← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

والله أضاف المساجد إلى نفسه إضافة تشريف، وفضل، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١). وكقوله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٢).وقوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا﴾ (٣). مع أن جميع البقاع وما فيها ملك لله ، فهو خالق كل شيء ومالكه، ولكن المساجد لها ميزة وشرف؛ لأنها تختص بكثير من العبادات، والطاعات، والقربات، فليست المساجد لأحد سوى الله، كما أن العبادة التي كلف الله بها عباده لا يجوز أن تصرف لأحد سواه (٤). ومن هذه الإضافة ما أضافه النبي ﷺ إلى الله إضافة تشريف بقوله ﷺ : ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده)) (٥). ومما يدل على فضل المساجد، ومكانتها قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا﴾ (٦). فالجهاد شُرع لإعلاء كلمة الله، والمساجد هي أفضل البقاع التي تُرْفَع فيها كلمة التوحيد، وتُؤَدَّى فيها أعظم الفرائض بعد الشهادتين، ولهذا كان الدفاع عنها واجباً على المسلمين، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ قال الإمام ابن جرير ﵀: ((أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره

стр. 562

أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهدم ما ذكر، من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض، وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كفه ببعضهم التظالم: كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفُّه لمن أجاز شهادته بينهم بعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك ... )) (١). وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكفّ شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف)) (٢). وقال الإمام البغوي ﵀: ((ومعنى الآية ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد، وإقامة الحدود، لهدم في شريعة كل نبي مكان صلاتهم، لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى البيع والصوامع، وفي زمن محمد ﷺ المساجد)) (٣). وقيل: الضمير في قوله تعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا﴾ عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات، قال الإمام ابن جرير ﵀: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: لهدّمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً)) (٤). ومن دافع عن المساجد ونصر دين الله نصره الله تعالى، كما قال : ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥). ثم بيَّن الله صفات ناصريه (٦)، فقال: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا

стр. 563

الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (١). ولعظم فضل المساجد جعل الله من أقبح القبائح، وأعظم الظلم المنع من عمارتها، فقال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٢). ولا شك أن الله نسخ جميع الشرائع السابقة كلها بالإسلام، فبعد هذا النسخ يتعين منع عمارة الكنائس، والصوامع، والبيع، وجميع المعابد، ويجب إظهار هذه المساجد ورفعها، والعناية بها، لقوله (٣): ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤) والله المستعان (٥). وفضل المساجد ثبت فيه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أَحَبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) (٦). قال الإمام النووي ﵀: ((أحبّ البلاد إلى الله مساجدها))؛ لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى، ((وأبغض البلاد إلى الله أسواقها))؛ لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه)) (٧). وقال الإمام القرطبي ﵀: ((أحبّ البلاد إلى الله مساجدها)) أي أحب بيوت البلاد، أو بقاعها، وإنما كان ذلك لما خُصَّت به من العبادات، والأذكار، واجتماع المؤمنين، وظهور شعائر الدين، وحضور الملائكة، وإنما كانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله؛ لأنها مخصوصة

стр. 564

بطلب الدنيا، ومطالب العباد، والإعراض عن ذكر الله؛ ولأنها مكان الأيمان الفاجرة، وهي معركة الشيطان، وبها يركز رايته)) (١). ٣ - أفضل المساجد: المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أوَّل؟ قال: ((المسجد الحرام)). قلت: ثم أيُّ؟ قال: ((المسجد الأقصى)). قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلّ، فهو مسجد)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم)). ولفظ ابن خزيمة: (( .. أشد بياضاً من الثلج)) (٣). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)). ولفظ مسلم: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٥). والصواب أن الصلاة في المسجد الحرام تضاعف داخل

стр. 565

الحرم كله (١). وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) (٢). وقد جاء: ((والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، والمسجد الأقصى)). ولفظ البخاري: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي)) (٥). ٤ - مسجد قباء أفضل المساجد بعد المساجد الثلاثة ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبتٍ ماشياً وراكباً)). وكان عبد الله بن عمر يفعله. وفي لفظ لمسلم: ((كان رسول الله

стр. 566

- ﷺ يأتي مسجد قباء، راكباً، وماشياً، فيصلي فيه ركعتين)) (١). وعن سهل بن حنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطهّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة)) (٢). وعن أسيد بن ظُهير الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الصلاة في مسجد قباءٍ كعُمرة)) (٣). وهذا لمن لم يشدَّ الرحال، وإنما زار مسجد قباء من المدينة، أو قدم للمدينة ثم أراد زيارة قباء، أما شدُّ الرحال فلا يجوز إلا للمساجد الثلاثة كما تقدم آنفاً. ٥ - فضل بناء المساجد وعمارتها ، جاء فيه نصوص كثيرة تدل على العناية بها، كقول الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٤). وتكون عمارة المساجد ببنائها، وتنظيفها، وفرشها، وإنارتها، كما تكون عمارتها: بالصلاة فيها، وكثرة التردد عليها لحضور الجماعات، وتعلم وتعليم العلوم النافعة، وأعظم العلم النافع تعلُّم القرآن وتعليمه، وغير ذلك من أنواع الطاعات (٥)، وإخلاص هذه

стр. 567

العبادات كلها لله تعالى، كما قال : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا﴾ (١). وقال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾: أي أمر الله ببنائها، ورفعها، وأمر بعمارتها، وتطهيرها، وقيل: أمر الله بتعاهدها، وتطهيرها من الدنس، واللغو، والأقوال، والأفعال التي لا تليق فيها (٣). وذكر الإمام الطبري ﵀ أن معنى: ﴿أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ أي: أذن الله أن تُبنى، وقال بعضهم: ((أذن الله أن تعظم ... )).ثم رجح القول الأول فقال: ((وأولى القولين عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناءً، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (٤). وذلك أن هذا هو الأغلب في معنى الرفع في البيوت والأبنية)) (٥). وقال العلامة السعدي ﵀: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسات والأذى، وصونها من المجانين والصبيان، الذين لا يتحرزون من النجاسات، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله)) (٦).

стр. 568

وعن عمرو بن ميمون ﵀ قال: ((أدركت أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره)) (١). وقد حثّ النبي ﷺ على بناء المساجد ورغَّب في ذلك، فعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من بنى مسجداً)) قال بكير: حسبت أنه قال: ((يبتغي به وجه الله)) ((بنى الله له مثله في الجنة)). ولفظ مسلم: ((من بنى مسجداً لله)) قال بكير: حسبت أنه قال: ((يبتغي به وجه الله تعالى، بنى الله له بيتاً في الجنة)) (٢). وذكر ابن حجر ﵀ أن قوله ﷺ : ((من بنى مسجداً)) التنكير فيه للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير)) (٣). ووقع في رواية أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من بنى لله مسجداً صغيراً أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة)) (٤). وجاء من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من بنى لله مسجداً ولو قدر مفحص قطاة (٥) بنى الله له بيتاً في الجنة)) (٦). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وحمل أكثر العلماء ذلك على

стр. 569

المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه؛ لتضع فيه بيضها، وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، وقيل: هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدراً يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود وهو ما يسع الجبهة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر، لكن قوله: ((بنى)) يشعر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة ﵂: ((من بنى لله بيتاً)) أخرجه سمويه في فوائده بإسناد حسن ... لكن لا يمنع إرادة الآخر مجازاً إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيراً من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود، وروى البيهقي في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: قلت: وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم، وللطبراني نحوه من حديث أبي قرصافة وإسنادهما حسن)) (١). أما قوله ﷺ : ((من بنى مسجداً لله)) فمعناه: ((أي مخلصاً في بنائه لله تعالى)) (٢). وذكر ابن حجر ﵀ عن ابن الجوزي ﵀ أنه قال: ((من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيداً من لإخلاص)) (٣). ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛ لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة على حسب إخلاصه، لكن الإخلاص الكامل لا يحصل إلا من المتطوع (٤). أما قوله ﷺ في حديث عثمان ﵁: ((بنى الله له مثله في الجنة)) فقال

стр. 570

القرطبي ﵀: ((هذه المثلية ليست على ظاهرها ... وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناءً أشرف وأعظم، وأرفع)) (١). وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى -: ((يحتمل قوله: ((مثله)) أمرين: أحدهما أن يكون معناه: بنى الله تعالى له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها أنها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الثاني: ((أن معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا)) (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ومن الأجوبة المرضية، أيضاً أن المثلية هنا بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة)) (٣).وهذا هو الاحتمال الأول عند النووي. ولا شك أن التفاوت حاصل قطعاً بالنسبة إلى ضيق الدنيا، وسعة الجنة؛ لأن موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها (٤). وجاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته)) (٥). ٦ - تنظيف المساجد، وتطييبها، وصيانتها ؛ لحديث عائشة ﵂

стр. 571

قالت: ((أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور (١) وأن تنظف، وتطيب)) (٢). وعن سمرة ﵁ أنه كتب إلى ابنه: ((أما بعد، فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في دورنا، ونصلح صنعتها، ونطهرها)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أسودَ أو امرأة سوداء كان يقمُّ المسجد (٤) فمات ولم يعلم النبي ﷺ بموته، فذكره ذات يوم، فقال: ((ما فعل ذلك الإنسان))؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: ((أفلا آذنتموني))؟ فقالوا: إنه كان كذا وكذا قصته، قال: فحقروا شأنه، قال: ((دلّوني على قبره)) أو قال: ((على قبرها)) فأتى قبرها فصلى عليها، [ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينوّرها لهم بصلاتي عليهم)) (٥)]. وعن أنس ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه، مه (٦)؟ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزرموه (٧) دعوه)) فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله

стр. 572

- والصلاة، وقراءة القرآن)) أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشنَّه (١) عليه)) (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((البزاق في المسجد خطيئة، وكفَّارتها دفنه)). وفي لفظ لمسلم: ((التفل في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) (٣). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((عُرضت عليّ أعمال أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها، الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة (٤) تكون في المسجد ولا تدفن)) (٥). قال الإمام النووي ﵀: ((هذا ظاهر أن هذا القبح أو الذم لا يختص بصاحب النخاعة بل يدخل فيه هو، وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حكٍّ، ونحوه)) (٦). ٧ - يبتعد المسلم عن الروائح الخبيثة إذا ذهب إلى المسجد ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلْنا، أو ليعتزلْ مسجدَنا، وليقعدْ في بيته)). وفي لفظ لمسلم: ((فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم)) (٧).

стр. 573

وخطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس في آخر حياته، وقال: ((إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأُخرج، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً)) (١). ٨ - فضل المشي إلى المساجد دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة ، ومن هذه الفضائل: أن من تعلق قلبه بالمساجد يكون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، المشي إلى المساجد تُرفع به الدرجات، وتُحطّ الخطايا، وتُكتب الحسنات؛ والذاهب إليها في صلاة حتى يرجع إلى بيته، وإذا أسبغ الوضوء ثم ذهب إليها غفر الله له ذنوبه، وإذا غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة ضيافة كلما غدا أو راح؛ والمشي إلى المساجد لأداء صلاة الجماعة من أسباب سعادة الدنيا والآخرة. وغير ذلك من الفضائل (٢). ٩ - المساجد يجب أن تقام الجماعة فيها، ولا يجوز للرجال فعلها إلا في المسجد ، والأدلة على ذلك هي البراهين الدالة على وجوب صلاة الجماعة، وأنها فرض عين (٣) ولكن إذا لم يتيسر مسجد أو كان المسجد بعيداً لا يُسمع الأذان منه أو كان الجماعة في سفر، فإن الجماعة تجب على من يستطيع أن يجدها، وعليهم أن يصلوا في مكان طاهر؛ لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أُعطيت خمساً لم يُعطهنّ أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلت لي الغنائم ولم تُحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى

стр. 574

الناس عامة)) (١). قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ((من تأمل السنة حق التّأمُّل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان، إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار ... فالذي ندينُ الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب)) (٢). ١٠ - تحريم اتخاذ القبور مساجد ، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٣)؛ ولحديث عائشة وابن عباس ﵃ قالا: ((لَمّا نزل (٤) برسول الله ﷺ طفق (٥) يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها (٦) كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا)) (٧). وعن جُندب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت مُتخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم

стр. 575

مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)) (١). وعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فَذَكرتا للنبي ﷺ فقال: ((إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) (٢). ١١ - دخول الكافر المسجد عند الحاجة بدون ضرر أو أذى ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلاً قِبَلَ نجدٍ فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: ((أطلقوه)) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (٣).وهذا يدل على جواز دخول المشرك المسجد إذا كان له فيه حاجة، أما المسجد الحرام فلا (٤).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا فيه شاهد على جواز ربط الكافر في المسجد، ويدل على جواز دخول الكافر المدينة المنورة، فليست كمكة عند الحاجة، وفيه دليل على جواز دخول الكافر المسجد للحاجة، فإذا جاز دخوله مسجد المدينة فالمساجد الأخرى من باب أولى ما عدا مكة)) (٥).

стр. 576

١٢ - جواز إنشاد الشعر الحكيم النافع في المسجد ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن عمر ﵁ مرّ بحسان ﵁ وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه (١) فقال: قد كنت أنشدُ وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله يقول: ((أجب عني اللهم أيّده بروح القدس)) (٢) قال: اللهم نعم (٣). وفي هذا الحديث دلالة على جواز إنشاد الأشعار التي تدعو إلى الخير في المسجد؛ لما في ذلك من الأثر العظيم في النفوس، وتشجيع أهل الحق، أما ما جاء من أحاديث النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، فالنهي محمول على تناشد أشعار الجاهلية، وأهل البطالة، فالمأذون فيه ما سلم من ذلك، وقيل: المأذون فيه: مشروط بأن لا يكون ذلك مما يشغل مَن في المسجد (٤). ١٣ - تحريم السؤال عن الضالة في المسجد ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع رجلاً ينشد ضالة (٥) في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبنَ لهذا)) (٦). وعن بريدة ﵁ أن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا (٧) إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي ﷺ : ((لا وجدتَ إنما بُنيت المساجد لِمَا بُنيت له)) (٨).

стр. 577

دلّ هذان الحديثان على النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه: من البيع والشراء، والإجارة، ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد، والدعاء عليه: عقوبة له على مخالفته وعصيانه، وينبغي لسامعه أن يقول: لا وجدت فإن المساجد لم تبن لهذا، أو يقول: لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له (١). والضالة: الضائعة، ونشدها طلبها والسؤال عنها (٢). ١٤ - تحريم البيع والشراء في المساجد ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع (٣) في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردّ الله عليك)) (٤). والحديث يدل على تحريم البيع والشراء في المسجد، وأنه ينبغي لمن رأى ذلك أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، جهراً للفاعل (٥) هذا فيه تعزير بالدعاء، والعلة في قوله فيما سلف: ((فإن المساجد لم تبن لذلك)). ١٥ - لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها ؛ لحديث حكيم بن حزام ﵁ أنه قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود)) (٦).

стр. 578

والحديث يدلّ على تحريم إقامة الحدود في المساجد، وعلى تحريم الاستقادة فيها (١)، أما الأشعار التي لا تجوز في المساجد فهي أشعار الجاهلية، وأهل المعاصي، بخلاف الأشعار التي تدعو إلى الفضيلة فلا بأس بها. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((الحديث وإن كان ضعيفاً لكن معناه تشهد له الأدلة الأخرى؛ فإن إقامة الحدود في المساجد قد تلوثها عند الضرب أو القطع، فيحصل تلويث المسجد بالبول أو غيره)) (٢). ١٦ - النوم والأكل والسكن وبقاء المريض في المسجد ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((أصيب سعد يوم الخندق فضرب عليه رسول الله ﷺ (٣) خيمة في المسجد ليعوده من قريب)) (٤). وهذا يدل على جواز النوم في المسجد، وبقاء المريض فيه، ونصب الخيمة (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((لا بأس من اتخاذ خيمة، أو خيام في المسجد، سواء كانت للاعتكاف، أو لرجل له شأن، ليزار، أو للسكن لمن لم يكن له سكن)) (٦). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي ﷺ (٧).وعن عائشة ﵂ أن وليدة سوداء كان لها خباء

стр. 579

في المسجد، فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلساً إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا (١) ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني (٢) وفي هذا دليل على إباحة المبيت، والمقيل في المسجد، لمن ليس له مسكن من المسلمين، رجلاً كان أو امرأة عند أمن الفتنة (٣). وكان أصحاب الصفة يسكنون في المسجد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداءٌ، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته)) (٤). وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁ قال: ((كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم)) (٥). ١٧ - اللعب المباح في المسجد: ما أذن فيه النبي ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: ((لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم)). وفي لفظ: ((كان الحبشة يلعبون بحرابهم فيسترني رسول الله ﷺ وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو)) (٦). وعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما الحبشة

стр. 580

يلعبون عند النبي ﷺ [وفي رواية: في المسجد] دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال: ((دعهم يا عمر)) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((واللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو)) (٢). وقال ﵀: ((واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه)) (٣). وأما نظر عائشة ﵂ إلى الحبشة، وهم يلعبون وهي أجنبية ففيه دلالة على جواز نظر المرأة إلى جملة الناس من دون تفصيل لأفرادهم، كما تنظرهم إذا خرجت للصلاة في المسجد، وعند الملاقاة في الطرقات (٤). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((هذا الحديث يدل على أن نظر النساء في الجملة لا حرج فيه، كما ينظرن الرجال في الأسفار والمساجد، فالنظر العام للماشين والمصلين، واللاعبين لا يضر؛ لأنه في الغالب لا يكون مع الشهوة ... )) (٥). ١٨ - تشييد المساجد، وزخرفتها، والاقتصاد في بنائها ، جاء في النهي عن تشييد المساجد وزخرفتها آثار وأحاديث، وجاء في الأمر بالاقتصاد في بنائها أحاديث أخر، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس (٦) في المساجد)). ولفظ النسائي: ((من أشراط

стр. 581

الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أمرت بتشييد (٢) المساجد)) (٣). قال ابن عباس ﵄: ((لتزخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى (٤))) (٥). وقال أبو سعيد الخدري ﵁: ((كان سقف المسجد من جريد النخل)) (٦)، وأمر عمر ﵁ ببناء المسجد، وقال: ((أكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمّر، أو تُصفّر، فتفتن الناس)) (٧). وكأنَّ عمر ﵁ فهم ذلك من رد النبي ﷺ الخميصة إلى أبي جهم من أجل الأعلام التي فيها، وقال: ((إنها ألهتني عن صلاتي)) (٨). قال ابن حجر ﵀: ((ويحتمل أن يكون عند عمر من ذلك علم)) (٩). وقال أنس بن مالك ﵁: ((يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً)) (١٠).

стр. 582

وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((زخرفة المساجد وعدم الصلاة فيها من المصائب)) (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن المسجد كان على عهد رسول الله مبنيّاً باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر وبناه على بنياه في عهد رسول الله ﷺ : باللَّبِن والجريد، وأعاد عمده خشباً، ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجار المنقوشة والقصة (٢)، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج (٣))) (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((فعل عثمان ﵁ يدل على تحسين المسجد بالحجارة المنقوشة، والأخشاب الطيبة، والقصة يعني صبغ الجدار لا بأس بذلك، وإن كان حياة السلف أولى وأفضل، لكن إذا حسَّن الناس مساكنهم، ونفروا من البنايات القديمة، وصار ترك المسجد على حالته القديمة قد ينفرهم من الصلاة والاجتماع في المساجد، فلا بأس أن يفعل مثل ما فعل عثمان ﵁ للترغيب في المساجد، أما للمفاخرة فلا، ويكره أن يكتب في المسجد فالأولى أن يكون سادة)) (٥). ١٩ - الكلام في المسجد لا بأس به إذا كان مباحاً ؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ وفيه أن النبي ﷺ : ((كان لا يقوم من مصلاّه الذي صلى فيه الصبح

стр. 583

أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسّم)) (١). ولفظ أحمد: ((شهدت النبي ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم)) (٢). قال النووي ﵀: ((فيه جواز الضحك والتبسّم)) (٣).وقال القرطبي ﵀: ((يمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام فيه جائز غير ممنوع، إذ لم يرد في ذلك منع، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضل وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم)) (٤).قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله ﷺ في المسجد فحسن، وأما المحرَّم فهو في المسجد أشد تحريماً، وكذلك المكروه، ويكره فيه فضول المباح)) (٥). ٢٠ - رفع الأصوات في المساجد ممنوع ؛ لأنه يشوّش على المصلين، ولو بقراءة القرآن؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقرآن، فكشف الستر وقال: ((ألا إن كلكم مناج ربَّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة)) أو قال: ((في الصلاة)) (٦).

стр. 584

وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: ((كنت قائماً في المسجد فحصبني (١) رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ )) (٢). وعن كعب بن مالك ﵁ أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجفَ حجرته (٣) فنادى: ((يا كعب))، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ((ضع من دينك هذا)) وأومأ إليه: أي الشطر، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : ((قم فاقضه)) (٤)،قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي الحديث جواز رفع الصوت في المسجد، وهو كذلك ما لم يفحش ... والمنقول عن مالك منعه في المسجد مطلقاً، وعنه التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير، وما لا بد منه فيجوز، وبين رفعه باللغط ونحوه فلا)) (٥). ونقل الحافظ ابن حجر ﵀ عن المهلب قوله: ((لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لما تركهما النبي ﷺ ، ولبيَّن لهما ذلك)) قال ابن حجر: ((قلت: ولمن منع أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصل بالطريق المؤدية إلى ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة، الموجبة لرفع الصوت)) (٦)،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا فيه جواز طلب قضاء الدين في المسجد، كأن يقول: أعطني ديني، وهذا ليس كالبيع، [أو] يقول: اقضني

стр. 585

ديني جزاك الله خيراً)) (١)، وسمعته يقول عن كلام النبي ﷺ لكعب وابن أبي حدرد: ((هذا من باب الإصلاح، والصواب أنهما إذا اتفقا على تعجيل الدين والوضع منه فلا بأس ... )) (٢). ٢١ - الصلاة بين السواري في المسجد ، لا بأس بها للمنفرد، والإمام، أما المأمومون فتكره صلاتهم بينها عند السعة؛ لأن السواري تقطع الصفوف، ولا تكره عند ضيق المسجد، وقد جاء في ذلك حديث أنس بن مالك ﵁، فعن عبد الحميد بن محمود قال: كنت مع أنس بن مالك أصلي، قال: فألقونا بين السواري، قال: فتأخر أنس، فلما صلينا قال: إنَّا كُنَّا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ )) (٣). وعن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ قال: ((كنا نُنْهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها طرداً)) (٤). أما جواز ذلك للإمام والمنفرد؛ فلحديث ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين)) (٥). ٢٢ - التّحلُّق في المسجد قبل صلاة الجمعة ، جاء فيه حديث عبد الله بن عمرو ﵄: ((أن النبي ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد)). ولفظ الترمذي: ((نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلَّق الناس فيه يوم

стр. 586

الجمعة قبل الصلاة)) (١). والتحلق، والحِلَق: جمع حَلْقة: الجماعة من الناس، فنهاهم أن يجلسوا متحلقين حلقة واحدة أو أكثر، حتى ولو كان ذلك لمذاكرة العلم؛ لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراصّ في الصفوف: الأول، فالأول، والتحلق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذي ندبوا إليه، فإذا فرغ من صلاة الجمعة فلا حرج ولا كراهة (٢). وقد كان شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يعمل بهذا الحديث فيوقف الحلقات يوم الجمعة ابتداء من صلاة الفجر إلى الفراغ من صلاة الجمعة، ثم يكون هناك حلقة بعد صلاة الجمعة في بيته. ٢٣ - الانتقال عند النعاس في المسجد إلى مكان آخر ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره)) (٣). ولفظ الترمذي: ((إذا نعس أحدكم يوم الجمعة، فليتحول عن مجلسه ذلك)). ولفظ أحمد: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره)).

стр. 587

وفي لفظ لأحمد: ((إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره)). وفي لفظ: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول منه إلى غيره)). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وظاهر الأوامر الوجوب)) (١). والحكمة من الانتقال أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه: انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه، وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي ﷺ في قصة نومهم عن صلاة الصبح بالانتقال من المكان الذي ناموا فيه، وأيضاً من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس في المسجد عن الذكر، أو سماع الخطبة، أو ما فيه منفعة (٢). وقوله: ((إذا نعس أحدكم يوم الجمعة)) لم يرد بذلك جميع اليوم بل المراد به إذا كان في المسجد ينتظر صلاة الجمعة، وسواء فيه حال الخطبة أو قبلها، لكن حال الخطبة أكثر. وقوله: ((يوم الجمعة)) يحتمل أنه خرج مخرج الأغلب؛ لطول مكث الناس في المسجد؛ للتبكير إلى صلاة الجمعة؛ ولسماع الخطبة، وأن المراد انتظار الصلاة في المسجد في الجمعة وغيرها، كما في لفظ أبي داود في الباب: ((إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره))، فيكون ذكر يوم الجمعة من التنصيص على بعض أفراد العام، ويحتمل أن المراد يوم

стр. 588

الجمعة فقط؛ للاعتناء بسماع الخطبة)) (١). ٢٤ - الصلاة في الكنيسة وإزالتها واتخاذ مكانها مسجد ؛ لحديث طلق بن علي ﵁ قال: خرجنا وفداً إلى النبي ﷺ فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة (٢) لنا فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا فتوضأ، وتمضمض، ثم صبه في إداوةٍ (٣)، وأمرنا فقال: ((اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجداً)) قلنا: إن البلد بعيدٌ والحر شديد، والماء ينشف، فقال: ((مدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيباً))، فخرجنا حتى قدمنا فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجداً فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيئ، فلما سمع الأذان قال: دعوة حقٍّ، ثم استقبل تلعةً (٤) من تلاعنا فلم نره بعد)) (٥). وقال عمر لبعض عظماء النصارى: ((إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور)) (٦). ((وكان ابن عباس ﵄ يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تمثال)) (٧).

стр. 589

وهذا الحديث يدل على جواز تحويل أماكن الكنائس إلى مساجد، وتدل الآثار على جواز الصلاة في الكنائس ولا يُصلَّى إلى الصور، ولا في مكان نجس (١). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((لا بأس بالصلاة في الكنيسة، ولا يصلي إلى الصور، هذا إذا لم يجد مكاناً يصلي فيه غيرها)) (٢). ٢٥ - الأمر بإمساك نصال السلاح في المساجد والأسواق ؛ لحديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا مرّ أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا ومعه نبل (٣) فليمسك على نصالها)) (٤)، أو قال: ((فليقبض بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها شيء)). وفي رواية: ((من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفّه مسلماً)) (٥). وعن جابر ﵁: أن رجلاً مرّ في المسجد بأسهم قد بدا نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها لا يخدش مسلماً. وفي لفظ مسلم: فقال له رسول الله ﷺ : ((أمسك بنصالها)). وفي لفظ آخر لمسلم: ((أن رجلاً مرَّ بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلماً)) (٦).

стр. 590

قال الإمام النووي ﵀: ((في هذا الأدب وهو الإمساك بنصالها عند المرور بين الناس في مسجد أو سوق أو غيرهما)) (١). وهذا فيه اجتناب كل ما يخاف منه والتحذير مما يؤذي المسلمين (٢). وعن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((هذا النهي إذا لم تكن حاجة فإن كانت حاجة جاز، وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير، قال القاضي عياض: وهذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة ... )) (٤). وقد جاء التشديد في النهي عن الإشارة بالسلاح حتى لو كان من باب المزاح، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من حفر النار)) (٥). ولفظ مسلم: ((لا يشير أحدكم (٦) إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع (٧) في يده فيقع في

стр. 591

حفرة من النار)) (١)؛ولعظم الأمر قال النبي ﷺ : ((من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) (٢). وأعظم من ذلك حمل السلاح على المسلمين؛ لقتالهم، فعن عبد الله بن عمر، وأبي موسى ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) (٣). وهذا يدلّ على الوعيد لمن سلّ السيف على المسلمين، وحمل السلاح عليهم لقتالهم به بغير حق، لِمَا في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم (٤). وقد حرص النبي ﷺ على سلامة المؤمنين من كل ما يؤذيهم سدّاً لأبواب الشرور، ومن ذلك نهيه عن تناول السيف مسلولاً، فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يُتعاطى السيف مسلولاً (٥). ٢٦ - صلاة النساء في المساجد جاءت في الأحاديث الصحيحة ، وصلاتهن في البيوت أفضل، فإذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة: من طيب، أو تبرج وسفور، أو إظهار حليٍّ أو زينة وجب على الرجال الإذن لهن وعدم منعهن، أما مع وجود هذه المنكرات فلا يجب ولا يجوز، ويحرم عليهن الخروج، ومن الأحاديث في ذلك ما يأتي: الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)).وفي لفظ لمسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) (٦). ولفظ أبي داود: ((لا تمنعوا نساءكم مساجد الله وبيوتهن خيرٌ

стр. 592

لهن)) (١). الحديث الثاني: عن زينب الثقفية عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ العشاء فلا تطيَّب تلك الليلة))، وفي لفظ: ((إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسّ طيباً)) (٢). الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) (٣). الحديث الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تَفِلات (٤))) (٥). الحديث الخامس: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((صلاة المرأة في بيتها (٦) أفضل من صلاتها في حجرتها (٧)، وصلاتها في مَخْدعها (٨) أفضل من صلاتها في بيتها)) (٩). فدل الحديث على أن ثواب صلاة المرأة في مسكنها الذي تسكن فيه، وتأوي إليه أكثر من ثواب صلاتها في حجرتها: أي صحن دارها التي تكون

стр. 593

أبواب البيت إليها، وهي أدنى حالاً من البيت في الستر، وصلاة المرأة في الغرفة الصغيرة داخل بيتها الكبير أفضل من صلاتها في بيتها؛ لأن مبنى أمرها على التستر، فكلما كان المكان أستر كانت صلاتها فيه أفضل (١). الحديث السادس: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو تركنا هذا الباب للنساء)) قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (٢). والمعنى: لو تركنا هذا الباب للنساء لكان حسناً؛ لئلا يختلط الرجال بالنساء في الدخول والخروج إذا حضرن المسجد لصلاة الجماعة فتحصل الفتنة، فينبغي أن يجعل في المساجد بعض الأبواب المخصوصة للنساء يدخلن ويخرجن منه، وهذا إن أمنت الفتنة وإلا فيمنعن (٣). قال الإمام النووي ﵀: (( ... أحاديث ظاهرة في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء، مأخوذة من الأحاديث، وهو أن لا تكون: متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلال يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة، ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة، ونحوها ... )) (٤). ٢٧ - الاحتباء في المسجد قبل صلاة الجمعة والإمام يخطب ، جاء فيه حديث معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن الحُبْوَةِ (٥) يوم الجمعة والإمام يخطب)) (٦).

стр. 594

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة، يعني والإمام يخطب)) (١). قال الترمذي ﵀: ((وقد كَرِه قومٌ من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخَّص في ذلك بعضهم، ومنهم: عبد الله بن عمر، وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق: لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأساً)) (٢). وقال الإمام الشوكاني: ((وقد اختلف العلماء في كراهية الاحتباء يوم الجمعة، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم، واستدلوا بحديث الباب وما ذكرناه في معناه وهي تقوّي بعضها بعضاً. وذهب أكثر أهل العلم كما قال العراقي إلى عدم الكراهة ... وأجابوا عن أحاديث الباب أنها كلها ضعيفة ... )) (٣). وقال المباركفوري: ((أحاديث الباب وإن كانت ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضاً، ولا شك في أن الحبوة جالبة للنوم، فالأولى أن يحترز عنها يوم الجمعة في حال الخطبة، هذا ما عندي والله تعالى أعلم)) (٤). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول تعليقاً على كلام المباركفوري: ((هذا هو الأقرب فتركها أحسن)) (٥). وسمعته ﵀ يقول عن حديث معاذ بن أنس ﵁: ((أحسن ما جاء في الاحتباء هذا الحديث، وفيه مقال، وله شواهد ضعيفة، فالأولى بالمؤمن أن لا يحتبي،

стр. 595

أما احتباء بعض الصحابة؛ فلأنه لم يبلغهم هذا الحديث)) (١). ٢٨ - المنبر: مرقاة الخطيب سمي منبراً ؛ لارتفاعه وعلوه (٢)، وقد ثبت أن النبي ﷺ اتخذ منبراً في مسجده، فعن أبي حازم قال: سألوا سهل بن سعد ﵁ من أي شيء المنبر؟ فقال: ((ما بقي بالناس أعلم مني: هو من أثل الغابة عمله فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ )). وفي لفظ: ((بعث رسول الله ﷺ إلى امرأة أن مُري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن)). وفي لفظ: ((والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار: ((مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهنّ إذا كلمتُ الناس)) فأمرته فعملها من طرفاءِ الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت هاهنا ... )) (٣). وعن جابر ﵁ أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً، قال: ((إن شئت)). وفي لفظ: ((كان جذع يقوم عليه النبي ﷺ فلما وُضِع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه)). وفي لفظ: ((فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئنّ أنين الصبي الذي يسكَّت حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر)) (٤).

стр. 596

وفي لفظ: ((كان المسجد مسقوفاً على جذوع من النخل، فكان النبي ﷺ يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه ... )) الحديث. وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لَمّا بدَّن (١) قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: ((بلى)) فاتخذ له منبراً مرقاتين)) (٢). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: ((انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها)) فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع (٣). وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ((وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة)) (٤). وعن سهل ﵁: ((أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة)) (٥). ٢٩ - الإخلاص عند إتيان المسجد، ليفوز بالثواب العظيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى المسجد لشيء فهو حظه)) (٦). وهذا يدلّ على أن من أتى المسجد لقصد حصول شيء أخروي أو دنيوي فذلك الشيء حظه ونصيبه؛ لأن لكل امرئ ما نوى، وفيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد، لئلا يكون مختلطاً بغرض دنيوي: كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب، بل ينوي

стр. 597

الاعتكاف، والعزلة والانفراد، والعبادة، وزيارة بيت الله، واستفادة علم وإفادته، ونحوها (١). ٣٠ - يحذر من هجر المسجد الذي يليه إلا لعذر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليصلّ أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد)) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يُرْمَى ببدعة، أو يُعلن بفجورٍ، فلا بأس بتخطيه إلى غيره)) (٣). وهجر المسجد القريب إذا كثر من أهل الحي يؤدي أيضاً إلى خلوّه عن الجماعة، ويؤدي إلى إساءة الظن بالإمام، أما إذا وُجد غرضٌ صحيح: كأن يحضر محاضرة، أو درساً، أو يكون المسجد الأبعد يبكر بالصلاة والمأموم محتاج إلى ذلك فلا بأس (٤). أو يكون الإنسان في المدينة أو مكة، فإن الأفضل أن يصلي في المسجد الحرام في مكة، وفي المسجد النبوي في المدينة؛ لأنه امتاز المسجد الأبعد بخاصية فيه (٥). ٣١ - يحذر من تخطي رقاب الناس ؛ لحديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : ((اجلس فقد آذيت)) (٦).

стр. 598

وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجعل يتخطى الناس فقال رسول الله ﷺ : ((اجلس فقد آذيت وآنيت (١))) (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ليس لأحد أن يتخطَّى رقاب الناس؛ ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم، والتعدي لحدود الله)) (٣). ٣٢ - لا يُفرّق بين اثنين ؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهّر ما استطاع من الطّهر، ويدهن من دهنه، أو يمسّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرّق بين اثنين، ثم يصلّي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلّم الإمام إلا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (٤). ٣٣ - لا يمر بين يدي المصلي وسترته ؛ لحديث أبي جهيم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمرَّ بين يديه))، قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة (٥). ٣٤ - لا يتخذ مكاناً خاصاً لا يصلي إلا فيه ؛ لحديث عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن

стр. 599

يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (١). ٣٥ - لا يقيم أحداً من مكانه ليجلس فيه ؛ لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يقيمنَّ أحدُكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا)) (٢). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((لا يقيمنّ أحدُكم الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا)) قال نافع: الجمعة؟ قال الجمعة وغيرها (٣)، وهذا عام في جميع المجالس. ٣٦ - يُنْصتُ للخطبة يوم الجمعة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) (٤). ٣٧ - لا يشغل الوقت بين الأذان والإقامة بالكلام مع الناس ، فيضيع هذا الوقت العظيم بالقيل والقال وكثرة السؤال في أمور الدنيا، والإعراض عن قراءة القرآن والذكر، فقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه: ((سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقاً حلقاً، إمامهم الدنيا، فلا تُجالسوهم؛ فإنه ليس لله فيهم حاجة)) (٥). ٣٨ - لا يحجز مكاناً بسجادة ونحوها ، لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، والمأمور به أن يسبق بنفسه إلى المسجد، فإذا قدَّم المفروش وتأخر هو فقد خالف

стр. 600

الشريعة من جهتين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلّوا فيه، وأن يتمّوا الصف الأول، ثم إنه يتخطّى الناس إذا حضروا (١).وأفتى بعدم جواز ذلك العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، وبيَّن أنه لا يحلّ؛ لأنه مخالف للشرع، ومخالف لما كان عليه الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان (٢). ٣٩ - لا يجلس الجنب والحائض في المسجد ، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). والمعنى: لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوه جنباً إلا عابري سبيل: يعني إلا مجتازين فيه الخروج منه، فقد أقيمت الصلاة هنا مقام المصلى والمسجد إذا كانت صلاة المسلمين في مساجدهم، ورجح هذا التفسير الإمام ابن جرير ﵀ (٤).وقال الحافظ ابن كثير ﵀: ((ومن هذه الآية احتجّ كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضاً في معناه)) (٥)، ولكن على الحائض والنفساء أن تتحفظ حتى لا تلوث المسجد، وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((ناوليني الخمرة (٦) من المسجد))، فقالت: إني حائض، فقال: ((إن حيضتك ليست في يدك)) (٧). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد قال: ((يا عائشة ناوليني الثوب))، فقالت:
следующие страницы →