← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطها كما تحط الشجرة ورقها (١). الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها وأنها مقدرة في أم الكتاب كما تقدم . الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى ، فعليه الصبر والرضا، والحمد والاسترجاع والاحتساب. الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها ، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق. الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه ، فإن لم يكن له ذنب كالأنبياء والرسل فلرفع درجاته. الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع ساقه إليه العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر ولا يسخط ولا يشكو إلى غير الله فيذهب نفعه باطلاً. الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء: من الشفاء والعافية والصحة وزوال الآلام ما لم تحصل بدونه، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال : ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣).

стр. 1192

الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله ، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ: هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء ، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال (١). الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها ؛ فهي ليست جنة نعيم ولا دار مقام إنما ممر ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكيّس الفطن لا يفجأ بكوارثها، ولله دَرُّ القائل: إن لله عباداً فطّنا ... طلقَّوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍّ وطنا جعلوها لجةًواتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا فالحياة الدنيا لا تستقيم على حال ولا يقر لها قرار، فيوم لك ويوم آخر عليك، قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). وقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل: لكل شيء إذا ما تم نقصانُ ... فلا يغر بطيب العيش إنسانُ

стр. 1193

هي الأيام كما شاهدتها دول ... فمن سره زمن ساءته أزمان (١) الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه ؛ فإن الله هو الذي منح الإنسان الحياة فخلقه من عدم إلى وجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولاً وآخراً، وصدق لبيد بن ربيعة ﵁ القائل: وما المال والأهلون إلا ودائعُ ... ولابد يوماً أن تُرَدَّ الودائعُ الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج ، فنصر الله قريب من المحسنين، وبعد الضيق سعة، ومع العسر يسرٌ؛ لأن الله وعد بهذا ولا يخلف الميعاد، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وقد أحسن القائل: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرْعاً وعند الله منها المخرجُ ضاقت فلما استحكمت ... حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرجُ وقد وعد الله بحسن العوض عما فات؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣). ولله دَرُّ القائل:

стр. 1194

وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران (١) الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله فما على العبد إلا أن يستعين بربه أن يعينه، ويجبر مصيبته، قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ومن كانت معية الله معه فهو حقيق أن يتحمل ويصبر على الأذى. الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر والعزائم ، فالتأمل في سير الصابرين وما لاقوه من ألوان الابتلاء والشدائد يعين على الصبر ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٣). الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة ، قال النبي ﷺ : ((يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)) (٤). وكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعراً فقال:

стр. 1195

اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم أن المرء غير مخلد (١) وإذا ذكرت محمداً ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمد الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة في غير الدين أهون وأيسر عند المؤمن، ولله دَرُّ القائل: وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران وذكر أن امرأة من العرب مرت بابنين لها وقد قتلوا فقالت: الحمد لله رب العالمين، ثم قالت: وكل بلوى تصيب المرء عافية ... ما يُصَبْ غيره المجمع في النار (٢) الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة ، وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة: أما الأدلة من الكتاب: ١ - فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكئوُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ الناس وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الآيَاتِ

стр. 1196

لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). ٣ - وقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٢). ٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣). ٥ - وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤). ٦ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥). ٧ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٦). ٨ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (٧). ٩ - وقال الله : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٨). ١٠ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ

стр. 1197

وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١). ١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٢). ١٢ - وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٣). وأما الأدلة من السنة المطهرة ، فقد زهَّد النبي ﷺ الناس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله ﷺ . ١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: ((خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبر الشعير)) (٤). ٢ - وقالت: ((ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر)) (٥). ٣ - وقالت: ((إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء)) (٦). ٤ - وقال ﷺ : ((لو كان لي مثل أُحد ذهباً ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا أرصُدُهُ لدَيْن)) (٧).

стр. 1198

٥ - وقد ثبت عنه ﷺ أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشاً أَوْثَرَ من هذا؟ فقال ﷺ : ((ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها)) (١). ٦ - وقال أبو هريرة ﵁: ((ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض)) (٢). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٣). ٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان فراش رسول الله ﷺ من أَدَم وحشوُهُ ليف)) (٤). ٨ - ومع هذا كان يقول ﷺ : ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)) (٥). ٩ - وقال ﷺ : ((قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافاً، وقنَّعَهُ الله بما آتاه)) (٦). وأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها، فكثير، ومنه: ١٠ - حديث مطرّف عن أبيه ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ قال: ((يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا

стр. 1199

ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)) (١). ١١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يقول العبد: مالي مالي إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، [و] ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس)) (٢). ١٢ - وقال النبي ﷺ مرة لأصحابه ((أيكم مال وراثه أحب إليه من ماله؟)) قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: ((فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر)) (٣). ١٣ - ودخل النبي ﷺ السوق يوماً فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: ((أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟)) قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟)) قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه؛ لأنه أسكُّ (٤)، فكيف وهو ميت؟ فقال: ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)) (٥). ١٤ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) (٦). والدنيا مذمومة إذا لم تستخدم في طاعة الله : ١٥ - فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو

стр. 1200

متعلمٌ)) (١)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة، مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله ؛ ولِهوانها على الله لم يبلّغ رسوله ﷺ فيها وهو أحب الخلق إليه. ١٦ - فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير (٢). وقوله: ((وما والاه)) أي ما يحبه الله من أعمال البر، وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات، ومستحسنات الشرع، وقوله: ((وعالم أو متعلم)) العالم والمتعلم: العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول، وما لا يتعلق بالدين. والرفع في ((عالم أو متعلم)) على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمدُ مما فيها ((إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم)) (٣)، فإذا رأى العاقل من ينافسه في الدنيا فعليه أن ينصحه ويحذره وينافسه في الآخرة (٤). ١٧ - وفي قصة أبي عبيدة ﵁ عندما قدم بمال من البحرين فجاءت الأنصار وحضروا مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلمَّا صلى بهم الفجر، تعرَّضوا له، فتبسَّم حين رآهم وقال: ((أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟)) قالوا: أجل يا رسول الله، قال: ((فأبشروا، وأمّلوا ما يسرُّكم، فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها

стр. 1201

وتهلككم كما أهلكتهم))، وفي رواية: ((وتلهيكم كما ألهتهم)) (١). ١٨ - وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض)) قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا))، ثم قال: ((إن هذا المال خَضِرَة حلوة ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيداً يوم القيامة])) (٢). ١٩ - وقال خبَّاب ﵁: ((إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب)) (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة)) (٤). وذكر ﵀ آثاراً كثيرة في ذم البنيان ثم قال: ((وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر)) (٥). والمسلم إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه. ٢٠ - فعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غنىً وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً)) (٦).

стр. 1202

٢١ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسدَّ فقرك)) (١). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ (٢). ولاشك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة، بل وحتى الأعمال المباحة. ٢٢ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)) (٣). ٢٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له)) (٤). ٢٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما

стр. 1203

يفنى)) (١). ٢٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليبلغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة)) (٢). الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته ، ووالديه وأهله، ومن يحب في الجنة، وهذا الاجتماع الذي لا فراق بعده لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مّنْ عَمَلِهِم مّن شَيْءٍ﴾ (٣)، قال الإمام ابن كثير ﵀: ((يخبر الله تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه، ولطفه بخلقه، وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذلك)) (٤). وهذا فضله تعالى على الأولاد ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأولاد فثبت في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)) (٥)،قال العلامة السعدي ﵀: ((وهذا من تمام نعيم أهل الجنة أن

стр. 1204

ألحق الله بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان: أي الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم فصارت الذرية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون يُلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها جزاء لآبائهم وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئاً)) (١).وهذا هو الفوز العظيم. نسأل الله تعالى أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع آبائنا، وذرياتنا، وأزواجنا، وجميع أهلينا وأحبابنا إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. ولاشك أن من فارق ذريته وأهله، وأحبابه في الآخرة فقد خسر خسراناً مبيناً، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٢)، أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبداً، وسواء ذهب أهلوكم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، وهذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح)) (٣). وقال الله : ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (٤)،قال الإمام ابن كثير ﵀: ((أي ذهب

стр. 1205

بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفُرّق بينهم وبين أحبابهم، وأصحابهم، وأهاليهم، وقراباتهم فخسروهم)) (١). وقد ذكر أن بعض الصالحين مات له ابن فجزع عليه جزعاً شديداً، حتى امتنع عن الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فكتب إليه، ومما كتب إليه: إني معزيك لا أنّي على ثقةٍ ... من الحياة ولكن سنة الدين فما المعزَّى بباقٍ بعد ميته ... ولا المعزّي ولو عاشا إلى حين (٢) الرابع عشر: غسل الميت يراعى في تغسيل الميت الأمور الآتية: الأمر الأول: معرفة العلامات التي تدل على خروج الروح بالموت (٣). ١ - شخوص البصر: أي انفتاحه؛ لحديث أمّ سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) (٤). ٢ - انخساف الصدغين؛ لارتخاء الفك السفلي؛ ولارتخاء الأعضاء عموماً . ٣ - ميل الأنف إلى اليمين أو الشمال .

стр. 1206

٤ - انفصال الكفين؛ لاسترخاء عصب اليد فتبقى كأنها منفصلة . ٥ - استرخاء الرجلين، فتلين وتسترسل بعد خروج الروح؛ لصلابتها قبله . ٦ - سكون القلب ووقوف ضرباته تماماً . ٧ - امتداد جلدة الوجه أحياناً (١) (٢). ويغني عن ذلك كله شهادة الأطباء الثقات بأن فلاناً قد مات وخرجت روحه من جسده تماماً بلا شك ولا ريب. الأمر الثاني: آدابٌ يحتاج إليها الميت عقب موته، من أهمها: ١ - تغميض عينيه ؛ لحديث أمّ سلمة ﵂ (٣). ٢ - يُدعى له ؛ لحديث أمّ سلمة السابق، فيقال: ((اللهم اغفر لفلان [باسمه] وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوّر له فيه)) (٤). ٣ - شد لحييه؛ لإقفال فمه ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب شدُّ لحييه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه؛ لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم فلم يغمض حتى يبرد، بقي مفتوحاً فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه، والماء في وقت غسله)) (٥) (٦)، ومعلوم أنه بعد أن يبرد تبقى العينان مغمضتين والفم مغلقاً، فيحسن

стр. 1207

منظره. ٤ - تليين مفاصله، مفاصل اليدين، والرجلين، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه ، وعضديه إلى جنبيه، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من غسله، وتكفينه، وتمديده، وخلع ثيابه، وهذه الصفة تستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها ببرودته، وإذا شرع في غسله، وإن شق ذلك لقسوة عظام الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه ويصير به ذلك إلى المثلة (١). ٥ - تخلع ثيابه ويستر بثوب يكون شاملاً للبدن كله، أما خلع الثياب ؛ فلقول الصحابة ﵃ حينما مات رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرّدُ رسول الله ﷺ كما نجرّدُ موتانا؟ أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذَقْنُهُ في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هُوَ: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصُهُ، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه)) (٢). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب خلع ثياب الميت؛ لئلا يخرج منه شيء يفسُدُ به، ويتلوث بها إذا نزعت عنه ... )) (٣).

стр. 1208

وأما ستره بثوب يغطي جميع بدنه؛ فلحديث عائشة ﵂، قالت: ((سُجّي رسول الله ﷺ حين مات بثوب حَبِرةٍ)) (١)، إلا المحرم، فلا يغطى رأسه ولا وجهه؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه: ((ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه ... )) (٢). ٦ - يوضع على بطنه شيء ثقيل، ليمنع انتفاخه إذا لم يعجل بتغسيله ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويجعل على بطنه شيء من خ٣ كمرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ بطنه ... )) (٣). وقد ورد ذلك في بعض الآثار عن أنس ﵁، وعن الشعبي ﵀ (٤)، ولكن إذا أُسرع بالجنازة في تجهيزها، أو وُضعت في ثلاجة وأُمِنَ من انتفاخ البطن فلا داعي لذلك (٥). ٧ - يُجعل على سرير غسله أو لوح؛ لأنه أحفظ له ، ولا يُترك على الأرض؛ لئلا يُسرع إليه التغير، ويجعل منحدراً نحو رجليه (٦)،قال الإمام البيهقي ﵀، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ((لما فُرغَ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء وُضِعَ على سريره في بيته ﷺ )) (٧).

стр. 1209

الأمر الثالث: الإسراع بتجهيزه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)) (١)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وُضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)) (٢). الأمر الرابع: معرفة الفضل والأجر العظيم، لمن تولَّى غسل الميت المسلم ، وستر عليه ما يكره، وأخلص في ذلك ابتغاء وجه الله تعالى، لا يريد به جزاء ولا شكوراً إلا من الله ، ولا يريد شيئاً من أمور الدنيا؛ لحديث أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غسل مسلماً فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أُجريَ عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة)) (٣). وهذا لفظ البيهقي، ولفظ الحاكم: ((من غسل ميتاً فكتم عليه غفر له أربعين مرة، ومن كفَّن ميتاً كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبراً فأجنه فيه أُجري له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة)). ولفظ الطبراني في المعجم الكبير: ((من غسل ميتاً فكتم عليه غفر له أربعين كبيرة، ومن حفر لأخيه

стр. 1210

قبراً حتى يجنه فكأنما أسكنه مسكناً مرة حتى يُبعث))؛ ولقول النبي ﷺ : ((ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... )) (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) (٢)، وغير ذلك من الأدلة والآثار الواردة (٣)، ولا بأس بالإخبار بما يشاهده الغاسل من علامات الخير: كبياض الوجه، أو التبسم، أو غير ذلك من العلامات التي تبشر بالخير، أما العلامات التي تدل على الشر فلا يخبر بها؛ لأن ذلك يحزن أهل الميت ويؤذيهم، وهو من الغيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسودَ، أو غير ذلك فلا بأس (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وإن رأى حسَناً مثل: أمارات الخير: من وضاءة الوجه، والتبسم، ونحو ذلك استحب إظهاره؛ ليكثر الترحم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته والتشبه بجميل سيرته ... )) (٥). الأمر الخامس: معرفة حرمة المسلم ومنزلته وكرامته حيّاً وميتاً ؛ فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن كسر عظم المؤمن ميتاً

стр. 1211

مثل كسره حيّاً)). وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود وابن ماجه: ((كسر عظم الميت ككسره حيّاً)) (١). وهل يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه في حياته أو يوصي بذلك مع موته؟ اختلف العلماء في ذلك (٢). الأمر السادس: حكم تغسيل الميت: فرض كفاية إذا فعله من فيه كفاية سقط الإثم عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته أن النبي ﷺ قال فيه: ((اغسلوه بماءٍ وسدر)) (٣)، والأمر يقتضي الوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت إنما يوجه الخطاب للعموم، فإذا قام به بعضهم كفى (٤)؛ ولحديث أمّ عطية ﵂ وفيه أمر النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً، أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)) (٥).

стр. 1212

الأمر السابع: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة والأمة ، ولا يغسل الأنثى إلا النساء أو الزوج؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صُداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! فقال: ((بل أنا يا عائشة وارأساه!)) ثم قال: ((ما ضرَّك لو مُتّ قبلي فقمتُ عليك فغسَّلتك، وكفَّنتك، وصليتُ عليك، ودفنتك)) (١). وعن عائشة ﵂، قالت: ((لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل النبي ﷺ غيرُ نسائه)) (٢). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياساً، وبغسل أسماء لأبي بكر لما تقدم، وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي، والدارقطني، وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن (٣)،ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليّ وأسماء فكان إجماعاً)) (٤). وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز-﵀: ((تغسيل المرأة زوجها أمر لا بأس به إذا كانت خبيرة بذلك، وقد غسل علي ﵁ زوجته فاطمة، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق ﵁)) (٥). وقال: ((أما غير الزوجة كالأم والبنت فلا يجوز للرجل تغسيلهما ولا غيرهما من محارمه النساء، ويلحق بالزوجة المملوكة التي يباح له وطؤها فلا بأس بغسلها إذا

стр. 1213

ماتت؛ لأنها كالزوجة، وهكذا البنت الصغيرة التي دون السبع، لا حرج على الرجل في تغسيلها سواء كان محرماً أو أجنبيّاً عنها؛ لأنها لا عورة لها، وهكذا المرأة لها تغسيل الصبي الذي دون السبع)) (١). وإن مات رجل بين نساء له سبع سنين فأكثر، فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة أو مملوكة، وكذلك لو ماتت امرأة بين رجال لها سبع سنين فأكثر؛ فإنهم لا يغسلونها إلا أن يكون أحد الرجال سيداً أو زوجاً، وكذلك لو تعذر تغسيل الميت؛ لكونه محترقاً، أو عند عدم الماء، ففي هذه الصور المتقدمة ييمم الميت؛ لأن التربة الطاهرة تقوم مقام الماء في تغسيل الميت في هذه الأحوال (٢). الأمر الثامن: شهيد المعركة الذي مات في موضعه لا يغسل ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد، وقال: ((أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة))، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يُصلّ عليهم)). وفي رواية أنه ﷺ قال: ((ادفنوهم في دمائهم)) يعني يوم أحد ولم يغسلهم (٣). ولفظ أحمد: ((لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة، ولم يصلَّ عليهم)) (٤). وجريح المعركة إذا مات بعدها متأثراً بجراحه يغسل ويكفن ويصلَّى عليه، وله أجر الشهيد إذا خلصت نيته، وكذلك المقتول ظلماً يغسل

стр. 1214

ويصلى عليه، وله أجر الشهيد، وفضل الله يؤتيه من يشاء (١). الأمر التاسع: المحرم لا يُطيَّب ولا يُحنَّط ولا يُغطَّى رأسه ولا وجهه ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (٢)، - أو قال: فأوقصته - فقال رسول الله ﷺ : ((اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنّطوه، ولا تخمّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبّياً))، وفي لفظ لمسلم: (( ... ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه)) (٣). الأمر العاشر: لا يَغْسِلُ الميت إلا: المسلم، العاقل، المميز، الأمين (٤) الثقة، العارف بأحكام الغسل، والأولى به وصيه العدل (٥)؛ لما رُوي أن أبا بكر الصديق ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ﵂ فقامت بذلك (٦)، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل (٧)،

стр. 1215

ويتولى غسله إن لم يكن له وصي من كان أعرف بسنة الغسل، لاسيما إذا كان من أهله وأقاربه؛ لأن الذين تولوا غسل النبي ﷺ كانوا كذلك، فقد قال سعيد بن المسيب، قال علي بن أبي طالب ﵁: ((غسلت رسول الله ﷺ ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أرَ شيئاً وكان طيّباً حيّاً وميتاً ﷺ ، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد رسول الله ﷺ لحداً، ونصب عليه اللبن نصباً)). ولفظ ابن ماجه: عن علي ﵁ قال: لما غَسَّل النبي ﷺ ذهب يلتمس منه ما يلتمس من الميت فلم يجده، فقال: ((بأبي الطيّبُ! طبتَ حيّاً وميتاً)) (١). وفي مرسل الشعبي أنه غسل النبي ﷺ مع علي ﵁: الفضل - يعني ابن عباس - وأسامة بن زيد (٢). الأمر الحادي عشر: صفة غسل الميت: المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي: ١ - يُجعل على سرير في مكان مستور عن جميع الأنظار (٣)، ويكون المكان مسقوفاً بسقفٍ إن أمكن؛ ليكون أكمل في الستر فيكون في بيت

стр. 1216

أو خيمة، أو غرفة، أو نحو ذلك (١). ٢ - لا يحضره إلا من يباشر تغسيله أو من يحتاج إليه المغسل ؛ ليساعده؛ لأن الميت ربما كان به عيب يستره في حياته ولا يحب أن يطلع عليه الناس، وربما بدت عورة الميت من غير قصد الغاسل فيشاهدها من يحضر، فلا يحضره أحد أثناء التغسيل (٢) إلا من يضطر المغسل إليه؛ ليساعده على التغسيل، وإذا ظهر عيب وجب أن يستره المغسل ومن يساعده، وإذا ظهرت علامات الخير استحب الإخبار بها؛ ليدعى له ويقتدى بصفاته الحسنة (٣) (٤). ٣ - يليّن مفاصله، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه ، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من تغسيله، وتمديده، وخلع ثيابه، وتكفينه، وقد ذكر الإمام ابن قدامة ﵀: أن ذلك يستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها وبرودته، وإذا شرع في غسله؛ وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه، ويصير به ذلك إلى المثلة (٥). ٤ - يوضع على عورة الميت سِتر من سرته إلى ركبته تدخل من تحت ثيابه وتلف على عورته ؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: ((وإذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته؛ فإنما

стр. 1217

أسفل من سرته إلى ركبته من عورته)) (١)،ولا ينظر إلى فخذ حي ولا ميت (٢). ٥ - يجرد من ثيابه بعد ستر عورته كما تقدم ؛ لأن أصحاب النبي ﷺ قالوا حينما مات ﵊: ((والله ما ندري أنجرّدُ رسول الله ﷺ كما نُجرّدُ موتانا أم نغسله وعليه ثيابه ... )) (٣) فدل ذلك أنهم كانوا يجرّدون الموتى وينزعون عنهم الثياب قبل التغسيل. ٦ - تُقلّم أظفاره، ويقص شاربه؛ لأن هذا من تنظيف الميت إذا كانت طويلة ؛ لأن هذا من نظافة الميت، وتجميله، وتحسينه، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب تقليم أظفار الميت وقصّ شاربه؛ لأن ذلك سنة في حياته)) (٤). وقال الإمام ابن باز ﵀: ((يستحب قص شاربه وقلم أظفاره، وأما حلق العانة ونتف الإبط فلا أعلم ما يدل على شرعيته، والأولى ترك ذلك؛ لأنه شيء خفي وليس بارزاً: كالظفر، والشارب)) (٥) (٦).

стр. 1218

٧ - يبدأ فيحني الميت حنياً رفيقاً لا يبلغ به الجلوس، فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرُّ بيده على بطنه فيعصره عصراً رفيقاً، لأجل أن يُخرج منه ما كان مستعدّاً للخروج من النجاسات؛ لئلا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيلوث الكفن ويفسد الغسل - ويكثر صب الماء حين العصر صبّاً كثيراً؛ ليذهب بما يخرج من النجاسات فلا تظهر رائحته، والأولى أن يكون في المكان الذي يغسل فيه الميت بخور مما يتدخن به الناس من عود ونحوه؛ لئلا يتأذى برائحة الخارج - إلا الحامل فلا يعصر بطنها؛ لئلا يؤذي الجنين (١). ٨ - يلف الغاسل على يده اليسرى خرقةً أو قفازاً أو كيساً فينجّيه بها فيغسل فرجه فيصب الماء من تحت الإزار أو المنشفة التي قد وضعت

стр. 1219

على جميع عورة الميت، ويبالغ في تنظيف الفرجين حتى ينقي ما بهما من نجاسة، ولا يمس عورته بغير حائل؛ لأن النظر إلى العورة يحرم، فلمسها أولى بالتحريم (١)، ثم يلقي هذه الخرقة أو القفاز. ٩ - يلف الغاسل على يده خرقة أخرى أو ليفة أو نحوهما: كالقفاز؛ لأن الصحابة ﵃ غسلوا رسول الله ﷺ وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم ... )) (٢). ١٠ - يوضئه وضوءه للصلاة، ثم يبدأ بالميامن وأعضاء الوضوء والقفاز على يده ؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)) (٣). فينوي القيام بالوضوء والغسل، ويقول: بسم الله، ثم يغسل يديه ثلاثاً، ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها بالماء ويجعلها على أصبعيه ثم يدخل أصبعيه بين شفتيه فيمسح أسنانه وينظفها، ويدخل أصبعيه في منخريه وينظف المنخرين ولا يدخل الماء في فمه ولا في منخريه، وإنما يكتفي ببل الخرقة وينظف بها أسنانه ومنخريه ثلاثاً؛ ليقوم ذلك مقام المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٤). ويغسل وجهه ثلاثاً، ويغسل يديه: اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ويمسح رأسه إدباراً وإقبالاً، ثم يحلّق بأصبعيه على أذنيه فيمسحهما، ويغسل رجله اليمنى إلى الكعب ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً. ١١ - يؤتى بالسدر فيغسل رأسه برغوة السدر، يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ، بعد أن يُخَضّ ويُرجّ حتى يكون له رغوة فيغسل رأسه

стр. 1220

ولحيته؛ يفعل ذلك ثلاث مرات؛ لأن النبي ﷺ كان يبدأ بعد الوضوء بغسل رأسه في الجنابة (١). ١٢ - يبدأ بغسل جسد الميت فيبدأ بشقه الأيمن ؛ لقوله ﷺ : ((ابدأن بميامنها)) (٢) فيغسل يده اليمنى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيمن، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه فيكون الغسل من كتفه الأيمن حتى نهاية قدمه اليمنى، يدلكه باليد داخل القفاز مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر الذي يستر عورة الميت، ويكون الغسل بالماء والسدر مع ثفل السدر (٣) (٤)، ثم يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يقلبه فيعيده على ظهره ويغسل يده

стр. 1221

اليسرى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيسر، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه، فيكون الغسل من كتفه اليسرى حتى نهاية قدمه اليسرى يدلكه باليد داخل القفازين مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر، ويكون الغسل بالماء والسدر كما تقدم، ثم يقلبه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر مع شق ظهره وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يعم سائر جسده بالماء، ويكرر هذا الغسل ثلاث مرات، أو خمس مرات أو سبعاً، أو أكثر من ذلك على حسب ما يرى الغاسل؛ فإن خرج شيء من بطنه أعاد إنجاءه وأعاد الوضوء والغسل، ولا يعد الوضوء إلا إذا خرج شيء، فإن استمر الخارج سد مكانه بالقطن، وأحكمه، ثم أعاد الوضوء والغسل، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، ليشده ويطيبه ويبرده؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر))، قالت: قلت: وتراً؟ قال: ((نعم، واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور ... )) (١). ويُنقض شعر الميت إن كان له شعر، ويُمشط، ويُضفر شعر المرأة ثلاثة قرون: قرنيها، وناصيتها، ويُلقى خلفها؛ لحديث أم عطية ﵂ (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((ويضفر الرأس ثلاثة قرون حتى ولو كان رجلاً ويجعل وراءه)) (٣). وإذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بمنشفة ثم توضع هذه المنشفة المبللة خفيفاً على الأخرى الساترة للعورة فتحسب المنشفة المبللة كثيراً من تحتها فيكون الميت جاهزاً للتكفين (٤).

стр. 1222

والسقط لأربعة أشهر أو أكثر يُغسل ويُصلى عليه؛ لحديث المغيرة بن شعبة يرفعه: (( ... والسّقط يُصلَّى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة)) (١)، ويُكفّن ويُقبر في مقابر المسلمين، ويُسمَّى، ويُعَقُّ عنه؛ لأن الروح قد نفخت فيه، فهو إنسان)) (٢). الأمر الثاني عشر: السنة الاغتسال من غسل الميت ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ)). ولفظ ابن ماجه: ((من غسل ميتاً فليغتسل)) (٣)، وهذا الأمر للوجوب ولكن يصرف الوجوب إلى الاستحباب أحاديث أخرى، فقد جاء عن ابن عباس ﵄: ((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)) (٤)، وقول ابن عمر ﵄: ((كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لم يغتسل)) (٥).

стр. 1223

فيعمل بالأحاديث كلها، يكون الغسل من غسل الميت سنة وليس بواجب (١). قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: ((وقال: بعضهم إن الحكمة في ذلك - والله أعلم - جبر ما يحصل للغاسل من الضعف بسبب مشاهدة الميت، وذكر الموت، وما بعده، وهو معنى مناسب)) (٢)، والله أعلم (٣). الخامس عشر: تكفين الميت يراعى في تكفين الميت الأمور الآتية: الأمر الأول: حكم تكفين الميت المسلم ، فرض كفاية، إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج والإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قصة الرجل الذي وقصته راحلته؛ أن النبي ﷺ قال فيه: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه)) (٤)، وهذا أمر والأصل في الأمر الوجوب. الأمر الثاني: معرفة الفضل والأجر العظيم لمن تولَّى تكفين الميت المسلم ؛ لحديث أبي رافع، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (( ... ومن كفَّن ميتاً كساه الله من سندس وإستبرق الجنة ... )) (٥). الأمر الثالث: الكفن أو ثمنه من مال الميت ؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه أن النبي ﷺ قال في المحرم: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه)) (٦)؛ولحديث خباب ﵁ في قصة مصعب بن عمير ﵁ وأنه كفن في نمرة له، وفي لفظ: بردة (٧).

стр. 1224

ولكن لو تبرع أحد بكفنه فلا بأس ولا حرج (١). الأمر الرابع: يُكفَّن المحرم في ثوبيه الذي مات فيهما ولا يُغطَّى رأسه، ولا وجهه، ولا يُطيَّب ؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته: ((اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنّطوه، ولا تخمّروا رأسه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً)). وفي لفظ لمسلم: ((ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه ... )) (٢). الأمر الخامس: يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها ، ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، أما تكفينه في ثيابه التي مات فيها؛ فلحديث عبد الله بن ثعلبة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: ((زمّلوهم في ثيابهم)) قال: وجعل يدفن في القبر الرهط، قال: وقال: ((قدّموا أكثرهم قرآناً)). ولفظ النسائي: ((زمّلوهم بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى: لونه لون الدم، وريحه ريح المسك)) (٣)؛ ولحديث جابر ﵁: ((وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم)) (٤). وأما استحباب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه التي قتل فيها؛

стр. 1225

فلحديث شداد بن الهاد ﵁ (١)، ولحديث الزبير بن العوام ﵁ (٢). الأمر السادس: يكون الكفن سابغاً طائلاً يستر جميع بدن الميت ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قُبِضَ فكُفّن في كفن غير طائل وقبر ليلاً فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) (٣).

стр. 1226

الأمر السابع: إذا ضاق الكفن ستر به رأس الميت وما طال من جسده ، ويجعل على الباقي المكشوف شيئاً من الإذخر أو الحشيش أو غيره؛ لحديث خباب ﵁ في قصة مصعب بن عمير، وأن النبي ﷺ قال في نمرة أو بردة مصعب: ((غطّوا بها رأسه، واجعلو على رجليه من الإذخر)) أو قال: ((ألقوا على رجليه من الإذخر)). وفي لفظ: ((فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر)) (١) (٢). الأمر الثامن: إذا قلَّت الأكفان وكثر الموتى جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد ، ويقدم أكثرهم قرآناً إلى القبلة؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: ((أتى رسول الله ﷺ على حمزة يوم أحد، فوقف عليه، فرآه قد مُثل به، فقال: ((لولا أن تجدَ صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة في بطونها)). قال: ثم دعا بنمرة فكفنه فيها، فكانت إذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مُدَّت على رجليه بدا رأسه، قال: فكثر القتلى وقلَّت الثياب، قال: فكفّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فجعل رسول الله ﷺ يسأل عنهم؛ أيهم أكثر قرآناً فيقدّمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يصلّ عليهم)) (٣). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀

стр. 1227

تعالى أن معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد في بعضه للضرورة، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآناً فيقدّمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته)) (١). الأمر التاسع: إحسان الكفن ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إذا كفّن أحدكم فليحسن كفنه)) (٢)؛ ولحديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) (٣). الأمر العاشر: يستحب في الكفن ما يأتي: ١ - يستحب البياض ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر)) (٤). ٢ - يكون ثلاثة أثواب ؛ لحديث عائشة ﵂ ((أن رسول الله ﷺ كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة)) (٥). ٣ - تجمير الكفن ثلاثاً لغير المحرم، وهو التبخير بالعود أو غيره ؛

стр. 1228

لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأوصى أبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود، وقال أبو هريرة: يجمر الميت)) (٢). الأمر الحادي عشر: لا يغالى في الكفن ولا يزاد فيه على ثلاثة أثواب ؛ لحديث عائشة ﵂ أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفّنوني فيها، قلت: إن هذا خلق؟ قال: إن الحيَّ أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول: ((يكفي الوسط المناسب ولا يتحرَّى أحسن شيء، ولا يتكلَّف؛ لأن مصيره إلى الدود والفناء والزوال في القبر، فيكفي الخام الأبيض)) (٤). الأمر الثاني عشر: كفن الرجل والمرأة، الواجب فيه الثوب الساتر لجميع بدن الميت ، والمستحب ثلاثة أثواب، وإذا كُفّنت المرأة في خمسة أثواب فحسن: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فتؤز بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمّر، ثم تلفّ باللفافتين، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك؛ لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر؛ لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت، ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها وهو أكمل أحوال

стр. 1229

الحياة استحب إلباسها إياه بعد موتها، والرجل بخلاف ذلك، فافترقا في اللبس بعد الموت لافتراقهما فيه في الحياة، واستويا في الغسل بعد الموت لاستوائهما فيه في الحياة)) (١) (٢). الأمر الثالث عشر: صفة تكفين الميت: أولى الناس بتكفين الميت هو أولى الناس بغسله كما تقدم، وصفة التكفين الكامل المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي:

стр. 1230

١ - تُقصُّ الأربطة من نفس عرض الكفن وتكون وترية: سبعة، أو خمسة، أو غير ذلك، ثم توضع على النعش بالتساوي. ٢ - تجمّر الأكفان (١) ثلاث مرات بعد رشها بماء ورد أو غيره ليعلق فيها البخور والرائحة. ٣ - يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض . ٤ - تبسط اللفافة الأولى على النعش أو على سرير تكفين الميت ، ثم يذرُّ عليها حنوطاًن وهو أخلاط من الطيب ويجعل عليها كافوراً. ٥ - ثم يبسط فوق اللفافة الأولى اللفافة الثانية ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً . ٦ - ثم يبسط فوق اللفافة الثانية اللفافة الثالثة ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً ولا يجعل فوق العليا من الظاهر وعلى النعش حنوطاً؛ لأن أبا بكر ﵁ قال: ((لا تجعلوا على أكفاني حنوطاً)) (٢). ٧ - يوضع على اللفائف خرقة مثل التبان (٣) مشقوقة الطرف من الأعلى ومن الأسفل ويجعل عليها حنوطاً في قطن، وهذه الخرقة تمسك الحنوط المخلوط من المسك والكافور ليكون بين إليتي الميت. ٨ - ينقل الميت على الأكفان بساتر العورة الذي يستر عورته ، ويجعل الزائد من أطراف الكفن عند رأسه أطول مما عند رجليه، ويجعل الميت مستلقياً على ظهره. ٩ - يؤتى بدهن العود أو المسك أو غير ذلك من الأطياب الطيبة ، وقد قال النبي ﷺ : ((والمسك أطيب الطيب)) (٤)، ويجعل من الطيب على
следующие страницы →