخبر بذلك النبي ﷺ ، والانشغال عن الطاعات؛ ولما فيه كذلك من الغم على القلب، وإتعاب العقل، ووهن الجسد، والنفس, وإنما استعاذ من غلبته؛ لأن الاستدانة بدون غلبة قد يحتاج إليها كثير من العباد, وقد مات ﷺ ودرعه مرهونة في أصواع من شعير. قوله: ((وغلبة العدو)): والاستعاذة من تسلط العدو بغير حق؛ لأنه يتحكم بمن يعاديه، وينزل به أنواع المضار في دينه ودنياه. قوله: ((وشماتة الأعداء)): والاستعاذة من شماتة الأعداء، وهي فرحهم ببلية تنزل على من يعادونه؛ فإن في ذلك موقعاً عظيماً في القلب، وتأثيراً كبيراً في النفس (١). ولا يخفى أن الاستعاذة من كل الأمور السابقة لما فيها من المضار والمساوئ في الدين والدنيا. ١٢٤ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٢).

стр. 492

الشرح: أصل هذا الدعاء الجامع أن عائشة ﵂ أخبرت عن قيام الليل للنبي ﷺ ، واستفتاحه بالصلاة بهذا الدعاء والذكر, فقالت: كان يكبر عشراً, ويسبح عشراً, ويستغفر عشراً, ثم ذكرت هذا الدعاء, وفي رواية أنه قال: ((اللَّهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، وضيق القيامة)) (١). وهذا الدعاء قد جمع خيري الدنيا والآخرة، وكذلك فيه استعاذة من عظام الشرور في الدنيا والآخرة. قوله: ((اللَّهم اغفر لي)): أي استر يا اللَّه ذنوبي، وتجاوز عنها، ((واهدني)): فيه سؤال اللَّه الهداية الكاملة, وهي الدلالة والمعرفة إلى طرق الحق، والتوفيق على هذا الطريق المستقيم بأن لا يزيغ عنه إلى أن يلقى ربه , فعندما يسأل العبد ((الهداية)) ينبغي له أن يستحضر هذه المعاني. قوله: ((وارزقني)): الرزق النافع الطيب الحلال الذي يعود على العبد بالبركة، والخير, و ((عافني)): أي من جميع البلايا والشرور في الدين والدنيا والآخرة, ففيه سؤال اللَّه السلامة الكاملة من كل شرّ, المتضمن العافية والصحة, ثم استعاذ اللَّه من ضيق المقام يوم القيامة؛ فإنه مقام عظيم من كثرة الخلق, والحر الشديد, والبلاء الرهيب, في هذا اليوم العصيب، فتلك الاستعاذة تتضمن سؤال اللَّه

стр. 493

تعالى النجاة والسلامة من شرّ هذا اليوم الموعود, وفي الرواية الأخرى: ((اللَّهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا)): لأن ضيقها يشتّت العقل, ويشغل القلب بالهمّ, والحزن, وضيق النفس، فينشغل عن كثير من العبادات النافعة، والمصالح المهمّة، وتضمّن هذا الدعاء كذلك سؤال اللَّه الراحة النفسية، والبدنية، وطيب النفس والحياة. وهذا يدلنا على أهمية التمسك، والعناية بالأدعية الشرعية؛ فإنها كاملة في ألفاظها، شاملة في معانيها، ومدلولاتها، فهي تجمع من كل خير في الدين، والدنيا، والآخرة. ١٢٥ - ((اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ يَظْلِمُنِي، وَخُذْ مِنْهُ بِثَأْرِي)) (١). المفردات: ((الوارث مني)): استعارة من وارث الميت. ((انصرني)):النصر هو الظفر، والغلبة. ((وخذ منه بثأري)): أي اثأر لي.

стр. 494

الشرح: قوله: ((اللَّهم متّعني بسمعني وبصري)): يا اللَّه انفعني بسمعي وبصري, واجعلهما سليمين صحيحين، واحفظهما من جميع الأسقام والأمراض حتى أستعملهما في مرضاتك وطاعتك. قوله: ((واجعلهما الوارث مني)): أي أبقي لي هاتين الحاستين بكامل قوامهما عند الكبر صحيحاً سليماً إلى أن أموت, فيكون البصر والسمع هما الوارث مني سائر القوى، والباقي بعدها. قوله: ((وانصرني على من يظلمني)): اجعلني غالباً منتصراً على من تعدَّى عليَّ بغير حق، وعلى من تعدَّى على دينك، فأنتقم منه, لأنه لا قدرة للعبد على الإنصاف والانتصار إلا بإقدار الرب جل وعلا له. قوله: ((وخذ منه بثأري)): اجعل إدراك ثأري مقصوراً على من ظلمني، ولا تجعلني ممَّن تعدَّى في طلب ثأره، فأخذ به غير الجاني، وفيه إشارة إلى قوة المخالفين والأعداء حثاً على تصحيح الالتجاء، والصدق في الرغبة (١) إلى الربِّ العظيم، حتى يكون منصوراً محفوظاً في كل الأحوال والأوقات من الظلمة والأعداء. جاء بحرف الاستعلاء (على) الذي يفيد التمكين والاستعلاء, أي اجعلني متمكناً مستعلياً عليه بالنصرة والغلبة, ولا يخفى مجيء الفعل المضارع: (يظلمني) ليفيد الاستمرارية والتجدّد, أي سؤال اللَّه

стр. 495

النصرة في الحال وفي الاستقبال، وفي كل الأحوال, واللَّه أعلم. ١٢٦ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةً، ومَرَدّاً غَيْرَ مَخْزٍ ولا فاضِحٍ)) (١). المفردات: ((عيشة نقية)): أي عيشة مملوءة بالاستقامة والصلاح. ((عيشة تقيَّة)): خالية من الأكدار والمصائب. ((وميتة سويَّة)): معتدلة. ((مردّاً غير مخز)): مرجعاً إلى الآخرة، سالماً من الذل، والعذاب، والهوان. ((ولا فاضح)): غير كاشف للمساوئ والعيوب. الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أسألك عيشة نقية ((وتقية)): اللَّهم إني أسألك حياة مليئة بالاستقامة، والصلاح على دينك وطاعتك, ونقية من المعاصي والأكدار والمصائب, فإن النقيّ من كل شيء خياره،
следующие страницы →