← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (١)، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ الليل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ (٢). وقال : ﴿وَمِنَ الليل فَسَبّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود﴾ (٣). وقال : ﴿وَمِنَ الليل فَسَبّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم﴾ (٤)، وحث عليها النبي ﷺ بقوله: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) (٥). ثالثاً: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية: ١ - عناية النبي ﷺ بقيام الليل حتى تفطرت قدماه ، فقد كان يجتهد في القيام اجتهاداً عظيماً، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحبُّ أن أكون عبداً شكُوراً)) (٦)، وعن المغيرة ﵁ قال: ((قام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٧).

стр. 457

وقد أحسن القائل من أصحاب النبي ﷺ حين قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (١) ٢ - من أعظم أسباب دخول الجنة ، فعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قَدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل: قدِم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ثلاثاً، فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجْهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: ((يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) (٢). وقد أحسن القائل حين قال: ألهتك لذةُ نومةٍ عن خير عيشٍ ... مع الخيرات في غرف الجنان تعيش مُخلَّداً لا موت فيها ... وتنعم في الجنان مع الحسان تيقظ من منامك إنَّ خيراً ... من النوم التهجدُ بالقران (٣) ٣ - قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف الجنة ؛ لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام (٤)، وأفشى السلام، وصلى بالليل

стр. 458

والناس نيام)) (١). ٤ - المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته ؛ لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلا مّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). ٥ - مدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن ، فقال : ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣). ٦ - شهد لهم بالإيمان الكامل فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ*تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ُنفِقُونَ﴾ (٤). ٧ - نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم ، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٥). ٨ - قيام الليل مكفّر للسيئات ومنهاة للآثام ، لحديث أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفّر للسيئات، ومنهاة للآثام)) (٦). ٩ - قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁

стр. 459

يرفعه، وفيه: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل)) (١). ١٠ - شرف المؤمن قيام الليل ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحببْ من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به)) ثم قال: ((يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس)) (٢). ١١ - قيام الليل يُغْبَطُ عليه صاحبه ؛ لعظيم ثوابه، فهو خير من الدنيا وما فيها؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) (٣)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها)) (٤). ١٢ - قراءة القرآن في قيام الليل غنيمة عظيمة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية

стр. 460

كتب من المقنطرين (١))) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عظام سمانٍ؟)) قلنا: نعم، قال: ((ثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)) (٣). وقد حدد النبي ﷺ أقصى مدة وأدنى زمن يُختم فيه القرآن لعبد الله بن عمرو ﵄ عندما سأله، فقال له: ((في أربعين يوماً))،ثم قال: ((في شهر))،ثم قال: ((في خمس عشرة)) ثم قال: ((في عشر))،ثم قال: ((في سبع)) (٤). قال: إني أقوى من ذلك، قال: ((لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)) (٥). رابعاً: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الآخر ، وصلاة الليل تجوز في أوله، وأوسطه، وآخره؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته)) (٦). وهذا يدل على التيسير، فعلى حسب ما تيسر للمسلم يقوم، ولكن الأفضل أن يكون القيام في الثلث الآخر من الليل؛ لحديث عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك

стр. 461

الساعة فكن)) (١). ومما يزيد ذلك وضوحاً حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ [فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر])) (٢). وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن في الليل لساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة)) (٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له: ((أحبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثلثَه، وينام سُدسَه، ويصوم يوماً ويُفطر يوماً، ولا يفرُّ إذا لاقى)) (٤). وعن عائشة ﵂ قالت حينما سُئلت: أي العمل كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ (٥). وفي حديثها الآخر ﵂: ((إن كان رسول الله ﷺ ليوقظه الله من الليل فما يجيء السَّحر حتى يفرغ من حزبه)) (٦).

стр. 462

خامساً: عدد ركعات قيام الليل، ليس له عددٌ مخصوص ؛ لقول النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (١). ولكن الأفضل أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة؛ أو ثلاث عشرة ركعة، لفعل النبي ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة)) (٢)؛ ولحديثها الآخر: ((ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (٣). سادساً: آداب قيام الليل: ١ - ينوي عند نومه قيام الليل وينوي بنومه التَّقوّي على الطاعة ليحصل على الثواب على نومه ؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومُه صدقةً عليه)) (٤)؛ولحديث أبي الدرداء ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: ((من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبتْهُ عيناه حتى أصبح، كُتبَ له ما نوى، وكان نومُهُ صدقةً عليه من ربه )) (٥). ٢ - يمسح النوم عن وجهه عند الاستيقاظ، ويذكر الله، ويشوص فاه بالسواك ويقول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله

стр. 463

أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّ اغفر لي))؛لحديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب [له] (١))) (٢). وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: (( ... استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ... )) (٣)، وعن حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)) (٤)، ويقول أذكار الاستيقاظ من النوم الأخرى (٥)، ويتوضأ كما أمره الله تعالى. ٣ - يفتتح تهجّدَه بركعتين خفيفتين ؛ لفعل النبي ﷺ وقوله، لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) (٦)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) (٧). ٤ - يُستحبُّ أن يكون تهجدُه في بيته ؛ لأن النبي ﷺ كان يتهجَّد في بيته؛ ولحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( ... فعليكم بالصلاة

стр. 464

في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (١). ٥ - المداومة على قيام الليل وعدم قطعه ، يُستحب أن يكون للمسلم ركعات معلومة يداوم عليها، فإذا نشط طوَّلها وإذا لم ينشط خفَّفها، وإذا فاتته قضاها؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملّوا)) وكان يقول: ((أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: (( ... وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحبّ أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة)) (٤)، ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِبَ له كأنما قرأه من الليل)) (٥). ٦ - إذا غلبه النعاس ينبغي له أن يترك الصلاة وينام حتى يذهب عنه النوم ؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((إذا نعس أحدُكم في الصلاة فليرقدْ حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدَكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسبّ نفسه)) (٦)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع)) (٧).

стр. 465

٧ - يُستحب له أن يوقظ أهله ؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي من الليل فإذا أوتر قال لعائشة ﵂: ((قومي فأوتري يا عائشة)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)) (٢). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) (٣). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة بنت النبي ﷺ ليلةً فقال: ((ألا تصليان؟)) فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئاً، ثم سمعته وهو مدبرٌ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٤). قال ابن بطال ﵀: ((فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك)) (٥)، وقال الطبري ﵀: ((لولا ما علم النبي ﷺ من عِظَمِ فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنَتَه وابنَ عمه، في

стр. 466

وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدَّعة والسكون، امتثالاً لقول الله تعالى (١): ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢). وقول علي ﵁: ((إنما أنفسنا بيد الله)) اقتبس علي ﵁ ذلك من قوله تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقوله ((بعثنا)) المقصود: أيقظنا (٤)، وقوله: ((طرقه))، ذكر النووي ﵀ أن الطرق هو الإتيان في الليل، وأن ضرب النبي ﷺ لفخذه المختار في معناه: أنه من سرعة جوابه وعدم موافقته به على الاعتذار، ولهذا ضرب فخذه، والحديث فيه: الحث على صلاة الليل، وأمر الإنسان صاحبه بها، وتعهد الإمام والكبير رعيته، بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وأنه ينبغي للناصح إذا لم تقبل نصيحته أو اعتذر إليه بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يُعنّف إلا لمصلحة (٥). وعن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعاً، فقال: ((سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفتن؟ أيقظوا صواحب يوسف - يريد أزواجه - لكي يصلين، رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)). وفي لفظ: ((ماذا أنزل الليلة؟)) (٦). قال الحافظ ابن حجر ﵀: (( ... فيه التحريض على صلاة الليل وعدم الإيجاب،

стр. 467

يُؤخذ من ترك إلزامهن بذلك)) (١). وفي الحديث استحباب ذكر الله عند الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لا سيما عند آية تَحدُثُ (٢)، قال ابن الأثير ﵀: ((رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) هذا كناية عما يقدمه الإنسان لنفسه من الأعمال الصالحة، يقول: ((رُبَّ غني في الدنيا لا يفعل خيراً، وهو فقير في الآخرة، ورُبَّ مكتسٍ في الدنيا ذي ثروة ونعمة عارٍ في الآخرة شقيٌّ)) (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵁، أن أباه عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤). ٨ - يقرأ المتهجد جزءاً من القرآن أو أكثر، أو أقل على حسب ما تيسر مع التدبر لما يقرأ ، وهو مُخيَّر بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها فالجهر أفضل، وإن كان قريباً منه من يتهجد، أو من يتضرر برفع صوته، فالإسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء (٥). وقد دلت الأحاديث على هذا كله، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه)) (٦). وعن حذيفة ﵁ قال:

стр. 468

((صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تعوَّذ ... )) (١)، وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)) ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة)) (٢). وعن حذيفة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام)) (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً قرأ المفصَّل في ركعة فقال له: ((هذَّاً كهذّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة)) (٤).وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة)) وقال: ((عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من

стр. 469

الحواميم: ﴿حم﴾،الدخان، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١). وفي لفظ لمسلم: ((عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تآليف عبد الله)) (٢). وفي لفظ لمسلم: (( ... هذّاً كهذّ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن ... )) (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: ((قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة)) (٤). وعن أبي ذر ﵁ قال: ((قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يرددها، والآية: ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥). وهذا يدل على التنويع في القراءة في صلاة الليل على حسب ما يفتح الله به على عبده، وعلى حسب الأحوال وقوة الإيمان. وأما الجهر بالقراءة والإسرار بها في قيام الليل، فعن عائشة ﵂ أنها سُئلت عن قراءة النبي ﷺ بالليل يجهر أم يسرّ؟ فقالت: ((كل ذلك قد كان يفعل، ربما جهر وربما أسرَّ)) (٦). وعن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((يا أبا بكر، مررت بك وإنك تصلي تخفضُ صوتك)) قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، قال: ((ارفع قليلاً)) وقال لعمر: ((مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك)) فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان

стр. 470

وأطرد الشيطان، قال: ((اخفض قليلاً)) (١). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ من الليل، فقال: ((يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا)) وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يستمع قراءة رجل في المسجد فقال: (﵀ لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) (٢). والقرآن إذا صلَّى به الحافظ له بالليل والنهار ذكره، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت)) (٣). وفي رواية لمسلم: ((وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه)) (٤). ٩ - جواز التطوع جماعة أحياناً في قيام الليل ؛ لأن النبي ﷺ صلى جماعة، وصلى منفرداً، لكن كان أكثر تطوعه منفرداً، فصلى بحذيفة مرة (٥)،وابن عباس مرة (٦)،وبأنس وأمه واليتيم مرة (٧)،وبابن مسعود مرة (٨)،وبعوف بن مالك مرة (٩)، وصلى بأنس وأمه، وأم حرام خالة أنس مرة (١٠)، وصلى

стр. 471

بعتبان بن مالك وأبي بكر مرة (١)، وأَمَّ أصحابه في بيت عثمان مرة (٢)، ولكن لا يتخذ ذلك سنة راتبة، وإنما إذا فعل ذلك أحياناً فلا بأس، إلا صلاة التراويح فإن الجماعة فيها سنة دائمة (٣). ١٠ - يختم تهجده بوتر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)). وفي لفظ لمسلم: ((من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً [قبل الصبح]،فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك)) (٤). ١١ - يحتسب النومة والقومة ؛ ليحصل على الأجر في جميع أحواله: في النوم واليقظة، وقد تذاكر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري ﵄ الأعمال الصالحة، فقال معاذ: يا عبد الله (٥) كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوّقُهُ تفوُّقاً (٦)، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي))، وفي رواية: ((فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائماً وقاعداً، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقاً، قال: أما أنا فأقوم وأنام، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي)) (٧). قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: ((ومعناه أنه يطلب الثواب

стр. 472

في الراحة كما يطلبه في التعب؛ لأن الراحة إذا قُصد بها الإعانة على العبادة حصَّلت الثواب)) (١). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا فيه حسن سيرة الصحابة وغيرتهم، والمذاكرة فيما بينهم، وفيه الاحتساب حتى النومة والقومة، فالمسلم ينظّم وقته، وينظّم أموره: ساعة للقرآن، وساعة لأموره الأخرى، وساعة لأهله ... )) (٢). ١٢ - طول القيام مع كثرة الركوع والسجود هو الأفضل في صلاة الليل ما لم يشق ذلك أو يسبب الملل؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((أفضل الصلاة طول القنوت (٣) ... )) (٤)؛ ولحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، أن رجلاً سأله عن عملٍ يدخل به الجنة، أو بأحب الأعمال إلى الله، فقال: سألت

стр. 473

رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة)) (١)؛ ولحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أوَغيرَ ذلك؟)) قلت: هو ذاك. قال: ((فأعنّي على نفسك بكثرة السجود)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثر الدعاء)) (٣)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمِنٌ أن يُستجاب لكم)) (٤). واختلف العلماء ﵏؛ لهذه الأحاديث في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثر السجود مع قصر القيام؟ فمنهم من قال: كثرة السجود والركوع أفضل من طول القيام، واختارها طائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لأحاديث فضل السجود آنفة الذكر. ومنهم من قال: إنهما سواء. ومنهم من قال: طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود؛ لحديث جابر المذكور آنفاً (٥): ((أفضل الصلاة طول القنوت)) (٦)،قال الإمام النووي-﵀: ((المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت)) (٧).

стр. 474

وقال الإمام الطبري-﵀ في قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١) هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائماً في الصلاة ... وقال آخرون: هو الطاعة، والقانت المطيع)) (٢). وقال ابن كثير ﵀: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون، وقال ابن مسعود ﵁ القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ )) (٣). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن تطويل الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً أولى من تكثيرها قياماً وركوعاً وسجوداً (٤). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ يقول: ((قد تنازع أهل العلم في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام، منهم من فضل هذا ومنهم من فضل هذا، وكانت صلاة الرسول ﷺ معتدلة إن أطال القيام أطال السجود والركوع، وإن قصر القيام قصر الركوع والسجود، وهذا أفضل ما يكون)). وذكر ﵀ أن الأفضل أن يصلي المسلم ما يستطيع، حتى لا يمل، فإذا ارتاحت نفسه للتطويل أطال، وإن ارتاحت نفسه للتقصير قصر إذا رأى أن التقصير أخشع له وأقرب إلى قلبه وراحة ضميره وتلذذه بهذه العبادة، وكلما كثرت السجدات كان أفضل، فإن استطاع المسلم ذلك فالأفضل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود يجمع بين الأمرين، وهي صلاة معتدلة إن أطال القيام أطال الركوع والسجود وإن قصر

стр. 475

قصر (١). وقد كان النبي ﷺ يتحمل كثيراً في العبادة، ويتلذذ بها، وربما يقوم في صلاة الليل حتى تتفطَّرَ قدماه، فتقول له عائشة ﵂: يا رسول الله، لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٢).وقد ثبت عنه ﷺ أنه قرأ في ركعة واحدة من قيام الليل: سورة البقرة، والنساء، وآل عمران (٣)،ورآه حذيفة ﵁ يصلي أربع ركعات من الليل قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام (٤). وقالت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : ((كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته - تعني بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأُ أَحَدُكُم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه)) (٥). وقد كان ﷺ يرتاح لذلك ولا يملُّ من عبادة ربه ؛ بل كانت الصلاة قُرَّةَ عينه، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حُبّبَ إليّ النساء والطيب، وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصلاة)) (٦). وكانت الصلاة راحته، فعن سالم بن أبي الجعد قال: قال رجل: ليتني صليت واسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها)) (٧).

стр. 476

أما الأمة فقال لهم ﷺ : ((خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الدين يُسْرٌ ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ، فسدّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا)) (٢). وسمعت سماحة الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على أن الأفضل في حقنا القصد وعدم التطويل الذي يشق علينا حتى لا نمل، وحتى لا نفتر من العبادة، فالمؤمن يصلي ويجتهد ويتعبد لكن من غير مشقة، بل يتوسط في الأمور حتى لا يمل العبادة)) (٣). سابعاً: الأسباب المعينة على قيام الليل: ١ - معرفة فضل قيام الليل، ومنزلة أهله عند الله تعالى ، وما لهم من السعادة في الدنيا والآخرة، وأن لهم الجنة، وقد شهد الله لهم بالإيمان الكامل، وأنهم لا يستوون هم والذين لا يعلمون، وأن قيام الليل من أسباب دخول الجنة، ورفع الدرجات في غرفها العالية، وأنه من صفات عباد الله الصالحين، وأن شرف المؤمن قيام الليل، وأنه مما ينبغي أن يغبط عليه الإنسان المؤمن (٤). ٢ - معرفة كيد الشيطان، وتثبيطه عن قيام الليل والترهيب من ترك قيام شيء من الليل ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ذُكرَ عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنه))، أو قال: ((في أذنيه)) (٥)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يعقد الشيطان

стр. 477

على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقدٍ، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقُدْ، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن صلى انحلَّت عُقَدُهُ، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) (٢)، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى رؤيا فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂ فقصَّتها على رسول الله ﷺ فقال: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)) فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يُبغض كل جعظريٍّ جوَّاظ (٤)، سخَّاب (٥) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالمٍ جاهل بأمر الآخرة)) (٦). ٣ - قصر الأمل وتذكر الموت ؛ فإنه يدفع على العمل ويذهب الكسل؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ

стр. 478

بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)).وكان ابن عمر يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)) (١). قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -: اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ ... فعسى أن يكون موتك بغتة كم صحيح رأيت من غيرسقمٍ ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٢) ولَمّا نُعي إليه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ أنشد: إن عشت تفجع بالأحبة كلهم ... وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع (٣) وقال آخر: صلاتك نورٌ والعباد رقودٌ ... ونومك ضد للصلاة عنيد وعمرك غُنمٌ إن عقلت ومهلةٌ ... يسيرُ ويفنى دائباً ويبيد (٤) وقال بعض الصالحين: عجبتُ من جسمٍ ومن صحةٍ ... ومن فتىً نام إلى الفجر فالموتُ لا تؤمن خطفاتُهُ ... في ظلم الليل إذا يسرِي من بين منقول إلى حفرةٍ ... يفترش الأعمال في القبر وبين مأخوذٍ على غِرَّةٍ ... بات طويل الكبر والفخر عاجله الموتُ على غفلةٍ ... فمات محسوراً إلى خسر (٥)

стр. 479

٤ - اغتنام الصحة والفراغ ؛ ليكتب له ما كان يعمل؛ لحديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (١). فينبغي للعاقل أن لا يفوته هذا الفضل العظيم، فيجتهد في حال الصحة، والفراغ، والإقامة في الأعمال الصالحة حتى تكتب له إذا عجز أو شُغل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لرجلٍ وهو يعظه: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) (٣). ٥ - الحرص على النوم مبكراً؛ ليأخذ قوة ونشاطاً يستعين بذلك على قيام الليل وصلاة الفجر؛ لحديث أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها (٤). ٦ - الحرص على آداب النوم، وذلك بأن ينام على طهارة ، وإن لم يكن على طهارة توضأ، وصلى ركعتين سنة الوضوء، ثم يدعو بما ثبت من أذكار النوم، ويجمع كفيه ثم ينفث فيهما ويقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من

стр. 480

جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، ويقرأ آية الكرسي، والآيتين من آخر سورة البقرة، ويكمل أذكار النوم (١)، وهذا يكون من أسباب الإعانة على قيام الليل، وعليه أن يأخذ بالأسباب بأن يضع ساعة عند رأسه تنبهه، أو يوصي من حوله من أهله، وأقاربه، أو جيرانه، أو زملائه أن يوقظوه. ٧ - العناية بجملة الأسباب التي تعين على قيام الليل ، فلا يكثر الأكل، ولا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال التي لا فائدة فيها؛ بل ينظم أعماله النافعة، ولا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها تعين على قيام الليل، ويجتنب الذنوب والمعاصي، وقد ذُكِرَ عن الثوري ﵀ أنه قال: ((حُرِمْتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته))، فالذنوب قد يُحْرَمُ بها العبد فيفوته كثير من الغنائم: كقيام الليل، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: سلامة القلب للمسلمين، وطهارته من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: حب الله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام (٢)، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة)) (٣). النوع الثاني: صلاة النهار والليل المطلقة: يصلي المسلم ما شاء من ليل أو نهار من الصلوات المطلقة في غير أوقات النهي، وتكون صلاته مثنى مثنى؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((صلاة الليل والنهار، مثنى مثنى ... )) (٤)، فيصلي

стр. 481

المؤمن ما شاء، وقد ثبت من حديث أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا َزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (١). قال: ((كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون)). وكان الحسن يقول: ((قيام الليل)) (٢). وعن أنس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣) قال: ((كانوا يصلون في ما بين المغرب والعشاء وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ (٤). وعن حذيفة ﵁ ((أن النبي ﷺ صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة)) (٥)، وفي رواية عن حذيفة ﵁ قال: سألتني أمي: متى عهدك بالنبي ﷺ ؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي النبي ﷺ فأصلي معه وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل فتبعتُه، فسمع صوتي فقال: ((من هذا حذيفة؟)) قلت: نعم، قال: ((ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟)) قال: ((إن هذا ملك لم ينزل الأرض قطُّ قبل هذه الليلة استأذن ربَّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء

стр. 482

أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة)) (١). وفي لفظ له: ((أتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى إلى العشاء)) (٢). القسم الرابع: الصلوات ذوات الأسباب: أولاً: تحية المسجد سنة مؤكدة لمن دخل المسجد في أي وقت على الصحيح ؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)). وفي لفظ: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) (٣)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان لي على النبي ﷺ دَين فقضاني وزادني، ودخلت عليه في المسجد فقال لي: ((صلّ ركعتين)) (٤)، وعنه ﵁ قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: ((يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما)) ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما)) (٥).

стр. 483

والأمر بتحية المسجد يفيد بحقيقته وجوب فعل التحية، والنهي يفيد بحقيقته أيضاً تحريم تركها، واختلف أهل العلم في القول بالوجوب والسنية، والصواب أنها سنة مؤكدة وهو قول الجمهور، قال الإمام النووي ﵀: ((فيه استحباب تحية المسجد بركعتين وهي سنة بإجماع المسلمين، وفيه استحباب التحية في أي وقت دخل)) (١). ثانياً: صلاة القدوم من السفر في المسجد ، يُصلي المسلم عند القدوم من السفر ركعتين في المسجد قبل أن يذهب إلى بيته؛ لحديث جابر ﵁ قال: اشترى مني رسول الله ﷺ بعيراً، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين (٢)، وعن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان لا يقدم إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس فيه))، قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ((في هذه الأحاديث استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر؛ لا أنها تحية المسجد، والأحاديث المذكورة صريحة فيما ذكرته، وفيه استحباب القدوم أوائل النهار، وفيه أنه يستحب للرجل الكبير في المرتبة ومن يقصده الناس إذا قدم من سفر للسلام عليه أن يقعد أول قدومه قريباً من داره في موضع بارز سهل على زائريه، إما المسجد وإما غيره (٣). ثالثاً: الصلاة عقب الوضوء: سنة مؤكدة في أي وقت من ليل أو نهار؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال

стр. 484

حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة؟)) قال: ما عملت عملاً أرجى أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((وفيه فضيلة الصلاة عقب الوضوء، وأنها سنة، وأنها تباح في أوقات النهي عند طلوع الشمس واستوائها، وغروبها، وبعد صلاة الصبح والعصر؛ لأنها ذات سبب)) (٢)،وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ يقول: ((الحديث واضح في أن سنة الوضوء تصلى في أي وقت من ليل أو نهار)) (٣)، ومما يؤكد هذه السنة العظيمة حديث عثمان ﵁ أنه توضأ وضوءاً كاملاً ثم قال: رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا وقال: ((من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)) (٤)، وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة)) (٥). ومما يؤكد أن سنة الوضوء تُصلَّى في أي وقت، حديث بريدة ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ يوماً فدعا بلالاً، فقال: ((يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قطُّ إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ... )) فقال بلال: يا رسول الله، ما أذَّنتُ قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت

стр. 485

عندها، ورأيت أن لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : ((بهما)) (١)،قال الحافظ ابن حجر-﵀: ((فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أي وقت كان)) (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام، وأن سنة الوضوء تصلى ولو كانت في وقت النهي (٣). رابعاً: صلاة الاستخارة ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور [كلها] كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: ((إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ثم يسميه بعينه] خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به)). قال: ((ويسمي حاجته)) وفي لفظ: ((ثم رضّني به)) (٤). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن المسلم يصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة (٥).

стр. 486

خامساً: صلاة التوبة: سنة ؛ لحديث علي ﵁ قال: كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبدٍ يذنب ذنباً فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)) ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١)﴾)) (٢). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنها تصلى حتى في وقت النهي؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهو مندوب إلى أن يصلي ركعتين (٣). سادساً: سجود تلاوة القرآن الكريم: ١ - فضل سجود التلاوة عظيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار)) (٤)، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة والترغيب فيه. ٢ - سجود التلاوة سنة مؤكدة على الصحيح (٥) للتالي والمستمع؛

стр. 487

لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير شيخ أخذ كفَّاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته [فسجد عليه] وقال يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافراً [وهو أمية بن خلف]))، وفي رواية: ((أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه ... )) الحديث (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((سجد النبي ﷺ [بالنجم]، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس)) (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه)) ولفظ مسلم: ((أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة ونسجد معه ... )) الحديث (٣).

стр. 488

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ﴾ (١). وهذه الأحاديث تدل على أهمية سجود التلاوة ومشروعيته المؤكدة وعناية النبي ﷺ به، ولكن دلت الأدلة الأخرى على عدم الوجوب، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: ((يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) ولم يسجد عمر ﵁ وفي لفظ: ((إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء)) (٢). ومن أوضح الأدلة على أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: ((قرأت على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها)) (٣). ورجّح الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وابن قدامة ﵏ أن حديث زيد بن ثابت هذا محمول على بيان جواز عدم السجود، وأنه سنة مؤكدة وليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك (٤)، وقال الحافظ ابن حجر: ((وأقوى الأدلة على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب)) (٥)، وتعقبه الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ -فبين ((أن أقوى منه وأوضح في الدلالة على عدم وجوب سجود التلاوة: قراءة زيد بن ثابت على النبي ﷺ سورة النجم فلم يسجد

стр. 489

فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بالسجود، ولو كان واجباً لأمره به)) (١). ٣ - سجود المستمع إذا سجد القارئ، وإذا لم يسجد لم يسجد ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه)) (٢)،وقال ابن مسعود ﵁ لتميم بن حَذْلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: ((اسجد فأنت إمامنا فيها)) (٣)،فالمستمع الذي ينصت للقارئ ويتابعه في الاستماع يسجد مع القارئ إذا سجد وإذا لم يسجد فلا (٤). أما السامع الذي لا يقصد سماع القرآن وإنما مر فسمع القراءة وسجد القارئ، فإنه لا يلزمه السجود، قيل لعمران بن حصين ﵁: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها، قال: ((أرأيت لو قعد لها)) كأنه لا يوجبه عليه (٥). وقال سلمان الفارسي ﵁: ((ما لهذا غدونا)) (٦)، وقال عثمان ﵁: ((إنما السجدة على من استمعها)) (٧)، وأما المستمع بقصدٍ فقال ابن بطال:

стр. 490

((وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد)) (١). فقد فرَّق بعض العلماء بين السامع والمستمع بما دلت عليه هذه الآثار (٢). ٤ - عدد سجدات القرآن ومواضعها، خمس عشرة سجدة (٣) في المواضع لآتية: الموضع الأول: آخر سورة الأعراف، عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٤). الموضع الثاني: في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ﴾ (٥). الموضع الثالث: في النحل عند قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦). الموضع الرابع: في الإسراء عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٧). الموضع الخامس: في سورة مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٨). الموضع السادس: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٩). الموضع السابع: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ

стр. 491

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). الموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٢). الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣). الموضع العاشر: في سورة ﴿الم﴾ السجدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤). الموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٥). الموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٦). وهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك ﵀ وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٧). الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم ، عند قوله تعالى:

стр. 492

﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾ (١). الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢). الموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٣). وسجدتي سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان ﵁ قال: ((فضلت سورة الحج بسجدتين)) (٤)، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: ((فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (٥). ٥ - سجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: ((سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)) (٦). ٦ - صفة سجود التلاوة ، من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب

стр. 493

له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (١)؛لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه)) (٢).وإذا كان سجود التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (٣)،وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٤)،وإذا قرأ السجدة في

стр. 494

الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئاً من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة)) (١). ٧ - الدعاء في سجود التلاوة ، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مراراً] (٢): ((سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٣) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك الله أحسن الخالقين] (٤))) (٥). وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود])). قال ابن عباس ﵄: ((فرأيت النبي ﷺ قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)) (٦). ويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة (٧). والصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة

стр. 495

فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب (١). سابعاً: سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم، واندفاع النقم التي وجد سببها فَسَلِمَ منها المسلم (٢)؛ لحديث أبي بكرة ﵁ ((عن النبي ﷺ أنه كان إذا أتاه أمر يَسُرُّه أو يُسَرُّ به خرَّ ساجداً شكراً لله ﵎) (٣). وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سجد النبي فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال: ((إن جبريل ﵇ أتاني فبشرني فقال: إن الله يقول: ((من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً)) (٤). وعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ بعث عليَّاً إلى اليمن - فذكر الحديث - قال: فكتب عليٌّ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجداً شكراً لله تعالى على ذلك (٥). وقد سجد كعب بن مالك ﵁ لما سمع صوت البشير بتوبة الله عليه (٦). وسجد علي بن أبي طالب ﵁ شكراً لله حينما وجد ذا الثدية في قتلى الخوارج (٧).
следующие страницы →