Полный текст (1 122 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
١٨٩ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ الْتَزَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ مِنْ وَرَائِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكَ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنَ الْإِسْلَامِ لَمْ تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» ، فَمَا زَالَ يَدْعُو مَادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا عِكْرِمَةُ، قَالَ: نا أَبُو زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
стр. 317
بَعْضُ النَّاسِ يَتَوَهَّمُ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ: «كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ» ، عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيْ كُنْ فِي دُعَائِكَ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الْأَعْشَى:
كَذَلِكَ فَافْعَلْ مَا حَيِيتَ إِلَيْهِمُ ... وَأَقْدِمْ إِذَا مَا أَعْيُنُ النَّاسِ تَزْرَقُ
وَتَفْسِيرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ كَذَلِكَ، يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَى وَالْإِحْسَابِ، كَقَوْلِكَ حَسْبُكَ، وَهَذَا مِنْ مَوَاضِعِهِ، لِأَنَّهُ أَوَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَصْبِ الْقِيَامِ وَطُولِ الدُّعَاءِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: «بَعْضُ مُنَاشَدِتِكَ رَبَّكَ» ، قَالَ جَرِيرٌ:
يَقُلْنَ وَقَدْ تَلَاحَقَتِ الْمَطَايَا ... كَذَاكَ الصَّوْتُ إِنَّ عَلَيْكَ عَيْنَا
١٩٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " وَأَغْلَظَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَلَا أَقْتُلُهُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ
стр. 318
اللَّهِ ﷺ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ فِي سَبِّ أَحَدٍ إِلَّا فِي سَبِّ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 319
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ كَلَّمَهُ فِي الْقَضِيَّةِ: الْزَمْ غَرْزَهُ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ".
стр. 320
قَوْلُهُ: «الْزَمْ غَرْزَهُ» أَيْ تَمَسَّكْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ، يُقَالُ لِلْإِنْسَانِ اشْدُدْ يَدَكَ بِغَرْزِ فُلَانٍ أَيْ تَمَسَّكْ بِهِ، وَقَالَ أَبُو خِرَاشٍ:
تَذَكَّرْتُ مِنْ أَيْنَ الْمَفَرُّ وَإنَّنِي ... بِغَرْزِ الَّذِي يُنْجِي مِنِ الْمَوْتِ مُعْصِمُ
يَقُولُ: أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِغَرْزٍ شَدِيدٍ يُنْجِنِي مِنَ الْمَوْتِ، وَالْمَفَرُّ: الْمَلْجَأُ، وَالْمَفَرُّ: الذِّهَابُ فِي الْأَرْضِ.
١٩٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا وَأَتَزَوَّجَهُ، فَأَرْسَلَهَا إِلَى عُمَرَ، فَضَرَبَهَا حَتَّى أَشَاغَتْ بِبَوْلِهَا ".
يُرْوَى عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ قَتَادَةَ
وَالتِّشْغِيَّةُ: أَنْ يَقْطُرَ الْبَوْلَ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَتَقْدِيرُهُ مِنْ هَذَا: شَغَتْ بِبَوْلِهَا وَأَشْغَتْهُ بِهِ.
١٩٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " إِنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أُجْرِي الثَّعْلَبَ أَحْسَنَ إِجْرِيَّا تَكُونُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْرَيْتَ مَا لَا يُجْرَى، لَأَنْتَ
стр. 321
رَجُلٌ فِي لِسَانِكَ شَيْءٌ، فَاتَّقِ اللَّهَ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: نا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الْإِجْرِيَّا: طَرِيقَةُ الرَّجُلِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا مِنْ عَادَتِهِ وَأُمُورِهِ، وَأَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 322
عَبْدِ اللَّهِ:
عَلَى ذَاكَ إِجْرِيَّايَ وَهْيَ خَلِيَقَتِي ... فَمَا شَكَمُونِي إِذْ أَصَابُوا فُؤَادِيَا
وَقَالُوا: الْإِجْرِيَّا ضَرْبٌ مِنَ الْجَرْيِ، وَفَرَسٌ ذُو أَجَارِي، وَيُقَالُ: لَمْ يَأْتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى إِفْعِيلَى إِلَّا إِجْرِيَّا وَإِهْجِيَرَى، وَأَنْشَدَ فِي الْأَوَّلِ:
مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمُ الدَّهْرَ نَاشِئًا ... تَجِدْهُ بِإِجْرِيَّا أَوَائِلُهُ يَجْرِي
وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: جَرَى جَرْيًا وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ، إِلَّا الْمَاءَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: جَرَى جِرْيَةَ وَالْجِرَاءُ: يَكُونُ لِلْخَيْلِ خَاصَّةً.
١٩٤ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ عَهِدَ إِلَى عُمَرَ، فَرَاجَعَهُ طَلْحَةُ، فَقَالَ لَهُ: جِئْتَنِي وَقَدْ دَلَكْتُ عَقِبَيْكَ تُرِيدُ أَنْ تَفْتِنَنِي فِي دِينِي، وَتُرَيِّثُنِي عَنْ رَأْيِي، وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ غَمَصْتَهُ لَأُلْحِقَنَّكَ بِحَمَضَاتِ قُنَّةَ حَيْثُ كُنْتُمْ تَرْعَونَ فَلَا تَشْبَعُونَ، وَتَسْتَقُونَ فَلَا تَرْوُونَ ".
يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَرَّةَ، قَالَ: نا أَبُو الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مُعَيْقِيبِ بْنِ أَبِي فَاطِمَةَ
стр. 323
قَوْلُهُ: «وَقَدْ دَلَكْتُ عَقِبَيْكَ» يُرِيدُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَاسْتَعْدَدْتُ لِطَلِبِ هَذَا الشَّأْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْفَرَسِ إِنَّهُ لَمَدْلُوكُ الْمَعَاقِمِ، أَيْ مُعَدٌّ لِلْجَرْيِ، لَيْسَ بِرَهِلِ الْفُصُوصِ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ.
стр. 324
وَنهْبٍ كَجُمَّاعِ الثُّرَيَّا حَوَيْتُهُ ... غِشَاشًا بِمَدْلُوكِ الْمُعَاقِمِ مُحْنِقِ
أَيِ اجْتِمَاعُ الثُّرَيَّا، «غِشَاشًا» : عَلَى عَجَلَةٍ، وَ «الْمُعَاقِمِ» : الْفُصُوصُ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ كُلِّ عَظْمَيْنِ: الرُّسْغُ عِنْدَ الْحَافِرِ مَعْقِمٌ، وَالرُّكْبَةُ مَعْقِمٌ، وَالْمُحْنَقُ: الضَّامِرُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ مُخَاصِمًا أَوْ مُقَاتِلًا: جِذْلُ حِكَاكٍ حَسِفَتْ عَنْهُ الْأُبَنُ، يُرِيدُ أَنَّهُ مُنَقَّحٌ أَمْلَسُ لَا يُرْمَى بِشَيْءٍ إِلَّا زَلَّ عَنْهُ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: الْمَدْلُوكُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي جَرَّدَهُ الدَّهْرُ.
١٩٥ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " إِنَّ النَّاسَ لَمَّا بَايَعُوهَ اعْتَزَلَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟ فَقَامَ عُمَرُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اذْهَبَا إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى تَأْتِيَانِي بِهِمَا فَإِنِ امْتَنَعَا عَلَيْكُمَا، فَقَاتِلَاهُمَا، فَجَاءَ عُمَرُ وَزَيْدٌ، فَوَجَدَاهُمَا فِي مَنْزِلِ عَلِيٍّ، فَرَجَّا الْبَابَ، فَجَاءَ الزُّبَيْرُ، فَنَظَرَ مِنْ قُتْرَةِ الْبَابِ، فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ، قَالَ: لَهَذَانِ الرَّجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمَا، قَالَ: افْتَحْ لَهُمَا الْبَابَ، وَخَرَجَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِهْرُهُ، وَتَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَلاهَا اللَّهُ لَأَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، قَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: أَنْتَ ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحَوَارِيُّهُ وَفَارِسُهُ، وَتَقُولُ: إِنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ
стр. 325
مِنِّي، وَلاهَا اللَّهُ لَأَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ
стр. 326
الْقُتْرَةُ هَاهُنَا صِيرُ الْبَابِ، وَأَصْلُ الْقُتْرَةِ نَامُوسُ الرَّامِي، يُقَالُ: اقْتَتَرَ فِيهَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَأَوْرَدَهَا مَاءً قَلِيلًا أَنِيسُهُ ... يُحَاذِرْنَ عَمْرًا صَاحِبَ الْقُتُرَاتِ
وَيُقَالُ: تَقَتَّرُ الصَّائِدُ إِذَا تَنَحَّى مُخَاتَلًا لِلصَّيْدِ، وَتَقَتَّرَ الرَّجُلُ، إِذَا تَنَحَّى عَنْ أَهْلِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُنَّا بِهِ مُسْتَأْنِسِينَ كَأنَّهُ ... أَخٌ وَخَلِيطٌ عَنْ خَلِيطٍ تَقَتَّرَا
وَيُقَالُ مِنْ غَيْرِ، هَذَا قَتَّرُ الصَّائِدِ، وَهُوَ مِنْ تَهْيِيجِ الْقُتَارِ، وَقَتَّرْتُ لِلْأَسَدِ، إِذَا وَضَعْتُ لَهُ لَحْمًا تَجِدُ قُتَارَهُ، وَيُقَالُ: رَجَّ الرَّجُلُ الْبَابَ رَجًّا شَدِيدًا، إِذَا زَعْزَعَهُ، وَمِنْهُ
стр. 327
قِيلَ: كَتِيبَةٌ رَجْرَاجَةٌ، وَجَارِيَةٌ رَجْرَاجَةٌ يَتَرَجْرَجُ كَفْلُهَا وَلَحْمُهَا.
١٩٦ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَسَمَ قَسْمًا بَيْنَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ قَسْمَهَا مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: فَأَتَاهَا بِهِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: قَسَمَ أَبُو بَكْرٍ قَسْمًا فِيمَا بَيْنَ النِّسَاءِ، فَبَعَثَ إِلَيْكِ بِقَسْمِكِ، فَقَالَتْ: تُرَاشُونَنِي عَنْ دِينِي، تَخَافُونَ أَنْ أَدَعَهُ، لَا وَاللَّهِ لَا أَقْبلُهُ أَبَدًا فَرَجَعَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَنَحْنُ لَا نَقْبَلُ شَيْئًا أَعْطِهَا إِيَّاهُ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
стр. 328
الْمُرَاشَاةُ: الْمُرَاضَاةُ، وَالْمُدَارَاةُ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّشْوَةِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
نَزِيفٌ إِذَا قَامَتْ لِوَجْهٍ تَمَايَلَتْ ... تُرَاشِي الْفُؤَادَ الرَّخْصَ أَلَّا تَخَتَّرَا
١٩٧ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْبَيَاضِيُّ، قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ دَاوُدَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، " إِنَّ لِي ابْنًا لَا يُصَلِّي أَأَضْرِبُهُ؟ قَالَ: ارْشُهُ.
стр. 329
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ صَغَّرَ عِنْدِي أَمْرَ هَذَا الْفَتْحِ مُصِيبَتِي بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَعَثَّثَهُ عَلَيَّ بُكَاءُ الْحَيِّ عَلَى الْقَتِيلِ، وَلَوْ كُنْتَ قَتَلْتَ الرِّجَالَ، وَسَبَيْتَ الْعِيَالَ، كَفَفْتَ الْبَاكِي، وَشَفَيْتَ الْمَحْزُونَ.
قَوْلُهُ: «عَثَّثَهُ عَلَيَّ» أَيْ أَفْسَدَهُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعُثَّةِ وَهِيَ السُّوسَةُ، يُقَالُ: عَثَّتِ الصُّوفُ تَعُثُّهُ عَثًّا، إِذَا أَكَلَتْهُ، وَالْجَمْعُ الْعُثَثُ، وَقَدْ عُثَّ الثَّوْبُ فَهُوَ مَعْثُوثٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُثُّ: دَابَّةٌ تَأْكُلُ الْجُلُودَ، وَقَالَ أَبُو حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ مِثْلَهُ فِي الْعُثِّ.
١٩٩ - وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: أَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ،
стр. 330
قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، قَالَ: وُضِعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ غَدَاؤُهُ، فَقَالَ لِإِذِنْهِ: ادْعُ لِي خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: ادْعُ لِي رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيَّ، قَالَ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: ادْعُ لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، قَالَ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: ارْفَعْ، وَيْحَكَ عَثَّثْتَ عَلَيْنَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
стр. 331
ذَهَبَتْ لُمَّاتِي وَانْقَضَتْ آجَالُهُمْ ... وَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ وَلَسْتُ بِغَابِرِ
وغَبَرْتُ بَعْدَهُمْ فَأَسْكُنُ مَرَّةً ... بَطْنَ الْعَقِيقِ وَمَرَّةً بِالظَّاهِرِ
الْعَيْشُ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ أَحبَبْتُهُ ... وَالْمَوْتُ مَوْرَدَةُ الْهَيُوبِ النَّافِرِ
مَاءٌ بِمُنْقَطَعِ الْمَوَارِدِ كُلِّهَا ... فَالْبَرُّ وَارِدُ حَوْضِهَا وَالْفَاجِرِ
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَأَشْرَبَنَّ بِجَمَّةٍ ... يَوْمًا وَلَسْتُ إِذَا وَرَدْتُ بِصَادِرِ
وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ رُبَّمَا قَالَ «غثَّيْتَ عَلَيْنَا» ، يَذْهَبُ إِلَى غَثَيَانِ النَّفْسِ، يُقَالُ مِنْهُ غَثَتْ نَفْسُهُ، تَغْثِي غَثْيًا وَغَثَيَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَثَا الْمَاءُ يَغْثُوا غَثْوًا وَغُثَاءً إِذَا كَثُرَ فِيهِ الْبَعَرُ وَالْوَرَقُ وَالْقَصَبُ، وَالْجَمَّةُ: الْبِئْرُ الْوَاسِعَةُ الْكَثِيرَةُ الْمَاءِ
٢٠٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ يَوْمَ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِقِتَالِ الرِّدَّةِ، أَقَمْتُ بِذِي الْقَصَّةِ، فَإِنْ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ ظَفَرُوا، وَإِنِ انْهَزَمُوا كُنْتُ بِصَدَدِ لِقَاءٍ أَوْ مَدَدٍ ".
стр. 332
حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ
، قَالَ: صَدَدُ الشَّيْء حِذَاؤُهُ، يُقَالُ: هُوَ بِصَدَدِ ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ بِغَيْرِ صِفَةٍ، قَالَ وَأَنْشَدَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ:
عَلَا كَالْخَنِيفِ السَّحْقِ يَدْعُو بِهِ الصَّدَى ... لَهُ صَدَدٌ وَرْدُ التُّرَابِ دَهِينُ
أَرَادَ عَلَا طَرِيقًا كَالْخَنِيفِ، وَالصَّدَدُ: حِذَاؤُهُ.
انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَتْلُوهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
стр. 333
حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵀
٢٠١ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَهَافَتُوا يَوْمَ الْيَمَامَةِ تَهَافُتَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَخْشَى أَلَا يَشْهَدُوا مَوْطِنًا إِلَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يَفْنَوْا، وَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، فَيَضِيعُ الْقُرْآنُ، وَيُنْسَى، فَلَوْ جَمَعْتَهُ وَكَتَبْتَهُ، فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَتَرَاجَعَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: فَدَخَلْتُ وَعُمَرُ مُحْزَئِلٌّ ".
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
стр. 334
يُقَالُ: تَهَافَتَ الْقَوْمُ، وَتَقَادَعُوا وَتَعَادَوْا، إِذَا هَلَكَ بَعْضُهُمْ فِي إِثْرِ بَعْضٍ، وَأَنْشَدَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ فِي التَّعَادِي:
أَقُولُ لِكَنَّازٍ تَوَكَّلْ فَإِنَّهُ ... أَبًى لَا أَخَالُ الضَّانَ مِنْهُ نَوَاجِيَا
فَيَالَكِ مِنْ أَرْوَى تَعَادَيْتِ بِالْعَمَى ... وَلَاقَيْتِ كَلَّابًا مُطِلا وَرَامِيَا
فَإِنْ أَخْطَأَتْ نَبْلا حِدَادًا ظُبَاتُهَا ... عَلَى الْقَصْدِ لَمْ تُخْطِئْ كِلَابًا ضَوَارِيَا
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: تَيْسٌ آبِيٌّ، وَعَنْزٌ أَبْوَاءُ: وَقَدْ أَبِيتَ تَأْبَى أَبَى، وَهُوَ دَاءٌ
стр. 335
يُصِيبُهَا فِي رُءُوسِهَا مِنْ بَوْلِ الْأَرْوَى، وَلَا يَكَادُ يُصِيبُ الضَّأْنَ.
«تعَادَيَتْ» تَوَالَيَتْ، فَيَقُولُ: لَا تَنْجُو الضَّأْنُ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا الْأَبَى مِنْ شِدَّتِهِ فَكَيْفَ بِالْمَعْزِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «مُحْزَئِلٌّ» يَعْنِي شِبْهَ الْمُتَّكِئِ، وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ تَفْسِيرُهُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ كَلَامُ الْعَرَبِ غَيْرُ ذَلِكَ، تَقُولُ: احْزَأَلَّ الرَّجُلُ إِذَا اجْتَمَعَ وَانْتَصَبَ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِعُمَرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِزًا مُجْتَمِعًا، يُقَالُ لِلسَّحَابِ إِذَا ارْتَفَعَ نَحْوَ بَطْنِ السَّمَاءِ، احْزَأَلَّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا الزُّبَيْرُ لِجُمْلَ الْكِلَابِيَّةِ، فِي جَدَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ.
أَلَا لَيْتَنِي وَافَقْتُ رَكْبَ ابْنِ مُصْعَبٍ ... إِذَا مَا مَطَايَاهُ احْزَأَلَّتْ صُدُورُهَا
وَأَنْشَدَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْهَجَرِيُّ:
وَمَا ثَغَبٌ فِي حَرَّةٍ مُحْزَئِلَّةٍ ... أَرَشَّتْ عَلَيْهَا دِيمَةٌ بِرِهَامِ
بِأَطْيَبَ مَنْ فِيهَا إِذَا جِئْتُ طَارِقًا ... تَبْغِي الذُّرَا مِنْ طُخْيَةٍ وَظَلَامٍ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: «مُحْزَئِلَّةٌ» مُرْتَفِعَةٌ عَلَتْ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:
стр. 336
وَقُلْتُ لِعَمَّارِ بْنِ بِشْرٍ وَقَدْ رَأَى ... سُحُوقِي جَرَتْ فِيهَا دُمُوعِي فَبَلَّتِ
وَشِدِّي بِبُرْدِي حُشْوَةً ضَبَثَتْ بِهَا ... يَدُ الشَّوْقِ فِي الْأَحْشَاءِ حَتَّى احْزَأَلَّتِ
أَلَا قَاتَلَ اللَّهُ اللِّوَى مِنْ مَحَلَّةٍ ... وَقَاتَلَ دُنْيَانَا بِهَا كَيْفَ وَلَّتِ
٢٠٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ قَاذُورَةً، فَأُخْبِرَ بِذَلَكَ عُمَرُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ مِائَةَ مَرَّةٍ، قَالَ: قَدْ بَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَزِدْتَ عَلَى الطَّلَاقِ، فَلَا تَنْكِحُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ".
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: نا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: نا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ
стр. 337
الْقَاذُورَةُ: الْفَاحِشُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِيُّ:
فَإِنْ تَلْقَهُ فِي الشَّرْبِ لَا تَلْقَ فَاحِشًا ... عَلَى الْكَأْسِ ذَا قَاذُورَةٍ مُتَرَبِّعَا
стр. 338
٢٠٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرَجُلًا آخَرَ أُلْقِيَا مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ فَتَكَنَّعَتْ أَيْدَيْهُمَا، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ، اخْرُجُوا مِنْ أَرْضِنَا، فَقَالُوا: أَقَرَّنَا فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِكُمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّكُمْ فِيهَا مَا شِئْنَا، وَقَدْ شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ مِنْهَا، فَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا ".
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: نا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
стр. 339
الْكَنَعُ: تَقَبُّضٌ فِي الْأَصَابِعِ وَتَشَنُّجٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَنْحَى أَبُو لَقِطٍ حَزًّا بِشَفْرَتِهِ ... فَأَصْبَحَتْ كَفُّهُ الْيُمْنَى بِهَا كَنَعُ
وَالْفِعْلُ: كَنِعَ يَكْنَعُ كَنَعًا، وَتكَنَّعَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَكَنَعَ الْمَوْتُ كُنُوعًا: إِذَا دَنَا وَاقْتَرَبَ، وَقَالَ الْأَحْوَصُ: يَلُوذُ حِذَارَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ كَانِعُ وَكَنَعَتِ الْعُقَابُ تَكْنَعُ كُنُوعًا: إِذَا ضَمَّتْ جَنَاحَيْهَا لِلِانْقِضَاضِ فَهِيَ كَانِعَةٌ: جَانِحَةٌ، وَكَنِعَ الرَّجُلُ يَكْنَعُ كَنَعَا فَهُوَ كَنِعٌ، وَيُقَالُ: أَكْنَعَ الشَّيْءُ، إِذَا لَانَ وَخَضَعَ، وَقَالَ الْعَجَّاجُ: مِنْ نَفْثِهِ وَالرِّيقُ حَتَّى أَكْنَعَا وَقَالَ النَّابِغَةُ مِنَ الْأَوَّلِ: رَمَى اللَّهُ فِي تِلْكَ الْأُنُوفِ الْكَوَانِعِ أَيِ الْمُنْقَبِضَةُ اللَّاصِقَةُ بِالْوُجُوهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: " إِذَا أَصَابَ الْيَدَ أَوِ الرِّجْلَ خُرَّاجٌ أَوْ عِلَّةٌ فَتَقَبَّضَتْ قِيلَ: تَكَنَّعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
стр. 340
وَضَيفٍ إِذَا أَرْعَى طُرُوقًا بَعِيرَهُ ... وَعَانٍ نَآهُ الْوَفْدُ حَتَّى تَكَنَّعَا
يَقُولُ: بَعُدَ عَنْهُ مَنْ يَفِدْ عَلَيْهِ فَيَفْدِيهِ، حَتَّى تَكَنَّعَتْ يَدَاهُ فِي الْقَدِّ.
وَأَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِلْفَرَزْدَقِ:
وَكَمْ أَطَلَقَتْ كَفَّاكَ مِنْ قَيدِ يَائِسٍ ... وَمِنْ عُقدَةٍ مَا كَانَ يُرْجَى انْحِلَالُهَا
كَثِيرًا مِنَ الأَيْدِي الَّتِي قَدْ تَكَنَّعَتْ ... فَكَكْتَ وَأَعْتَاقًا عَلَيْهَا غِلَالُهَا
وَالْغِلَالُ: جَمْعُ غُلٍّ
٢٠٤ - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَرَّةَ، قَالَ: نا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: نا وَهْبٌ، قَالَ: نا الْأَسْوَدُ، عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، قَالَ: لَمَّا جُدَّ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَضْعُ يَدَهُ مَوْضِعَ الْغِلَالِ مِنْ ذَقَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَمَرَّتَنَا فَتَرَكْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَرَكِبْنَا، وَلَا تَسَعُنَا إِلَّا مَغْفِرَتُكَ» ، فَكَانَتْ تِلْكَ هِجِّيرَاهُ حَتَّى مَاتَ
стр. 341
٢٠٥ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ رَأَى نَاسًا يَنْثَالُونَ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ؟ فَقَالُوا: مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ نَبِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ اتَّبَعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَتَرَكُوا أَمْرَهُمْ، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكُمُ الصَّلَاةَ فَصَلُّوا، فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْشَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ، يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ،
стр. 342
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: تَقُولُ: انْثَالَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَانْكَالُوا وَانْهَالُوا وَانْقَصَفُوا: إِذَا أَتَوْهُ وَتَتَابَعُوا عَلَيْهِ، وَتَهَافَتُوا، وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ: مَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ: اجْتِمَاعُهُمْ إِلَيْهِ، وَإِقْبَالُهُمْ عَلَيْهِ
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ الْأُسَيْفِعَ أُسَيْفَعَ
стр. 343
جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ: سَبَقَ الْحَاجَّ، فَادَّانَ مُعْرِضًا، ثُمَّ أَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ.
قَوْلُهُ: «ادَّانَ مُعْرِضًا» يُرِيدُ أَنَّهُ ادَّانَ مِمَّنِ اسْتَطَاعَ، وَأَخَذَ مَالَ مَنْ أَمْكَنَهُ، لَمْ يُبْقِ
стр. 344
أَحَدًا لِخَوْفِ عَاقِبَةٍ وَلَا تَأَثُّمٍ مِنْ مَعَادٍ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ فِي قَوْلِ الْبُعَيْثِ:
فَطَأُ مُعْرِضًا إِنَّ الْحُتُوفَ مَظِنَّةٌ ... وَإِنَّكَ لَا تُبْقِي لِنَفْسِكَ بَاقِيًا
أَوْ قَالَ: كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: «فَطَأُ مُعْرِضًا» : يَقُولُ: ضَعْ رِجْلَكَ حَيْثُ وَقَعَتْ وَلَا تَتَّقِ شَيْئًا إِنَّ الْحُتُوفَ كَثِيرَةٌ تُصِيبُكَ وَإِنِ اتَّقَيْتَ، وَقَوْلُهُ: «لَا تُبْقِي لِنَفْسِكَ بَاقِيَا» يَقُولُ إِنْ أَبْقَيْتَ نَفْسَكَ لَمْ تَبْقَ لَكَ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ زِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عُمَرُ لِهَيْئَةٍ رَآهَا مِنْهُ، فَقَالَ زِيَادٌ: لَقَدْ رُمِيتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الرَّأْسِ ".
يُقَالُ رُمِيَ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ فِي الرَّأْسِ إِذَا سَاءَ رَأْيُهُ فِيهِ حَتَّى لَا يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَحْسَبَهُ رُمِيَ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ فِي الرَّأْسِ أَوْ مِنْ كَأَيِّنْ مَا كَانَ.
стр. 345
٢٠٨ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: " أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ: إِيَّايَ وَالتَّغْبِيبَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ ذَنْبٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الْحَقِّ مَنْ لَا يَزَعُهُمْ عَنِ الْبَاطِلِ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنِ الْعَلَاءِ بنِ الْمِنْهَالِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، التَّغْبِيبُ: تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ، يُقَالُ: غَبَّبَ فُلَانٌ فِي الْحَاجَةِ إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِيهَا
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزِّيَادِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، قَالَ: يُقَالُ شَدَّ الذِّئْبُ عَلَى الْغَنَمِ، فَفَرَسَ مِنْهَا، وَغَبَّبَ، وَالْفَرْسُ: دَقُّ الْعُنُقِ، وَالتَّغْبِيبُ: أَنْ يَدَعَهَا وَبِهَا شَيْءٌ مِنْ حَيَاةٍ.
قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: يُقَالُ لَا تَفْرِسُ وَلَا تَنْخَعْ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَ: وَقَالَ رَجُلٌ
стр. 346
مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ:
مَنْ لِيَ مِنْهَا إِذَا مَا جُلْبَةٌ أَزِمَتْ ... وَمِنْ أُوَيْسٍ إِذَا مَا أَنْفُهُ رَذَمَا
إِذْ لَا يَزَالُ فَرِيسٌ أَوْ مُغَبَّبَةٌ ... صَغْوَاءُ تَنْشُرُ مِنْ دُونِ الدِّمَاغِ دَمَا
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى:
٢٠٩ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ يَذْكُرُهُ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ لَيْلًا، إِذَا هَاتِفٌ عَلَى الطَّرِيقِ، يَقُولُ: قِفُوا، فَوَقَفْنَا فَقَالَ: أَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِحْدَاهُنَّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، أَتَعْقِلُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: الْعَقْلُ سَاقَنِي هَاهُنَا، قَالَ عُمَرُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَوَ مَاتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَمَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَهُ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ: أَنُحَيْفُ بَنِي تَمِيمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَهَا لأَهْلًا، أَوَ فِيكُمْ هُوَ؟ قَالَ عُمَرُ: مَاتَ، قَالَ: أَوَ مَاتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَمَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَهُ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَأَيْنَ كَانُوا عَنْ أَبْيَضَ بَنِي أُمَيَّةَ، يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قَدْ كَانَ مَا أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: مَا كَانَتْ صَدَاقَةُ عُمَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِتُسْلِمَهُ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَا يُكَلِّمُكَ، قَالَ: فَالْغَوْثَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْغَوْثَ، قَالَ: قَدْ بَلَغَكَ الرَّيُّ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُقَيْلٍ أَحَدُ بَنِي ثُعَيْلَةَ بْنِ مَلِيلٍ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَدْهَةِ بَنِي جِعَالٍ، فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمْتُ، وَسَقَانِي فَضْلَةَ
стр. 347
سَوِيقٍ شَرِبَ أَوَّلَهَا، فَمَا زِلْتُ أَجِدُ رَيَّهَا إِذَا عَطِشْتُ، وَشِبَعَهَا إِذَا جُعْتُ، ثُمَّ يَمَّمْتُ رَأْسَ الْأَبْيَضِ، فَلَمْ أَزَلْ فِيهِ أَنَا وَأَهْلِي مُنْذُ عَشَرَةِ أَعَوَّامٍ، مَا رَأَيْتُ فِيهِ ذَاكِرًا غَيْرِي، أُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ صَلَوَاتٍ خَمْسًا، وَيَدُورُ شَهْرُ رَمَضَانَ فَأَصُومُهُ، وَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ حَارًّا، وَأَذْبَحُ لِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ نُسُكًا، فَآكُلُ وَأُطْعِمُ أَهْلِي، كَذَلِكَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَصَابَتْنَا حَطْمَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا أَبْقَتْ لَنَا إِلَّا شَاةً كُنَّا نَمْتَذِقُ دَرَّهَا، فَعَدَا عَلَيْهَا الذِّئْبُ بَارِحَةَ الْأُولَى، فَغَبَّبَهَا وَاتَّبَعْتُهُ، فَأَدْرَكْتُ ذَكَاتَهَا، فَأَكَلْتُ بَعْضًا، وَحَمَلْتُ بَعْضًا، قَالَ: أَتَاكَ الْغَوْثُ، الْحَقْنِي عَلَى الْمَاءِ، وَمَضَى عُمَرُ، وَأَبْطَأَ الرَّجُلُ حَتَّى رَاحَ عُمَرُ، فَدَعَا عُمَرُ صَاحِبَ الْمَاءِ فَأَوْصَى بِالرَّجُلِ، وَقَالَ: إِذَا أَتَاكَ، فَمُنْهُ وَعِيَالَهُ بِمَا يَسَعُهُمْ، وَمَضَيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مَرَّ عُمَرُ بِصَاحِبِ الْمَاءِ، فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ قَبْرُهُ، فَمَشَى عُمَرُ إِلَى قَبْرِهِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: كَرِهَ اللَّهُ لَهُ، فِتْنَتَكُمْ، وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ
стр. 348
قَوْلُهُ: «إِحْدَاهُنَّ وَرَبُّ الْكَعْبَةِ» يَعْنِي إِحْدَى الْعَجَائِبِ، وَفِي مَثَلٍ مِنَ الْأَمْثَالِ: لَا يَقُومُ لِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا ابْنُ إِحْدَاهَا، يَقُولُ إِلَّا كَرِيمُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْإِبِلِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: «بَلَغَكَ الرَّيُّ» يُرِيدُ الشِّبَعَ، وَهُوَ يَقَعُ مَوْقِعَ الْغَيْثِ، أَوْ قَالَ: الْغَوْثُ، كَمَا يُغَاثُ الشَّرِقُ بِالْمَاءِ، وَالرَّدْهَةِ وَالْوَقِيعَةِ الْوَقْظِ وَالْوَجْذِ وَالْإِخَاذَةِ: النُّقْرَةُ فِي الْجَبَلِ يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَكَذَلِكَ الثَّغَبُ وَالْقَلْتُ وَالْوَقْبُ، وَ «رَأْسُ الْأَبْيَضِ» : جَبَلٌ: وَيُقَالُ بَارِحَةَ الْأُولَى وَصَلَاةُ الْأُولَى وَمَسْجِدُ الْجَامِعِ، تُضِيفُ الِاسْمَ إِلَى الصِّفَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْء، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ، يُرِيدُ وَالْحَبَّ الْحَصِيدَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى نَعْتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] .
٢١٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " وَنَظَرَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ الْفَدْغَمُ ".
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: نا الزُّبَيْرُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كِنَانَةَ، قَالَ: لَمَّا كَانَتِ الرَّمَادَةُ، وَانْجَلَتْ فَسَالَتِ الْأَوْدِيَةُ وَسَالَ الْعَقِيقُ، أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقِيلَ لَهُ: سَالَ الْعَقِيقُ، فَخَرَجَ عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ، فَوَقَفَ عَلَى السَّيْلِ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْوَادِي: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ الْفَدْغَمُ الْأَبْيَضُ الْأَصْلَعُ عَلَى الْفَرَسِ؟ فَقَالُوا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَنَا الْأَعَرَابِيُّ
стр. 349
حَتَّى كَانَ عَلَى رَتْوَةٍ فِي السَّيْلِ، ثُمَّ صَاحَ: يَا ابْنَ حَنْتَمَةَ، جَازَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيهَا يَا ابْنَ ثَأْدَاءَ، فَأَلْوَى عُمَرُ بِيَدِهِ أَنِ اعْبُرَا، فَلَمْ يُبِنْ جَوَابَهُ حَتَّى عَبَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ الْقَائِلُ مَا قُلْتَ، وَيْحَكَ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أنا حَبِيبُ بْنُ عِصَامٍ الْمُحَارِبِيُّ.
قَالَ: وَيْحَكَ لَوْ كُنْتَ أَنْفَقْتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَالِي وَمَالَ أَبِي، لَكُنْتَ حَرِيًا حَتَّى مَضَتْ، وَلَكِنْ مَا أَنْفَقْتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِهِمْ "
стр. 350
الْفَدْغَمُ: اللَّحِيمُ الْجَسِيمُ.
قَالَ الرَّاجِزُ:
أَثَّلَ مُلْكًا خِنْدَفِيًا فَدْغَمَا
يُرِيدُ عَظِيمًا قَدِيمًا، وَيُقَالُ: إِنَّ الْفَدْغَمَ فِي نَعْتِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَضَاءَةً مَعَ عِظَمٍ.
وَقَالَ الْكُمَيْتُ يَذْكُرُ النِّسَاءَ.
وَأَدْنَينَ الْبُرُودَ عَلَى خُدُودٍ ... وَزَيَّنَ الْفَدَاغِمَ بِالْأَسِيلِ
أَرَادَ أنَّهُنَّ رِوَاءُ الْوُجُوهِ.
وَقَالَ غَيْلَانُ ذُو الرُّمَّةِ، يَمْدَحُ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ:
ومُخْتَلَقٌ لِلْمُلْكِ أَبَيْضُ فَدْغَمٌ ... أَشَمُّ أَبَجُّ الْعَيْنِ كَالْقَمَرِ الْبَدْرِ
الْمُخْتَلَقُ: التَّامُّ الْخَلْقِ وَالْجَمَالِ، وَالْجَمَلُ الْفَدْغَمُ: الْغَلِيظُ الْجَسِيمُ.
وَأَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَابِدِيُّ لِأَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ:
فَهَلْ يُبْلِغَنِّي الْمَالِكِيَّةَ فَدْغَمٌ ... عَلَى الْأَيْنِ وَالشَّكْوَى صَبُورٌ مُذكَّرُ
تَعَاوَرَهُ الرُّوَاضُ حَتَّى كَأَنَّهُ ... إِذَا اجْتَمَعُوا فِيهِمْ كَبِيرٌ مُنَفِّرُ
стр. 351
وَقَوْلُهُ: «أَلْوَى بِيَدِهِ» أَيْ: لَمَّحَ بِهَا وَأَشَارَ، وَقَالَ طُفَيْلٌ:
فَأَلْوَتْ بَغَايَاهُمْ بِنَا وَتَبَاشَرُوا ... إِلَى عُرْضِ جَيْشٍ غَيْرَ أَنْ لَمْ يُكَتَّبِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ: يُقَالُ أَخْفَقَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ إِخْفَاقًا، وَأَلْوَى بِثَوْبِهِ إِلْوَاءً، وَلَوَّحَ بِثَوْبِهِ تَلْوِيحًا، وَلَمِعَ بِهِ لَمْعًا كُلُّهُ وَاحِدٌ.
٢١١ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: نا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ، قَالَ: حَلَمَ حَالِمٌ بِالْكُوفَةِ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ غُفِرَ لَهُ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَتى عَبْدُ اللَّهِ، فَخَرَجَ فَزِعًا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَعَلَ يُلْوِي وَيُلْمِعُ بِثَوْبِهِ، وَيَقُولُ: اخْرُجُوا لَا تُعَذَّبُوا، فَإِنَّمَا هِيَ نَفْحَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، وَلَا كِتَابَ بَعْدَ كِتَابِكُمْ
стр. 352
وَقَالَ جَرِيرٌ:
نَهَيْتُكُمُ أَنْ تَرْكَبُوا ذَاتَ نَاطِحٍ ... مِنَ الْحَرْبِ يُلْوِي بِالرِّدَاءِ نَذِيرُهَا
وَأَنْشَدَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
وَنَهْدِيَّةٍ شَمْطَاءَ أَوْ حَارِثِيَّةٍ ... تُؤَمِّلُ كَسْبًا مَنْ بَنِيهَا يُغِيرُهَا
تُؤَمِّلُ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ وَقَدْ رَأَتْ ... سَوَابِقَ خَيْلٍ لَمْ يُذَرِّعْ بَشِيرُهَا
وَقَدْ رَجَعَتْ كَعْبٌ خَزَايَا أَذِلَّةً ... مِلَاءً مِنَ اللَّحْمِ الْخَبِيثِ حُجُورُهَا
«لَمْ يُذَرَّعْ» أَيْ لَمْ يَرْفَعْ ذِرَاعَيْهِ بَشِيرٌ بِغُنْمٍ وَلَكِنَّهُمْ مُنْهَزِمُونَ، «يُغِيرُهَا» :
стр. 353
يَمِيرُهَا، يَقُولُ: مَاذَا يَغِيرُكَ بُكَاؤُكَ أَيْ مَاذَا يَرُدُّ عَلَيْكَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مَاذَا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُمَا ... لَا تَرْقُدَانِ وَلَا بُؤْسَ لِمَنْ رَقَدَا
وَيُقَالُ مِنْ غَيْرِ هَذَا: أَلْوَى بِهِ يُلْوَى إِلْوَاءً، إِذَا ذَهَبَ بِهِ، وَقَدْ أَلْوَى الْقَوْمُ إِذَا بَلَغُوا لِوَى الرَّمْلِ.
وَقَدْ أَلْوَى الْبَقْلُ فَهُوَ مُلْوٍ إِذَا صَارَ لَوِيًّا، وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ فِيهِ نُدُوَّةٌ، وَبَعْضُهُ يَابِسٌ.
٢١٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَنْطُفُ رَأْسُهُ، قَالَ: أَمُحْرِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: إِنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ أَذْفَرُ، وَلَوْ رَخَّصْتُ لَكُمْ لَضَاجَعْتُمُوهُنَّ بِالْأَرَاكِ، ثُمَّ رُحْتُمْ حُجَّاجًا، عُمْرَةَ بَتِيلٍ، وَحَجَّةَ بَتِيلٍ ".
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: نا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
стр. 354
يَنْطُفُ رَأْسُهُ، يَقُولُ: يَقْطُرُ، وَقَوْلُهُ: «حَجَّةَ بَتِيلٍ» : وَهِيَ الْمُفْرَدَةُ، وَأَصْلُ الْبَتْلِ: إِبَانَةُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، وَتَمْيِيزُهُ مِنْهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْبَتُولُ: وَهِيَ الْفَسِيلَةُ الَّتِي قَدِ اسْتَغْنَتْ عَنِ النَّخْلَةِ، وَالنَّخْلَةُ حِينَئِذٍ مُبْتِلٌ
، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَخِّلِ:
стр. 355
ذَلِكَ مَادِينُكَ إِذَا جُنِّبَتْ ... أَحْدَاجُهَا كَالْبُكُرِ الْمُبْتِلِ
وَالْبُكُرُ: جَمْعُ بُكُورٍ، وَهِيَ النَّخْلَةُ تُدْرَكُ فِي أَوَّلِ النَّخْلِ، وَالْمُبْتِلُ: الْأُمُّ تَكُونُ لَهَا فَسِيلَةٌ قَدِ انْفَرَدَتْ وَاسْتَغْنَتْ عَنْ أُمِّهَا.
٢١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: " أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَدَافَعُوهَا، لِيَؤُمَّهُمْ حُذَيْفَةُ، فَقَالَ: لَتَبْتُلُنَّ لَهَا إِمَامًا، أَوْ لَتُصَلُّنَّ فُرَادَى «
أَيْ لَتَنْدُبُنَّ لَهَا وَاحِدًا مِنْكُمْ تَبْتُلُونَهُ أَيْ تُمَيِّزُونَهُ.
وَقَوْلُهُ» أَذْفَرُ " يَعْنِي تَفِلًا مُتَغَيِّرَ الرِّيحِ، وَيُقَالُ: لِكُلِّ رِيحٍ ذَكِيَّةٍ شَدِيدَةٍ مِنْ طِيبٍ أَوْ نَتْنٍ ذُفْرٌ، وَمِنْهُ قِيلَ: مِسْكٌ أَذْفَرُ، وَقَالَ الرَّاعِي يَصِفُ الْإِبِلَ:
لَهَا فَارَةٌ ذَفْرَاءُ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... كَمَا فَتَقَ الْكَافُورَ بِالْمِسْكِ فَاتِقُهْ
следующие страницы →