стр. 106
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 96550
صلاة المؤمن
سعيد بن وهف القحطاني
Полный текст (1 378 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 107
المبحث الثاني عشر: منزلة الصلاة في الإسلام
الصلاة لها منزلة عظيمة في الإسلام، ومما يدل على أهميتها وعظم منزلتها ما يأتي:
١ - الصلاة عماد الدين الذي لا يقوم إلا به ، ففي حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((رأس الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذروةُ سنامِه الجهادُ)) (١). وإذا سقط العمود سقط ما بني عليه.
٢ - أول ما يحاسب عليه العبد من عمله ، فصلاح عمله وفساده بصلاح صلاته وفسادها، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: الصلاة، فإن صلحت صلح سائرُ عمله، وإن فسدت فسد سائرُ عمله)). وفي رواية: ((أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، [وفي رواية: وأنجح]، وإن فسدت فقد خاب وخسر)) (٢).
وعن تميم الداري ﵁ مرفوعًا: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تُؤخذ الأعمال على حسب ذلك)) (٣).
стр. 108
٣ - آخر ما يُفقد من الدين ، فإذا ذهب آخر الدين لم يبق شيء منه، فعن أبي أمامة مرفوعًا: ((لتُنقضن عُرَى الإسلام عُروة عُروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة)) (١). وفي رواية من طريق آخر: ((أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، ورب مصلٍّ لا خير فيه)) (٢).
وعن أنس ﵁ مرفوعاً: ((أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة)) (٣).
٤ - آخر وصية أوصى بها النبي ﷺ أمته ، فعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: كان من آخر وصية رسول الله ﷺ : ((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم))،حتى جعل نبي الله ﷺ يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه)) (٤).
٥ - مدح الله القائمين بها ومن أمر بها أهله ، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا* وَكَانَ يَأْمُرُ
стр. 109
أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيًّا﴾ (١).
٦ - ذم الله المضيعين لها والمتكاسلين عنها ، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢). وقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٣).
٧ - أعظم أركان الإسلام ودعائمه العظام بعد الشهادتين ، فعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)) (٤).
٨ - مما يدل على عظم شأنها أن الله لم يفرضها في الأرض بواسطة جبريل ، وإنما فرضها بدون واسطة ليلة الإسراء فوق سبع سموات.
٩ - فرضت خمسين صلاة ، وهذا يدل على محبة الله لها، ثم خفف الله عن عباده، ففرضها خمس صلوات في اليوم والليلة، فهي خمسون في الميزان، وخمس في العمل، وهذا يدل على عظم مكانتها (٥).
١٠ - افتتح الله أعمال المفلحين بالصلاة واختتمها بها ، وهذا يؤكد أهميتها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ
стр. 110
لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١).
١١ - أمر الله النبي محمدًا ﷺ وأتباعه أن يأمروا بها أهليهم ، فقال الله : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع)) (٣).
١٢ - أُمِرَ النائم والناسي بقضاء الصلاة، وهذا يؤكد أهميتها ، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نسي صلاةً فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)). وفي رواية لمسلم: ((من نسي صلاةً أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) (٤). وأُلحق بالنائم المُغمى عليه ثلاثة أيام فأقل، وقد رُوي ذلك عن عمار، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب ﵃ (٥). أما إن كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء؛ لأن المُغمى عليه مدة طويلة أكثر من ثلاثة أيام يشبه المجنون بجامع زوال العقل، والله أعلم (٦).
стр. 111
المبحث الثالث عشر: خصائص الصلاة في الإسلام (١)
الصلاة لها شأن انفردت به على سائر الأعمال الصالحة، منها:
١ - سمى الله الصلاة إيمانًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن الصلاة تصدّقُ عَمَلهُ وقَوْلَهُ.
٢ - خصها بالذكر تمييزًا لها من بين شرائع الإسلام ، قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣)، وتلاوته اتباعه والعمل بما فيه من جميع شرائع الدين، ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾، فخصها بالذكر تمييزًا لها، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ (٤). خصها بالذكر مع دخولها في جميع الخيرات، وغير ذلك كثير.
٣ - قُرِنَت في القرآن الكريم بكثير من العبادات ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥). وقال: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾ (٦). وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧)، وغير ذلك كثير.
٤ - أمر الله نبيه ﷺ أن يصطبر عليها ، فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ (٨) مع أنه ﷺ مأمور
стр. 112
بالاصطبار على جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ (١).
٥ - أوجبها الله على كل حال ، ولم يعذر بها مريضًا، ولا خائفًا، ولا مسافرًا، ولا غير ذلك؛ بل وقع التخفيف تارة في شروطها، وتارة في عددها، وتارة في أفعالها، ولم تسقط مع ثبات العقل.
٦ - اشترط الله لها أكمل الأحوال: من الطهارة، والزينة باللباس، واستقبال القبلة مما لم يشترط في غيرها.
٧ - استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان: من القلب، واللسان، والجوارح، وليس ذلك لغيرها.
٨ - نهى أن يشتغل فيها بغيرها، حتى بالخطرة، واللفظة، والفكرة.
٩ - هي دين الله الذي يدين به أهل السموات والأرض ، وهي مفتاح شرائع الأنبياء، ولم يُبْعَث نبيٌّ إلا بالصلاة.
١٠ - قُرنت بالتصديق بقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى*وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢)، وخصائص الصلاة كثيرة جدًّا لا تقاس بغيرها (٣).
стр. 113
المبحث الرابع عشر: حكم تارك الصلاة
ترك الصلاة المفروضة كفر، فمن تركها جاحدًا لوجوبها كفر كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم، ولو صلَّى (١)،أما من ترك الصلاة بالكلّيّة، وهو يعتقد وجوبها ولا يجحدها، فإنه يكفر، والصحيح من أقوال أهل العلم أن كفره أكبر يخرج من الإسلام؛ لأدلة كثيرة منها على سبيل الاختصار ما يأتي:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ*خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٢). وهذا يدل على أن تارك الصلاة مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون قائمة، ولو كانوا من المسلمين لأُذِنَ لهم بالسجود كما أُذِنَ للمسلمين.
٢ـ وقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ*إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ*فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ*عَنِ الْمُجْرِمِينَ*مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ*وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ*وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ﴾ (٣). فتارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤).
٣ - وقال الله : ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥).فعلق أخوَّتهم للمؤمنين بفعل الصلاة.
стр. 114
٤ - عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (١).
٥ - وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) (٢).
٦ - وعن عبد الله بن شقيق ﵁ قال: ((كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة)) (٣).
٧ - وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة غير واحد من أهل العلم (٤).
٨ - وذكر الإمام ابن تيمية أن تارك الصلاة يكفر الكفر الأكبر لعشرة وجوه (٥).
٩ - وأورد الإمام ابن القيم ﵀ أكثر من اثنين وعشرين دليلاً على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر (٦).
والصواب الذي لا شك فيه، أن تارك الصلاة مطلقًا كافر لهذه الأدلة الصريحة (٧).
١٠ - قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وقد دلّ على كفر تارك
الصلاة: الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة)) (٨).
стр. 115
المبحث الخامس عشر: فضل الصلاة
١ـ تنهى عن الفحشاء والمنكر ؛ قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (١).
٢ - أفضل الأعمال بعد الشهادتين ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ :أي العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة لوقتها)) قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: ((برّ الوالدين)) قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)) (٢).
٣ - تغسل الخطايا ؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الصلوات الخمس كمثل نهرٍ غمرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات)) (٣).
٤ - تكفّر السيئات ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر)) (٤).
٥ - نور لصاحبها في الدنيا والآخرة ؛ لحديث عبد الله ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: ((من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان،
стр. 116
وأبيّ بن خلف)) (١).
وفي حديث أبي مالك الأشعري ﵁: ((الصلاة نور)) (٢)؛ ولحديث بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((بشر المشَّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)) (٣).
٦ - يرفع الله بها الدرجات، ويحط الخطايا ؛ لحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال له: ((عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة)) (٤).
٧ - من أعظم أسباب دخول الجنة برفقة النبي ﷺ -؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سَلْ)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: ((أو غير ذلك؟)) قلت: هو ذاك، قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)) (٥).
٨ - المشي إليها تكتب به الحسنات وترفع الدرجات وتحط الخطايا ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطهَّر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خَطْوَتاه إحداهما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة)) (٦).
стр. 117
وفي الحديث الآخر: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة .. )) (١).
٩ - تُعدُّ الضيافة في الجنة بها كلما غدا إليها المسلم أو راح ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نُزُلاً كُلَّما غدا أو راح)) (٢). والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه.
١٠ - يغفر الله بها الذنوب فيما بينها وبين الصلاة التي تليها ؛ لحديث عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها)) (٣).
١١ - تكفر ما قبلها من الذنوب ؛ لحديث عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأتِ كبيرة، وذلك الدهر كلّه)) (٤).
١٢ - تُصلّي الملائكة على صاحبها ما دام في مُصلاّه ، وهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجةً. وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخطُ خطْوَة إلا رُفِعَ
стр. 118
له بها درجةً، وحُطَّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يُصلُّون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذِ فيه، ما لم يحدث فيه)) (١).
١٣ - انتظارها رباط في سبيل الله ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات))؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)) (٢).
١٤ - أجر من خرج إليها كأجر الحاج المحرم ؛ لحديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى (٣) لا ينصبه (٤) إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتابٌ في عليين)) (٥).
١٥ - من سُبِق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا)) (٦).
стр. 119
١٦ - إذا تطهر وخرج إليها فهو في صلاة حتى يرجع ، ويكتب له ذهابه ورجوعه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل: هكذا)) وشبك بين أصابعه (١)، وعنه ﵁ يرفعه: ((من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي، فرِجْلٌ تكتُبُ حسنة ورِجلٌ تحطُّ سيئة حتى يرجع)) (٢).
стр. 120
المبحث السادس عشر: الأذان والإقامة
أولاً: مفهوم الأذان والإقامة، وحكمهما:
١ - الأذان في اللغة: الإعلام بالشيء، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ (١) أي إعلام. وقوله: ﴿آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢) أي أعلمتكم فاستوينا في العلم (٣).
والأذان في الشرع: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ معلومة مخصوصة مشروعة (٤)، وسُمّي بذلك؛ لأن المؤذن يعلم الناس بمواقيت الصلاة، ويُسمَّى النداء؛ لأن المؤذن ينادي الناس ويدعوهم إلى الصلاة (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ (٧).
٢ـ الإقامة في اللغة: مصدر أقام، من إقامة الشيء إذا جعله مستقيمًا.
٣ـ الأذان والإقامة فرضا كفاية على الرجال دون النساء للصلوات الخمس المكتوبة، وصلاة الجمعة خامسة يومها، فهما مشروعان بالكتاب، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ (٨)، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ (٩).وبالسنة؛ لقوله ﷺ في
стр. 121
حديث مالك بن الحويرث: ((فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبركم)) (١). فقوله ﷺ : ((أحدكم)) يدل على أن الأذان فرض كفاية (٢).
قال ابن تيمية ﵀: ((وفي السنة المتواترة أنه كان يُنادى للصلوات الخمس على عهد رسول الله ﷺ ، وبإجماع الأمة وعملها المتواتر خلفًا عن سلف)) (٣).
والصواب أن الأذان يجب على الرجال: في الحضر، والسفر، وعلى المنفرد، وللصلوات المؤدَّاة والمقْضيّة، وعلى الأحرار والعبيد (٤).
ثانيًا: فضائل الأذان:
ثبت في فضائل الأذان والمؤذنين نصوص كثيرة، منها الفضائل الآتية:
١ - المنادي من الدعاة إلى الله ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥).
٢ - المؤذّنون أطول أعناقًا يوم القيامة ؛ لحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة)) (٦).
стр. 122
٣ - يطرد الشيطان ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان له ضُراط حتى لا يسمع التأذينَ، فإذا قُضِيَ النداءُ أقبل حتى إذا ثُوّب للصلاة أدبَرَ، حتى إذا قُضِيَ التَّثْويبُ (١) أقبلَ حتى يَخطُرُ بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظلَّ الرجلُ لا يدري كم صلى)) (٢).
٤ - لو يعلم الناس ما في النداء لاستهموا عليه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلمُ الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير (٣) لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة (٤) والصبح لأتوهما ولو حبوًا)) (٥).
٥ - لا يسمع صوت المؤذّن شيء إلا شهد له ، قال أبو سعيد الخدري ﵁ لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: ((إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمعُ مدى صوت المؤذّن جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ )) (٦).
٦ - يُغفر للمؤذن مدى صوته وله مثل أجر من صلى معه ؛ لحديث البراء بن عازب ﵄ أن نبي الله ﷺ قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدَّم، والمؤذنُ يغفرُ له بمدّ صوته، ويصدقه من سمعه
стр. 123
من رطبٍ ويابسٍ وله مثلُ أجر من صلى معه)) (١).
٧ - دعاء النبي ﷺ له بالمغفرة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإمام ضامنٌ (٢) والمؤذن مؤتمن (٣)، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) (٤).
٨ - الأذان تُغفر به الذنوب ويُدخِل الجنة ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يعجب ربكم من راعي غنمٍ في رأس شظيَّة (٥) بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذنُ ويقيمُ يخاف مني، فقد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنة)) (٦).
٩ - من أذَّن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أذَّن ثنتَي عشرةَ سنةً وجبتْ له الجنة، وكُتِبَ لهُ بِكُلّ أذانٍ ستونَ حَسَنةً، وبِكُلّ إقامةٍ ثلاثونَ حسنةً)) (٧).
стр. 124
١٠ - المؤذّن خيار عباد الله ؛ لحديث ابن أبي أوفى ﵁: أن النبي قال: ((إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم لذكر الله)) (١).
١١ - المؤذّن إذا أذَّن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه ؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان الرجل بأرض قِيّ (٢)، فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإن لم يجد ماءً فليتيمّم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه)) (٣).
ثالثًا: صفة الأذان والإقامة:
الأذان الذي استمر عليه بلال بين يدي رسول الله ﷺ - هو ما ثبت من حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وصفته: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله))، والإقامة في هذا الحديث: ((الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)) (٤).
стр. 125
ويقول في أذان الفجر بعد حي على الفلاح: ((الصلاةُ خيرٌ مِنَ النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم)) (١)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: ((من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حيّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم)) (٢)، فيكون أذان بلال بحضرة النبي ﷺ خمس عشرة جملة، والإقامة إحدى عشرة جملة، ومما يؤكد ذلك حديث أنس ﵁ قال: ((أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة)) (٣)، والمعنى يأتي بالأذان مثنى مثنى، أو أربعًا أربعًا، فالكل يصدق عليه أنه شفع، وهذا إجمال بينه حديث عبد الله بن زيد، وحديث أبي محذورة، فشفع التكبير في أوله أن يأتي به أربعًا أربعًا، وشفع غيره أن يأتي به مرتين مرتين، وهذا بالنظر إلى الأغلب، وإلا فإن كلمة التوحيد في آخر الأذان، وفي آخر الإقامة مفردة بالاتفاق، والتكبير في الإقامة وتر بالنسبة إلى التكبير الرباعي في الأذان، وكذلك يكرر التكبير في آخر الإقامة، ويكرر لفظ الإقامة وتفرد بقية الألفاظ (٤).وإن أذن وأقام بما في حديث أبي محذورة فلا بأس (٥).
стр. 126
رابعًا: آداب المؤذن:
ويكون المؤذن متطهرًا (١)، ويتمهل في ألفاظ الأذان، ويسرع في الإقامة، ويكون ذلك جزمًا (٢)، ويؤذن على موضعٍ عالٍ، قائمًا، مستقبل القبلة؛ لفعل بلال ﵁ (٣)، ويجعل أصبعيه في أذنيه؛ لحديث أبي جحيفة ﵁،قال: ((رأيت بلالاً يؤذن، أتتبع فاه، هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه)) (٤)،ويلوي عنقه فيلتفت يمينًا لحيَّ على الصلاة، وشمالاً لحيَّ على الفلاح؛ لحديث أبي جحيفة ﵁ قال: ((رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذَّنَ، فلما بلغ حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح لوى عُنُقه يمينًا وشمالاً ولم يستدر)) (٥).
стр. 127
ويؤذّن في أول الوقت ؛ لقول جابر بن سمرة ﵁: ((كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما أخَّر الإقامة شيئًا)) (١)،ومن السنة أن يكون المؤذن قوي الصوت؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁ يرفعه: ((فقمْ مع بلالٍ فألقِ عليه ما رأيتَ فليؤذّن به؛ فإنه أندى صوتًا منك)) (٢). ويستحب أن يكون صوت المؤذن حسنًا (٣)؛ لحديث أبي محذورة ﵁: أن النبي ﷺ أعجبَه صوتُهُ، فعلَّمَهُ الأذان (٤)، والأفضل أن يكون عالمًا بالوقت بنفسه؛ ليتمكن من الأذان في أوَّل الوقت؛ ولأنه قد يتعذّر عليه من يخبره بالوقت، ولكن لا حرج في أذان الأعمى إذا كان له من يخبره بدخول الوقت؛ لأن ابن أمّ مكتوم ﵁ كان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال: ((أصبحت أصبحت)) (٥)، ويجب أن يكون المؤذن أمينًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (٦)؛ ولحديث ابن أبي محذورة عن أبيه عن جده: ((أُمناءُ المسلمين على صلاتهم وسحورهم: المؤذنون)) (٧)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((والمؤذن مؤتمن)) (٨)، وينبغي للمؤذن أن يبتغي بأذانه وجه الله تعالى؛ لحديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: ((أنت إمامُهُم واقتدِ بأضعفهم، واتَّخِذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه
стр. 128
أجرًا)) (١). وأما إعطاء المؤذن من بيت مال المسلمين فلا حرج فيه؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين (٢).
خامسًا: الأذان المشروع قبل الفجر وحكمه:
الأذان الأول قبل الفجر مشروع ؛ ليرجع القائم ويوقظ النائم، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يمنعن أحَدَكُم أو أحدًا منكم أذانُ بلال من سحورِهِ؛ فإنه يؤذن أو ينادي بليلٍ، ليَرْجِعَ قائمَكُم وليُنبّه نائمَكم)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((فلفظة: قائمكم منصوبة مفعول يرجع ... ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد؛ فيرد القائم المتهجد إلى راحته، لينام غفوةً ليصبح نشيطًا، أو يوتر إن لم يكن أوتر، أو يتأهب للصبح إن احتاج إلى طهارةٍ أخرى، أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح، وقوله ﷺ : ((ويوقظ نائمكم)): أي ليتأهب للصبح أيضًا، بفعل ما أراد من تهجد قليل، أو إيتار إن لم يكن أوتر، أو سحور إن أراد الصوم، أو اغتسالٍ أو وضوءٍ، أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر)) (٤).
ولابد - على الصحيح - أن يكون هناك من يؤذن إذا طلع الفجر ، والأفضل أن يكون المؤذن الثاني غير المؤذن الأول، والأفضل أن يكون الوقت بين الأذانين يسيرًا؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((كان
стр. 129
لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلالٌ وابن أمّ مكتوم الأعمى، فقال رسول الله ﷺ : ((إن بلالاً يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمّ مكتوم)). قال: ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)) (١). فالسنة أن يكون الأذان الأول قريبًا من الفجر (٢).
والصواب أن يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم بعد قوله: حيَّ على الفلاح في الأذان الأخير، أما رواية أبي محذورة ﵁ التي فيها: ((الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح)) (٣)، فالأذان الأول هنا هو أذان الصبح الواجب، والأذان الثاني: الإقامة؛ لقوله ﷺ : ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة))،قال في الثالثة: ((لمن شاء)) (٤).
وسمعت سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ وقدَّس روحه - يقول: ((والصلاة خير من النوم، ذكر ابن رسلان وجماعة أنها في الأذان الأول أخذًا برواية الأذان الأول عند أبي محذورة، والصواب أنها تقال في الأذان الأخير الشرعي المعتمد الواجب؛ لأنه هو الأذان المطلق للصلاة التي هي واجبة وهي خير من النوم، وهذا الأذان الأول بالنسبة للإقامة، والإقامة هي الأذان الثاني)) (٥).
стр. 130
سادسًا: شروط المؤذن والأذان:
الأذان له شروط تتعلق به، وشروط تتعلق بالمؤذن على النحو الآتي:
١ - أن يكون الأذان مرتبًا ، وهو أن يبدأ بالتكبير ثم التشهد، ثم الحيعلة، ثم التكبير، ثم كلمة التوحيد، فلو نكس الأذان أو الإقامة لم يجزِ؛ لأن الأذان عبادة ثبتت على هذا الترتيب، فيجب أن تفعل كما وردت؛ لقوله ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) (١).
٢ - أن يكون متواليًا ، بحيث لا يفصل بعضه عن بعض بزمن طويل، وأما لو أصابه عطاس فإنه يبني على ما سبق؛ لأنه انفصل بدون اختياره.
٣ - أن يكون بعد دخول وقت الصلاة ؛ لقوله ﷺ : ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم)) (٢)، أما الأذان قبل الفجر فليس لصلاة الصبح، وإنما هو لإيقاظ النائم، وإرجاع القائم.
٤ - أن لا يكون فيه لحن يغيّر ويحيل المعنى ، وهو مخالفة القواعد العربية، فلو قال: ((الله أكبار))، فهذا لا يصح لأنه تغير المعنى (٣)، وهذا يقال له: ((مَلْحونًا))، أما ما يقال له: ((مُلَحنًا)) فمكروه (٤).
стр. 131
٥ - رفع الصوت بالأذان ؛ لأن المؤذن لو خفض صوته بحيث لا يسمع إلا نفسه فقط لم يحصل المقصود من شرعية الأذان؛ لقوله ﷺ : ((فليؤذّن لكم أحدكم)) (١)، وهذا يشير إلى رفع الصوت ليسمع الآخرين؛ فيحصل السماع المقصود بالإعلام، ما لم يؤذن لحاضر فبقدر ما يسمعه، ولكن لو رفع صوته كان أفضل؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه: (( .. فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذَّنْتَ فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوتِ المؤذن جنٌّ ولا إنسٌّ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) (٢).
٦ - أن يكون الأذان على العدد الذي جاءت به السنة بلا زيادة ولا نقص ؛ لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٣).
٧ - أن يكون الأذان من واحدٍ ، فلا يصح من اثنين، فلو أذن واحد بعض الأذان وكمله آخر لم يصح.
٨ - أن يكون الأذان بنية من المؤذن ؛ لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) (٤).
٩ - أن يكون المؤذن مسلمًا ، فلو أذن الكافر لم يصح؛ لأنه من غير أهل العبادات.
١٠ - أن يكون المؤذن مميزًا ، وهو من بلغ سبع سنين إلى البلوغ، وهو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولو طلب منه شيء أحضره.
стр. 132
١١ - أن يكون عاقلاً ، فلا يصح الأذان من مجنون.
١٢ - أن يكون ذكَرًا ، فلا يعتدُّ بأذان الأنثى؛ لقول ابن عمر ﵄: ((ليس على النساء أذان ولا إقامة)) (١). فليست المرأة من أهل الأذان؛ ولأنه يشرع فيه رفع الصوت، وليست من أهل ذلك (٢).
١٣ - أن يكون عدلاً ، ولو في الظاهر؛ لأن الأذان عبادة، وهو أفضل من الإقامة على الصحيح؛ ولأن النبي ﷺ وصف المؤذنين بالأمانة، والفاسق غير أمين؛ لما جاء في الحديث: ((أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون)) (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وفي إجزاء الأذان من الفاسق روايتان، أقواهما عدمه؛ لمخالفته أمر النبي ﷺ ، وأما ترتيب الفاسق مؤذنًا فلا ينبغي أن يجوَّز قولاً واحدًا)) (٤). أما مستور الحال فيصح أذانه، وسمعت سماحة الإمام العلامة عبد العزيز ابن باز - قدَّس الله روحه - يقول: ((لا يعتد بأذان الفاسق، والحلّيق فاسق فسقًا ظاهرًا وليس مستورًا، نسأل الله العافية، وينبغي أن يجعل غيره)) (٥).
فكلمة عدل: تضمنت أن يكون المؤذن: مسلمًا، عاقلاً، ذكرًا، واحدًا، عدلاً، مميزًا (٦).
سابعًا: مشروعية الأذان والإقامة للجمع وقضاء الفوائت:
١ - من جمع بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في السفر أو في الحضر عند المطر أو المرض، فإنه يؤذن للأولى ويقيم لكل فريضة؛ لحديث جابر ﵁ في جمع النبي ﷺ في عرفة: أنه ((أذن ثم أقام فصلى
стр. 133
الظهر، ثم أقام فصلى العصر))، وكذلك ((أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين)) (١). فأذن للصلاتين أذانًا واحدًا؛ لأن وقت المجموعتين صار وقتًا واحدًا، ولم يكتف بإقامة واحدة؛ لأن لكل صلاة إقامة، فصار الجامع يؤذن مرة واحدة، ويقيم لكل صلاة.
٢ - من قضى فوائت فإنه يؤذن مرة واحدة، ويقيم لكل فريضة ، لحديث أبي قتادة ﵁ الطويل في ((نوم النبي ﷺ وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فانتقلوا من مكانهم، ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم)) (٢).
ويدل على الإقامة لهذه الصلاة أيضًا حديث أبي هريرة ﵁: ((وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: ((من نسي الصلاة فليصلّها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣). ومما يدل على ذلك ما فعله ﷺ حينما شغله الأحزاب عن الصلاة (٤).
وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ وجعل الفردوس مأواه - يقول عن حديث قتادة في قضاء النبي ﷺ صلاة الفجر حينما ناموا عنها: ((هذا يدل على أن من نام عن صلاةٍ أو نسيها صلاها كما يصليها في وقتها: من أذانها، وإقامتها، وراتبتها، ومن السنة أن ينتقل من المكان الذي نام فيه، لفعله ﷺ ، وكذا يقضي الجهرية جهرية والسرية سرية)) (٥).
стр. 134
ثامنًا: أنواع إجابة النداء:
يُسنُّ لمن سمع المؤذن والمقيم أن يتابعه سرًّا بقوله، فيقول مثله، إلا في الحيعلتين فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويقول الأذكار المشروعة بعد الأذان، ولا شك أن النبي ﷺ شرع لأمته في الذكر عند الأذان وبعده خمسة أنواع (١) على النحو الآتي:
النوع الأول: يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا في لفظ: ((حي على الصلاة، وحي على الفلاح))، فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذّن)) (٢).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرُ، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة)) (٣).
النوع الثاني: يقول عقب تشهد المؤذن (٤): وأنا أشهد أن لا إله إلا
стр. 135
الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام دينًا، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينًا، غُفِرَ له ذنبُهُ)). وفي رواية: ((من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد ... )) (١).
النوع الثالث: يصلي على النبي ﷺ بعد فراغه من إجابة المؤذن ؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا علي؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (٢).
النوع الرابع: يقول بعد صلاته على النبي ﷺ ما ثبت في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة)) (٣).
وثبت عند البيهقي زيادة: ((إنك لا تخلف الميعاد)) (٤).
النوع الخامس: يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله ؛ فإنه يستجاب له، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدعوة لا ترد بين
стр. 136
الأذان والإقامة فادعوا)) (١).
وسمعت شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ وقدس روحه - يقول: ((هذه الأنواع تقال كلها مرة واحدة مجموعة مع كل أذان)) (٢).
تاسعاً: فضائل إجابة المؤذن
فضائل إجابة المؤذن بالقول كثيرة، منها الفضائل الآتية:
١ - مجيب المؤذن من الشهداء على الخير ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه، وفيه: (( ... لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة)) (٣).
٢ - مجيب المؤذن من قلبه يدخله الله الجنة ؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أن من قال مثل ما يقول المؤذن، فإذا قال المؤذن: لا إله إلا الله، قال: (( ... لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة)) (٤).
٣ - إجابة المؤذن يغفر الله بها الذنوب ؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: أن من قال عقب تشهد المؤذن: ((وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً غُفِر له ذنبه)) (٥).
٤ - من أجاب المؤذن ثم صلى على النبي ﷺ صلى الله عليه بهذه الصلاة عشر
стр. 137
صلوات؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ؛ فإنه من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً ... )) (١)، فصلاة الله على النبي: ثناؤه عليه عند الملائكة، قال أبو العالية: ((صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء)) (٢).
فعلى هذا من صلى على النبي ﷺ صلاة واحدة ذكره الله باسمه، وأثنى عليه عند الملائكة عشر مرات؛ لأن الصلاة من الله الثناء. فهذا فضل عظيم، ومن تركه حرمه، والله المستعان.
٥ - من سأل الله تعالى الوسيلة للنبي ﷺ بعد الأذان، حلت له شفاعته، ووجبت له، ونالته (٣)؛ لحديث عبد الله بن عمرو المذكور آنفاً، وفيه: ((ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (٤).
٦ - من سأل الله تعالى للنبي ﷺ : أن يبعثه مقاماً محموداً وجبت له شفاعة النبي ﷺ -؛ لحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدَّعوة التامّة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة)) (٥).
٧ - ثواب من قال مثل ما يقول المؤذن يقيناً ، عن أبي هريرة ﵁، قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ ، فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله ﷺ : ((من قال هذا يقيناً دخل الجنة)) (٦).
стр. 138
٨ - إجابة دعوة مجيب المؤذن ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلاً قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : ((قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تُعطه)) (١).
٩ - لا يردُّ الدعاء عند النداء ، وتفتح أبواب السماء؛ لحديث سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقلما تُردُّ على داعٍ دعوته: عند حضور النداء (٢)، والصف في سبيل الله))، وفي لفظ، قال: ((ثنتان لا تُرَدَّان - أو قلّما تُرَدَّان-: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلحم بعضهم بعضاً)) (٣).
١٠ - الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ؛ لحديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدعوة لا ترد بين الأذان والإقامة، فادعوا))، وفي لفظ أبي داود: ((لا يردُّ الدعاء بين الأذان والإقامة)) (٤).
١١ - مجيب المؤذّن متَّبعٌ للنبي ﷺ في هذه السنة العظيمة ، ممتثل لأمره، يُرجى له الهداية، ويرجى أن يدخل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥).
١٢ - مجيب المؤذن يرجو الله واليوم الآخر، ويذكر الله كثيراً ؛ لأنه اتخذ النبي ﷺ أسوةً له، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ
стр. 139
حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرا﴾ (١).
١٣ - فضل الله تعالى ورحمته على عباده ؛ فالأذان عبادة جليلة، ولن يدركها ويدرك فضلها كل أحد، فعوّض من لم يؤذن بالإجابة؛ ليحصل على أجر الإجابة (٢).
عاشراً: فوائد إجابة النداء
فوائد إجابة المؤذن بالقول كثيرة لا تحصر، ولكن منها الفوائد الآتية:
١ - قوله ﷺ : ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن))، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: ((ما يقول)) قال الكرماني: قال: ((ما يقول)) ولم يقل مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة، مثل كلمتها))، ثم قال: ((قلت والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: ((أنه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت)) (٣) ((فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل)) (٤).
٢ - ما دل عليهّ حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه: (( ... ثم قال: ((حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله)) (٥)، وحديث عثمان، وفيه أنه لما قال المؤذن: حي على الصلاة، قال عثمان ﵁: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال: هكذا سمعنا نبيكم ﷺ يقول)) (٦)، وهذان الحديثان يدلان على أنه
стр. 140
يستثنى من القول مثل ما يقول المؤذن: ((حيّ على الصلاة، وحيّ على الفلاح))، فيقول بدلهما: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) (١)، قال الإمام النووي ﵀: ((حديث أبي سعيد: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)) عام مخصوص؛ لحديث عمر: أنه يقول في الحيعلتين: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) (٢).
قال الإمام ابن الملقن ﵀: ((والمناسبة في جواب الحيعلة بالحوقلة: أن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؟ فحسن من السامع الحوقلة؛ لأنها تفويض محض إلى الله )) (٣).
٣ - دل حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن المشروع للمسلم أن يقول بعد تشهد المؤذن مثل قول المؤذن: فإذا قال المؤذن: ((أشهد أن لا إله إلا الله))؛ فإن المتابع للمؤذن يقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) يكررها مرتين مثل قول المؤذن، فإذا قال: ((أشهد أن محمداً رسول الله)) قال المجيب: ((أشهد أن محمداً رسول الله)) يكررها مرتين مثل قول المؤذن)) (٤).
ودلّ حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: أن مجيب المؤذن يقول بعد انتهائه من إجابة المؤذن عند الشهادتين، يقول بعد ذلك: ((وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً ... )) (٥).
وقد ذُكِرَ موضع هذا الذكر، وأنه بعد الشهادتين: في رواية ابن خزيمة في صحيحه، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: ((من سمع المؤذن يَتَشَهَّد ... ))،
стр. 141
وفيه: (( ... فقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله ... )) الحديث (١)، وهكذا سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقرر أن قول هذا الذكر بعد انتهاء المؤذن من الشهادتين، وكذا رجحه العلامة محمد بن صالح العثيمين (٢).
٤ - ظاهر حديث جابر ﵁: ((من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلّت له شفاعتي يوم القيامة)) (٣): أنه يقول هذا الذكر حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، ولكن قد بين المراد من حديث جابر، حديث عبد الله بن عمرو؛ فإنه قال فيه: ((إذا سمعت المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (٤).
فدل هذا الحديث أن حديث جابر: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة ... )) يقال بعد الفراغ من الأذان بعد الصلاة على النبي ﷺ . قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقد بين حديث عبد الله بن عمرو المراد، وأن الحين محمول على ما بعد الفراغ ... )) (٥).
٥ - إجابة المؤذن تدل على عظيم الرغبة في الفوز بالفلاح، فإن معنى: ((حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح)) معنى عظيم، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((ومعنى حيَّ على كذا: أي تعالوا إليه، والفلاح: الفوز، والنجاة، وإصابة الخير، قالوا: وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير
стр. 142
من لفظة الفلاح ... فمعنى حيَّ على الفلاح: أي تعالوا إلى سبب الفوز، والبقاء في الجنة، والخلود في النعيم ... )) (١).
٦ - إجابة المؤذن، بـ: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) فيها الالتجاء إلى الله تعالى، واعتماد القلب عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا به سبحانه، قال الإمام النووي ﵀: ((قال أبو الهيثم: الحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة، إلا بمشيئة الله ... وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكى هذا عن ابن مسعود ﵁)) (٢).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلُمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً، والفوز بالنعيم آجلاً، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوّته)) (٣).
٧ - الوسيلة: المنزلة عند الملك (٤)، وهي منزلة للنبي ﷺ في الجنة، من سألها للنبي ﷺ حلت له الشفاعة، أي وجبت له، وقيل: نالته الشفاعة (٥)، والوسيلة: ما يتقرب به إلى الكبير، وتطلق على المنزلة العليَّة، ويقال: توسلت: تقربت، والواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، وهي عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى عرش الرحمن (٦).
стр. 143
٨ - الأعمال يشترط لها القصد والإخلاص، لقوله ﷺ : (( ... ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة)) (١).
٩ - ((الدعوة التامة)):دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ﴾ (٢)، وقيل: لدعوة التوحيد تامة؛ لأن الشّرْكَ نقصٌ، أو التامة: التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمعرَّضٌ للفساد، وقال ابن التين: وصفت لأن فيها أتم القول: ((لا إله إلا الله))، وقال الطيبي: من أوله [أي الأذان] إلى قوله: ((محمد رسول الله)) هي الدعوة التامة (٣)، وقيل: الدعوة التامة: هي الأذان، والتامة: أي الكاملة السالمة من كل نقص يتطرق إليها؛ لكمالها وعظم موقعها؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة والدعوة إلى الخير (٤).
١٠ - ((الصلاة القائمة)): الحيعلة: هي الصلاة القائمة في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة: الدائمة، مِنْ قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: ((والصلاة القائمة)): بيان للدعوة التامة، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: الصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر (٥). وقيل: الصلاة القائمة: التي ستقوم وتُفْعَل بصفاتها (٦).
١١ - الفضيلة: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيراً للوسيلة (٧).
وأما ما يقوله بعض الناس: ((والدرجة الرفيعة)) فيما يقال بعد ذكر
стр. 144
الفضيلة فقال السخاوي: ((وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان، فلم أره في شيء من الروايات)) (١).
١٢ - مقاماً محموداً: أي يُحمد القائم فيه، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاماً محموداً، ونكّره للتعظيم، مقاماً محموداً بكل لسان، وقوله: ((الذي وعدته)) [زاد في رواية البيهقي: ((إنك لا تخلف الميعاد))، والمراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ (٢) وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره (٣).
ومقاماً محموداً: هي الشفاعة العظمى في موقف القيامة؛ لأنه يحمَدُهُ فيه الأولون والآخرون، ثم يدعو، لتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، وهذه الشفاعة خاصة به ﷺ (٤).
١٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن، فعوّض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة، ولقائلٍ أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظاً وإسراعاً إلى القيام إلى الصلاة، إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن، ومن نفسه)) (٥).
الحادي عشر: أحكام إجابة المؤذن
أحكام إجابة المؤذن بالقول كثيرة، وهي على النحو الآتي:
١ - إجابة المؤذن مستحبة بإجماع أهل العلم ، قال الإمام ابن قدامة
стр. 145
رحمه الله: ((لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في استحباب ذلك)) (١)، فعلى هذا يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلتين فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) (٢).
وهذا الاستحباب قول جمهور أهل العلم (٣).
وقال جماعة من أهل العلم بوجوب القول مثل ما يقول المؤذن وإجابته؛ لقول النبي ﷺ : ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)) (٤)؛ ولقوله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي ... )) (٥).
قال الإمام القرطبي ﵀: ((حكى الطحاوي: أنه اختُلِفَ في حكمه، فقيل: واجب، وقيل: مندوب إليه، وهو الذي عليه الجمهور ... )) (٦).
وقال الإمام النووي ﵀: ((وهل هذا القول مثل قول المؤذن واجب على من سمعه في غير الصلاة أم مندوب؟ فيه خلاف حكاه الطحاوي، الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مندوب ... )) (٧).
وقال العلامة الحافظ عمر بن علي، الشافعي، المعروف بابن الملقن: ((هذا الأمر للندب، وقيل: للوجوب، حكاه الخطابي، والجمهور على الأول)) (٨).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث أبي سعيد: ((إذا