← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). الموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٢). الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣). الموضع العاشر: في سورة ﴿الم﴾ السجدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤). الموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٥). الموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٦). وهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك ﵀ وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٧). الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم ، عند قوله تعالى:

стр. 492

﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾ (١). الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢). الموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٣). وسجدتي سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان ﵁ قال: ((فضلت سورة الحج بسجدتين)) (٤)، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: ((فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (٥). ٥ - سجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: ((سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)) (٦). ٦ - صفة سجود التلاوة ، من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب

стр. 493

له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (١)؛لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه)) (٢).وإذا كان سجود التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (٣)،وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٤)،وإذا قرأ السجدة في

стр. 494

الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئاً من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة)) (١). ٧ - الدعاء في سجود التلاوة ، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مراراً] (٢): ((سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٣) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك الله أحسن الخالقين] (٤))) (٥). وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود])). قال ابن عباس ﵄: ((فرأيت النبي ﷺ قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)) (٦). ويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة (٧). والصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة

стр. 495

فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب (١). سابعاً: سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم، واندفاع النقم التي وجد سببها فَسَلِمَ منها المسلم (٢)؛ لحديث أبي بكرة ﵁ ((عن النبي ﷺ أنه كان إذا أتاه أمر يَسُرُّه أو يُسَرُّ به خرَّ ساجداً شكراً لله ﵎) (٣). وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سجد النبي فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال: ((إن جبريل ﵇ أتاني فبشرني فقال: إن الله يقول: ((من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً)) (٤). وعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ بعث عليَّاً إلى اليمن - فذكر الحديث - قال: فكتب عليٌّ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجداً شكراً لله تعالى على ذلك (٥). وقد سجد كعب بن مالك ﵁ لما سمع صوت البشير بتوبة الله عليه (٦). وسجد علي بن أبي طالب ﵁ شكراً لله حينما وجد ذا الثدية في قتلى الخوارج (٧).

стр. 496

والصواب أنه كسجود التلاوة فلا يشترط له ما يشترط للصلاة، وليس في الأحاديث ما يدل على التكبير في سجود الشكر (١). القسم الخامس: أوقات النهي عن صلاة التطوع: أولاً: أوقات النهي عن صلاة التطوع المطلق خمسة بالبسط وثلاثة بالاختصار ، فأما بالبسط: فمن صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند قيامها في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، وإذا شرعت في الغروب حتى يتم غروبها. وأما أوقات النهي بالاختصار: فمن صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وعند قيام الشمس في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب الشمس، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على ذلك، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)). وفي رواية البخاري: (( ... لا صلاة بعد صلاتين: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس))، ولفظ مسلم: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)) (٢)، وعن عمرو بن عبسة ﵁ أنه قال: للنبي ﷺ : أخبرني عن الصلاة؟ قال: ((صلّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان،

стр. 497

وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنَّه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار)) (١). وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة (٢) حتى تميل الشمس، وحين تضيَّفُ (٣) الشمس للغروب حتى تغرب)) (٤). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا بدا حاجب الشمس فأخّروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب)) (٥). فدلت هذه الأحاديث على النهي عن صلاة التطوع في هذه الأوقات (٦).

стр. 498

ويضاف إلى هذه الأوقات الخمسة: النهي عن صلاة النافلة بعد طلوع الفجر الثاني؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين)) (١)، ويفسر ذلك لفظ أبي داود، عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: ((ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين)) (٢). ثانياً: الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي: الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي، اختلف العلماء - يرحمهم الله - هل تؤدى في الأوقات التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها أم لا تفعل؟ والصواب من ذلك أنها مخصوصة بالاستثناء في أوقات النهي، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ذكر أحاديث النهي: ((في أحاديث الباب نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وعند اصفرارها حتى تغرب، وأجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة: تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت. ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح

стр. 499

في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى، والفريضة المقضيَّة أولى وكذا الجنازة)) (١). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، وقال: (( ... وهذا أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه)) (٢). وقال سماحة الإمام ابن باز ﵀ على قول من قال: ((يُحْمَل النهي على ما لا سبب له ويخص منه ما له سبب جمعاً بين الأدلة)) (٣): ((وهذا القول هو أصح الأقوال، وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، وبه تجتمع الأخبار والله أعلم)) (٤). ومما يدل على استثناء الصلوات ذوات الأسباب حديث جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا بني عبد منافٍ لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى، أيةَ ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهار)) (٥). وحديث يزيد بن الأسود ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخَيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أُخْرى القوم لم يصليا معه فقال: ((عليَّ بهما)) فجيء بهما

стр. 500

ترعد فرائصُهُما (١) فقال: ((ما منعكما أن تصليا معنا؟)) فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: ((فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلّيا معهم، فإنها لكما نافلة)) (٢). وفي لفظ لأبي داود: ((إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه؛ فإنها له نافلة)) (٣). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟)) (٤) قال، قلت: فما تأمرني؟ قال: ((صلّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي])) (٥). قال الإمام النووي ﵀: ((وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب كباقي الصلوات؛ لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة وهذا هو الصحيح)) (٦). وعن محجن أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأذن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال رسول ﷺ : ((ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟)) قال: بلى ولكني كنت قد صليت في أهلي،

стр. 501

فقال رسول الله ﷺ : ((إذا جئت فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت)) (١). وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة، وإن كان الوقت وقت كراهة، للتصريح في حديث يزيد بن الأسود بأن ذلك كان في صلاة الصبح؛ ولأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة في حديث أبي ذر وحديث محجن، ولم يفرق ﷺ بين صلاة وصلاة، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة في أوقات النهي (٢). وأما حديث أم سلمة ﵂ الذي قالت فيه: ((صلى رسول الله ﷺ ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ فقال: ((قدم عليَّ مال فشغلني عن الركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن)) فقلت: يا رسول الله، أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: ((لا)) (٣)، فهذا من خصائص النبي ﷺ ، قال الصنعاني ﵀: ((والحديث دليل على ما سلف من أن القضاء في ذلك الوقت كان من خصائصه ﷺ )) (٤). وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: ((سنده جيد ويدل على أنه من خصائصه ﷺ ، وهناك من أهل العلم من يقول: تقضى، والصحيح أنها من خصائصه ﷺ )) (٥). ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا

стр. 502

ذلك)). وفي رواية لمسلم: ((من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) (١). والذي اتضح من الأحاديث التي مضت جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي ومنها: قضاء الفوائت، والصلاة المعادة مع الجماعة، وتحية المسجد، وسجود التلاوة وسجود الشكر، وصلاة الكسوف، وصلاة الطواف بالبيت، وصلاة الجنازة بعد العصر وبعد الفجر، وصلاة نصف النهار في المسجد يوم الجمعة للمأمومين حتى يخرج الإمام، وسنة الوضوء، وصلاة الاستخارة إذا كان الذي يستخير له يفوت إذا أخره، وصلاة التوبة، وقضاء سنة الفجر بعدها (٢)، ولكن لا يُصلي على الجنائز ولا يقبر الموتى في أوقات النهي المضيَّقة: عند الغروب، وعند الشروق، وعندما تكون الشمس في وسط السماء؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: ((ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب)) (٣). وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدَّق على هذا فيصلي معه)) (٤).وذكر ابن تيمية ﵀

стр. 503

-: أن هذا الحديث مما جاء في الإعادة لسبب، ثم قال: ((فهنا هذا المتصدق قد أعاد الصلاة ليحصل لذلك المصلي فضيلة الجماعة، ثم الإعادة المأمور بها مشروعة عند الشافعي، وأحمد، ومالك وقت النهي، وعند أبي حنيفة لا تشرع وقت النهي)) (١)، والله أعلم (٢).

стр. 504

المبحث الرابع والعشرون: صلاة الجماعة أولاً: مفهوم صلاة الجماعة: لغة، واصطلاحاً: ١ - الصلاة لغة: الدعاء، قاله الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (١) أي ادعُ لهم، وقال النبي ﷺ : ((إذا دُعي أحدكم فليُجِبْ، فإن كان صائماً فليصلّ، وإن كان مفطراً فليطعم)) (٢). أي فليدعُ بالبركة والخير والمغفرة (٣)، والصلاة من الله حسن الثناء، ومن الملائكة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). قال أبو العالية: ((صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء)) (٥)، وقال ابن عباس ﵄: ((يصلون: يبرّكون)) (٦)، وقيل: إن صلاة الله الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والصواب القول الأول (٧). فالصلاة من الله: الثناء، ومن المخلوقين: الملائكة، والإنس، والجن: القيام، والركوع، والسجود، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح. والصلاة من الطير والهوام: التسبيح (٨). ٢ - الصلاة في الاصطلاح الشرعي: عبادة لله ذات أقوال، وأفعال معلومة

стр. 505

مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمّيت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء (١)؛فإنها كانت اسماً لكل دعاء، فصارت اسماً لدعاء مخصوص، أو كانت اسماً لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية؛ لما بينها وبين الدعاء من المناسبة، والأمر في ذلك متقارب، فإذا أطلق اسم الصلاة في الشرع لم يفهم منه إلا الصلاة المشروعة (٢)، وقد اشتملت على الدعاء بنوعيه: دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع، أو دفع ضر، أو كشفه، وسؤال الحاجات من الله بلسان الحال. ودعاء العبادة: وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: من القيام، والركوع، والسجود، فمن فعل هذه العبادات فقد دعا ربه وطلبه بلسان الحال أن يغفر له، فاتضح بذلك أن الصلاة كلها: دعاء مسألة، ودعاء عبادة؛ لاشتمالها على ذلك كله (٣). ٣ - الجماعة لغة: عدد كل شيء وكثرته، والجمعُ: تأليف المتفرّق؛ والمسجدُ الجامعُ: الذي يجمع أهله، نعتٌ له؛ لأنه علامة للاجتماع، ويجوز: مسجد الجامع بالإضافة، كقولك: الحقُ اليقينُ، وحقُّ اليقين، بمعنى: مسجد اليوم الجامع، وحق الشي اليقين؛ لأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز إلا على هذا التقدير، والجماعة: عدد من الناس يجمعهم غرض واحد (٤).

стр. 506

٤ - الجماعة في الاصطلاح الشرعي: تطلق على عدد من الناس، مأخوذة من معنى الاجتماع، وأقل ما يتحقق به الاجتماع اثنان: إمام ومأموم (١)، وسميت صلاة الجماعة: لاجتماع المصلين في الفعل: مكاناً وزماناً، فإذا أخلوا بهما أو بأحدهما لغير عذر كان ذلك منهيّاً عنه باتفاق الأئمة (٢). ثانياً: حكم صلاة الجماعة: صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضراً وسفراً، للصلوات الخمس (٣)؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:

стр. 507

١ - أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١)، فالله أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، فلو كانت الجماعة سُنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان. ٢ - أمر الله بالصلاة مع المصلين فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢)،فقد أمر الله بالصلاة مع جماعة المصلين، والأمر يقتضي الوجوب. ٣ - عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٣). فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)).وفي لفظ: (( .. فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة

стр. 508

واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه .. )) (١). وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود (٢). ٤ - أمر النبي ﷺ بالصلاة مع الجماعة ، فعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة - وكان رحيماً رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ((ارجعوا فكونوا فيهم، وعلّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) (٣). فالنبي ﷺ أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي الوجوب. ٥ - همّ النبي ﷺ بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة ؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: ((لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالِفَ (٤) إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها)). وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلاً فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً (٥)، أو مرماتين حسنتين (٦) لشهد العشاء)). وفي لفظ لمسلم: ((إن

стр. 509

أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً (١)، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (٢). وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض عين (٣). ٦ - لم يرخص النبي ﷺ للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة ؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) فقال: نعم، قال: ((فأجب)) (٤). وعن ابن أم مكتوم ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم، قال: ((لا أجد لك رخصة)) (٥). وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي ﷺ : ((أتسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا (٦))) (٧).

стр. 510

وهذا يصرح فيه النبي ﷺ بأنه لا رخصة للمسلم في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا الأعمى الذي قد اجتمع له ستة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد (١). ٧ - بيَّن النبي ﷺ أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهماعن النبي ﷺ أنه قال: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاةَ له إلا من عُذرٍ)) (٢). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل ناقصة، والجمهور على الإجزاء ... )) (٣). ٨ - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال ؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: ((لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي ﷺ علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه)). وفي رواية: أن عبد الله قال: ((من سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات،

стр. 511

حيثُ يُنادَى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى (١)، وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (٢)، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين (٣) حتى يقام في الصف)) (٤). وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب، ولا بفعل مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو فعل محرم (٥)،وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها (٦). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن للمنافقين علامات يُعرَفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً (٧)، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْراً (٨) مستكبرين، لا يألفون ولا

стр. 512

يُؤلفون، خُشُبٌ (١) بالليل، صُخُبٌ بالنهار)) (٢).وفي لفظ: ((سُخُبٌ بالنهار)) (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن)) (٤). وفي رواية عنه ﵁: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن)) (٥). ٩ - تارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه ؛ لحديث ابن عباس وابن عمر ﵃ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواده (٦): ((لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم (٧) الجماعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين)) (٨). وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم. ١٠ - استحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة ؛ لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة (٩) إلا قد استحوذ عليهم

стр. 513

الشيطان (١)، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (٢). قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة (٣)، فقد أخبر النبي ﷺ باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندباً يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (٤). ١١ - تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة ؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة ﵁ فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة ﵁: ((أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ )) (٥). فقد جعله أبو هريرة ﵁ عاصياً لرسول الله ﷺ بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة (٦). قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى-: ((فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم)) (٧). وقد جاء النهي صريحاً، فعن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ : ((إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) (٨). وعنه ﵁ قال:

стр. 514

قال رسول الله ﷺ : ((لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يذكر أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أذن فيه، إلا لعذر: كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر. قلت: قال الترمذي ﵀: ((وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه)) (٢). وذكر المباركفوري ﵀: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنباً، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر، ومن في معناه (٣). ١٢ - تفقد النبي ﷺ للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة ؛ لحديث أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح، فقال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((إن هاتين الصلاتين (٤) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما، لأتيتموها ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته

стр. 515

مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)) (١). ١٣ - إجماع الصحابة ﵃ على وجوب صلاة الجماعة ؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: ((فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشاراً، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وبالله التوفيق)) (٢). وقال الترمذي ﵀: ((وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له)) (٣). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر)) (٤). وقال مجاهد: ((وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار)) (٥). قال الترمذي ﵀: ((ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها)) (٦).

стр. 516

ثالثاً: فوائد صلاة الجماعة: صلاة الجماعة فيها فوائد كثيرة، ومصالح عظيمة، ومنافع متعددة شرعت من أجلها، وهذا يدل على أن الحكمة تقتضي أن صلاة الجماعة فرض عين، ومن هذه الفوائد والحكم التي شرعت من أجلها ما يأتي: ١ - شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة ، منها ما هو في اليوم والليلة كالصلوات الخمس، ومنها ما هو في الأسبوع وهو صلاة الجمعة، ومنها ما هو في السنة متكرراً وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عامٌّ في السنة وهو الوقوف بعرفة؛ لأجل التواصل وهو الإحسان، والعطف، والرعاية؛ ولأجل نظافة القلوب، والدعوة إلى الله بالقول والعمل. ٢ - التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع؛ طلباً للثواب، وخوفاً من عقاب الله، ورغبة فيما عنده . ٣ - التوادد، وهو التحابّ ؛ لأجل معرفة أحوال بعضهم لبعض، فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المحتاجين؛ ولأن ملاقاة الناس بعضهم لبعض توجب المحبة، والألفة. ٤ - التعارف ؛ لأن الناس إذا صلى بعضهم مع بعض حصل التعارف، وقد يحصل من التعارف معرفة بعض الأقرباء، فتحصل صلته بقدر قرابته، وقد يعرف الغريب عن بلده فيقوم الناس بحقه. ٥ - إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام ؛ لأن الناس لو صلُّوا كلهم في بيوتهم ما عرف أن هنالك صلاة. ٦ - إظهار عز المسلمين ، وذلك إذا دخلوا المساجد ثم خرجوا جميعاً، وهذا فيه إغاظة لأهل النفاق والكافرين، وفيه البعد عن التشبه بهم والبعد عن سبيلهم.

стр. 517

٧ - تعليم الجاهل ؛ لأن كثيراً من الناس يستفيد مما شرع في الصلاة بواسطة صلاة الجماعة، ويسمع القراءة في الجهرية فيستفيد ويتعلم، ويسمع أذكار أدبار الصلوات فيحفظها، ويقتدي بالإمام ومن بجانبه وأمامه فيتعلم أحكام صلاته، ويتعلم الجاهل من العالم. ٨ - تشجيع المتخلف عن الجماعة ، والقيام بإرشاده وتوجيهه، والتواصي بالحق والصبر عليه. ٩ - تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع وعدم التفرق ؛ فإن الأمة مجتمعة على طاعة ولي الأمر، وهذه الصلاة في الجماعة ولاية صغرى؛ لأنهم يقتدون بإمام واحد يتابعونه تماماً، فهي تشكل النظرة العامة للإسلام. ١٠ - تعويد الإنسان ضبط النفس ؛ لأنه إذا اعتاد على متابعة الإمام متابعة دقيقة، لا يكبّر قبله، ولا يتقدم ولا يتأخر كثيراً، ولا يوافقه؛ بل يتابعه تعوّد على ضبط النفس. ١١ - استشعار المسلم وقوفه في صف الجهاد كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (١). فهؤلاء الذين صاروا صفّاً في الجهاد لا شك أنهم إذا تعوَّدوا ذلك في الصلوات الخمس سوف يكون ذلك وسيلة إلى ائتمامهم بقائدهم في صف الجهاد، فلا يتقدمون ولا يتأخرون عن أوامره. ١٢ - شعور المسلمين بالمساواة، وتحطيم الفوارق الاجتماعية ؛ لأنهم يجتمعون في المسجد: أغنى الناس بجنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا، فيشعر الناس بأنهم سواء، فتحصل بذلك الألفة؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بمساواة الصفوف حتى قال: ((ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) (٢).

стр. 518

١٣ - تفقد أحوال الفقراء، والمرضى، والمتهاونين بالصلاة ؛ فإن الناس إذا رأوا الإنسان يلبس ثياباً بالية وتبدو عليه علامات الجوع رحموه، وأحسنوا إليه، وإذا تخلف بعضهم عن الجماعة عرفوا أنه كان مريضاً، أو عاصياً فينصحوه، فيحصل التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ١٤ - استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أولها ؛ لأن الصحابة كانوا يقتدون بالرسول ﷺ ، فيستشعر الإمام أنه في مقام الرسول ﷺ ، ويستشعر المأموم أنه في مقام الصحابة ﵃، وهذا يعطي الأمة الحرص على الاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه. ١٥ - اجتماع المسلمين في المسجد راغبين فيما عند الله من أسباب نزول البركات . ١٦ - يزيد نشاط المسلم فيزيد عمله عندما يشاهد أهل النشاط في العبادة ، وهذا فيه فائدة عظيمة. ١٧ - تضاعف الحسنات ويعظم الثواب . ١٨ - الدعوة إلى الله بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة (١). ١٩ - اجتماع المسلمين في أوقات معينة يربيهم على المحافظة على الأوقات . رابعاً: فضل صلاة الجماعة: الصلاة مع الجماعة لها فضائل كثيرة، منها ما يأتي: ١ - صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى ، فالمصلي مع جماعة يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبع وعشرين

стр. 519

مرة (١)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)). ولفظ مسلم: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)). وفي لفظ له: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((الجماعة تفضل صلاة الفذّ بخمس وعشرين درجة)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين درجة)). قال: ((وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)). قال أبو هريرة: ((واقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُودً ا﴾. وفي لفظ: ((بخمس وعشرين جزءًا)) (٤). والجزء والدرجة بمعنى واحد (٥). وقد جُمع بين هذه الروايات: بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبع والعشرين ذكر فيه صلاته منفرداً وصلاته في الجماعة، والفضل بينهما، فصار المجموع سبعاً وعشرين (٦). وقال الإمام النووي ﵀: ((والجمع بينها من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا منافاة بينها فذكر القليل لا ينفي الكثير ، ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين.

стр. 520

والثاني: أن يكون أخبر أولاً بالقليل ، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها. والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة: فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة، ومحافظته على هيئتها، وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك فهذه هي الأجوبة المعتمدة)) (١). وسمعت سماحة الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وأما التفاوت فهذا والله أعلم كان لعدم نزول فضل الزائد إلا بعد الناقص، فأخبر بخمس وعشرين، ثم أخبر بسبع وعشرين)) (٢). وقد استدل القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث، وأن صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل (٣).وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الأحاديث تدل على فضل الجماعة، وهذا التفضيل لا يلزم منه عدم الوجوب، فصلاة الجماعة واجبة، ومفضلة، فلا منافاة بين التفضيل والوجوب، ومن لم يصلّها مع الجماعة فصلاته صحيحة على الراجح، مع الإثم)) (٤). والمنفرد الذي لا يحصل على ثواب صلاة الجماعة هو غير المعذور والله أعلم، أما إذا كان من عادته أنه يصلي الصلاة مع الجماعة فمنعه عذرٌ: كمرضٍ أو سفر، أو حبس وتعذرت عليه الجماعة، والله يعلم أن من نيته

стр. 521

لو قدر على الصلاة مع الجماعة لما تركها، فهذا يكمل له أجره؛ لأن من كان عازماً على الفعل عزماً جازماً، وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل (١)؛ لحديث أبي بردة ﵁ عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (٢). ٢ - يعصم الله بالصلاة مع الجماعة من الشيطان ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان ذئب للإنسان كذئب الغنم (٣)، يأخذ الشاة القاصية، والناحية (٤)، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة (٥)، والعامة)) (٦)؛ ولحديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (٧). ٣ - يزيد فضل الصلاة مع الجماعة بزيادة عدد المصلين ؛ لحديث أبيّ بن كعب ﵁، وفيه: (( ... إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله )) (٨). وهذا يرغب في الصلاة مع الجماعة الكثيرة مع

стр. 522

أمن المفاسد، وعدم فوات المصالح. ٤ - براءة من النار وبراءة من النفاق لمن صلَّى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك تكبيرة الإحرام ؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)) (١). وهذا فيه فضل الإخلاص في الصلاة؛ لقوله ﷺ : ((من صلى لله)) أي خالصاً لله تعالى، ((براءة من النار)) أي نجاة وخلاص منها، وكتب له ((براءة من النفاق)) أي يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق ويوفقه لعمل أهل الإخلاص، وفي الآخرة يؤمنه مما يعذب به المنافق، ويشهد له بأنه غير منافق، يعني بأن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)) وحال هذا بخلافهم (٢). ٥ - من صلى الصبح في جماعة فهو في ضمان الله وأمانه حتى يمسي ؛ لحديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله (٣)، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه (٤) على وجهه في نار جهنم)) (٥). وهذا يؤكد أن من صلى الصبح فهو في أمان الله، وفي جواره، فهو قد استجار بالله تعالى، والله قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فالله يطلبه بحقه، ومن يطلبه لم يجد مفرّاً ولا

стр. 523

ملجأ، وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين، وترغيب في حضور صلاة الصبح (١). وقد جاءت بعض الأخبار تقيد ذلك بصلاة الصبح مع الجماعة (٢). ٦ - من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس فله أجر حجة وعمرة ؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة: تامة، تامة، تامة)) (٣). ٧ - عظم ثواب صلاة العشاء والصبح في جماعة ؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)) (٤). قيل: المراد بذلك من صلى الصبح في جماعة وقد صلى العشاء في جماعة فكأنما صلى الليل كله، ويد على ذلك لفظ أبي داود: ((من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة)) (٥). واختار هذا المنذري، وأن اجتماعهما كقيام ليلة (٦). وقيل: المراد بذلك أن من صلى العشاء في جماعة كانت له كقيام نصف ليلة، أما من صلى الصبح في جماعة فتكون له كقيام الليل كله،

стр. 524

وهذا فضل الله . وأيَّد ذلك الإمام ابن خزيمة ﵀ فقال: ((باب فضل صلاة العشاء والفجر في الجماعة، والبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضعفي فضل العشاء في الجماعة))، ثم ساق الحديث بنحو لفظ مسلم (١)، وفضل الله واسع. وقد قال النبي ﷺ عن صلاة الصبح والعشاء: (( ... ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبواً)) (٢). ٨ - اجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر والعصر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((ومعنى يتعاقبون: تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقب الجيوش، وهو أن يذهب إلى ثغر قوم ويجيء آخرون، وأما اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، وتكرمته لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم، ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم، فيكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير)) (٤)، والأظهر وهو قول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتّاب، وقيل: يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة بجملة الناس غير الحفظة. والله أعلم (٥).

стр. 525

وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامُون (١) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)) يعني الفجر والعصر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ (٢). وقد ثبت الفضل العظيم لمن حافظ على صلاة الفجر والعصر مع الجماعة، فعن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لن يلجَ النارَ أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)) يعني الفجر والعصر (٣). وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((من صلى البردين دخل الجنة)) (٤)، وهما: الصبح والعصر (٥). وقد جاء الوعيد الشديد لمن ترك صلاة العصر، أو فاتته، فعن بريدة ﵁ أنه قال لأصحابه في يوم ذي غيم: بكّروا بصلاة العصر؛ فإن النبي ﷺ قال: ((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)) (٦). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((الذي تفوته

стр. 526

صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلُهُ وماله)) (١). ذكر الإمام القرطبي ﵀:أن قوله: ((وُتِرَ أهلُه ومالُه)) روي بالرفع على أن المعنى: نُزع وأُخذ، وروي بالنصب ((أهلَه ومالَه)) على أن المعنى: سُلب، وقيل في تفسير الحديث: هذا يحصل لمن لم يصلّها في الوقت المختار، وقيل: هو أن يؤخرها إلى أن تصفرَّ الشمس. وقيل: خُصَّت العصر بالذكر؛ لكونها مشهودة للملائكة، وعلى هذا يشاركها في ذلك الصبح. وقيل: خصت صلاة العصر بالذكر؛ لأنها صلاة تأتي في انشغال الناس، وعلى هذا فالصبح أولى بذلك؛ لأنها تأتي وقت النوم. أما قوله ﷺ : ((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)) فليس ذلك خاصاً بالعصر، بل ذلك حكم غيرها من الصلوات كذلك (٢). ٩ - يعجب الله تعالى من الصلاة في الجماعة ؛ لمحبته لها سبحانه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله ليعجب من الصلاة في الجميع)) (٣). وهذا العجب يليق بالله تعالى، ولا يشبه فيه أحداً من خلقه؛ لأن عجبه سبحانه ليس كعجب خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٤). ١٠ - منتظر الصلاة مع الجماعة في صلاة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر

стр. 527

له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يُحدِث)). قلت: ما يحدث؟ قال: ((يفسو أو يضرط)). وفي لفظ لمسلم: ((والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يُؤذِ ما لم يُحْدِث)) (١). وقوله: ((ما لم يُؤذِ)) أي ما لم يصدر عنه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة، والله أعلم (٢). ١١ - الملائكة يدعون لمن صلى مع الجماعة قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلا ه، ما لم يُحْدِث أو يُؤذِ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يُحْدِث .. )) وفي مسلم: ((والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يُؤذِ، ما لم يُحْدِث)) (٣). وسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((والملائكة تصلي عليه في مصلاه، قبل الصلاة في المسجد، وبعدها مادام في مصلاه، ما لم يؤذِ بغيبة أو نميمة، أو كلام باطل، وما لم يحدث)) (٤). ١٢ - فضل الصف الأول وميامن الصفوف في صلاة الجماعة ، وفضل وصلها، ثبت في ذلك فضائل كثيرة منها ما يأتي: الفضل الأول: القرعة على الصف الأول وأنه مثل صف الملائكة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا .. )) (٥). وفي رواية

стр. 528

لمسلم: ((لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف المقدم، لكانت القرعة)) (١). وقد ثبت أن الصف الأول على مثل صف الملائكة؛ لحديث أبيّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فيه لابتدرتموه)) الحديث (٢). قال الشيخ أحمد البنا في شرح قوله ﷺ : ((على مثل صف الملائكة ... )) ((أي في القرب من الله ، ونزول الرحمة، وإتمامه واعتداله، ويستفاد منه أن الملائكة يصفون لعبادة الله تعالى (٣)، وقد جاء ذلك صريحاً عن جابر ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ ((فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: ((يتمون الصفوف الأوَلَ ويتراصون في الصف)) (٤). الفضل الثاني: الصف الأول خير الصفوف ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)) (٥). قال الإمام النووي ﵀: ((أما صفوف الرجال فهي على عمومها، فخيرها أولها أبداً، وشرها آخرها أبداً، أما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثواباً

стр. 529

وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخير بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك، والله أعلم)) (١). الفضل الثالث: الله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأُولى ، والصف المقدم أكثرها صلاة؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)) قالوا: يا رسول الله، وعلى الثاني؟ قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول))، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: ((وعلى الثاني)) (٢). وصلاة الله تعالى: ثناؤه عليهم عند الملائكة، وصلاة الملائكة والنبي ﷺ ، وسائر الناس: الدعاء والاستغفار (٣). وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، أو الصفوف الأولى)) (٤). وعن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة)) (٥). الفضل الرابع: النبي ﷺ صلى على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني مرة واحدة ، لحديث العرباض بن سارية ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((كان

стр. 530

يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني واحدة)). ولفظ ابن ماجه: ((كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، والثاني مرة)) (١). الفضل الخامس: صلاة الله تعالى وملائكته على ميامين الصفوف ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف)) (٢)، وعن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: ((رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك)) (٣). الفضل السادس: من وصل صفّاً وصله الله وعليه صلاة الله تعالى وملائكته ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلُون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة)) (٤). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من وصل صفّاً وصله الله، ومن قطع صفّاً قطعه الله )) (٥).
следующие страницы →