← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهذا الذي سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يرجحه، ويقول: ((أما الآية الكريمة فهي عامة، والحديث خاص، والخاص يقضي على العام ولا يخالفه، كما يُعلم ذلك من أصول الفقه ومصطلح الحديث، لكن لو أقيمت الصلاة وقد ركع الركوع الثاني، أو في السجود أوفي التحيات فإنه لا حرج في إتمامها؛ لأن الصلاة قد انتهت ولم يبق منها إلا أقل من ركعة)) (١). وقال مرة في موضع آخر: ((لأن أقل الصلاة ركعة ولم يبق إلا أقل منها، فإتمامها لا يخالف الحديث المذكور)) (٢). ٧ - السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر ؛ لحديث عاصم بن عمر بن الخطاب، قال صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناساً قياماً، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقَدْ كانَ لكُم في رسولِ الله أُسوةٌ حسَنةٌ﴾ (٣). أما سنة الفجر، والوتر فلا تترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر، أن النبي ﷺ ((لم يكن يدعهما أبداً)) (٤)؛ ولحديث أبي قتادة ﵁ في نوم النبي ﷺ وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: ((ثم أذن بلال بالصلاة فصلى

стр. 422

رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم)) (١). وأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((كان يوتر على البعير)) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان تعاهده ﷺ ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولم يكن يدعها هي والوتر سفراً ولا حضراً ... ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلّى سنة راتبة غيرهما)) (٣). وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقاً، مثل: صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (٤). قال الإمام النووي-﵀: ((وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ... )) (٥).

стр. 423

النوع الثاني: الوتر: ١ - الوتر سنة مؤكدة (١)؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر حقٌ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) (٢)؛ولحديث علي ﵁ قال: ((الوتر ليس بحَتْم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنةٌ سنها رسول الله ﷺ )) (٣). ومما يدل على أن الوتر ليس بحتم بل سنة مؤكدة ما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟ فقال: ((الصلوات الخمس إلا أن تطوَّع شيئاً)) فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: ((شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً)). فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة [وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال:

стр. 424

هل عليّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع))] فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلح إن صدق، أو أُدخل الجنة إن صدق)) (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن وفيه: (( ... فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلوات في اليوم والليلة ... )) (٢). وهذان الحديثان يدلان على أن الوتر ليس بواجب، وهو مذهب جمهور العلماء (٣)، بل هو سنة مؤكدة جداً، ولهذا لم يترك رسول الله ﷺ سنة الفجر والوتر في الحضر ولا في السفر (٤). ٢ - فضل الوتر، له فضل عظيم ؛ لحديث خارجة بن حذافة العدوي، قال: خرج علينا النبي ﷺ فقال: ((إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حُمرِ النَّعم، وهي الوِتر، وجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر)) (٥).

стр. 425

ومما يدل على فضلها وتأكد سنيتها حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: أوتر رسول الله ﷺ ثم قال: ((يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز يقول في تقريره على هذا الحديث: ((هذا يدل على أنه ينبغي أن يكون أهل العلم لهم عناية أكثر من غيرهم وإن كان مشروعاً للجميع حتى يقتدي بهم من عرف أحوالهم وأعمالهم، والوتر أقله ركعة بين العشاء والفجر، وهو سبحانه وتر يحب الوتر، ويحب ما يوافق صفاته، فهو صبور يحب الصابرين، بخلاف العزة والعظمة، فالعباد يأخذون من صفاته ما يناسب العبد من كرم وجود وإحسان)) (٢). ٣ - وقت صلاة الوتر: جميع أوقات الليل بعد صلاة العشاء على النحو الآتي: أ- وقت الوتر الشامل: ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بصرة الغفاري عن النبي ﷺ قال: ((إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلُّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر)) (٣). فظهر من هذا الحديث أن وقت الوتر ما بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صلى المسلم العشاء في وقتها أو صلاها مجموعة إلى المغرب جمع تقديم؛ فإن وقت الوتر يدخل من حين أن يصلي العشاء (٤).

стр. 426

وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة بتوكيد ذلك من فعل النبي ﷺ وقوله، فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة - إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة)) (١). وقد حدد النبي ﷺ آخر وقت الوتر، فعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أوتروا قبل أن تُصبحوا)). وفي رواية: ((أوتروا قبل الصبح)) (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((بادروا الصبح بالوتر)) (٣). وهذا يدل على مسابقة طلوع الفجر بالوتر بأن يوقع الوتر قبل دخوله؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى)) (٤). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أدرك الصبح فلم يوتر فلا وتر له)) (٥). ويؤكد ذلك حديث ابن

стр. 427

عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب كلُّ صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر)) (١). قال الإمام الترمذي ﵀: ((وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق لايرون الوتر بعد صلاة الصبح)) (٢). ويزيد ذلك وضوحاً فعل النبي ﷺ ، فإن آخر وتره السحر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر)) (٣)، فظهر في جميع هذه الأحاديث أن وقت الوتر يبدأ بعد الانتهاء من صلاة العشاء، وينتهي بطلوع الفجر الثاني، ولا قول لأحد بعد قول رسول الله ﷺ (٤). ب- الوتر قبل النوم مستحب لمن ظن أن لا يستيقظ آخر الليل ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((أوصاني خليلي ﷺ بثلاث [لا أدعهن حتى

стр. 428

أموت] صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)) (١)؛ ولحديث أبي الدرداء ﵁ قال: ((أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث، لن أدعهن ما عشت، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفيه استحباب تقديم الوتر على النوم، وذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين)) (٣). ومما يدل على أن الأمر على حسب أحوال الأشخاص وقدراتهم ما ثبت من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ((أيَّ حين توتر؟)) قال: أول الليل بعد العتمة، قال: ((فأنتَ يا عمر؟))، فقال: آخر الليل، فقال النبي ﷺ : ((أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالوثقى، وأما أنت يا عمر فأخذت بالقوة)) (٤). وحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((متى توتر؟)) قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: ((متى توتر؟))، فقال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: ((أخذ هذا بالحزم))، وقال لعمر: ((أخذ هذا بالقوة)) (٥). ج- الوتر في آخر الليل أفضل لمن وثق بالاستيقاظ ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر

стр. 429

الليل مشهودة (١)، وذلك أفضل)). وفي رواية (( ... ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره؛ فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((فيه دليل صريح على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل، لمن وثق بالاستيقاظ آخر الليل، وأن من لا يثق بذلك فالتقديم له أفضل، وهذا هو الصواب، ويحمل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل الصحيح الصريح، فمن ذلك حديث: ((أوصاني خليلي أن لا أنام إلا على وتر)). وهو محمول على من لا يثق بالاستيقاظ)) (٣). ومما يؤكد استحباب الوتر آخر الليل ما ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأُعطيَهُ؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟)) (٤). وفي رواية لمسلم: ((فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)) (٥). وفي لفظ مسلم: (( ... هل من سائلٍ يُعْطَى؟ هل من داعٍ يُستجابُ له؟ هل من مستغفرٍ يُغْفَرُ له؟ حتى ينفجرَ الفجر)) (٦). ٤ - أنواع الوتر وعدده ، الوتر له عدد وأنواع على النحو الآتي: أولاً: إحدى عشرة ركعة يسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة ؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ((كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة

стр. 430

ويوتر منها بواحدة)). وفي رواية: ((كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي تدعونها العتمة - إلى الفجر إحدى عشر ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة ... )) (١). ثانياً: ثلاث عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة ؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ في وصف صلاة رسول الله ﷺ وفيه: (( ... فقمت إلى جنبه عن يساره فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها، فحوَّلَني فجعلني عن يمينه ثم صلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح)) (٢). وعنه ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)) (٣). وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: ((لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين، طويلتين، طويلتين، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة)) (٤). ثالثاً: ثلاث عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر من ذلك بخمس سرداً ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها)) (٥).

стр. 431

رابعاً: تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة ثم يأتي بالتاسعة ؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: (( ... كنا نُعدُّ له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوَّك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعناه ... )) (١). خامساً: سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: (( ... فلما أسنَّ نبي الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع ... )) (٢). وفي رواية: ((لا يقعد إلا في آخرهن)) (٣). سادساً: سبع ركعات لا يجلس إلا في السادسة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كنا نُعدُّ له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي سبع ركعات، ولا يجلس فيهن إلا عند السادسة فيجلس ويذكر الله ويدعو)) (٤). سابعاً: خمس ركعات لا يجلس إلا في آخرهن ؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الوتر حق على كل مسلم، فمن أحبَّ أن يُوترَ بخمسٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يوتر بثلاثٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يوتر بواحدةٍ فليفعلْ)) (٥). وقد ثبت من حديث عائشة ﵂

стр. 432

أن هذا النوع يصلَّى سرداً، لا يجلس إلا في الركعة الخامسة، وفيه: (( ... يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها)) (١). ثامناً: ثلاث ركعات يسلم من ركعتين ثم يوتر بواحدة ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليم يُسمعناه)) (٢). وقد ثبت ذلك عن عبد الله بن عمر موقوفاً. فعن نافع: ((أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته)) (٣).والموقوف يؤيد المرفوع. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن الوتر بثلاث ركعات بسلامين: ((هذا هو الأفضل لمن صلى ثلاثاً، وهي أدنى الكمال)) (٤). تاسعاً: ثلاث ركعات سرداً ﵁ لا يجلس إلا في آخرهن ؛ لحديث أبي أيوب ﵁ وفيه: ((ومن أحبَّ أن يوتر بثلاثٍ فليفعلْ)) (٥)؛ ولحديث أُبيّ بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، وفي الركعة الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ولا يسلّم إلا في آخرهن، ويقول بعد التسليم: ((سبحان الملك القدوس)) ثلاثاً (٦).لكن يصلي ثلاثاً سرداً يتشهد تشهداً واحداً في

стр. 433

آخرهن؛ لأنه لو جعلها بتشهدين لأشبهت صلاة المغرب (١)،وقد نهى النبي ﷺ أن تشبَّه بصلاة المغرب (٢)،لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبَّهوا بصلاة المغرب)) (٣). وقد جمع الحافظ ابن حجر ﵀ بين أحاديث وآثار جواز الإيتار بحملها على أنها متصلة بتشهد واحد في آخرها، وأحاديث النهي عن الإيتار بثلاث بحملها على أنها بتشهدين لمشابهة ذلك لصلاة المغرب (٤). ومما يدل على الإيتار بثلاث حديث القاسم عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة واحدة توتر لك ما صليت)). قال القاسم: ((ورأينا أناساً منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإنَّ كلاً لواسعٌ، وأرجو أن لا يكون بشيء منه بأس)) (٥). عاشراً: ركعة واحدة ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر ركعة من آخر الليل)) (٦)؛ وعن أبي مجلزٍ قال: سألت ابن عباس عن الوتر؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ركعة من آخر الليل))، وسألت ابن عمر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ركعة من آخر الليل)) (٧). وذكر الإمام النووي ﵀: أن هذا

стр. 434

دليل على صحة الإيتار بركعة وعلى استحبابه آخر الليل (١). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((لكن كلما زاد فهو أفضل فإذا اقتصر على واحدة فلا كراهة ... )) (٢). ومما يدل على الإيتار بركعة واحدة، حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ وفيه: (( ... ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعلْ ... )) (٣). ٥ - القراءة في الوتر، يقرأ في الوتر في الركعة الأولى: بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾ ، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ في الوتر بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾﴾، و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾﴾ في ركعة ركعة)) (٤)، قال الترمذي ﵀: ((يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة)) (٥).

стр. 435

٦ - القنوت في الوتر (١)، يقنت في الوتر؛ لحديث الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولها في [قنوت] الوتر: ((اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت [ولا يعز من عاديت] (٢) [سبحانك] (٣) تباركت ربنا وتعاليت)) (٤). ب- وقد ثبت عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) (٥). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (٦).

стр. 436

٧ - مَوضِعُ دعاء القنوت قبل الركوع وبعده ؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قنت قبل الركوع، وثبت أنه قنت بعد الركوع، فهذا مشروع وهذا مشروع، والأفضل القنوت بعد الركوع؛ لأنه الأكثر في الأحاديث (١)، والقنوت في الوتر سنة (٢)، ومما يدل على موضع القنوت ومحله المشروع حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال حينما سُئل عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: ((قبل الركوع ... ))، ثم قال: ((إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً يدعو على أحياء من بني سُليم)) (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك

стр. 437

الحمد))، ثم يقول وهو قائم: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد ... )) (١). وحديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعْلٍ وذكوان، وعُصية، ويؤمّنُ مَنْ خَلفَه)) (٢).وحديث أُبي بن كعب ﵁: ((أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع)) (٣). وحديث أنس ﵁ وقد سُئل عن القنوت في صلاة الصبح فقال: ((كنا نقنت قبل الركوع وبعده)) (٤). ٨ - رفع اليدين في دعاء القنوت وتأمين المأمومين ؛ لعموم حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن ربكم ﵎ حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردَّهما صفراً)) (٥)؛ ولأنه صح عن عمر بن الخطاب ﵁ فعن أبي رافع قال: ((صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ فقنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء)) (٦).

стр. 438

وعن أنس ﵁ في قصة القرَّاء الذين قُتِلوا ﵃ قال: ((لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم - يعني على الذين قتلوهم)) (١). وذكر البيهقي ﵀ أن عدداً من الصحابة رفعوا أيديهم في القنوت (٢)، أما تأمين المأمومين على قنوت الإمام، ففي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ (( ... إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم على رعلٍ وذكوان، وعصية، ويؤمّن مَن خلفه)) (٣). ٩ - آخر صلاة الليل الوتر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) (٤). وفي رواية لمسلم: ((من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً [قبل الصبح]، فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك)) (٥). ١٠ - الدعاء بعد السلام من صلاة الوتر ؛ يقول بعد التسليم: ((سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح))؛ لحديث أُبيّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في الأولى بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه: ((سبحان الملك القدوس)) ثلاث

стр. 439

مرات، يمد بها صوته في الأخيرة يقول: (([رب الملائكة والروح])) (١). ١١ - لا وتران في ليلة ولا يُنقض الوتر ؛ لحديث طلق بن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا وتران في ليلةٍ)) (٢)؛ ولأن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين بعدما يوتر (٣)، فإذا أوتر المسلم أول الليل ثم نام، ثم يسَّر الله له القيام من آخر الليل، فإنه يصلي مثنى مثنى ولا ينقض وتره بل يكتفي بوتره السابق (٤). ١٢ - إيقاظ الأهل لصلاة الوتر مشروع ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل وأنا معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت)). وفي لفظ لمسلم: ((كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة بين يديه، فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترت)). وفي لفظ آخر لمسلم: ((فإذا أوتر قال: ((قومي فأوتري يا عائشة)) (٥). قال الإمام النووي ﵀: ((فيه أنه يستحب جعل الوتر آخر الليل سواء كان

стр. 440

للإنسان تهجد أم لا، إذا وثق بالاستيقاظ آخر الليل إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره، وأن الأمر بالنوم على وتر إنما هو في حق من لم يثق)) (١). ١٣ - قضاء الوتر لمن فاته ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان ... )) (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)) (٣). وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصلّ إذا أصبح أو ذكره)) (٤). فالأفضل أن يقضي الوتر إذا نام عنه أو نسيه، من النهار بعد ارتفاع الشمس شفعاً على حسب عادته، فإن كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة صلى في النهار اثنتي عشرة ركعة، وإن كان يصلي تسع ركعات صلى عشر ركعات، وهكذا.

стр. 441

١٤ - دعاء القنوت في النوازل في الصلاة المفروضة ، قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قنت عند النازلة شهراً يدعو على قوم، وثبت أنه قنت يدعو لقوم مستضعفين من أصحابه كانوا مأسورين عند أقوام يمنعونهم من الهجرة، فلما زال السبب ترك القنوت، ولم يداوم النبي ﷺ على القنوت في شيء من الصلوات المفروضة: لا الفجر، ولا غيرها، وكذلك خلفاؤه الراشدون كانوا يقنتون نحو هذا القنوت، فما كانوا يداومون عليه، ولكن إذا زال السبب تركوا القنوت، فالسنة القنوت عند النوازل ويُدعى فيها بما يناسب الحال من الدعاء لقوم أو عليهم، أو بما يناسب النازلة (١). وثبت عن النبي ﷺ أنه قنت في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء؛ لكن القنوت في الفجر والمغرب آكد (٢)، فلما زال السبب ترك القنوت، لزوال سببه، حتى في الفجر، وهذا يؤكد أن دعاء القنوت في الفجر على الدوام في غير النوازل بدعة (٣). ويدل على ما تقدم من مشروعية القنوت في النوازل الأحاديث الآتية: الحديث الأول: حديث أنس ﵁ قال: ((قنت النبي ﷺ شهراً يدعو على رعلٍ وذكوان)) (٤). وفي لفظ لمسلم: ((دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا

стр. 442

أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحاً ... )). وفي لفظ له: ((ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة، كانوا يُدعَوْن القرَّاء فمكث شهراً يدعو على قَتَلَتِهِم)) (١). الحديث الثاني: حديث خفاف بن إيماء الغفاري ﵁ قال: ((ركع رسول الله ﷺ ثم رفع رأسه فقال: ((غِفارُ غفَرَ الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصيَةُ عَصَتِ الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان، والعن رِعلاً وذكوان))، ثم وقع ساجداً)) (٢). الحديث الثالث: حديث البراء بن عازب ﵁ قال: ((قنت رسول الله ﷺ في الصبح والمغرب)) (٣). الحديث الرابع: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ((كان القنوت في المغرب والفجر)) (٤). الحديث الخامس: حديث أبي هريرة ﵁ قال: ((والله لأقرّبنَّ بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار)) (٥). الحديث السادس: حديث ابن عباس ﵄ قال: ((قنت رسول الله ﷺ شهراً

стр. 443

متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبُر كل صلاة إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعلٍ وذكوان، وعصيّة، ويؤمّن مَن خلفه)) (١). الحديث السابع: ديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاةٍ شهراً، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) يقول في قنوته: ((اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف))، قال أبو هريرة ﵁: ((ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم؟ قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟)) (٢). وفي رواية للبخاري: ((كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يدعوَ على أحدٍ، أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الركوع ... )) (٣). وفي لفظ لمسلم: ((إن ذلك في صلاة الفجر)) (٤). وفي لفظ للبخاري: ((بينما النبي ﷺ يصلي العشاء)) (٥). الخبر الثامن: خبر عمر موقوفاً، فعن عبد الرحمن بن أبزى، قال: صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الصبح، فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: ((اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِدُ، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين مُلحقٌ، اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك الخير، ولا نكفرك،

стр. 444

ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع من يكفر)) (١). وفي رواية أخرى أنه قنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء (٢). الحديث التاسع: حديث سعد بن طارق الأشجعي ﵁ قال: ((قلت لأبي: يا أبتِ إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ ،وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب هاهنا بالكوفة نحواً من خمس سنين، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بُنيَّ محدثٌ)) (٣).فالقنوت في الفجر لا يكون إلا في النوازل. فظهر من جميع الأحاديث السابقة: أن القنوت في النوازل سُنَّة، وأنه يكون في الصلوات الخمس، ولكن في صلاة المغرب والفجر آكد، وأن الأفضل أن يكون القنوت بعد الرفع من الركوع، وأن الأفضل أن يرفع يديه ويجهر بالدعاء، ويؤمّن مَن خلف الإمام، وأن القنوت في الفجر في غير النوازل بدعة (٤)؛ لحديث سعد بن طارق ﵁ وفيه: ((أي بني محدث)) (٥)، فسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على شيئين: الأول: أن دعاء القنوت في النوازل مشروع عند السبب الذي يقتضيه ، وليس بسنة دائمة في الصلاة.

стр. 445

الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاءً راتباً محدداً ؛ بل يدعو في كل وقت ونازلة بما يناسب ذلك الوقت أو النازلة؛ لفعل النبي ﷺ وخلفائه ﵃ (١). النوع الثالث: صلاة الضحى: ١ - صلاة الضحى سنة مؤكدة (٢)؛ لأن النبي ﷺ فعلها وأرشد إليها أصحابه، وأوصى بها، والوصية لرجل واحد وصية للأمة كلها إلا إذا دلَّ الدليل على اختصاصه بها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((أوصاني خليلي ﷺ بثلاث [لا أدعهن حتى أموت]: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)) (٣)؛ ولحديث أبي الدرداء ﵁ قال: ((أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشت، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر)) (٤). وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذان الحديثان الصحيحان حجة قائمة للدلالة على شرعية سنة الضحى وأنها سنة مؤكدة؛ لأنه ﷺ إذا أوصى بشيء فوصيته للأمة وليست خاصة بذلك الشخص، وهكذا إذا أمر أو نهى، فالحكم عام، إلا أن يخصه بشيء فيقول: هذا لك خاصة، وكون النبي ﷺ ما فعلها دائماً لا ينافي سنيتها، فقد يفعل الشيء لبيان سنيته، وقد يتركه لبيان عدم وجوبه)) (٥). وقد رجح النووي ﵀ أن سنة الضحى سنة مؤكدة بعد أن ذكر الأحاديث في ذلك، قال: ((هذه الأحاديث كلها متفقة لا اختلاف

стр. 446

بينها عند أهل التحقيق، وحاصلها أن [سنة] الضحى سنة مؤكدة ... )) (١). فالصواب أن المواظبة عليها سنة مؤكدة (٢)؛ لوصية النبي ﷺ بها، ولبيانه لفضلها، وقد صلاها ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ حينما سُئلت كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: ((أربع ركعات ويزيد ما شاء الله)). وفي رواية: ((ما شاء)) (٣). ٢ - فضل صلاة الضحى ثابت في الأحاديث الصحيحة؛ للأحاديث الآتية: الأول: حديث أبي ذر ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصبح على كل سُلامَى (٤) من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن

стр. 447

المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) (١). الثاني: حديث بريدة ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً فعليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة))، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: ((النخاعةُ في المسجد تدفنها، والشيء تنحّيه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجزئُك)) (٢). ومما يدل على ذلك حديث عائشة ﵂ ترفعه: ((إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل ... )) (٣). الثالث: حديث نعيم بن همار ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يقول الله : يا ابن آدم لا تُعجزْني (٤) من أربع ركعات في أول النهار أكْفِكَ آخره)) (٥). الرابع: حديث أبي الدرداء وأبي ذر ﵄ عن رسول الله ﷺ ، عن الله ﵎ أنه قال: ((ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره)) (٦). الخامس: حديث أنس ﵁ - في فضل صلاة الضحى لمن جلس في المسجد بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلَّى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى

стр. 448

ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة، تامةٍ، تامةٍ، تامة)) (١). وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ ((كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حَسَناً)) (٢). ٣ - وقت صلاة الضحى ، من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبل وقوف الشمس في كبد السماء قبل الزوال، والأفضل أن تُصلَّى بعد اشتداد الحر؛ لحديث زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((صلاة الأوَّابين حين تَرمَض الفصال)) (٣).وفي لفظ: ((صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال)) (٤)، فمن صلاها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح فلا بأس، ومن صلاها بعد اشتداد الحر قبل وقت النهي فهو أفضل (٥). ٤ - عدد ركعات سنة الضحى لا حدّ له على الصحيح ؛ لأن النبي ﷺ ((أوصى بركعتي الضحى، وبيَّن فضلهما)) (٦)، وفي حديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله)) (٧). وقد روي عن جابر وأنس ﵄ ((أن النبي ﷺ صلَّى الضحى ست ركعات)) (٨)، وثبت عن أمّ هانئ بنت أبي طالب ﵂ أن النبي ﷺ

стр. 449

صلى في بيتها يوم فتح مكة ثمان ركعات بعدما ارتفع النهار، قالت: ((فما رأيته صلَّى صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود)) (١). وقد دل حديث عمرو بن عبسة ﵁ أن صلاة الضحى لا حد لأكثرها، وفيه: (( ... صلّ صلاة الصبح ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلّ فإن الصلاة مشهودة محضورة (٢) حتى يستقلّ الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنَّ حينئذٍ تسجر جهنم ... )) (٣). وفي سنن أبي داود: (( ... ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيد رمح أو رمحين)) (٤)، وفي لفظ لأحمد: ((فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فصلّ ... )) (٥). القسم الثاني: ما تسن له الجماعة ومنه صلاة التراويح: ١ - مفهوم صلاة التروايح: سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات)) (٦). والتراويح: هي قيام رمضان أول الليل (٧)، ويقال: الترويحة في شهر رمضان؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، بناءً على حديث

стр. 450

عائشة ﵂ أنها سُئلت: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهنّ، ثم يصلي ثلاثاً ... )) (١). ودل قولها ﵂: ((يصلي أربعاً ... ثم يصلي أربعاً ... )) على أن هناك فصلاً بين الأربع الأولى والأربع الثانية، والثلاث الأخيرة، ويسلم في الأربع من كل ركعتين (٢)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة)). وفي لفظ: ((يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة)) (٣). وهذا يفسر الحديث الأول، وأنه ﷺ يسلم من كل ركعتين، وقد قال ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى)) (٤). ٢ - صلاة التراويح سنة مؤكدة ، سنَّها رسول الله ﷺ بقوله، وفعله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغّبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)) (٥)، قال الإمام النووي ﵀: ((اتفق العلماء على استحبابها)) (٦)، ولا شك أن صلاة التراويح سنة مؤكدة أول من سنها بقوله وفعله رسول الله ﷺ (٧). ٣ - فضل صلاة التراويح ثبت من قول النبي ﷺ من حديث أبي هريرة

стр. 451

- ﵁ أنه قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)) (١). فإذا قام المسلم رمضان تصديقاً بأنه حق شرعه الله وتصديقاً بما قاله رسول الله ﷺ وما جاء به، واحتساباً للثواب يرجو الله مخلصاً له القيام ابتغاء مرضاته وغفرانه حصل له هذا الثواب العظيم (٢). ٤ - مشروعية الجماعة في صلاة التراويح وقيام رمضان وملازمة الإمام حتى ينصرف ؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: ((إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له قيام ليلة))، وفي لفظ: ((كُتبَ له قيام ليلة))،فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال، قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدَّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق (٤) رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله

стр. 452

- ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهَّد، فقال: ((أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ شأنكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها))، وذلك في رمضان)) (١). وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: ((إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل))، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرج معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: ((نعم البدعةُ هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله)) (٢). وهذه الأحاديث تدلّ على مشروعية صلاة التراويح وقيام رمضان جماعة بالمسجد، وأن من لازم الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة كاملة. وأما قول عمر ﵁: ((نعم البدعة هذه)) فهذا يعني به في اللغة، فمراده ﵁ أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، منها: أ- أن النبي ﷺ كان يحثّ على قيام رمضان، ورغَّب فيه، وقد صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمِنَ من بعده ﷺ . ب- أمر النبي ﷺ باتباع خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵁ (٣). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن

стр. 453

قول عمر ﵁ ((نعم البدعة هذه)): ((البدعة هنا يعني من حيث اللغة، والمعنى أنهم أحدثوها على غير مثال سابق بالمداومة عليها في رمضان كله، وهذا وجهُ قول عمر ﵁ وإلا فهي سنة فعلها ﷺ ليالي)) (١). ٥ - الاجتهاد في قيام عشر شهر رمضان الأواخر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدم من ذنبه)) (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر (٣))) (٤). وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (٥). وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: ((قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح. وكانوا يسمونه السحور)) (٦). وفي حديث أبي ذر ﵁: ((أن النبي ﷺ لما كانت ليلة سبع وعشرين جمع أهله ونساءه والناس فقام بهم)) (٧).

стр. 454

٦ - وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء مع سنتها الراتبة ، ثم تصلى صلاة التراويح بعد ذلك (١). ٧ - عدد صلاة التراويح ليس له تحديد لا يجوز غيره ، وإنما قال النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتِرُ له ما قد صلّى)) (٢). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث، أو صلى ستاً وثلاثين وأوتر بثلاث، أو صلى إحدى وأربعين فلا حرج (٣)، ولكن الأفضل ما فعله رسول الله ﷺ وهو ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، لحديث ابن عباسرضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)) (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (٥)، فهذا هو الأفضل والأكمل في الثواب (٦)، ولو صلى بأكثر من ذلك فلا حرج لقوله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى منثى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (٧). والأمر واسع في ذلك، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، والله الموفق سبحانه (٨). القسم الثالث: التطوع المطلق مشروع في الليل كله والنهار إلا أوقات النهي وهو نوعان: النوع الأول: التهجد بالليل:

стр. 455

أولاً: مفهوم التهجد ، يقال: هجد الرجل إذا نام بالليل، وهجد إذا صلى بالليل. وأما المتهجّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم (١). ثانياً: صلاة التهجد سنة مؤكدة (٢)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣)، وقال في صفة المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلا مّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في أصحاب الإيمان الكامل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٦). وقال : ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (٧) ووصف الله أهل الإيمان الكامل الذين يقومون بالليل بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٨)؛ ولعظم شأن صلاة الليل قال الله لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَمّل * قُمِ الليل إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ (٩). وقال سبحانه للنبي ﷺ : ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ

стр. 456

عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (١)، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ الليل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ (٢). وقال : ﴿وَمِنَ الليل فَسَبّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود﴾ (٣). وقال : ﴿وَمِنَ الليل فَسَبّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم﴾ (٤)، وحث عليها النبي ﷺ بقوله: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) (٥). ثالثاً: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية: ١ - عناية النبي ﷺ بقيام الليل حتى تفطرت قدماه ، فقد كان يجتهد في القيام اجتهاداً عظيماً، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحبُّ أن أكون عبداً شكُوراً)) (٦)، وعن المغيرة ﵁ قال: ((قام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٧).

стр. 457

وقد أحسن القائل من أصحاب النبي ﷺ حين قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (١) ٢ - من أعظم أسباب دخول الجنة ، فعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قَدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل: قدِم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ثلاثاً، فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجْهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: ((يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) (٢). وقد أحسن القائل حين قال: ألهتك لذةُ نومةٍ عن خير عيشٍ ... مع الخيرات في غرف الجنان تعيش مُخلَّداً لا موت فيها ... وتنعم في الجنان مع الحسان تيقظ من منامك إنَّ خيراً ... من النوم التهجدُ بالقران (٣) ٣ - قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف الجنة ؛ لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام (٤)، وأفشى السلام، وصلى بالليل

стр. 458

والناس نيام)) (١). ٤ - المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته ؛ لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلا مّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). ٥ - مدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن ، فقال : ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣). ٦ - شهد لهم بالإيمان الكامل فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ*تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ُنفِقُونَ﴾ (٤). ٧ - نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم ، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٥). ٨ - قيام الليل مكفّر للسيئات ومنهاة للآثام ، لحديث أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفّر للسيئات، ومنهاة للآثام)) (٦). ٩ - قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁

стр. 459

يرفعه، وفيه: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل)) (١). ١٠ - شرف المؤمن قيام الليل ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحببْ من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به)) ثم قال: ((يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس)) (٢). ١١ - قيام الليل يُغْبَطُ عليه صاحبه ؛ لعظيم ثوابه، فهو خير من الدنيا وما فيها؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) (٣)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها)) (٤). ١٢ - قراءة القرآن في قيام الليل غنيمة عظيمة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية

стр. 460

كتب من المقنطرين (١))) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عظام سمانٍ؟)) قلنا: نعم، قال: ((ثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)) (٣). وقد حدد النبي ﷺ أقصى مدة وأدنى زمن يُختم فيه القرآن لعبد الله بن عمرو ﵄ عندما سأله، فقال له: ((في أربعين يوماً))،ثم قال: ((في شهر))،ثم قال: ((في خمس عشرة)) ثم قال: ((في عشر))،ثم قال: ((في سبع)) (٤). قال: إني أقوى من ذلك، قال: ((لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)) (٥). رابعاً: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الآخر ، وصلاة الليل تجوز في أوله، وأوسطه، وآخره؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته)) (٦). وهذا يدل على التيسير، فعلى حسب ما تيسر للمسلم يقوم، ولكن الأفضل أن يكون القيام في الثلث الآخر من الليل؛ لحديث عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك
следующие страницы →