← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلُهُ وماله)) (١). ذكر الإمام القرطبي ﵀:أن قوله: ((وُتِرَ أهلُه ومالُه)) روي بالرفع على أن المعنى: نُزع وأُخذ، وروي بالنصب ((أهلَه ومالَه)) على أن المعنى: سُلب، وقيل في تفسير الحديث: هذا يحصل لمن لم يصلّها في الوقت المختار، وقيل: هو أن يؤخرها إلى أن تصفرَّ الشمس. وقيل: خُصَّت العصر بالذكر؛ لكونها مشهودة للملائكة، وعلى هذا يشاركها في ذلك الصبح. وقيل: خصت صلاة العصر بالذكر؛ لأنها صلاة تأتي في انشغال الناس، وعلى هذا فالصبح أولى بذلك؛ لأنها تأتي وقت النوم. أما قوله ﷺ : ((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)) فليس ذلك خاصاً بالعصر، بل ذلك حكم غيرها من الصلوات كذلك (٢). ٩ - يعجب الله تعالى من الصلاة في الجماعة ؛ لمحبته لها سبحانه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله ليعجب من الصلاة في الجميع)) (٣). وهذا العجب يليق بالله تعالى، ولا يشبه فيه أحداً من خلقه؛ لأن عجبه سبحانه ليس كعجب خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٤). ١٠ - منتظر الصلاة مع الجماعة في صلاة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر

стр. 527

له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يُحدِث)). قلت: ما يحدث؟ قال: ((يفسو أو يضرط)). وفي لفظ لمسلم: ((والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يُؤذِ ما لم يُحْدِث)) (١). وقوله: ((ما لم يُؤذِ)) أي ما لم يصدر عنه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة، والله أعلم (٢). ١١ - الملائكة يدعون لمن صلى مع الجماعة قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلا ه، ما لم يُحْدِث أو يُؤذِ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يُحْدِث .. )) وفي مسلم: ((والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يُؤذِ، ما لم يُحْدِث)) (٣). وسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((والملائكة تصلي عليه في مصلاه، قبل الصلاة في المسجد، وبعدها مادام في مصلاه، ما لم يؤذِ بغيبة أو نميمة، أو كلام باطل، وما لم يحدث)) (٤). ١٢ - فضل الصف الأول وميامن الصفوف في صلاة الجماعة ، وفضل وصلها، ثبت في ذلك فضائل كثيرة منها ما يأتي: الفضل الأول: القرعة على الصف الأول وأنه مثل صف الملائكة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا .. )) (٥). وفي رواية

стр. 528

لمسلم: ((لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف المقدم، لكانت القرعة)) (١). وقد ثبت أن الصف الأول على مثل صف الملائكة؛ لحديث أبيّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فيه لابتدرتموه)) الحديث (٢). قال الشيخ أحمد البنا في شرح قوله ﷺ : ((على مثل صف الملائكة ... )) ((أي في القرب من الله ، ونزول الرحمة، وإتمامه واعتداله، ويستفاد منه أن الملائكة يصفون لعبادة الله تعالى (٣)، وقد جاء ذلك صريحاً عن جابر ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ ((فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: ((يتمون الصفوف الأوَلَ ويتراصون في الصف)) (٤). الفضل الثاني: الصف الأول خير الصفوف ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)) (٥). قال الإمام النووي ﵀: ((أما صفوف الرجال فهي على عمومها، فخيرها أولها أبداً، وشرها آخرها أبداً، أما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثواباً

стр. 529

وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخير بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك، والله أعلم)) (١). الفضل الثالث: الله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأُولى ، والصف المقدم أكثرها صلاة؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)) قالوا: يا رسول الله، وعلى الثاني؟ قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول))، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: ((وعلى الثاني)) (٢). وصلاة الله تعالى: ثناؤه عليهم عند الملائكة، وصلاة الملائكة والنبي ﷺ ، وسائر الناس: الدعاء والاستغفار (٣). وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، أو الصفوف الأولى)) (٤). وعن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة)) (٥). الفضل الرابع: النبي ﷺ صلى على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني مرة واحدة ، لحديث العرباض بن سارية ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((كان

стр. 530

يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني واحدة)). ولفظ ابن ماجه: ((كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، والثاني مرة)) (١). الفضل الخامس: صلاة الله تعالى وملائكته على ميامين الصفوف ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف)) (٢)، وعن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: ((رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك)) (٣). الفضل السادس: من وصل صفّاً وصله الله وعليه صلاة الله تعالى وملائكته ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلُون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة)) (٤). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من وصل صفّاً وصله الله، ومن قطع صفّاً قطعه الله )) (٥).

стр. 531

١٣ - مغفرة الله ومحبته لمن وافق تأمينه تأمين الملائكة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أمَّن الإمام فأمّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) (١)؛ ولحديثه الآخر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)) (٢)؛ ولحديث أبي موسى الأشعري ﵁ وفيه: أن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: ((إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبّروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يحبّكم الله)) الحديث (٣). الله أكبر ما أعظم هذا الثواب: مغفرة ما تقدم من الذنوب، ومحبة الله تعالى، لمن وافق تأمينه تأمين الملائكة! خامساً: فضل المشي إلى صلاة الجماعة: المشي لأداء الصلاة جماعة من أعظم الطاعات، وقد ثبت في ذلك فضائل عظيمة كثيرة، منها: ١ - شديد الحب لصلاة الجماعة بالمسجد في ظل الله يوم القيامة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظلّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)). وفي لفظ لمسلم: ((ورجل معلق بالمسجد

стр. 532

إذا خرج منه حتى يعود إليه)) (١). قال الإمام النووي ﵀ في شرح قوله ﷺ : ((ورجل قلبه معلق في المساجد))، ومعناه شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد)) (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((معلق في المساجد)) هكذا في الصحيحين، وظاهره أنه من التعليق، كأنه شبهه بالشيء المعلق في المسجد، كالقنديل مثلاً، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: ((كأنما قلبه معلق في المسجد))، ويحتمل أن يكون من العلاقة: وهي شدة الحب. ويدل عليه رواية أحمد: ((معلق بالمساجد)) (٣). ٢ - المشي إلى صلاة الجماعة ترفع به الدرجات، وتحط الخطايا ، وتكتب الحسنات؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: ((وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة ... )) (٤)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: (( ... وذلك أن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة إلا رُفِعَ له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة ... )) (٥). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله كانت

стр. 533

خطواته: إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة)) (١). قال الإمام القرطبي ﵀: ((قال الداودي: إن كانت له ذنوب حطت عنه، وإلا رفعت له بها درجات، قلت: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة، إما الحطُّ وإما الرفعُ، وقال غيره: بل الحاصل بالخطوة الواحدة: ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: ((كتب الله له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة)) والله أعلم انتهى (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -ر حمه الله- يقول: ((كل خطوة واحدة: يرفع بها درجة، وتحط عنه بها خطيئة، وتكتب له حسنة، وهذه الزيادة الأخيرة ((الحسنة)) في مسلم عن ابن مسعود، وإذا صحت رواية إحداهما يرفع بها درجة، والأخرى يحط عنه بها خطيئة، فتكون هذه الرواية أولاً ثم تفضل الله بالزيادة، فجعل بكل خطوة واحدة ثلاث فضائل: رفع درجة، وحط خطيئة، وكتب حسنة)) (٣). ٣ - يكتب له المشي إلى بيته كما كتب له المشي إلى الصلاة ، إذا احتسب ذلك؛ لحديث أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء؟ قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : ((قد جمع الله لك ذلك كله)).وفي لفظ: ((إن لك ما احتسبت)) (٤). قال الإمام النووي ﵀: ((فيه إثبات الثواب في الخُطا في

стр. 534

الرجوع كما يثبت في الذهاب)) (١). وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام)) (٢). وعن جابر ﵁ قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لهم: ((إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد)) قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا، فقال: ((يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم)) (٣). ٤ - المشي إلى صلاة الجماعة تمحى به الخطايا ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)) (٤). محو الخطايا: كناية عن غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ويكون دليلاً على غفرانها، ورفع الدرجات: أعلى المنازل في الجنة، وإسباغ الوضوء: تمامه، والمكاره: تكون بشدة البرد، وألم الجسم، ونحو ذلك، وكثرة الخطا: تكون ببعد الدار وكثرة التكرار (٥). ٥ - المشي إلى صلاة الجماعة بعد إسباغ الوضوء تغفر به الذنوب ؛

стр. 535

لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد غفر الله له ذنوبه)) (١). ٦ - إعداد الله تعالى الضيافة في الجنة لمن غدا إلى المسجد أو راح كلما غدا أو راح ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح)) (٢). وأصل ((غدا)) خرج بِغَدْوٍ، أي: أتى مبكراً، وراح: رجع بعشيٍّ، ثم قد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقاً توسعاً، و ((أعد)) هيأ، و ((النزل)) ما يهيأ للضيف من الكرامة عند قدومه، ويكون ذلك بكل غدوة أو روحة (٣)، وهذا فضل الله تعالى يؤتيه من قام بهذا الغدو والرواح، تعد له في الجنة ضيافة بذهابه، وضيافة برجوعه. ٧ - من ذهب إلى صلاة الجماعة فسُبق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً)) (٤). ٨ - من تطهر وخرج إلى صلاة الجماعة فهو في صلاة حتى يرجع إلى بيته ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل: هكذا))

стр. 536

وشبك بين أصابعه (١). ٩ - أجر من خرج إلى صلاة الجماعة متطهراً كأجر الحاج المحرم ؛ لحديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم)) (٢). ١٠ - الخارج إلى صلاة الجماعة ضامن على الله تعالى ؛ لحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاثة كلهم ضامن على الله : رجل خرج غازياً في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله )) (٣). وهذا من فضل الله أن جعل كل واحد من هؤلاء الثلاثة في ضمانه حتى يجزيه الجزاء الأوفى؛ فإن معنى ((ضامن)) أي مضمون، أما قوله ﷺ : ((ورجل دخل بيته بسلام)) فيحتمل وجهين: الوجه الأول: أن يسلم إذا دخل منزله . الوجه الثاني: أن يكون أراد بدخول بيته بسلام: أي لزوم البيت طلب السلامة من الفتن، يرغب بذلك في العزلة ويأمره بالإقلال من الخلطة (٤)، وهذا عند ظهور الفتن وخشية المسلم على دينه، أما مع الأمن من ذلك فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم

стр. 537

ويدعوهم إلى الله أعظم أجراً من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، والله أعلم. ١١ - اختصام الملأ الأعلى في المشي على الأقدام إلى صلاة الجماعة ؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، وفيه: أن الله تعالى قال للنبي ﷺ في المنام: (( ... يا محمد هل تدري فيمَ يختصم (١) الملأ الأعلى (٢)؟ قلت: نعم، في الكفارات: المكث في المسجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ... )) (٣). ١٢ - المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة ؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: ((فمن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير))، ولقول الله تعالى (٤): ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥). ١٣ - المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب تكفير الخطايا ؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: ((وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه)).

стр. 538

١٤ - إكرام الله تعالى لزائر المسجد ؛ لحديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر لله، وحقٌ على المزُور أن يكرم الزائر)) (١). وعن عمرو بن ميمون ﵀ قال: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ وهم يقولون: ((المساجد بيوت الله وإنه حق على الله أن يكرم من زاره)) (٢)، وفي لفظ عن عمرو بن ميمون عن عمر ﵁ قال: ((المساجد بيوت الله في الأرض وحق على المزور أن يكرم زائره)) (٣). ١٥ - فَرَحُ الله تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضياً ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته)) (٤). وقد بوَّب الإمام ابن خزيمة على هذا الحديث بقوله: ((باب ذكر فرح الرب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضياً)) (٥). وجميع صفات الله تعالى تثبت له على الوجه اللائق به . ١٦ - النور التام يوم القيامة لمن مشى في الظلم إلى المساجد ؛ لحديث بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)) (٦).

стр. 539

سادساً: آداب المشي إلى الصلاة في الجماعة: المشي إلى الصلاة له آداب عظيمة، منها ما يأتي: ١ - يتوَضأ في بيته ويسبغ الوضوء ؛ لحديث ابن مسعود ﵁: ((ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة)) (١). ٢ - يبتعد عن الروائح الكريهة ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)). وفي لفظ لمسلم: ((فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس)). وفي لفظ لمسلم: ((من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) (٢). ٣ - يأخذ زينته ويتجمل ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ (٣)؛ ولقول النبي ﷺ : ((إن الله جميل يحب الجمال)) (٤). ٤ - يدعو دعاء الخروج من المنزل ويخرج بنية الصلاة ؛ فيقول: ((بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) (٥). ((اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَ، أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ)) (٦). ((اللهم

стр. 540

اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، واجعل في نفسي نوراً، وأعظم لي نورًا، وعظّم لي نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نوراً، اللهم أعطني نوراً، واجعل في عصبي نوراً، وفي لحمي نوراً، وفي دمي نوراً، وفي شعري نوراً، وفي بشري نوراً)) (١). ٥ - لا يشبك بين أصابعه في طريقه إلى المسجد ولا في صلاته ؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة)) (٢). ٦ - يمشي وعليه السكينة والوقار ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)). وفي لفظ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٣). وفي هذا الحديث الحث على إتيان الصلاة بسكينة ووقار، والنهي عن إتيانها سعياً، سواء في صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أو لا، وقوله ((إذا سمعت الإقامة)) إنما ذكر الإقامة للتنبيه على ما سواها؛ لأنه إذا نهي عن إتيانها سعياً في حال الإقامة مع خوفه فوت

стр. 541

بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكَّد ذلك ببيان العلة فقال ﷺ : ((فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة))، وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيداً آخر، فقال: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)). فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات، وبيَّن ما يفعل فيما فات (١). ٧ - ينظر في نعليه قبل دخول المسجد ، فإن رأى فيهما أذى مسحه بالتراب؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصلّ فيهما)) (٢). وتطهير النعلين يكون بمسحهما بالتراب؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وطئَ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور)). وفي لفظ: ((إذا وطئَ الأذى بخفيه فطهورهما التراب)) (٣). ٨ - يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد ويقول: ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)) (٤). [بسم الله والصلاة] (٥) [والسلام على رسول الله] (٦) [اللهم افتح لي أبواب رحمتك]؛ لحديث أنس ﵁ أنه كان يقول: ((من السنة إذا دخلت

стр. 542

المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى)) (١)؛ ولحديث أبي حميد أو أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)) (٢). ٩ - يسلم إذا دخل المسجد على من فيه بصوت يسمعه من حوله ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) (٣). وقال عمار بن ياسر ﵁: ((ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار)) (٤). ١٠ - يصلي تحية المسجد ، فإن كان المؤذن قد أذن بعد دخول الوقت صلى الراتبة إن كان للصلاة راتبة، فإن لم يكن لها راتبة قبلها فسنة ما بين الأذانين؛ لأن بين كل أذانين صلاة، وتجزئ عن تحية المسجد، فإن دخل المسجد قبل دخول وقت الصلاة صلى ركعتين؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) (٥). ١١ - إذا خلع نعليه داخل المسجد وضعهما بين رجليه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذي بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلّ فيهما)). وفي لفظ: ((إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين

стр. 543

غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((الصلاة في النعال سنة خلاف اليهود، لكن بعد العناية، فإن رأى فيها شيئاً أزاله بالتراب أو الحجر أو غيره، أما المساجد المفروشة فقد يحصل عليها الغبار للتساهل من بعض الناس، فيحصل تنفير الناس، فالأولى عندي والله أعلم أن يوضع لها محل)) (٢). ١٢ - يختار الجلوس في الصف الأول على يمين الإمام إن تيسر ، بلا مزاحمة ولا أذى لأحد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف)) (٤). ١٣ - يجلس مستقبلاً القبلة يقرأ القرآن أو يذكر الله تعالى ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة)) (٥). ١٤ - ينوي انتظار الصلاة ولا يؤذي ؛ فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة، وتصلي عليه الملائكة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ... )). وفي لفظ لمسلم: ((والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون:

стр. 544

اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ، ما لم يحدث)) (١). ١٥ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٢). ١٦ - يقدم رجله اليسرى عند الخروج من المسجد بعكس دخوله ؛ لأن النبي ﷺ كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله (٣). وكان ابن عمر ﵄ يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى (٤). وقال أنس ﵁: ((من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى (٥). ويقول: ((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك] (٦) [اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم])) (٧). سابعاً: تنعقد الجماعة باثنين: إمام ومأموم، ولو مع صبي على الصحيح أو امرأة ذات محرم عند الخلوة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه)) (٨). وعن مالك بن الحويرث ﵁ أنه قال: أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر، فقال النبي ﷺ : ((إذا أنتما خرجتما فأذّنا، ثم أقيما، ثم ليؤمَّكما أكبرُكما)) (٩)؛ ولحديث أنس ﵁ أن

стр. 545

النبي ﷺ دخل على أنس، وأمه، وأم حرام خالة أنس، فقال النبي ﷺ : ((قوموا فلأصلي بكم)) في غير وقت صلاة، فصلى بهم، وجعل أنساً عن يمينه، وأقام المرأة خلفهم (١). ومما يدل على صحة الجماعة وانعقادها برجل وامرأة، حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) (٢). والأصل صحة الجماعة وانعقادها بالمرأة مع الرجل كما تنعقد بالرجل مع الرجل، ومن منع فعليه الدليل (٣). إلا إذا كانت أجنبية وحدها، وليس عندهم أحد، فإنه يحرم عليه أن يؤمها؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم)) (٤). والصواب صحة مصافة الصبي وإمامته في الفرض والنفل؛ لعموم الأدلة، ومن أصرحها حديث عمرو بن سلمة ﵁ قال أبي: جئتكم من عند النبي ﷺ حقّاً فقال: ((صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا)). فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني؛ لما كنتُ أتلقَّى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ستٍّ أو سبْعِ سنين (٥). قال الوزير ابن هبيرة ﵀: ((وأجمعوا على أن أقل الجمع الذي تنعقد به صلاة الجماعة في الفرض غير الجمعة اثنان: إمام

стр. 546

ومأموم قائم عن يمينه)) (١). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وتنعقد الجماعة باثنين فصاعداً، لا نعلم فيه خلافاً)) (٢). وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: ((أجمع العلماء على أن المرأة تصلي خلف الرجل وحدها صفاً، وأن سنتها الوقوف خلف الرجل لا عن يمينه)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول في تقريره على حديث عمرو بن سلمة آنف الذكر: ((هذا الحديث يدل على جواز إمامة الصبي إذا عقل وميَّز، وكثير من الفقهاء يقول: لا يؤمُّ، ولا يُعتدُّ به في المصافة، وهذا قول غلط وضعيف، والصواب أنه يؤمُّ ويصافّ، وقد صفَّ أنسٌ مع اليتيم خلف النبي ﷺ (٤)، والأصل في الفرائض والنوافل سواء، إلا ما خصه الدليل، وحديث عمرو هذا يدل على جواز إمامة العاقل المميز، ويحمل الشك على السبع؛ لأن الغالب أن المميز ابن سبع، ولقوله ﷺ : ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)) (٥) فإذا كان يتقن الصلاة قدم)) (٦)، أي إذا كان أكثرهم قرآنًا. ثامناً: تدرك الجماعة بإدراك ركعة، ولا يُعتدُّ بركعة لا يُدْرك ركوعها ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (٧)؛ وإذا أدرك الركوع قبل أن يقيم

стр. 547

الإمام صلبه من ركوعه فقد أدرك الركعة (١)؛ لحديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ (٢))) (٣).وزاد أبو داود فيه: ((فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف)) (٤). ومما يدل على أن من أدرك الركوع قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدرك الركعة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدُّوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)) (٥). وفي لفظ لابن خزيمة والدارقطني والبيهقي: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه)) (٦). وهذا مذهب جمهور الأئمة من

стр. 548

السلف والخلف: أن من أدرك الإمام راكعاً فكبر وركع وأمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة، ومن لم يدرك ذلك فقد فاتته الركعة فلا يُعتد بها، وهذا مذهب الإمام مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وزيد، وابن عمر ﵃ (١). أما من تأخر عن صلاة الجماعة لعذر وهو من المحافظين دائماً على صلاة الجماعة، ثم جاء وأدرك جزءاً من الصلاة أقل من ركعة فقد فاتته صلاة الجماعة، لكن له أجر وفضل الجماعة لحسن نيته ولعذره؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً)) (٢)؛ ولحديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (٣)؛ولحديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال في غزوة تبوك: ((إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا فيه حبسهم

стр. 549

العذر)). وفي لفظ: أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: ((إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم)) قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: ((وهم بالمدينة، حبسهم العذر)) (١). فدلَّ ذلك على أن من حبسه عذر شرعي يكون له أجر من عمل العمل على الوجه الشرعي (٢). تاسعاً: صلاة الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته صلاة الجماعة الأولى مع الإمام في المسجد (٣)؛ لحديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟)) (٤). ولفظ الترمذي: جاء رجل وقد صلى رسول الله ﷺ ، فقال: ((أيُّكم يتّجرُ على هذا؟)) فقام رجل فصلى معه. ولفظ الإمام أحمد: أن

стр. 550

رجلاً دخل المسجد وقد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : ((من يتصدق على هذا فيصلي معه؟)) فقام رجل من القوم فصلى معه. قال الإمام الشوكاني ﵀: ((فقام رجل من القوم فصلى معه)) هو أبو بكر الصديق كما بيّن ذلك ابن أبي شيبة)) (١). والحديث يدل على مشروعية الدخول مع من دخل في الصلاة منفرداً، وإن كان الداخل قد صلى في جماعة (٢). قال الترمذي ﵀: ((وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم من التابعين. قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صُلّيَ فيه جماعة، وبه يقول أحمد وإسحاق)) (٣). وهذا هو الصواب؛ لعموم الأدلة الدالة على أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة؛ ولحديث أبيّ بن كعب ﵁ وفيه: ((وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)) (٤). ومن قال: إن فضل الجماعة يختص بالجماعة الأولى فعليه الدليل المخصص، ومجرد الرأي ليس بحجة (٥)، وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه جاء ذات يوم والناس قد صلوا، فجمع أصحابه فصلى بهم جماعة (٦).

стр. 551

والمقصود أن الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته الجماعة الأولى، وهذا هو الأصل ولا يخرج منه إلا بدليل (١)، والله الموفق (٢). عاشراً: من صلى ثم أدرك جماعة أعادها معهم نافلة ؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخّرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟)) قال: قلت فما تأمرني؟ قال: ((صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي])) (٣)؛ ولحديث يزيد بن الأسود، وفيه: (( ... إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلّيا معهم فإنها لكما نافلة)). وفي لفظ: ((إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم

стр. 552

يصلّ فليصلّ معه؛ فإنها له نافلة)) (١)؛ ولحديث محجن، وفيه فقال رسول الله ﷺ : ((ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟)) قال: بلى ولكني كنت قد صليت في أهلي، فقال رسول الله ﷺ : ((إذا جئت فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت)) (٢)؛ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ (٣)؛ ولحديث ابن مسعود ﵁ (٤) والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل (٥). الحادي عشر: المسبوق يصلي ما بقي من صلاته إذا سلم إمامه من غير زيادة ؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ حينما كان مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، قال: فتبرز رسول الله ﷺ وذكر وضوءه، وأن ذلك قبل صلاة الفجر، قال: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم حين كان وقت الصلاة، ووجدنا عبد الرحمن وقد صلى بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله ﷺ فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته أقبل عليهم، ثم قال: ((أحسنتم، أو قد أصبتم)) يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها)) (٦). وقوله: ((يتم صلاته)) يدل

стр. 553

على أن ما يدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (١). وجاء في بعض الروايات: ((فاقضوا)) (٢) والقضاء يطلق على أداء الشيء فهو بمعنى أتموا، فلا مغايرة بين اللفظين (٣)، ولا حجة لمن تمسك برواية ((فاقضوا)) على أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وإنما الصواب أن ما يدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وما فاتكم فأتموا)) هذا أكثر الروايات، وفي بعض الروايات: ((فاقضوا)) بمعنى أتموا سواء بسواء، فالروايتان مجتمعتان بمعنى الإتمام والإكمال، فما أدرك فهو أول صلاته، وما قضى فهو آخرها (٥). والمسبوق يدخل مع الإمام في أي جزء أدركه فيه؛ لحديث علي بن أبي طالب ومعاذ ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام)) (٦).قال الترمذي ﵀:

стр. 554

((والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)) (٢). الثاني عشر: يعذر في ترك الجماعة بأشياء، هي على النحو الآتي: * الخوف أو المرض ؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر)) (٣). * المطر، أو الدحض (٤)؛ لحديث ابن عباس ﵄ أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: ((إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، فقال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة (٥) وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في

стр. 555

الطين والدحض)) (١). * الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه أذَّن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: ألا صلوا في رحالكم (٢) ثم قال: كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، يقول: ((ألا صلوا في الرحال)) وفي لفظ للبخاري: ((أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذناً يؤذن، ثم يقول على إثره: ((ألا صلوا في الرحال)) في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر))، وفي لفظ لمسلم: ((أن ابن عمر نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر أن يقول: ((ألا صلوا في رحالكم)) (٣). وعن جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا، فقال: ((ليصلّ من شاء منكم في رحله)) (٤) والأفضل أن يأتي بألفاظ الأذان كاملة ثم يقول: ((صلوا في بيوتكم)). أو يقول: ((صلوا في رحالكم)) (٥).

стр. 556

* حضور الطعام ونفسه تتوق إليه ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ عن النبي

стр. 557

- ﷺ أنه قال: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء)) (١). * مدافعة الأخبثين [البول والغائط] ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)) (٢). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: ((من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ)) (٣). * يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره ؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه ذكر له أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - وكان بدريّاً- مرض في يوم جمعة فركب إليه بعد أن تعالى النهار، واقتربت الجمعة وترك الجمعة (٤). فظهر أنه يعذر بترك الجماعة بثمانية أشياء: المرض، والخوف على النفس، أو المال، أو العرض، والمطر، والدحض [الوحل]، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، وحضور الطعام والنفس تتوق إليه، ومدافعة الأخبثين أو أحدهما، وأن يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره. وتقدمت الأدلة على كل مسألة من هذه الأشياء (٥).

стр. 558

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني صلاة المؤمن مفهوم، وفضائل، وآداب، وأنواع، وأحكام، وكيفية في ضوء الكتاب والسنة تأليف الفقير إلى الله تعالى سعيد بن علي بن وهف القحطاني الجزء الثاني

стр. 559

المبحث الخامس والعشرون: مكان صلاة الجماعة: المساجد ١ - مفهوم المساجد: جمع مَسجِد، إن أُريد به المكان المخصوص المُعَدّ للصلوات الخمس، وإن أُريد به موضع سجود الجبهة، فإنه بالفتح لا غير ((مَسجَد)) (١). فالمسجد لغة: الموضع الذي يسجد فيه، ثم اتّسع المعنى إلى البيت المُتّخذ لاجتماع المسلمين لأداء الصلاة فيه، قال الزركشي ﵀: ((ولَمّا كان السجود أشرف أفعال الصلاة، لقرب العبد من ربه، اشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركع، ثم إن العُرف خصص المسجد بالمكان المهيّأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المُصلّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يُعطى حكمه)) (٢). والمسجد في الاصطلاح الشرعي: المكان الذي أُعِدّ للصلاة فيه على الدّوام (٣)، وأصل المسجد شرعاً: كل موضع من الأرض يُسجد لله فيه (٤)؛لحديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ : (( ... وجُعِلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيُّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة، فليصلّ)) (٥)، وهذا من خصائص نبيّنا ﷺ وأمّته، وكانت الأنبياء قبله إنما أُبيحت لهم الصلاة في مواضع مخصصة: كالبِيَع والكنائس (٦). وقد ثبت في حديث أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (( ... وأينما

стр. 560

أدركتك الصلاة فصلّ، فهو مسجد)) (١)، قال الإمام النووي ﵀: ((فيه جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما استثناه الشرع من الصلاة: في المقابر، وغيرها من المواضع التي فيها النجاسة: كالمزبلة، والمجزرة، وكذا ما نُهِيَ عنه لمعنى آخر: فمن ذلك أعطان الإبل، ... ومنه قارعة الطريق، والحمام، وغيرها؛ لحديث ورد فيها)) (٢). أما الجامع: فهو نعت للمسجد ، سمّي بذلك؛ لأنه يجمع أهله؛ ولأنه علامة للاجتماع، فيقال: المسجد الجامع، ويجوز: ((مسجد الجامع)) بالإضافة، بمعنى: مسجد اليوم الجامع (٣)، ويقال للمسجد الذي تُصلَّى فيه الجمعة، وإن كان صغيراً؛ لأنه يجمع الناس في وقت معلوم. ٢ - فضل المساجد وشرفها: لأهميّة المساجد، ومكانتها وفضلها، ذكرها الله في كتابه في ثمانية عشر موضعاً (٤). ولمكانتها العالية وعظم منزلتها عند الله تعالى أضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم؛ فإن المضاف إلى الله نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها: كالعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فعلمه، وكلامه، وقدرته، وحياته، ووجهه، ويده، صفاتٌ له لا يشبهه فيها أحد من خلقه، وهي تليق به . والنوع الثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت، والناقة، والعبد، والرسول، والروح، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصاً وتشريفاً يتميز بها المضاف عن غيره (٥).

стр. 561

والله أضاف المساجد إلى نفسه إضافة تشريف، وفضل، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١). وكقوله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٢).وقوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا﴾ (٣). مع أن جميع البقاع وما فيها ملك لله ، فهو خالق كل شيء ومالكه، ولكن المساجد لها ميزة وشرف؛ لأنها تختص بكثير من العبادات، والطاعات، والقربات، فليست المساجد لأحد سوى الله، كما أن العبادة التي كلف الله بها عباده لا يجوز أن تصرف لأحد سواه (٤). ومن هذه الإضافة ما أضافه النبي ﷺ إلى الله إضافة تشريف بقوله ﷺ : ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده)) (٥). ومما يدل على فضل المساجد، ومكانتها قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا﴾ (٦). فالجهاد شُرع لإعلاء كلمة الله، والمساجد هي أفضل البقاع التي تُرْفَع فيها كلمة التوحيد، وتُؤَدَّى فيها أعظم الفرائض بعد الشهادتين، ولهذا كان الدفاع عنها واجباً على المسلمين، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ قال الإمام ابن جرير ﵀: ((أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره

стр. 562

أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهدم ما ذكر، من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض، وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كفه ببعضهم التظالم: كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفُّه لمن أجاز شهادته بينهم بعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك ... )) (١). وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكفّ شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف)) (٢). وقال الإمام البغوي ﵀: ((ومعنى الآية ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد، وإقامة الحدود، لهدم في شريعة كل نبي مكان صلاتهم، لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى البيع والصوامع، وفي زمن محمد ﷺ المساجد)) (٣). وقيل: الضمير في قوله تعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا﴾ عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات، قال الإمام ابن جرير ﵀: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: لهدّمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً)) (٤). ومن دافع عن المساجد ونصر دين الله نصره الله تعالى، كما قال : ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥). ثم بيَّن الله صفات ناصريه (٦)، فقال: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا

стр. 563

الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (١). ولعظم فضل المساجد جعل الله من أقبح القبائح، وأعظم الظلم المنع من عمارتها، فقال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٢). ولا شك أن الله نسخ جميع الشرائع السابقة كلها بالإسلام، فبعد هذا النسخ يتعين منع عمارة الكنائس، والصوامع، والبيع، وجميع المعابد، ويجب إظهار هذه المساجد ورفعها، والعناية بها، لقوله (٣): ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤) والله المستعان (٥). وفضل المساجد ثبت فيه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أَحَبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) (٦). قال الإمام النووي ﵀: ((أحبّ البلاد إلى الله مساجدها))؛ لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى، ((وأبغض البلاد إلى الله أسواقها))؛ لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه)) (٧). وقال الإمام القرطبي ﵀: ((أحبّ البلاد إلى الله مساجدها)) أي أحب بيوت البلاد، أو بقاعها، وإنما كان ذلك لما خُصَّت به من العبادات، والأذكار، واجتماع المؤمنين، وظهور شعائر الدين، وحضور الملائكة، وإنما كانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله؛ لأنها مخصوصة

стр. 564

بطلب الدنيا، ومطالب العباد، والإعراض عن ذكر الله؛ ولأنها مكان الأيمان الفاجرة، وهي معركة الشيطان، وبها يركز رايته)) (١). ٣ - أفضل المساجد: المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أوَّل؟ قال: ((المسجد الحرام)). قلت: ثم أيُّ؟ قال: ((المسجد الأقصى)). قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلّ، فهو مسجد)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم)). ولفظ ابن خزيمة: (( .. أشد بياضاً من الثلج)) (٣). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)). ولفظ مسلم: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٥). والصواب أن الصلاة في المسجد الحرام تضاعف داخل

стр. 565

الحرم كله (١). وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) (٢). وقد جاء: ((والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، والمسجد الأقصى)). ولفظ البخاري: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي)) (٥). ٤ - مسجد قباء أفضل المساجد بعد المساجد الثلاثة ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبتٍ ماشياً وراكباً)). وكان عبد الله بن عمر يفعله. وفي لفظ لمسلم: ((كان رسول الله
следующие страницы →