← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

٤ - صنع الطعام لأهل الميت ، لحديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم)) (١). تاسعاً: الأمور الواجبة على أقارب الميت وغيرهم عديدة، منها ما يأتي: ١ - الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢). ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: ((مر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبرٍ وهي تبكي، فقال لها: ((اتقي الله واصبري))، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي! قال: ولم تعرفه! فقيل لها: هو رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله ﷺ فلم تجده عند بوابين، فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الصبر عند أول الصدمة)) (٣). ٢ - الاسترجاع ، وهو أن يقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)) (٤)، ويأتي التفصيل في ذلك في فضل الصبر على المصائب بعد صفحات إن شاء الله تعالى. ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلّها، حداداً على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فتحد أربعة أشهر وعشراً؛ لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: ((دخلت على أم

стр. 1157

حبيبة زوج النبي ﷺ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر [أن] تحدَّ على ميّتٍ فوق ثلاث، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً)) ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست، ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ... )) فذكرت الحديث (١). ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها، إرضاءً للزوج وقضاءً لوطره منها، فهو أفضل لها، ويُرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لأم سُليْمٍ وزوجها أبي طلحة الأنصاري ﵄ ولا بأس من أن أسوق هنا قصتهما في ذلك - على طولها - لما فيها من الفوائد والعظات والعبر، فقال أنس ﵁: ((قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم - وهي أم أنس - إن هذا الرجل - يعني النبي ﷺ يحرم الخمر - فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك فجاء أبو طلحة، فخطب أم سُليم، فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة! ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصح لي أن أتزوجك! فقال: ما ذاك دهرك! قالت: وما دهري! قال: الصفراء والبيضاء! قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، [فإن تُسلِم فذاك مَهري، ولا أسألك غيره]، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله ﷺ ، فانطلق أبو طلحة يريد النبي ﷺ ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غُرَّةُ الإسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك. قال ثابت (وهو البناني أحد رواة القصة عن أنس): فلما بلغنا أن مَهْراً كان أعظم منه أنها رضيت الإسلام مهراً، فتزوجها وكانت امرأة مليحة العينين، فيها صغرٌ، فكانت معه حتى ولد له بُني، وكان يحبه أبو طلحة حبّاً شديداً، ومرض الصبي [مرضاً شديداً]، وتواضع أبو طلحة لمرضه

стр. 1158

أو تضعضع له، [وكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي ﷺ فيصلي معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيء يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة] فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي ﷺ (وفي رواية: إلى المسجد) ومات الصبي فقالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي [فسجت عليه] ووضعته [في جانب البيت]، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله ﷺ حتى دخل عليها [ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه] فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة [وأرجو أن يكون قد استراح!] فأتته بعشائه [فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم] [قال: فقام إلى فراشه، فوضع رأسه]، ثم قامت فتطيبت، [وتصنعت له أحسن ما كانت تَصَنَّع قبل ذلك]، [ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون الرجل إلى أهله]، [فلما كان آخر الليل] قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا قوماً عارية لهم، فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا؛ قالت: فإن الله كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب وقال: تركتِني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيتِ إلي ابني! [فاسترجع، وحمد الله] [فلما أصبح اغتسل]، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ [فصلى معه] فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما))، فثقلت من ذلك الحمل، وكانت أم سليم تسافر مع النبي ﷺ ، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله ﷺ : ((إذا ولدت فأتوني بالصبي)). [قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، وكان رسول الله ﷺ إذا أتى من سفر لا يطرقها طروقاً، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ ، فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا

стр. 1159

دخل، وقد احتُبست بما ترى، قال: تقول أم سُليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد فانطلقا، قال: وضربها المخاض حين قدموا] فولدت غلاماً، وقالت لابنها أنس: [يا أنس! لا يطعم شيئاً حتى تغدو به إلى رسول الله ﷺ ، [وبعثت معه بتمرات]، قالت: فبات يبكي، وبت مجنحاً عليه (١)، أكالئه حتى أصبحت، فغدوت إلى رسول الله ﷺ ]، [وعليه بردة]، وهو يسم إبلاً أو غنماً [قدمت عليه]، فلما نظر إليه، قال لأنس: ((أولدت بنت ملحان؟)) قال: نعم، [فقال: ((رويدك أفرغ لك))]، قال: فألقى ما في يده، فتناول الصبي وقال: (([أمعه شيء؟)) قالوا: نعم، تمرات]، فأخذ النبي ﷺ [بعض] التمر [فمضغهن، ثم جمع بزاقه]، [ثم فغر فاه، وأوجره إياه]، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: [يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله ﷺ ، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على (٢) ريق رسول الله ﷺ فقال: ((انظروا إلى حب الأنصار التمر))، [قال: قلت: يا رسول الله: سمّه، قال:] [فمسح وجهه] وسماه عبد الله، [فما كان في الأنصار شاب أفضل منه]، [قال: فخرج منه رَجِل (٣) كثير، واستشهد عبد الله بفارس])) (٤). عاشراً: الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم كثيرة، منها ما يأتي: ١ - النياحة ؛ لحديث أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ قال: ((أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن في

стр. 1160

الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)) وقال: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت)) (٢). وعن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح فما وفّت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ - أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ)) (٣). وعن أبي موسى ﵁ قال: لما أصيب عمر ﵁ أقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر، فقام بحياله يبكي، فقال له عمر: علام تبكي؟ أعليَّ تبكي؟ قال: إي والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين، فقال: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: ((من يُبكى عليه يُعذَّب)) وفي رواية لمسلم عن أنس أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عَوَّلَتْ عليه حفصة فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المُعوَّلُ عليه يعذب)) وعَوَّل عليه صهيبٌ فقال عمر: يا صهيب أما علمت: ((أن المعوَّل عليه يعذب)) وفي لفظ للبخاري: أن عمر لما أصيب دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه، واصاحباه، فقال ﵁: يا صهيب أتبكي عليَّ، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه))، وفي رواية للبخاري: ((إن الميت ليعذب ببكاء الحي)) (٤).

стр. 1161

واختلف العلماء ﵏ في المراد بهذا الحديث، ومن ذلك قول الجمهور وهو أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يُوصِ بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة. وقيل: معنى ((يُعذَّب)) أي يتألَّم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، ونصر ابن تيمية وابن القيم هذا القول (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: الميت يعذب ببكاء أهله، والله أعلم بالكيفية (٢). ٢ - الدعوى بدعاء الجاهلية . ٣ - ضرب الخدود . ٤ - شق الجيوب ؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) ونص للبخاري: ((ليس منَّا من لطم الخدود ... )) (٣). ٥ - رفع الصوت عند المصيبة . ٦ - حلق الشعر ؛ لحديث أبي بردة عن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأته من أهله، فصاحت امرأةٌ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بَرِيءٌ مما برئ منه رسول الله ﷺ ؛ فإن رسول الله ﷺ : ((بَرِئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة)) (٤).

стр. 1162

٧ - الويل والدعاء به . ٨ - نشر الشعر ؛ لحديث امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا تخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيباً، ولا ننثر شَعراً)) (١). ٩ - النعي المحرم ، وهو ما كانت الجاهلية يفعلونه، فقد كانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الأحياء والأسواق، أو يركب المخبر على دابة ويصيح في الناس (٢)،قال ابن الأثير ﵀: ((يقال: نعى الميت ينعاه نعياً ونعيَّا: إذا أذاع موته وأخبر به، وإذا ندبه .. والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف، أو قُتِلَ بعثوا راكباً إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول: نعاءِ فلاناً، أو يا نعاء العرب: أي هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان)) (٣). ومن ذلك أن الناعي يصعد على الجبل، أو السور المرتفع، أو على سطوح المنازل وينادي يصيح: أنعى فلاناً (٤)، أو الإخبار بإتيان الآتي إلى الحي من الأحياء وصياحه: أنعى إليكم فلان بن فلان (٥)،فهذا النعي محرم، ومن عادات الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أن يعمل هذا العمل ولا يرضى به، وقد ظهر مما تقدم: أن النعاة: هم المخبرون بموت من مات، وأن الناعية: هي النائحة (٦)، وأن المحرم من النعي ما كان على عادة الجاهلية، أما المباح من النعي فسيأتي بضوابطه إن شاء الله تعالى.

стр. 1163

الحادي عشر: النعي المباح الجائز: يجوز الإخبار بالوفاة إذا لم يقترن بذلك، ما يشبه نعي الجاهلية، وقد يجب إذا لم يكن عنده من يقوم بالواجب من حقوق الميت المسلم، من: الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، ودفنه. ومن النصوص التي تدل على جواز هذا النعي حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصفَّ بهم وكبَّر أربعاً. ولفظ مسلم: ((أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات))، وفي لفظ: ((نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: ((استغفروا لأخيكم)) (١). وعن جابر ﵁ ((أن رسول الله ﷺ صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث)) وفي لفظ: (( ... أصحمة النجاشي)) وفي لفظ: قال النبي ﷺ حين مات النجاشي: ((مات اليوم رجل صالح فقوموا صلوا على أخيكم)). وفي لفظ لمسلم: ((فكبر عليه أربعاً)). وفي لفظ له: ((مات اليوم عبد لله صالح)). وفي لفظ: ((إن أخاً لكم مات فقوموا فصلوا عليه)) (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ال النبي ﷺ : ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب))،وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ((ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففُتِحَ له)) (٣).

стр. 1164

وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ لحديث أبي هريرة وأنس، بقوله: ((باب الرجل ينعى إلى أهل الميت نفسه)). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذه الترجمة: ((وفائدة هذه الترجمة: الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور، والأسواق ... )) ثم قال: ((وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود الجنازة، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الأحكام)). ثم قال: قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب فهذا سنة. الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره. الثالثة: الإعلام بنوع آخر: كالنياحة، ونحو ذلك فهذا حرام)) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلاً، فلما أصبح أخبروه فقال: ((ما منعكم أن تعلموني؟)) قالوا: كان الليل فكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه)) (٢). وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ لهذا الحديث بقوله: ((باب الإذن بالجنازة)) قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمعنى الإعلام بالجنازة إذا انتهى أمرها؛ ليُصلَّى عليها، قيل هذه الترجمة: تغاير التي

стр. 1165

قبلها من جهة: أن المراد بها الإعلام بالنفس وبالغير، قال الزين بن المنير: هي مرتبة على التي قبلها؛ لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام بتهيئة أمره وهو حسن)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد أو شابّاً فقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: ((أفلا كنتم آذنتموني)) قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: ((دلّوني على قبره)) فدلوه فصلى عليها، ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها بصلاتي عليهم)) (٢). ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت؛ لحديث أبي هريرة المتقدم في قصة النجاشي، وفي بعض رواياته: لما نعى للناس النجاشي قال: ((استغفروا لأخيكم)) (٣). وحديث أبي قتادة في قصة إخبار النبي ﷺ بقتل زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة، وفي القصة: ((ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدوَّ فأصيب زيدٌ شهيداً، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشدَّ على القوم حتى قُتِلَ شهيداً أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ... )) (٤) الحديث (٥). وقال الإمام ابن الملقن - رحمه الله تعالى -: - النعي على ضربين:

стр. 1166

أحدهما: مجرد إعلام؛ لقصد ديني كطلب كثرة الجماعة تحصيلاً للدعاء للميت ، وتتميماً للعدد الذي وُعِدَ بقبول شفاعتهم له: كالأربعين، والمائة مثلاً، أو لتشييعه وقضاء حقه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله ﵊: ((هلا آذنتموني به)) (١)، ونعيه ﵊ أهل مؤتة: جعفراً، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة (٢). الثاني: فيه أمر محرم مثل: نعي الجاهلية المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره ، وإظهار التفجع عليه، وإعظام حال موته، فالأول مستحب، والثاني محرم، وعليه يُحمل نهيه ﵊ عن النعي كما أخرجه الترمذي وصححه (٣)، وهذا التفصيل هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة (٤). الثاني عشر: العلامات التي تدل على حسن الخاتمة، كثيرة منها ما يأتي: ١ - نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات بحسن الخاتمة ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة)) (٥). ٢ - الموت برشح الجبين ؛ لحديث بريدة بن الحصيب ﵁ أنه كان بخراسان فعاد أخاً له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((موت المؤمن بعرق

стр. 1167

الجبين)) (١)، وكلام بريدة في رواية الإمام أحمد صريح في أن العرق على ظاهره، وفي معنى الحديث قولان: أحدهما: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق الذي يعرق دون جبينه، وذلك تمحيصاً لذنوبه. والثاني: أنه كناية عن كدّ المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى (٢). ٣ - الموت ليلة الجمعة أو نهارها ، لما رُوي وذُكِرَ عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر)) (٣). ٤ - الاستشهاد في ساحة القتال ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وعن المقدام بن مَعْدِيكرب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((للشهيد عند

стр. 1168

الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويُحلَّى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنساناً من أقاربه)) (١). وهذه بشارة عظيمة، وعلامة على حسن الخاتمة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن شهداء أمة النبي ﷺ كثير: منهم من قتل في سبيل الله كما تقدم، ومنهم ما يأتي: ٥ - من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد ، يعني لم يباشر الحرب ولو لم يشاهده وبأي صفة مات. ٦ - المطعون شهيد ، وهو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء. ٧ - المبطون شهيد ، وهو الذي يموت من علة البطن، كالاستسقاء وهو انتفاخ الجوف، والإسهال، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقاً. ٨ - الغَرِقُ شهيد ، وهو الذي يموت غريقاً في الماء، يروى بغير ياء كحذِر، ويروى بالياء، وهو للمبالغة: كعليم. ٩ - وصاحب الهدم شهيد ، وهو الذي يموت تحت الهدم. ١٠ - والحريق شهيد ، وهو الذي يموت بحرق النار، ومن فرط في هذه الثلاثة ولم يتحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات فهو عاصٍ وأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه (٢). ١١ - صاحب ذات الجنب شهيد ، وهي قرحة تكون في الجنب وورم شديد باطناً. ١٢ - المرأة تموت بُجمع شهيدة ، ويقال بضم الجيم وهي المرأة

стр. 1169

تموت حاملاً، وقد جمعت ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، وصحح القرطبي والنووي الأول (١). ١٣ - من قتل دون ماله فهو شهيد . ١٤ - من قتل دون أهله فهو شهيد . ١٥ - من قتل دون دينه فهو شهيد . ١٦ - من قتل دون دمه فهو شهيد . ١٧ - من قتل دون مظلمته فهو شهيد . ١٨ - السّلُّ شهادة ، بكسر السين، وضمها وتشديد اللام، وهو داءٌ يحدث في الرئة يؤول إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمى هادية، وقيل: غير ذلك (٢). فقد بيّن النبي ﷺ الشهداء في غير المعركة في عدة أحوال، وخصال، وأدلة هذه الخصال ثابتة في السنة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِقُ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله)) (٣). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الطاعون شهادة لكل مسلم)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تعدون الشهيد فيكم؟)) قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: ((إن شهداء أمتي إذا لقليل)) قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: ((من قتل في سبيل الله

стр. 1170

فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد)) وفي رواية: ((والغريق شهيد)) (١). وعن جابر بن عتيك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمعٍ شهيد)) (٢). وعن عبادة بن الصامت ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((إن في القتل شهادة، وفي الطاعون شهادة، وفي البطن شهادة، وفي الغرق شهادة، وفي النفساء يقتلها ولدها جمعاء شهادة)) (٣). وعن راشد بن حبيش أن رسول الله ﷺ دخل على عبادة بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله ﷺ : ((أتعلمون من الشهيد من أمتي؟)) فقال عبادة ﵁:يا رسول الله الصابر المحتسب، فقال رسول الله ﷺ : ((إن شهداء أمتي إذاً لقليل: القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والبطن شهادة، والنفساء يجرها ولدها بسره إلى الجنة، والحرق، والسّلُّ)) (٤). وعن سعيد بن زيد ﵁ يرفعه للنبي ﷺ : ((من قتل دون ماله فهو شهيد،

стр. 1171

ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد)) (١). وعن سويد بن مقرن يرفعه: ((من قتل دون مظلمته فهو شهيد)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والذي يظهر أنه ﷺ أُعلِمَ بالأقل ثم أُعْلِمَ زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك، وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة، فإن مجموع ما قدمته مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة)) (٣). قلت: وهي التي اشتملت عليها هذه الأحاديث التي ذكرتها فيما تقدم. ١٩ - الموت مرابطاً في سبيل الله تعالى ؛ لحديث سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان)) (٤). ٢٠ - الموت على عمل صالح ؛ لحديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجهه ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة)) (٥).

стр. 1172

وعن أنس يرفعه: ((إذا أراد الله بعد خيراً استعمله)) فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: ((يوفقه لعمل صالح قبل الموت)) (١). وعن عمر بن المحبق يرفعه: ((إذا أراد الله بعبد خيراً عسله)) قالوا: وكيف يعسله؟ قال: ((يفتح الله له عملاً صالحاً بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه أو من حوله)) (٢). وعن جابر يرفعه: ((من مات على شيء بُعِثَ عليه)) (٣). ٢١ - ثناء الناس على الميت ؛ من جميع المؤمنين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة بفضل الله ومن علامات حسن الخاتمة؛ لحديث أنس ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: ((وجبت)) ثم مرَّ بأخرى فأثنوا عليها شرّاً أو قال غير ذلك، فقال: ((وجبت)) فقيل: يا رسول الله! قلت لهذا: وجبت، ولهذا: وجبت، فقال: ((شهادة القوم للمؤمن شهادة الله في الأرض)). وفي لفظ: فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: ((هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرّاً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)). ولفظ مسلم: ((وجبت، وجبت، وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)) (٤). وفي حديث عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة)) قلنا: وثلاثة: قال: ((وثلاثة))

стр. 1173

قلنا: واثنان؟ قال: ((واثنان)) ثم لم نسأله عن الواحد (١). وفي حديث أنس زيادة عند الحاكم: ((ما من مسلم يموت يشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأقربين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم أو قال: شهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون)) (٢). وفي حديث أنس عند الحاكم أيضاً: (( ... إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من خير أو شر)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁: (( ... الملائكة شهداء في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض)) (٤). والله أكرم الأكرمين وهو أرحم الراحمين (٥). الثالث عشر: فضائل الصبر والاحتساب على المصائب، كثيرة منها ما يأتي: ١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٦). ﴿وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي بشرهم بأنهم يُوفَّوْن أجورهم بغير حساب، فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن، أو كليهما، كما تقدم في الآيات، ومن ذلك موت الأحباب،

стр. 1174

والأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يحبه، ﴿قَالُواْ إِنَّا لِله﴾ أي مملوكون لله، مدبرون تحت أمره، وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأولادنا، وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد: علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم الذي أرحم بعبده من نفسه ووالدته، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره؛ لما هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفراً عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله وراجع إليه من أقوى أسباب الصبر ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا: صبرهم لله (١). قال أمير المؤمنين عمر ﵁: ((نعم العدلان ونعمة العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضا)) (٢). ٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٣).

стр. 1175

٣ - محبة الله للصابرين ، قال الله : ﴿وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (١). ٤ - معية الله للصابرين: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). ٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر ، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٣). ٦ - الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب ، فلا يوزن لهم، ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا، وبدون عدٍّ ولا حدٍّ، ولا مقدار (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥). ٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ ، من قبل أن يخلق الله الخليقة ويبرأ النسمة، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول بل تذهب عند أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير (٦)، قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٧). ٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس، والمال والولد، والأحباب ، ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علمه وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضي بذلك وسلم لأمره، فله الثواب الجزيل والأجر الجميل، في

стр. 1176

الدنيا والآخرة، ويهدي الله قلبه فيطمئن ولا ينزعج عند المصائب، ويرزقه الله الثبات عند ورودها، والقيام بموجب الصبر فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخره الله له يوم الجزاء من الثواب (١)، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، قال علقمة عن عبد الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هو الرجل الذي أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من عند الله)) (٣). وما أحسن ما قال ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى: سبحان من يبتلي أناساً ... أحبَّهم والبلاءُ عطاءُ فاصبرْ لبلْوى وكن راضياً ... فإن هذا هو الدواءُ سلّم إلى الله ما قضاه ... ويفعل الله ما يشاءُ (٤) ٩ - الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون ، قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥) قَسَمٌ من الرب تعالى مؤكَّدٌ باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، أي ويتجاوز عن سيئاتهم (٦)، ولله دَرُّ أبي يعلى الموصلي القائل: إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر

стр. 1177

وقلّ من جدَّ في أمره يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (١) ١٠ - ما يقال عند المصيبة والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك، فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته واخلف له خيراً منها)) قالت أم سلمة، فلما توفي أبو سلمة ﵁ قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله خيراً منه رسول الله ﷺ ، وفي لفظ: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ((إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلِفْ لي خيراً منها ... )) الحديث (٢). وفي لفظ ابن ماجه: ((إنَّا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأْجُرْني فيها وعوّضني خيراً منها)) (٣). وحديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)) (٤). قال ابن ناصر الدين رحمه الله تعالى: يجري القضاء وفيه الخير نافلة ... لمؤمن واثق بالله لا لاهي إن جاءه فرحٌ أو نابه ترحٌ ... في الحالتين يقول الحمد لله (٥)

стр. 1178

١١ - الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة لمن مات حبيبه المصافي فصبر وطلب الأجر من الله تعالى، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (١)، قوله: ((جزاء)) أي ثواب وقوله: ((إذا قبضت صَفِيَّه))، وهو الحبيب المصافي: كالولد، والأخ، وكل ما يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت: ... وقوله: ((ثم احتسبه إلا الجنة)) والمراد: صبر على فقده راجياً من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلب الأجر من الله تعالى خالصاً. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الصفي أعم من أن يكون ولداً أم غيره، وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((صفيه: حبيبه: كولده، أو أبيه، أو أمه، أو زوجته)) (٣). ١٢ - أشد الناس بلاءً: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ؛ لحديث مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل: يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلباً اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)) (٤).

стр. 1179

أكثر وأصعب بلاء: أي محنة ومصيبة؛ لأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية؛ وليتوهن على الأمة الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعاً، والتجاء إلى الله تعالى، ((ثم الأمثل فالأمثل)) أي الفضلاء، والأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر، ((فإن كان في دينه صلباً)) أي قوياً شديدا ((اشتد بلاؤه)) أي كمية وكيفية، ((فما يبرح البلاء)) أي ما يفارق (١). ومما يزيد ذلك وضوحاً وتفسيراً، حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها)) (٢). ١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل ؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) (٣). المقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه للنهي عنه، فمن رضي بما ابتلاه الله به فله الرضى منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ: أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءاً يُجز به (٤). ولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي ﷺ : ((والصبر ضياء)) (٥).

стр. 1180

والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، ولما كان الصبر شاقّاً على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياءً (١)؛ ولهذا والله أعلم يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، بفضل الله . ١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة؛ لأنها زالت بسبب البلاء (٢)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة: في نفسه، وماله، وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)) (٣). ١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٤) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)) (٥).والولد يشمل الذكر والأنثى. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تعدّون الرّقوب (٦) فيكم؟)) قال: قلنا: الذي لا يولد له. قال: ((ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً)) (٧). ١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجاباً من النار ؛ ودخل

стр. 1181

الجنة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجاباً من النار أو دخل الجنة)) (١). وفي مسلم أنه قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: ((لقد احتظرت بحظار شديد (٢) من النار)) (٣)؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل)) (٤). ١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: ((لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة))،فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: ((أو اثنين)) (٥)،قال النووي ﵀: ((وقد جاء في غير مسلم ((وواحد)) (٦). وعن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا سول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: ((اجتمعن يوم كذا وكذا))، فاجتمعن فأتاهن رسول الله ﷺ ، فعلّمهن مما علّمه الله قال: ((ما منكن من امرأة

стр. 1182

تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار)) فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((واثنين، واثنين، واثنين)) (١). ١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك، وقوله: ((فاحتسب)) أي صبر راضياً بقضاء الله راجياً فضله)) (٣)، وذكر ابن حجر ﵀ أنه يدخل في ذلك حديث قرة بن إياس، وسيأتي في الحديث الآتي (٤). وسيأتي أيضاً حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي فيه قوله ﷺ : ((ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)) فهو يدل على أن من مات له ولد واحد دخل الجنة (٥). ١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة ، بفضل الله ورحمته؛ لحديث قرة بن إياس ﵁ أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال له النبي ﷺ : ((أتحبه؟)) فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي ﷺ ، فقال: ((ما فعل ابن فلان؟)) قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: ((أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟)) فقال رجل: يا رسول الله: أله خاصة أو لكلنا؟ فقال:

стр. 1183

((بل لكلكم))، ولفظ النسائي: ((ما يسرك أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك)) (١). ٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكراً أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره وقضائه بنى الله له بيتاً في الجنة وسماه بيت الحمد؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)) (٢). وعن أبي سلمى راعي رسول الله ﷺ ((بخ بخ - وأشار بيده لخمس - ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه)) (٣). ٢١ - السقط يجرُّ أمَّه بسرره إلى الجنة ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ :قال: ((والذي نفسي بيده إن السقط ليجرُّ أُمَّهُ بسَرَرِه إلى الجنة إذا احتسبته)) (٤). ٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم ويبرّد حرَّ مصيبته أن أولاد المسلمين في الجنة ، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ساق الأحاديث في فضل من يموت له ولد فيحتسبه: ((وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيهم إجماع المسلمين))، ونقل

стр. 1184

عن المازري قوله: ((ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مّنْ عَمَلِهِم مّن شَيْءٍ﴾ (١) (٢). ويدل عليه حديث أبي هريرة أن أولاد المسلمين في الجنة، ((وأن أحدهم يلقى أباه فيأخذ بثوبه أو بيده فلا يتركه حتى يدخله الله وأباه أو قال: أبويه الجنة)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((أجمع المسلمون على أن أولاد المسلمين في الجنة، أما أولاد الكفار ففيهم خلاف، وأصح ما قيل فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة، أو هم من أهل الجنة بدون امتحان وهو أصح)) (٤). وهو الصواب (٥)؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ في الحديث الطويل وفيه: ((وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة)) فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((وأولاد المشركين)) (٦). ٢٣ - من تصبّر ودرّب نفسه على الصبر صبَّره الله وأعانه وسدّده ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، وفيه: ((ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبَّر يصبّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر)) (٧).

стр. 1185

٢٤ - من أراد الله به خيراً أصابه بالمصائب؛ ليثيبه عليها (١)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يُرد الله به خيراً يُصِبْ منه)) (٢). وسمعت شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((أي بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه)) (٣). ٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السراء والضراء ، وفي الشدة والرخاء؛ لحديث صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له)) (٤). ٢٦ - المصيبة تحطُّ الخطايا حطّاً كما تحطّ الشجرة ورقها ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها)) (٥). وعن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (٦). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يُصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)) (٧)، وفي لفظ: ((ما

стр. 1186

يصيب المؤمن من وَصَب (١)، ولا نَصَب (٢)، ولا سَقم ... )). ٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر التي إذا عمل بها المصاب المسلم حصل على الثواب العظيم والأجر الجزيل، وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة أمور: الشرط الأول: الإخلاص لله في الصبر ؛ لقول الله : ﴿وَلِرَبّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٣)، ولقوله في صفات أصحاب العقول السليمة: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٤)، وهذا هو الإخلاص في الصبر المبرأ من شوائب الرياء وحظوظ النفس. الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد ؛ لأن ذلك ينافي الصبر ويخرجه إلى السخط والجزع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عوّاده أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، ثم يستأنف العمل)) (٥). والله در الشاعر الحكيم حيث قال: وإذا عرتك بليّة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (٦) الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه ولا يكون بعد انتهاء زمانه ؛

стр. 1187

لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: ((اتقي الله واصبري)) [فقالت]: إليك عنّي فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (١).أي الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازاً في كل مكروه حصل بغتة (٢). ٢٨ - أمور لا تنافي الصبر ولا بأس بها منها: الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى ؛ فالتضرع إليه ودعاؤه في أوقات الشدة عبادة عظيمة، فإن الله أخبر عن يعقوب بقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٣). وقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤). وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥). وأيوب ﵊ أخبر الله عنه ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦). وقال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٧)، فإذا

стр. 1188

أصاب العبد مصيبة فأنزلها بالله وطلب كشفها منه فلا ينافي الصبر (١). الأمر الثاني: الحزن ودمع العين ؛ فإن ذلك قد حصل لأكمل الخلق نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ؛ لحديث أنس ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين (٢) - وكان ظئراً (٣) لإبراهيم ﵇ - فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبَّله وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه (٤)، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان (٥)، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله (٦)؟ فقال: ((يا ابن عوف إنها رحمة)) ثم أتبعها بأخرى (٧)، فقال: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) (٨).قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه: ((فقلت: يا رسول الله تبكي أو لم تنه عن البكاء؟ وزاد فيه: ((إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهوٍ ولعبٍ ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان)).قال: ((إنما هذه رحمة،

стр. 1189

ومن لا يَرحم لا يُرحم)) (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((هذا الحديث يفسّر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين، ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى، وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن وإن كان الكتمان أولى، وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي ﷺ ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين: أحدهما: صغره، والثاني نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق، وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله؛ ليظهر الفرق)) (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي [ ﷺ ] يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله (٣) فقال: ((قد قضى؟)) قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذّبُ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا (٤) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم (٥)، وإن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه)) (٦)، وكان عمر ﵁ يضرب فيه

стр. 1190

بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب)) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي ﷺ ؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر)) (٢). وفي حديث أسامة بن زيد ﵁ في قصة لصبي لإحدى بنات رسول الله ﷺ حينما قال النبي ﷺ لرسول ابنته: ((ارجع إليها فأخبرها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبرْ ولتحتسب)) فأرسلتْ إلى رسول الله ﷺ وأقسمت عليه أن يحضر، فقام النبي ﷺ وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأسامة معهم، وحينما رفع الصبي للنبي ﷺ وهو في النزع، فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (٣). وقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: ((شهدنا بنتاً لرسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان)) (٤). ٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة بفقد الأحباب كثيرة منها ما يأتي: الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها وهذا من أعظم العلاج الذي يبرد حرارة المصيبة، وتقدمت الأدلة على ذلك.

стр. 1191

الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطها كما تحط الشجرة ورقها (١). الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها وأنها مقدرة في أم الكتاب كما تقدم . الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى ، فعليه الصبر والرضا، والحمد والاسترجاع والاحتساب. الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها ، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق. الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه ، فإن لم يكن له ذنب كالأنبياء والرسل فلرفع درجاته. الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع ساقه إليه العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر ولا يسخط ولا يشكو إلى غير الله فيذهب نفعه باطلاً. الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء: من الشفاء والعافية والصحة وزوال الآلام ما لم تحصل بدونه، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال : ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣).

стр. 1192

الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله ، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ: هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء ، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال (١). الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها ؛ فهي ليست جنة نعيم ولا دار مقام إنما ممر ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكيّس الفطن لا يفجأ بكوارثها، ولله دَرُّ القائل: إن لله عباداً فطّنا ... طلقَّوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍّ وطنا جعلوها لجةًواتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا فالحياة الدنيا لا تستقيم على حال ولا يقر لها قرار، فيوم لك ويوم آخر عليك، قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). وقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل: لكل شيء إذا ما تم نقصانُ ... فلا يغر بطيب العيش إنسانُ

стр. 1193

هي الأيام كما شاهدتها دول ... فمن سره زمن ساءته أزمان (١) الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه ؛ فإن الله هو الذي منح الإنسان الحياة فخلقه من عدم إلى وجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولاً وآخراً، وصدق لبيد بن ربيعة ﵁ القائل: وما المال والأهلون إلا ودائعُ ... ولابد يوماً أن تُرَدَّ الودائعُ الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج ، فنصر الله قريب من المحسنين، وبعد الضيق سعة، ومع العسر يسرٌ؛ لأن الله وعد بهذا ولا يخلف الميعاد، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وقد أحسن القائل: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرْعاً وعند الله منها المخرجُ ضاقت فلما استحكمت ... حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرجُ وقد وعد الله بحسن العوض عما فات؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣). ولله دَرُّ القائل:

стр. 1194

وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران (١) الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله فما على العبد إلا أن يستعين بربه أن يعينه، ويجبر مصيبته، قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ومن كانت معية الله معه فهو حقيق أن يتحمل ويصبر على الأذى. الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر والعزائم ، فالتأمل في سير الصابرين وما لاقوه من ألوان الابتلاء والشدائد يعين على الصبر ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٣). الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة ، قال النبي ﷺ : ((يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)) (٤). وكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعراً فقال:

стр. 1195

اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم أن المرء غير مخلد (١) وإذا ذكرت محمداً ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمد الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة في غير الدين أهون وأيسر عند المؤمن، ولله دَرُّ القائل: وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران وذكر أن امرأة من العرب مرت بابنين لها وقد قتلوا فقالت: الحمد لله رب العالمين، ثم قالت: وكل بلوى تصيب المرء عافية ... ما يُصَبْ غيره المجمع في النار (٢) الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة ، وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة: أما الأدلة من الكتاب: ١ - فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكئوُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ الناس وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الآيَاتِ
следующие страницы →